اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حضور النساء في السياسة سيفٌ ذو حدّين؛ إن كان استعراضيًا أدّى إلى نكوص، وإن حمَلَ «نظرةً ومقاربةً نسوية» دفع الاستبداد إلى الوراء وعزّز الديمقراطية. والانتقال يتطلّب إرادةً جادّة واقتداءً واقعيًا.

لطالما كانت كراهية النساء أهم ركيزة للاستبداد والمقاربات العنيفة والآمرة، ومن هنا فإن حضور النساء، إذا ما اقترن بمقاربة نسوية، يمكنه أن يدفع الاستبداد والتسلط إلى الوراء ويعزز بنى الديمقراطية.
يتحدث «بيير بورديو» في تحليله للدولة عن «يدَي الدولة»؛ يد آمرة، عنيفة، قمعية، يسميها «اليد الذكورية» ويطلق عليها تاريخياً «اليد اليمنى»؛ هذه المقاربة «نخبوية» بشدة: تسعى دوماً إلى التصنيف، وإقامة المراتب، وتحديد الأفضل والأسوأ، ورفع الأفراد وخفضهم. في هذه المقاربة، الأقليات محكوم عليها.
في مقابل يد الدولة الآمرة، يتحدث بورديو أيضاً عن «يد محبة، أمومية، داعمة» يسميها في التعبير الجندري «اليد الأنثوية» وفي التعبير السياسي-التاريخي «اليد اليسرى».
الدول أو المدن التي تتبع اليوم في العالم مقاربة «أنثوية» و«يسارية»، لا تديرها النساء بالضرورة، ولا من ينتمون إلى أحزاب يسارية. «ممارسة السياسة الأنثوية» ليست نظرة عنيفة، وليست نظرة تراتبية وتصنيفية، ولا يُسعى فيها إلى تشجيع «الداروينية الاجتماعية»؛ بل هي نظرة داعمة.
إذا استطعنا أن نعزز «النظرة والمقاربة الأنثوية» في بنانا الحكومية والمدنية، نكون بلا شك قد خطونا خطوة قيّمة نحو دمقرطة مجتمعنا.
إن الانتقال من ساحة اجتماعية-سياسية وثقافية هيمنت عليها لعدة مئات من السنين أنظمة شديدة التسلط، أبوية وكارهة للنساء، إلى الديمقراطية والفكر الحر والمدني ونظام تتوفر فيه قدرات مناسبة نسبياً للحرية، والمساواة الاجتماعية، والتضامن، والإيثار، والمدنية، واحترام حقوق بعضنا البعض، واحترام حقوق الأفراد الأضعف والأقليات، هو عملية طويلة الأمد تحتاج، إضافة إلى الذكاء وامتلاك الاستراتيجية والظروف السياسية وإرادة الشعب، إلى تمرين وممارسات مستمرة. يحتاج هذا الانتقال أيضاً إلى تشخيص صحيح لوضعنا بالنسبة إلى الساحات الأخرى القابلة للمقارنة، وتقييم عقلاني لقدراتنا ونواقصنا، وتحديد أهداف منطقية بعيدة عن المبالغة. بالنسبة لنا ولأي نظام يريد القيام بخطوة في هذا المجال، تبدأ المشكلة عندما نقلل من شأن أنفسنا ونشك في قدراتنا، أو على العكس، نتصور أنفسنا، لأسباب ذاتية وبعيدة عن العقل، ذات قدرة خيالية ونرغب في أن نكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، عن وعي أو دون وعي.
إذا تجاوزنا العمليات والآليات القديمة وما قبل الصناعية التي كانت تربط النساء بالسياسة، والتي لطالما منحتهن القدرة على اتباع استراتيجيات معينة لحماية أنفسهن (وأطفالهن) في المجتمعات الكارهة للنساء والمتسلطة، لكي نتمكن في هذه المذكرة القصيرة من مناقشة «المشاركة النسائية الحديثة في المجال السياسي» وبشكل خاص في المجال «الحضري»، ينبغي أن نقول: إن وضعنا لا يقارن بلا شك بالدول المتقدمة حيث يعود دخول النساء إلى الساحة السياسية والحضرية فيها إلى القرن التاسع عشر (أول عمدة امرأة في أمريكا، ولاية كانساس 1887)، واليوم لا تتصدر النساء فقط بعض المدن الكبرى (باريس، هيوستن)، بل يتولين أيضاً منصب المدير العام في دول قوية مثل بريطانيا وألمانيا ومنظمات دولية كبيرة مثل صندوق النقد الدولي. ولكن حتى بالمقارنة مع دول العالم الثالث، فلسنا بالضرورة في أفضل وضع؛ فعلى سبيل المثال، في المغرب، كانت فاطمة الزهراء المنصوري عمدة لمدينة مراكش التي تعد بالملايين لمدة 6 سنوات (2009 إلى 2015)، أو النسبة العالية التي تتراوح بين ثلاثين إلى أربعين بالمائة للنساء في المجالس التشريعية لدول مثل بوليفيا وكوبا والسنغال ورواندا وجنوب أفريقيا وغيرها.
لذلك، يجب أن نكف عن تخيلاتنا بشأن «الماضي الذهبي» (سواء في العهد البهلوي أو ما قبله) وأن نعتبر الوصول إلى وضع أفضل في المستقبل مشروطاً تماماً بإرادة قوية، وخلق رفاه عام، وحريات أوسع، وتعليم وتربية، وشروط عامة وقانونية أفضل للنساء والأقليات، وفضاء مفتوح لتبادل الأفكار، ورفع مستوى التسامح تجاه أنماط حياة بعضنا البعض، وزيادة المشاركات المدنية، وفهم العالم الحديث.
لا يرتبط أي من هذه الأمور بـ«التغرب»، ولا يمكن العثور على أفضل نماذجها لا في أمريكا ولا في الدول الرئيسية لأوروبا الغربية. بل ينبغي لنا اليوم أن نبحث عن هذه النماذج في شمال أوروبا وبعض الدول الآسيوية والأفريقية؛ دول لديها، رغم الفقر الشديد ونقص الإمكانيات المالية وحتى وجود تقاليد أبوية صارمة جداً من الماضي في بعض الأحيان، رغبة وإرادة كبيرتان لتغيير الوضع ورفع مستوى المدنية لدى شعوبها. إن الاستفادة من تجربة هذه الدول، لا سيما الدول الإسلامية التي انتهجت سياسات استقلالية سياسياً واقتصادياً وقائمة على الهوية في آن واحد (مثل ماليزيا)، والدول الآسيوية الأخرى التي استطاعت، رغم المشاكل الكثيرة جداً والكثافة السكانية العالية ونقص الموارد، أن تحقق تقدماً مذهلاً (مثل الهند)، يمكن أن تساعدنا في رسم خريطة طريق لأنفسنا تكون واقعية ومنسجمة مع أهدافنا الثقافية والاجتماعية والسياسية.
إن تمكن مجموعة من النساء الإيرانيات اليوم، بشكل محدود، من دخول جزء من هيكل الدولة (ولو ليس في أعلى المراتب) وأجزاء من هيكل البلديات، وكون هذا الأمر كان أكثر بروزاً في بعض الأحيان في أجزاء من البلاد تُعتبر محافظات محرومة (مثل بلوشستان)، هو بحد ذاته أمر واعد جداً. كما أن المشاركة في الانتخابات، التي وصلنا فيها إلى مساواة نسبية بين الجنسين، تبدو أمراً إيجابياً.
إن الحضور النسائي في هيكل الدولة والسياسة في إيران، كما في سائر أنحاء العالم، يمكن أن يكون سيفاً ذا حدين ينبغي إدراك ذلك: قد يكون لهذا الحضور جانب «استعراضي» ويتم فقط بهدف إظهار أن «النساء حاضرات أيضاً»، وفي هذه الحال، لن يحقق لنا أي تقدم، بل سنشهد نوعاً من التراجع والانحراف الاجتماعي سيتحول إلى مشكلة لنا في الخطوات التالية. على العكس، يمكن لهذا الحضور أن يخلق نوعاً آخر من ممارسة السياسة، ونوعاً آخر من النظرة إلى المسائل والمشاكل والحلول، يمكن تسميته «النظرة والمقاربة النسائية»، وفي هذه الحال نكون قد خطونا خطوة بالغة الأهمية في المجتمع. لننسَ أن كراهية النساء كانت دوماً أهم ركيزة للاستبداد والمقاربات العنيفة والمتسلطة، ولذلك فإن حضور النساء، إذا ما اقترن بمقاربة نسائية، يمكنه أن يصد الاستبداد والتسلط ويعزز هياكل الديمقراطية. أما النقاش حول استخدام «أساليب التمييز الإيجابي» (تحديد الحصص) فهو بالطبع ضرورة مطلقة.
ما المقصود بـ«المقاربة الأنثوية»؟ وما الأساس أو النظرية التي يمكن العثور عليها لتجعلها مقبولة ومعتبرة من حيث المنطق الاجتماعي، وألا تكون مجرد ناتج عن مجموعة من معتقداتنا وتخيلاتنا إزاء الماضي والمستقبل، وعن نرجسياتنا وأسطرتنا.
لقد نوقشت هذه المقاربة على نحو واسع من قبل عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو»: ففي تحليله للدولة (سواء الدولة بمعنى النظام المركزي أو الدولة في قالب الدولة المحلية أو البلدية) يتحدث بورديو عن «يدَي الدولة»؛ يد آمرة، عنيفة، قمعية، يسميها «اليد المذكرة» ويطلق عليها تاريخياً أيضاً «اليد اليمنى»؛ لأنها تتطابق أكثر مع تاريخ أيديولوجيا اليمين في بنى الدولة الحديثة. هذه اليد أو هذه المقاربة، تُعرّف الدولة قبل كل شيء وفي المقام الأول بكل القيود والإكراهات التي تخلقها، وبكل العقوبات والتشددات التي تمارسها.
لذا فإن أفضل رمز لها يمكن رؤيته في اعتبار كل شيء «جريمة» والميل إلى حل المشكلات عبر شتى أنواع العقوبات. وهو ما نسميه في السياسة الدولية «المقاربة العسكرتارية». هذه المقاربة هي في الوقت نفسه مقاربة «نخبوية» بشدة: تسعى دوماً إلى التصنيف، والتراتب، وتحديد الأفضل والأسوأ، ورفع الأفراد وخفضهم... إلخ، وبالتالي فإن لديها ميلاً «طبيعياً» إلى تطبيق سياسات الداروينية الاجتماعية، أي تقسيم المجتمع إلى «رابحين» و«خاسرين»، وإذكاء روح المنافسة وتشجيعها، والنظر إلى المجتمع بوصفه سوقاً (غابة) يبقى فيها الأقوياء ويفنى فيها الضعفاء. في هذه المقاربة، الأقليات محكوم عليها، لأنها أقليات، والأفراد الضعفاء محكوم عليهم، لأنهم ضعفاء... إلخ.
لكن في مقابل هذه اليد الآمرة، يتحدث بورديو أيضاً عن يد محبة، أمومية، حمائية، يسميها في التعبير الجندري «اليد الأنثوية» وفي التعبير السياسي-التاريخي «اليد اليسرى». يد ومقاربة رأينا نماذجها الحكومية في بعض أنظمة دولة الرفاه والعدالة (وليس بالضرورة الشيوعية أو الاشتراكية)، ويجب الانتباه طبعاً إلى أن الحديث عن «اليمين» و«اليسار» لا يعني هنا، لا في الحالة الأولى ولا في هذه الحالة، النماذج التاريخية التي سمّت نفسها بهذه الأسماء لكنها شهدت قطيعة واضحة مع خطاباتها.
اليوم، في العالم، الدول أو المدن التي تتبع مقاربة «أنثوية» و«يسارية» لا تديرها بالضرورة نساء، ولا من ينتمون إلى أحزاب يسارية. نحن هنا أمام تمثيل. لكنه تمثيل له جذور في الواقع، خصوصاً من الناحية الجندرية. النظرة الأنثوية، عموماً، وبسبب الخصائص الذاتية للنساء، ليست نظرة عنيفة، بل هي مثل نظرة الأم إلى أبنائها «نظرة حمائية»، النظرة الأنثوية ليست نظرة تراتبية وتصنيفية ولا يُسعى فيها إلى تشجيع «الداروينية الاجتماعية». يمكن ملاحظة هذا غالباً في بنية الأسرة أيضاً: فالأم لا تحاول أن تولي اهتماماً أكبر للأبناء الأقوياء وأن تهمّش أبناءها الأضعف، بل تحاول أن توظف الأبناء الأقوياء لكي يتحسن وضع الأبناء الأضعف. إذا استطعنا في بنى دولتنا ومدننا أن نعزز هذه النظرة وهذه المقاربة، نكون بلا شك قد خطونا خطوة قيّمة نحو دمقرطة مجتمعنا.
.
.
.
.
الفن
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بله واقعا همینطور است ..ودر این مقاله چقدر عالی وتیزبینانه به این موضوع پرداخته شده .که زنان بواسطه دارا بودن خصوصیات و ویژگیهای خاصشان ، با رویکرد ونگاهی کاملا متفاوت از مردان می توانند با مشکلات ومعضلات جامعه روبرو شده ودر تحلیل آن قدم های موثرتری بردارند .به امید آنکه که در جامعه ایرانمان شاهد حضوری پررنگ تراز آنها باشیم .