اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كورش هو بؤرة خطابات البحث عن الهوية لدى الإيرانيين، ممتزجة بمعطيات تاريخية وتأويلات أسطورية. خمسة أسئلة حوله، بمقاربة علمية، تكشف الصراعات الفكرية.

يمكن اعتبار قورش إحدى البؤر المركزية المهمة في خطابات البحث عن الهوية لدى الإيرانيين اليوم. قورش شخصية تاريخية تُعدّ مؤسس دولة إيران، ومؤسس أكبر إمبراطورية في العالم القديم، والمثال الأمثل للإيرانيين واليونانيين والعبرانيين والرومان للمُلك العادل. ومع ذلك فهو شخصية أسطورية أيضًا، وعدد الروايات والقصص المنسوبة إليه وتأثيرها، وما نما على سيرته من تفاصيل وإضافات عبر التاريخ، يستدعي نقاشًا مفصّلًا. أي أننا نرى في رواية قورش تراكمًا لافتًا للمعطيات التاريخية ممتزجًا بتراكم من التأويلات الأسطورية. ولهذا عاد الإيرانيون في السنوات الماضية، في بحثهم عن هويتهم، إليه مرارًا وتكرارًا، كما جعلت القوى المعادية لإيران من شتمه وتخريبه هدفها الرئيسي.
يمكن اعتبار قورش إحدى البؤر المركزية المهمة في خطابات البحث عن الهوية لدى الإيرانيين اليوم. قورش شخصية تاريخية تُعدّ مؤسس دولة إيران، ومؤسس أكبر إمبراطورية في العالم القديم، والمثال الأمثل للإيرانيين واليونانيين والعبرانيين والرومان للمُلك العادل. ومع ذلك فهو شخصية أسطورية أيضًا، وعدد الروايات والقصص المنسوبة إليه وتأثيرها، وما نما على سيرته من تفاصيل وإضافات عبر التاريخ، يستدعي نقاشًا مفصّلًا. أي أننا نرى في رواية قورش تراكمًا لافتًا للمعطيات التاريخية ممتزجًا بتراكم من التأويلات الأسطورية. ولهذا عاد الإيرانيون في السنوات الماضية، في بحثهم عن هويتهم، إليه مرارًا وتكرارًا، كما جعلت القوى المعادية لإيران من شتمه وتخريبه هدفها الرئيسي. سأدرس في هذه المقالة خمسة أسئلة محورية حول قورش. وهي مقولات تتكرر باستمرار في خطابات البحث عن الهوية المعاصرة (سواء أكانت إيجابية ووطنية وبنّاءة أم سلبية وإثنية وهدّامة). مقولات بقي موقف المتحدثين منها بمثابة افتراضات مسبقة غير مصرّح بها وخفية، مما غذّى هيمنة نظرة أيديولوجية مناهضة للعقل. من البديهي أن قصدي من تعداد هذه النقاط هو أيضًا التعبير عن موقفي الشخصي منها. أي أن الهدف في هذه المقالة هو إدراك النقاط المحورية للخلاف والصراع بين التيارات الفكرية اليوم حول قورش، واقتراح إجابة عن الأسئلة الناشئة عنها.
قبل الدخول في النقاش، ينبغي أولًا الإفصاح بوضوح عن موقف نظري كلي يتجاوز نقاش قورش. اليوم، عندما يُطرح الحديث عن التاريخ والشخصيات التاريخية، يمكن عمومًا تمييز نهجين كليين متقابلين. أحد النهجين يرى التاريخ رواية غير موثوقة، ومصطنعة، ومزيفة، وغير صحيحة، واعتباطية. والآخر يعتبر التاريخ فرعًا من فروع المعارف الرسمية، ويعتبره بناءً انضباطيًا (discipline) لصياغة المفاهيم وفحص الوثائق واستخلاص الحقائق.
يُبرز النهج الأول الصلة بين المؤرخين ومؤسسات السلطة والتحريفات التي حدثت في كتب التاريخ، وعلى هذا الأساس يُخرج التاريخ كله من دائرة العلوم والمعارف الرسمية. ويؤكد الثاني على المنهجية الدقيقة والواضحة للمؤرخين المحدثين، ويعتبر التاريخ علمًا في مصاف العلوم الإنسانية الأخرى. النهج الأول محبوب لدى الأحزاب، والثاني يمكن إيجاده في الجامعات أكثر. يستفيد من الأول الناشطون السياسيون والمتحدثون الأيديولوجيون، بينما يقضي المفكرون الجادون وعشاق الوثائق القديمة وآثار السلف أعمارهم في حقل الثاني. النهج الأول شائع بين كتاب ما بعد الحداثة والماركسيين وأنصار مدرسة فرانكفورت والتفكيكيين، ويعتبره معسكر الثاني غير علمي ومناهضًا للعقل ومسيّسًا. استقطب النهج الثاني جسد العلماء الكلاسيكيين والمراجع العلمية المعتبرة ويسيطر على كراسي الجامعات. وهذا النهج الثاني هو الذي يقدم نظريات كبرى ونماذج منهجية لفهم العالم، وتُستخلص منه العلوم التقنية والتطبيقية. إن حصيلة النهج الثاني هي ما كان يسميه أنصار النهج الأول منذ القديم بالعلم البرجوازي.
قبل الدخول في النقاش، ينبغي أن أحدد موقفي في هذه الساحة أولاً. أنا أنظر إلى التاريخ من خلال المنظور النظري لنظرية النظم المعقدة. وأعني بذلك صياغةً من هذه النظرية انتشرت خلال السنوات الماضية في كتب ومقالات عديدة، واكتمل فيها تشكيل مفهومي «الأنا» و«المؤسسة» بمقاربة متعددة التخصصات. من هذه الزاوية، فإن الحدود والفواصل بين فروع العلم المختلفة هي أمر مصطنع ومؤسساتي يعود إلى تنظيم المجتمع العلمي الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا يخلق ضرورةً معرفية للباحثين اليوم. وبناءً على هذا المنظور النظري الذي أخذ ينتشر ويعم العالم تدريجياً خلال العقدين الماضيين، يسود نوعٌ من الوحدة المنهجية كاملَ فضاء المعرفة. أي أن لدينا نظاماً كلياً وشاملاً للمعرفة يتناول المعطيات بشكل منهجي ومنظم ومدعوم بالأدلة، وينتج بناءً عليها قضايا قابلة للفحص، ويزودنا، عبر بناء النظريات والأطر والمنظورات النظرية، بصورة موثوقة عن الوجود.
هذه الصورة العلمية للعالم، لا تعرف اليقين بأي حال من الأحوال. أي أن جميع قضاياها يمكن أن تخضع للنقد وإعادة الفحص. نقد ما بعد الحداثيين وإصرارهم على أن العلم ليس أمراً قطعياً وحتمياً، وأنه يتغير تحت تأثير السلطات المؤسساتية والتيارات التاريخية، هو بالطبع صحيح. أي لا شك في أن جميع الخطابات وجميع العناصر المعرفية تُبنى ويعاد بناؤها في فلك من السلطة. لكن هذه العبارة تشير إلى أمر بديهي وحشو. لأن المعرفة أساساً هكذا، ولا يمكن العثور على أثر لليقين في أي مكان آخر، إلا في دائرة الإيمان الديني أو الذوق الفني اللذين لهما ماهية غير معرفية. ومع ذلك، فإن عدم قطعية الصورة التي تنتجها المعرفة الرسمية متعددة التخصصات، أو ارتباطها بالسلطة، لا يعني أنها غير موثوقة أو غير فعالة. المعرفة أمر حاسم، وإن لم تكن قطعية، وعقلانية، وإن كان انفتاحها على النقد قد يفضي في كل لحظة إلى صياغات جديدة للعقلانية.
النتيجة هي أنني، بين المعسكرين المذكورين، أناصر المعسكر الثاني بصراحة ووضوح، وأعتبر التاريخ جزءاً لا يتجزأ من المعرفة. أي أنني أنظر إلى التاريخ بمقاربة نظمية ومتعددة التخصصات، وأؤمن بأن جميع القضايا التاريخية ذات المعنى، مثل القضايا الصادرة عن فروع المعرفة الأخرى، تشير إلى أمور قابلة للفحص وواضحة ومحددة، قد نمتلك عنها معطيات كافية أو غير كافية، وقد نستطيع أو لا نستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها. لكن في النهاية، هناك دائماً فرصة لجمع المزيد من المعطيات وتدقيق منهج البحث، وبالتالي طرح ألغاز جديدة وحلها. أي أن التاريخ علم كسائر العلوم، له بالطبع خصائصه المنهجية الخاصة، لكن هذا لا يقلل من اعتباره وقابليته للفحص ووضوحه.
غالباً ما يفعل ذلك معظم الذين يصرون أكثر من اللازم على عدم قطعية العلوم، سعياً للدفاع عن رؤية غير عقلانية أو شبه عقلانية أو الترويج لها، رؤية لا تملك التماسك والاعتبار الكافي للاشتباك الصريح والصدام مع المعرفة الرسمية، ولذلك تستخدم وصفها بأنها بلا أساس كحيلة لتأسيس أساسها الخاص. تقريباً كل المتحدثين البارزين الذين اشتكوا خلال القرن الماضي من عدم قطعية العلم، أو شككوا في اعتبار المعارف المنهجية والرسمية بحجة تأثرها بالسلطة السياسية والسياق التاريخي، كانوا، بصراحة أو بالتلميح، مروجين لنظرية سياسية وأيديولوجيا لا تحتمل النقد العقلاني وتستحسن استبداداً في فضاء الفكر. الخطوة الأولى في الفهم العقلاني والحر للتاريخ هي التحرر من شعوذات هؤلاء المادحين للأمر اللامعقول، وقبول أن معرفتنا المنهجية والعقلانية المعاصرة، بكل ما فيها من عيوب يجب النظر إليها بتشدد أيضاً، هي أكثر أساليب الفهم النقدي للعالم المتاحة اعتباراً وموثوقية.
بهد این المقدمة المنهجية، یمکن الخوض في بحث قورش والطروحات الرئیسیة المطروحة بشأنه، دون أن یکون ذلك صریحًا. من الواضح أنه وفقًا لموقف الكاتب، فإن بحث قورش یُطرح في جغرافیا مسألة علمیة، لا كعنصر خطابي في جدل سیاسي. الفرق هنا هو أن قورش بالمعنى الأول یشیر إلى مفهوم واضح ومحدد وقابل للفحص وراسخ، یتم صیاغته وفهمه بالرجوع إلى كم هائل من المصادر التاریخیة والبیانات الأثریة، ولا علاقة له بمفهوم اعتباطي وسیال یُختلق ارتجالًا في الأذهان ویکون حلالًا للمشكلات في الصراعات السیاسیة.
السؤال الأول: هل هناك سبیل للتعرّف على قورش التاریخي كما كان حقًا؟
تقریبًا كل من یتجاوز حجم مطالعتهم حول قورش أو أي شخصیة تاریخیة أخرى حدًا معینًا، یصلون شاءوا أم أبوا إلى نتیجة مفادها أن السؤال عن الشخصیات التاریخیة التي توفیت قبل قرون، لا یزال سؤالًا موضوعیًا وتجریبیًا، تحدده وثائق وشواهد وبیانات معلومة ومحددة للإجابة علیه. عاش قورش الكبیر الأخمیني قبل ستة وعشرین قرنًا منا. لإدراك عظمة هذه الفجوة التاریخیة، یكفي أن ننتبه إلى أن الناس في العالم القدیم لم یدركوا وجود قارة أمریكا إلا قبل خمسمائة وبضع وعشرین سنة فحسب، وأن حدثًا عریقًا جدًا مثل تأسیس مدینة روما، وبناء الجدار المتبقي من معبد هیكل أورشلیم، ونشأة خطوط مثل السنسكریتیة واللاتینیة، جمیعها تعود إلى سنوات بعد عصر حیاة قورش.
على الرغم من هذه الفجوة التاریخیة الهائلة التي تفصلنا عن قورش، لا تزال بین أیدینا وثائق كثیرة وراسخة عنه تمكننا من رسم صورة دقیقة له. المصادر المعاصرة لقورش، التي دُوّنت في فترة حكمه وحكم أحفاده المباشرین، تشمل مجموعة من الألواح، والنقوش الملكیة، والحولیات، والنصوص المقدسة، والتواریخ، المكتوبة باللغات الأكدیة، والعیلامیة، والعبري، والیونانیة، والمصریة، والفارسیة القدیمة. علاوة على هذه النصوص المعاصرة، لدینا أیضًا كم هائل من النصوص التاریخیة والروایات الأحدث عهدًا، التي كُتبت في عهد السلالات التي أعقبت الأخمینیین أو في بلدان أخرى غیر إیران. بعض هذه النصوص التي دُوّنت في الإمبراطوریة الرومانیة عریقة إلى درجة أن الفجوة بینها وبیننا تبلغ ألفي عام. إضافة إلى هذه المصادر المكتوبة التي تقدم صورة دقیقة وواضحة نسبیًا عن قورش، لدینا أیضًا كم هائل من البیانات الأثریة التي تشمل نطاقًا واسعًا من المصادر. من بقایا العناصر المعماریة والمدنیة إلى الأشیاء التي تُظهر تقدم التقنیة والذوق الفني للناس، ومن البیانات المتعلقة بالتقلبات السكانیة والإثنوغرافیة إلى الشواهد الدالة على التحولات الإیكولوجیة، لدینا مستندات وفیرة ومحكمة تساعدنا في إعادة بناء زمن قورش وسیاق ظهوره وتأثیره.
بهذا یتضح أننا عندما نتحدث عن قورش، فإن نقاشنا یدور حول شخصیة تاریخیة تتوفر عنها كميات هائلة من الوثائق والشواهد المكتوبة وغیر المكتوبة، بشكل متزامن أو غیر متزامن. كان قورش ثالث ملوك فارس في أنشان، وقد اعتلى العرش في 559-560 ق.م وتوفي في 530 ق.م. قسّم فترة حكمه التي دامت ثلاثین عامًا إلى قسمین، أي أنه أمضى خمسة عشر عامًا في منتصف هذه الفترة في الحرب، وكرّس حوالي عشر سنوات في البدایة وثماني سنوات في النهایة لتنظیم مملكته وتجنب المزید من الفتوحات. صورته في التواریخ المختلفة تتسم بتقارب مذهل وتتوافق تمامًا مع الشواهد الأثریة. أي أن الصدیق والعدو، والقریب والغریب، قدموا عنه تقریرًا واحدًا، والشواهد الموضوعیة تؤكد ذلك أیضًا. أولئك الذین یبنون صورة خیالیة عن قورش بدوافع سیاسیة وینشغلون بذمه أو مدحه بلا أساس، ینظرون إلى الموضوع ببساطة من موقع الجهل، ویُظهرون عدم اكتراثهم وجهلهم بالمصادر والوثائق التاریخیة، وهو ما یقترب أحیانًا من التكتم والخداع في معسكر المعادین لإیران والقومیین.
السؤال الثاني: ما مكانة قورش في تاریخ العالم؟
استنادًا إلى المعطيات المتوفرة لدينا، يمكننا الادعاء بثقة أن كورش يمثل نقطة انقطاع كبرى في تاريخ العالم. ينبغي الانتباه إلى أن التاريخ هو في الأساس مزيج من عمليات متصلة وسلسلة من الانقطاعات القابلة للملاحظة. أي أننا عندما نتحدث عن علم التاريخ، فإننا نشير في الواقع إلى منهج منظم وعقلاني يهدف إلى دراسة الاستمراريات وتقييم الانقطاعات. بهذا المعنى، نرى أحيانًا تراكمًا للانقطاعات في مقطع تاريخي معين، مما يدل على منعطف تاريخي وانتقال نظامي من مرحلة إلى أخرى. غالبًا ما ترتبط هذه الانتقالات الكبرى بتحولات بيئية وتغيرات مناخية، ونادرًا ما يكون عامل ظهورها أمرًا سوسيولوجيًا وبشريًا. أول مثال تاريخي نعرفه لهذه العوامل البشرية المحوِّلة يتعلق بكورش، الذي يمثل أيضًا، حتى ألفين ونصف من السنين لاحقًا وظهور العصر الحديث، أهم وأكبر انتقال تاريخي محوره الإنسان. أي أن عصر كورش يمثل منعطفًا تاريخيًا كبيرًا يمكن، استنادًا إلى الشواهد، اعتبار عامله المحفز بشريًا ومرتبطًا بشخصية تدعى كورش.
للحكم في هذا المجال، ينبغي أولاً أن نرى ما هي الانقطاعات المتراكمة في عصر كورش وما علاقتها بدوره التاريخي. باختصار، يمكن القول إنه يمكن تمييز ستة انقطاعات كبرى في المتغيرات السوسيولوجية الكلية في عصر كورش:
أولاً: الانقطاع التكنولوجي؛ يقترن عصر كورش بالتطور المفاجئ لتكنولوجيا الحديد، وانتشار استخدام المحراث الحديدي، والحرث العميق للتربة، والتوسع الهائل للزراعة. لقد شهدت تكنولوجيا الحديد في الحقبة التي تمتد لخمسين عامًا وتشمل حياة كورش وقمبيز وبداية عهد داريوس الكبير، انتشارًا جغرافيًا لا يصدق ينبغي مقارنته بالقرون التي سبقته، وليس بالعقود السابقة. وقد أدى هذا الأمر نفسه إلى شيوع استخدام المحراث المعدني في الزراعة، وهو أكثر كفاءة بكثير من المحاريث الحجرية والخشبية القديمة ويقضي تمامًا على الأعشاب الضارة في الحقول. هذه الطريقة، التي تسمى الحرث العميق، كانت تعد ثورة في الزراعة وزادت فجأة محصول الأرض عدة أضعاف، مما أدى بدوره إلى انفجار سكاني في المراكز الزراعية. أي أن حقبة حياة كورش اقترنت بترسيخ تكنولوجيا الحديد وتوسعها والارتقاء بالزراعة، وكان انتشارها وتعميمها في الأراضي الجغرافية الشاسعة للأخمينيين بلا شك نتيجة لظهور شخصية كورش التاريخية.
ثانيًا: الانقطاع في التعبئة القتالية؛ وهو استمرار لذلك الانتقال التكنولوجي ذاته. ينبغي من حيث المبدأ أن نأخذ في الاعتبار أن الحد المتقدم لتطور التكنولوجيا في التاريخ يتعلق بالتكنولوجيا العسكرية. في عصر كورش، نواجه فجأة أسلوبًا جديدًا في التعبئة القتالية لم يسبق له مثيل من قبل. جزء من هذا التحديث التقني (مثل انتشار الدرع الحديدي، أو تغطية الحصان بالدرع، أو استخدام السيف الحديدي) هو استمرار مباشر للثورة التكنولوجية التي ذكرناها. وجزء آخر منه له جانب ميكانيكي، ومثاله اختراع المنجنيق والمقذوفات الحربية، مما يمثل قفزة مقارنة بالأساليب الأقدم. يكفي أن نراجع التقارير التاريخية عن الانتصارات الخاطفة للجيش الفارسي في مواجهة الأقوام الأخرى ونقارن أنماطها التكنولوجية بأساليب الآشوريين القتالية، الذين كانوا حتى ذلك الحين قد ابتكروا أكثر الآلات الحربية تقدمًا. إن الاستخدام الواسع لسلاح الفرسان، وتصنيف الجنود على أساس نوع السلاح، وتأسيس وحدة الهندسة في الجيوش وبناء الطرق والجسور من قبل القادة، وتنظيم الجيش على أساس الوحدات العشرية، كلها ابتكارات تمت في عصر كورش نفسه.
ثالثاً: القطيعة المعرفية؛ لقد تزامن عصر قورش وخلفائه المباشرين مع قفزة مبهرة ومشرقة في بنية المعرفة. فقد خضع علم الفلك فجأة في هذا العصر لعملية إعادة تنظيم وارتبط بنسق رياضي ومثلثاتي، وتم رصد كوكبي المشتري وزحل لأول مرة في عهد قورش أو ابنه قمبيز، وكما شرحت في كتاب «أساطير سماء الليل»، فإن الإطار القديم للتقويم الذي صمد حتى اليوم ويتخذ من الأبراج الاثني عشر والفصول الأربعة والسنة الشمسية أساساً له، قد تشكل في ذلك العصر وتمت أَقْيَسَتُه (ترميزه) وتأسيسه. إن التحول في العمارة، والانعطاف في علوم كالطب وعلم النبات، وظهور أنساق عقلانية كبرى لفهم الكون، تظهر لأول مرة في هذا الزمن بالذات في الوثائق التاريخية. ورغم أن البوادر الأولى لنسق فلسفي منظم يمكن العثور عليها في غاثات زرادشت (لمزيد من الشرح حول هذا الموضوع، انظر كتاب «زند الغاثات»)، إلا أن انتشار الفكر الفلسفي كان نتيجة مباشرة لسياسة قورش والدولة التي أسسها. وكما ناقشت بالتفصيل في كتاب «تاريخ العقل الأيوني»، فإن ديموقريطس وفيثاغورس وبارمنيدس وهرقليطس وطاليس وبقية فلاسفة ما قبل سقراط كانوا بوضوح تحت تأثير فكر وسياسة الفرس. إن أفلاطون وبوذا وماهافيرا، الذين صاغوا بعضاً من أكثر الأنساق الدينية-الفلسفية الدائمة تأثيراً، كانوا يفكرون على هامش الدولة الأخمينية وتحت الظل البارز لثقافة مهيمنة كانت نقطتها المرجعية هي قورش والدولة التي خلفها.
رابعاً: شيوع الكتابة؛ إن عصر ما قبل قورش هو زمن كان فيه استخدام الخط والكتابة محصوراً في مجالات محدودة جداً، وكان جزء صغير جداً من سكان المدن ممن شغلوا أدواراً دينية وديوانية هم من تمكنوا من مهارة القراءة والكتابة. ولهذا السبب كان العدد الإجمالي للغات المكتوبة قليلاً جداً، وكان حجم النصوص المدونة في وحدة الزمن ضئيلاً جداً أيضاً. بعد عصر قورش نواجه انفجاراً في مجال الكتابة. فالأخمينيون، فضلاً عن الابتكارات التي أنجزوها في إنتاج الخط الفارسي القديم، تبنوا الخط الأبجدي الآرامي الذي كان رائجاً في البلاط الآشوري، وحولوه ابتداءً من عصر أردشير فصاعداً إلى خط ديواني. ونتيجة لذلك، انتشر الخط الأبجدي في جميع الأصقاع، وحتى نهاية العصر الأخميني كانت تقريباً جميع اللغات واسعة الاستخدام في الإمبراطورية الأخمينية العظيمة قد أصبحت تُكتب بمشتق من هذا الخط. إن الخطوط الخاروشتية والبراهمية للغات الهندية، والخط الآرامي الملكي والفارسي القديم للغات البلاط الرسمية، والخط الديموطيقي للغة المصرية، هي نماذج من هذه الابتكارات. بعد عصر قورش نواجه توسعاً مبهراً في الكتابة في المراكز الحضرية، وتدوين الوثائق القانونية والاقتصادية وتسجيل تفاصيل الحياة اليومية والنصوص المتنوعة يلقى رواجاً لافتاً، بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
خامساً: التحول في الدين؛ إن عصر قورش هو النقطة التي تُظهر منعطفاً مهماً في تاريخ الأديان. فحتى هذا العصر، كانت الأديان كلها تعددية الآلهة، طقسية المحور وغير فلسفية. العلامة الوحيدة على التوحيد في عصر ما قبل قورش تعود إلى الدين البلاطي والسياسي لأخناتون المصري، الذي اندثر فور وفاة هذا الفرعون. عدا عن ذلك، ليس لدينا سوى الدين الزرادشتي الذي كان توحيدياً، وعلى خلاف ديانة آتون المصرية، امتلك بنية فلسفية، وكان ناجحاً أيضاً وباقياً، وجعل تشكيل البرمجية (النظام الناعم) للدولة الأخمينية ممكناً. بعد عصر قورش، تم استعارة النموذج الفلسفي السائد في الدين الزرادشتي ومفاهيمه الأساسية (الإله الواحد القادر على كل شيء والأخلاقي، أهريمان، بقاء روح الجميع، الإرادة الحرة، التجانس الجوهري بين الإنسان والله، التمييز بين عالمي الغيب والشهادة، البعث، الجنة والنار) من قبل أديان أخرى، وخلال قرن واحد بعد قورش تطورت خمسة أديان كبرى (البوذية، الجينية، الفيثاغورية-الأفلاطونية، اليهودية، والحنوتية المصرية) أو صيغت بشكل جديد، وهذه هي العملية التي حددت تاريخ الأديان حتى اليوم. كل هذه الأديان امتلكت بنية مفاهيمية منظمة ومتماسكة، وأهدت أتباعها محتوى فلسفياً ورؤية كونية محددة، وكانت تمتلك تنظيماً اجتماعياً معقداً وعابراً للمحلية ومستقلاً عن المكان، وسرعان ما اتخذت شكلاً كتابياً، وهي من هذه الناحية تختلف كلياً عن أديان عصر ما قبل قورش.
سادساً: القطيعة في النظام الاقتصادي؛ إن قورش هو بادئ عصرٍ يتسم بالتنظيم المعقد للقوى العاملة، ورواج الحسابات العددية في الاستثمارات الكبرى، والأهم من ذلك كله، نشوء النقود. ينبغي فهم الازدهار الاقتصادي للدولة الفارسية في ضوء إعادة الترتيب العميقة والتطور المفاجئ للأنظمة النقدية، وهذا أمر لم يسبق له مثيل قبل قورش. إن استخدام خزانة الملك كغطاء نقدي معياري، وتوحيد الوحدات والمقاييس إلى جانب شق الطرق وتطوير التجارة، أحدث استثماراً كبيراً ومهماً في الاقتصاد، كان الإنجاز الرئيسي لقورش، أي تأسيس الدولة الإيرانية الموحدة، سنده، وكان هو نفسه ممكناً إلى حد ما على هذا الأساس. يمثل قورش نقطة مهمة في التاريخ يتحول فيها اقتصاد المقايضة إلى اقتصاد نقدي رمزي.
والنتيجة هي أننا إذا أردنا أن نحدد في تاريخ العالم ما قبل الحديث مقطعاً زمنياً كنقطة تكثف للقطائع المهمة، ونبحث عن أعظم التحولات وأوسعها نطاقاً، فإننا نصل بلا شك إلى عصر قورش. لقد كان عصر ما قبل قورش وما بعده مختلفين كلياً من حيث الدين، والاقتصاد، والحرب، والسياسة، والقانون، والتكنولوجيا، والكتابية، والأنظمة المعرفية، ولا نرى في أي عصر آخر حتى العصر الحديث مثل هذا التحول التاريخي الواسع النطاق. حول هذا التحول التاريخي الذي يفصل، كما يُصطلح، عصر الزراعة البدائية عن الزراعة العميقة، أو التحضر الأولي عن التحضر المتقدم، لدينا شخصية مؤسسة ومشهورة هي قورش. أي أننا إذا نظرنا إلى الشواهد التاريخية ووضعنا الموضوعية العلمية في الاعتبار، يمكننا ببساطة أن نحكم على مكانة قورش في تاريخ العالم، وأن نحدد ونقيم التحولات التي حدثت في عصره، وإلى حد كبير بفضل حضوره. يُظهر هذا التقييم أن قورش كان شخصية مؤثرة للغاية تقع في مركز ثقل مهم من التاريخ، وجعلت أفعاله تحولاً مهماً ومصيرياً في تاريخ البشر ممكناً.
السؤال الثالث: ما أهمية قورش في تاريخ إيران؟
بصرف النظر عن أهمية قورش في تاريخ العالم، فهو بطبيعة الحال مهم وحاسم في تاريخ إيران أيضاً. تعود أهمية قورش في مسار تطور الرقعة الجغرافية لإيران الأرض إلى ثلاثة مجالات أساسية. الأهم من كل ذلك، أنه مؤسس دولة إيران. أي أنه هو من جعل لأول مرة دولة واحدة تحكم كامل الرقعة المكانية لإيران الأرض، وابتكر آليات السياسة الإيرانشهرية.
السمة الثانية المهمة لقورش هي أنه أرسى نظام الحضارة الإيرانية والنسيج الثقافي الإيراني الخاص. لقد اختلطت دعايات وسائل الإعلام العامة هذه الأيام بقدر من الخطأ أو الخداع، لدرجة أنها أخفت كلياً حقيقة أن الحضارة الإيرانية، طوال تاريخها الطويل جداً، كانت أهدأ وأكثر استقراراً وخلواً من العنف بكثير جداً مقارنة بالحضارات المعاصرة الأخرى. لدينا سلالات إيرانية عديدة (الأشكانية، الساسانية، السلجوقية، الصفوية) حكمت كامل إيران الأرض لأربعة أو خمسة قرون، بينما كان عمر السلالات الصينية والرومانية، وهما الدولتان الوحيدتان المكافئتان لإيران، عادة أقل من قرن، ونادراً ما يصل إلى مئتي عام. إن عدد الحروب الأهلية، والاضطرابات العنيفة، والمجازر، وكذلك الهجمات على أراضي الجوار والتجاوز على الرقع الجغرافية الأخرى في تاريخ إيران الأرض قليل جداً جداً، وعلى عكس الحضارة الرومانية ومصر القديمة، لا نرى أثراً لجيوش يقوم اقتصادها على النهب في إيران الأرض. هذا التحرر من العنف والاستقرار السياسي هو ثمرة النظرية السياسية الإيرانشهرية التي قورش هو مؤسسها، والتي تتخذ من رواج التجارة وأمن التبادل الاقتصادي الأساس الرئيسي للثروة. بهذا المعنى، تكمن الأهمية الثانية لقورش في أنه صاغ وأرسى المؤشر الرئيسي للحضارة الإيرانية، القائمة على المتاجرة التجارية والسلمية.
السمة الثالثة المهمة لقورش هي أنه أرسى شكلاً خاصاً من الأخلاق المدنية في أرض إيران، وهو ما سعى أحفاده طوال مئتي عام بعده إلى تثبيته، ثم عادت إليه كل السلالات والدول الإيرانية الناجحة من بعدهم. إن قورش فريد ومتميز لأنه ظل يُمدح لقرون بعد انقراض السلالة الأخمينية في مصادر الأقوام التي هزمها وأخضعها في وقت ما، ودخل اسمه في جميع الكتب الدينية لعصره بوصفه شخصية مقدسة. إن صورة قورش كملك مثالي استمرت في أراضٍ نائية جداً لآلاف السنين بعد موته، تنطوي إلى حد ما على واقعية تاريخية، ويعود هذا إلى نظرته الجديدة للسلطة السياسية وإدارة رضا الأتباع في نموذج حكمه.
إن أسلوب إدارة الدولة هذا، الذي كان جديداً كلياً وينبغي بلا شك اعتبار قورش مؤسسه، هو ما صاغه داريوس الكبير والملوك من بعده في قالب «الأرض والشعب والسعادة» في النقوش الفارسية القديمة. إن تعبير أن الله خلق هذه الأرض (بوم) وخلق فيها الناس وخلق للناس السعادة، يُظهر شكلاً جديداً من النظرة إلى الإنسان وارتباطه بالمؤسسات الاجتماعية، وهو مفتاح استقرار الدول والنظم الاجتماعية الإيرانية، وقد أضفى عليها في الوقت ذاته طبيعة أخلاقية. أي أنه وضع مفاهيم مثل الفَرّ والعدالة، ذات الطبيعة الأخلاقية، في قلب نظرية السياسة الإيرانيةشهرية. لهذا السبب، إذا تتبعنا النقطة المرجعية للأخلاق والحكمة لدى ملوك العالم القديم، فإننا نصل في النهاية إلى قورش. كان جميع شاهنشاهات الأخمينيين ورثته، وكان البارثيون والساسانيون يشيرون إليه وإلى عصره صراحة، وكذلك فعل الحكام في العصر الإسلامي باعتبارهم الكسرويين مرجعاً عبر وساطة الساسانيين.
السؤال الرابع: كيف ينبغي أن يكون الحكم الأخلاقي على قورش، وما هي معايير إصدار الحكم في هذا المجال؟
قورش شخصية تاريخية يمكن، بالاعتماد على الوثائق والشواهد المتاحة، رسم صورة دقيقة نسبياً لملامحه، وقياس أثره في التاريخ وتقييم تأثيراته. من البديهي أن صورة قورش، مثل صورة أي شخصية تاريخية أخرى، ينبغي أن تُلاحظ وتُقيّم في سياق علمي وموضوعي، وأن كلاً من تلك الصورة وهذا التقييم يتغيران مع العثور على شواهد جديدة. هذا يعني أن تكرار المديح الذي ساقه المؤرخون السابقون لقورش، قد يكون موثقاً وصحيحاً، لكنه ليس تحليلياً ولا علمياً ولا نقدياً، ولا يفيدنا اليوم. كما أن قلب الشواهد التاريخية واعتبارها كذباً في غياب شواهد أقوى أو نظرية بديلة يبدو ساذجاً وغير حكيم. في الظروف الراهنة، نحتاج إلى جهاز نظري يقيم، بمؤشرات واضحة وقابلة للفحص، منافع ومضار أفعال الشخصيات التاريخية، وبهذا المعيار وحده يمكن تقديم تفسير معاصر وفعال لصورة شخصية تاريخية مثل قورش.
إنني أنظر إلى النظم الاجتماعية والتاريخ من داخل نموذج نظرية النظم المعقدة، وهذا هو الأسلوب العلمي الأكثر حداثة والأكثر فعالية في الظاهر للتحليل البيني للأمور الاجتماعية المعقدة. في داخل هذا النموذج، صغت رؤية يسمونها «نظرية زروان» بسبب مركزية دور الزمن فيها. في هذا الجهاز، يُصاغ مفهوم الإنسان في أربعة مستويات وصفية: البيولوجي، والنفسي، والاجتماعي، والثقافي (فراز)، وفي كل مستوى يُعرّف نظام أساسي (الجسد، ونظام الشخصية، والمؤسسة الاجتماعية، والسجية الثقافية) يكون له متغير جوهري في مركز ديناميته واختياراته السلوكية. هذه المتغيرات هي على التوالي: البقاء، واللذة، والقوة، والمعنى (قلبم). بهذا الشكل، توجد في نموذجنا النظري غاية داخلية وموضوعية وتطورية في النظم الإنسانية، وهي تحديداً «قلبم» (اختصار للمتغيرات الأربعة). بناءً على هذه المتغيرات المركزية التي تترابط بشكل معقد، يمكن إعادة بناء الأخلاق في سياق متطبع، والتوصل إلى إعادة تعريف دقيقة وواضحة للمنفعة والمضرة التاريخيتين.
بر این مبنا وقتی سخن از داوری دربارهی شخصیتی تاریخی به میان میآید، باید تاثیر عینی و ملموسِ آن شخصیت در افزودن یا کاستن قلبم را وارسی کرد. بر این مبنا میتوان دربارهی چنگیزخان و مائو و استالین داوری کرد که حضوری زیانکار و آسیبزننده (یا به تعبیر اخلاقی، «بد») در تاریخ کشورشان و جهان داشتهاند، چرا که به کشتاری در حد میلیونی دست گشودهاند، مایهي رنج و آزار و کاستن از لذت و شادمانی مردمان شدهاند، قدرت نظامهای اجتماعی را با سرکوب سیاسی کاستهاند، و با کوشششان برای ریشهکنیِ فرهنگهای مقاوم معنا را خشکاندهاند. به همین ترتیب میتوان به دستاوردهای کوروش نیز نگریست و ارزیابی کرد که حضور او بر پهنهی تاریخ قدرت و لذت و بقا و معنای مردمان را در عصر خودش و پس از خودش افزایش داده یا کاسته است.
اگر به منابع تاریخی و شواهد باستانشناختی و هرآنچه که سندی تاریخی فرض میشود بنگریم، همگرایی روشن و صریحی را دربارهی کوروش در مییابیم. این بدان معناست که بر اساس این دادهها میتوانیم با دربارهاش قاطعیت داوری کنیم. بر اساس دادههای موجود میتوان با قاطعیت گفت که حضور او به توسعه و شکوفایی اقتصاد و رفاه، افزایش جمعیت، توسعهی خیره کنندهی نظامهای معنایی (ادیان، علوم، هنرها) و رضایت (شادمانی) اتباعش انجامیده است.
پرسش پنجم: کوروش چه ارتباطی با هویت ایرانی امروز پیدا میکند؟
آنچه که نوشته شدن این سطور را رقم زد، بحثهایی است که از گردهمایی مردم در هفتم آبان امسال در پاسارگاد برآمده است. هفتم آبان با ضریب اطمینان خوبی، همان روزی است که کوروش بدون جنگ به بابل وارد شد و آخرینِ دولتِ پیشاکوروشیِ باقی مانده در ایران زمین را فتح کرد. به این ترتیب این روز را میتوان با دقت تاریخی خوبی تاریخ تاسیس کشور ایران دانست. اگر بخواهیم دربارهی رخدادی که پیشارویمان است تحلیلی علمی به دست دهیم، نخست باید تصویری روشن و شفاف از خودِ حادثه در اختیار داشته باشیم.
رخداد هفتم آبان امسال را نباید حادثهای یکتا و جدا افتاده از سایر رخدادها دانست. حقیقت آن است که از حدود ده سال پیش مردم در سالگرد فتح بابل در پاسارگاد گرد هم میآمدهاند. پیش از پرداختن به این روند ده ساله، باید این را در نظر داشت که مرجعیت پاسارگاد و کوروش به دوران معاصر و قرن کنونی مربوط نمیشود. کافی است در تاریخ به عقب بازگردیم تا ببینیم که تخت جمشید و آثار بازمانده از هخامنشیان در سراسر تاریخ ایران مرجع و الهامبخش بوده است و هم شاهان و هم مردم عادی هویت خویش را بر اساس آن تعریف میکردهاند. آن شاه ابواسحاق آزاداندیش و رواداری که در دوران حافظ در شیراز حکومت میکرد و به قول لسانالغیب «خوش درخشید ولی دولت مستعجل بود»، در شیراز گنبدی و سازهای به تقلید از شاهان باستانی ساخته بود که تا حدودی مرجع اخلاق سیاسی روادار و مهربانانهاش را نشان میدهد. به همین ترتیب وقتی در دوران محمدشاه قاجار فرمانی صادر شد که درباریان ریشها را کوتاه کنند و از درازای قباهای بلندشان بکاهند، محمدشاه اشاره کرد که این همان جامه و ظاهری است که نیاکان ایرانیان داشتهاند و به نگارههای تخت جمشید ارجاع داد. از آثار میرزا آقا خان کرمانی در دوران ناصری گرفته تا قصیدههای ملکالشعرای بهار در عصر مشروطه، هخامنشیان و به ویژه کوروش با اسم و رسم مشخص به صورت مرجع تاریخی تاسیس ایران و نماد شکوه ایرانشهری شهرت و اعتبار داشته و همواره دوقطبیِ تخت جمشید و پاسارگاد گرانیگاه جغرافیایی این هویت تاریخی بوده است. از این رو ابراز نظرهای کسانی که این روزها آشنایی ایرانیان با کوروش را امری متأخر میدانند یا برجسته شدنِ سیمای کوروش را به دوران پهلوی نسبت میدهند، یا از نادانی و کمسوادی تاریخیشان برمیخیزد و یا این که متاسفانه نشانی از فریبکاری دارد.
مع هذه المقدمة، فإن تجمع الناس في السابع من آبان (تشرين الثاني) في باسارغاد منذ حوالي عشر سنوات، ليس أمراً غير مسبوق أو مدهشاً، بل هو استمرار لتيار تاريخي طويل الأمد يعود إلى المرجعية الأخمينية، وخاصة إلى ازدياد معرفة الناس بالتاريخ الأكاديمي لكورش. وأما بروز السابع من آبان في هذا السياق فهو أمر مهم بالطبع. لأن هذا التاريخ مسألة تخصصية وأكاديمية نتجت عن مقابلة النقوش القديمة، وهو يقع كلياً خارج الروايات الشعبية عن كورش. أي أن تجمع الناس في السابع من آبان هو علامة على اهتمام عام بعنصر تاريخي تخصصي. وينبغي أن نأخذ في الاعتبار أيضاً أن التجمعات الأولى ليوم السابع من آبان في منتصف العقد 1380 (2000م) جرت إثر ملء سد سيوند، وكانت احتجاجاً مدنياً على أثره المدمر على باسارغاد. أي أننا هنا نتعامل مع حركة جمعية ليست شعبوية أو جماهيرية، يرتبط أحد طرفيها بحقيقة تاريخية وتخصصية (أهمية السابع من آبان) وطرفها الآخر بنقطة بيئية وجيولوجية (أثر ملء سد على بناء تاريخي). من البديهي أن الأشخاص الذين يبدون حساسية في هذا المجال ويتجمعون في نقطة نائية نسبياً مثل باسارغاد، لا بد أن يمتلكوا، على الأقل في بداية الأمر، حساسية مدنية عالية ومستوى كبيراً من المعرفة حول سلوكهم الجمعي، وهذا ما يتجلى من موضوع احتجاجهم وأسلوب رد فعلهم عليه.
خلال السنوات العشر الماضية، كانت تجمعات الناس في باسارغاد تُعقد بانتظام في السابع من آبان من كل عام. في العام الماضي بلغ عدد الحاضرين في هذا البرنامج خمسة عشر ألف شخص، وهو رقم لافت. أما هذا العام، وطبقاً لبعض التقديرات، فقد تراوح عدد الحاضرين في هذا المكان بين مئة ألف ومئتي ألف شخص، وهو رقم غير عادي ومثير للدهشة. خاصة وأنه في هذا العام (وإلى حد ما كرد فعل على تجمع العام الماضي) تم إلغاء رحلات الجولات الترفيهية إلى هذه الوجهة من قبل السلطات، وفُرضت قيود على هذا البرنامج.
لذلك، عندما نتحدث عن حدث السابع من آبان، ينبغي أولاً أن نتعرف على ظرفه الزماني والمكاني، ونأخذ في الاعتبار أننا لا نتعامل هنا مع تجمع مرح لمجموعة من الشباب (في حديقة الماء والنار مثلاً). هذا الحدث هو استمرار لتيار اجتماعي استمر لعقد من الزمان على الأقل بهذا الشكل والهيئة، ويُظهر هيكله وقالبه أن الطبقة الوسطى الثقافية العليا في المجتمع هي سنده. لأن عناصر مثل تاريخ السابع من آبان، أو الاحتجاج على ملء سد، أو الحساسية بشأن الحفاظ على الآثار التاريخية، ليست من اهتمامات الجماهير الأمية أو عامة الناس.
لكن بخصوص حدث السابع من آبان هذا العام، هناك عدة نقاط بارزة. الأولى هي دور شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة تلغرام، في التنظيم الذاتي لهذه الحركة. يبدو أنه لم تكن هناك أي منظمة أو قيادة مركزية لتنظيم هذه الحركة، بل تشكل كل شيء بشكل عفوي، وهذا يدل على وظيفة الوسائط الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي المحمولة على هواتف المواطنين. الثانية هي أنه نظراً لمنع شركات السفر من تنظيم البرنامج، فإن تنظيم نقل هذا الجمع الهائل تم بنفس الطريقة الموضعية والعفوية والشبكية. وهو أمر أدى في النهاية إلى ازدحام مروري كبير على طريق باسارغاد.
الثالثة هي أنه في هذا اليوم حدثت أمور ولم تحدث أمور أخرى، وكان كلاهما مثيراً للاهتمام. ما حدث هو حضور الناس الهادئ والمبهج حول بناء باسارغاد، وبرامج مثل إلقاء الخطب وقراءة الشعر التي كانت تنفذها مجموعات منفصلة لأنفسها هناك. بعض المجموعات الإثنية (الكرد، الآذريون، العرب، البختياريون، البلوش) جاءوا بأزيائهم الإثنية، وقام بعضهم بأداء رقصاتهم المحلية هناك أيضاً. السلوك الجمعي لهذا الحشد بأكمله كان قائماً على محور ترديد الأناشيد والتصفيق ورفع الشعارات. وعلى عكس ما ورد في وسائل الإعلام الموجهة، لم تحمل الشعارات مضموناً مهيناً، بل كانت تؤكد في الغالب على إبراز الصورة الذاتية الوطنية للحاضرين.
ما كان ينبغي أن يحدث، ولم يحدث، هو العنف. إن حشدًا بهذا الحجم، يتواجد في مكان ناءٍ نسبيًا وبعيدًا عن رقابة أنظمة السيطرة الحضرية، هو تجلٍّ للجمهور غير المتشكل الذي يلجأ إلى العنف بشكل كلاسيكي. وكون هذا الجمع بأسره، وآلاف الأشخاص المنتمين إلى أقوام وأديان مختلفة والذين كانوا حاضرين هناك، لم تشبهم أي نزاعات أو صراعات، وقد نفذوا جميعًا برنامجهم المنشود جنبًا إلى جنب بمودة وسلام وتعاطف، إنما يدل على أن الهوية الوطنية المشتركة لا تزال تؤدي وظيفتها العريقة والقيمة في مد الجسور فوق الاختلافات القومية والدينية واللغوية على أرض إيران.
من النقاط التي ينبغي الانتباه إليها عند فهم حدث السابع من آبان، هي التأويلات التي تلته. فقد اتخذت ثلاث مجموعات موقفًا سلبيًا منه بعد تنفيذ البرنامج. الأولى، بعض القادة الدينيين-الحكوميين الذين اعتبروا تجمعًا كهذا تهديدًا، وخطابهم المناهض لكورش يمكن أن يؤجج تسييس الأجواء بلا داعٍ ويحرم النظام السياسي من مكاسب الوحدة الوطنية. الثانية، الجماعات ذات النزعة القومية الإثنية التي من البديهي أنها استشاطت غضبًا من هذا الاحتفال بسبب توجهها المعادي لإيران وخوفها من الهوية الوطنية التي تذيب الكراهية الإثنية في داخلها. الثالثة، المتحدثون باسم الماركسية الجديدة الذين يؤمنون بشكل من المواطنة العالمية وما فوق الوطنية، والتي عادة ما تقترن بشكل متناقض مع البحث عن الهوية الإثنية ما دون الوطنية. إن خطابات كل واحدة من هذه المجموعات الثلاث جديرة بالاهتمام والتحليل.
إن مدى عدم اكتراث هذه الخطابات الثلاثة المذكورة، والتي تداخلت وتشابكت في مواضع كثيرة، بالحدث نفسه وبموضوعية ما وقع فعلاً، ومدى اتساع دائرة اهتمام وعمق المعرفة التاريخية الجارية في هذه الخطابات، جديران بالمزيد من الاهتمام والتدقيق. كما أن غفلة هؤلاء المتحدثين عن عواقب كلامهم وجهلهم بما ستحل بالبشر من ويلات في الشرق الأوسط الهش والممزق بالحروب اليوم، في ظل غياب الخطاب الوطني والتضامن الجمعي، يمكن أن يكونا مدعاة للعبرة والإنذار.
ما ينبغي الالتفات إليه إلى جانب تشخيص أمراض هذه الخطابات، هو الكيفية التي تحول بها هذا الحدث إلى قضية إعلامية. من المثير للاهتمام حقًا أن وسائل إعلام مثل بي بي سي وصوت أمريكا، وبانسجام تام مع بعض وسائل الإعلام الرسمية داخل إيران، لم تغطِّ سوى أجزاء هامشية وغير ذات صلة من هذا البرنامج، وسعت إلى تقديم تأويل عدائي، عنيف، ومعادٍ للآخر للخطاب الوطني السائد حول باسارغاد. إن التكرار المتعدد لمشهد سبعة أو ثمانية أشخاص يسجدون أمام باسارغاد، أو التأكيد على شعار «...لا نعبد العرب» وتحميله على الكراهية العرقية، يقعان في الامتداد المباشر للخطاب الإثني المعادي لإيران، ويستحقان مزيدًا من التحليل. بمعنى أنه ينبغي التساؤل كيف أن إلقاء الشعر والرقص والخطابة لجمع يبلغ عشرات الآلاف، وإنشاد الأغاني والهتافات الودودة غير المؤذية لجمع يبلغ مئة ألف شخص، لم تحظَ في وسائل الإعلام بقدر الاهتمام الذي حظي به السلوك غير الاعتيادي لسبعة أو ثمانية أشخاص أو هتافات خمسين أو ستين شخصًا، وبنفس الطريقة لم تكن موضوعًا لأحكام الخطابات المذكورة.
بعض الذين تحدثوا عن حدث السابع من آبان خلال الأيام الماضية، اعتبروه أمرًا طارئًا وعجيبًا وتأسيسًا لخطاب جمعي جديد. يكفي أن ننظر إلى الشواهد والمعطيات المتوفرة لندرك أن هذا التصور ليس صحيحًا. إن حدث السابع من آبان هذا العام هو حلقة من سلسلة تصل السابع من آبان في العام الماضي والعام الذي سبقه بالسابع من آبان في العام المقبل. بنفس الطريقة التي يكون فيها الخطاب الوطني المحفز للجمهور الغفير الذي أنجز هذه الحركة المدنية، زهرة في بساط الحركات الواسع الذي هو تجلٍّ للهوية الوطنية لهذا الشعب، وهكذا ينبغي النظر إليه. إن إبداء الرأي حول الأشياء دون امتلاك معرفة كافية عنها، وإصدار الأحكام على الأحداث قبل النظر إليها بدقة ووضوح، والكلام قبل الرؤية، هي أدواء يجدر بالجميع أن يتحرروا منها.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
واقعا جالبه. قبلا تصورمان این بود که مثلا دین یهودی یا ...، جهان بینی اش(بهشت و دوزخ و...) رو از وحی و انبیا اخذ کرده اما اقای وکیلی متنبه مان کرد که نه خیر؛ اینها حاصل جهان بینی ایرانی-زرتشتی و 30 صفحه گاتهای منسوب به زرتشت است. و متنبه مان کرد که دستاورهای تاریخ بشر به پیش و پس از کوروش تقسیم می شود! جالبه نویسنده می گوید باید در برخورد با قضیه کوروش وتاریخنگاری پیرامون اش، پیش فرضها را کنار گذاشت. اما خودشان دقیقا با عینک ایرانشهری تاریخ را تفسیر می کند!
پوپولیسم ناب... سطحی،غیر علمی و عوام پرور. اگر فکر می کنید در کوتاه مدت به نفع ایجاد آلترناتیو در ایران تمام می شود بدانید بااین شیوه سطحی و تدلیس آمیز در دراز مدت طبقه الیت و دانشگاهی را از دست خواهید داد ودرنهایت یک دور باطل دیگر...
واقعا خوشحالم افرادی مث آقای وکیلی عزیز اینقدر موی شکافانه و با دقت این تاریخ کهن و غنی رو به ملت بزرگ ایران میشناسانند و تاریخ غنی ایران کهن رو یادآور میشن.