اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التنوير الديني «برنامج بحثي تقدمي» يفسر المعطيات الوحيانية وينتج النظرية. وتشهد أعمال فنائي، لا سيما في أخلاقيات علم الدين، على تقدمية هذا البرنامج ونقده للتراث والحداثة معًا.

للتيار الذي يُعرف بـ«التنوير الديني» وجهان مختلفان: وجه سياسي-اجتماعي ووجه فكري. والإطار الأنسب لدراسة الوجه الفكري للتنوير الديني هو منهجية «البرنامج البحثي». وبما أنني قد تناولت هذا الموضوع بالبحث في مناسبات أخرى، فسأحجم عن الإسهاب فيه هنا. ما أدعيه هنا هو أن البرنامج البحثي للتنوير الديني، الذي يمكن تسميته «التجديد الديني»، هو «برنامج بحثي رائد». في منظور لاكاتوش، يُقابل «البرنامج البحثي الرائد» «البرنامج البحثي المتدهور». تُصنف البرامج البحثية وفقاً للنظريات التي تنتجها. البرنامج البحثي الرائد ينتج سلسلة من النظريات تتمتع بالخصائص التالية:
1- كل نظرية جديدة في سلسلة النظريات قادرة على تفسير النجاحات السابقة للنظرية التي سبقتها. بعبارة أخرى، جميع النتائج أو التنبؤات القابلة للاختبار وغير المبطلة الموجودة في النظرية السابقة توجد أيضاً في النظرية التي حلت محلها (النظرية الجديدة).
2- للنظرية الجديدة نتائج قابلة للاختبار أكثر من النظرية السابقة (التي تم استبدالها).
3- بعض النتائج أو التنبؤات الجديدة والإضافية القابلة للاختبار والمتعلقة بالنظرية الجديدة قد تم تأكيدها بواسطة اختبارات تجريبية قابلة للتكرار.
الخاصيتان الأوليان لهما جانب نظري، والخاصية الثالثة لها جانب تجريبي. البرنامج البحثي الرائد هو رائد من الناحية النظرية ومن الناحية التجريبية معاً.
عندما يُطبق البرنامج البحثي في مجال علم الدين، فإنه يتعامل مع «المعطيات الوحيانية». ينبغي للبرنامج البحثي أن يكون قادراً على إنتاج مجموعة من النظريات الموجهة نحو «المعطيات الوحيانية». المقصود بالنظرية هنا هو «شبكة من المفاهيم والبنى والقضايا التي ترتبط ببعضها البعض ارتباطاً منطقياً وتقوم بتفسير المعطيات الموجودة في مجال معين». النموذج الإرشادي السائد في الحوزات العلمية وعند رجال الدين التقليديين قد أنتج وطوّر أيضاً نظريات مختلفة لتفسير المعطيات الوحيانية. مجموعة النظريات التقليدية في مجتمعنا مبنية بطريقة يمكن معها أيضاً الإشارة إليها باعتبارها «برنامجاً بحثياً». يمكن طرح سؤال: ما معنى البرنامج البحثي الرائد في مجال علم الدين؟
أولاً، يجب أن ينتج نظريات قادرة على تفسير المعطيات التي فُسرت بواسطة نظريات أخرى، وألا يترك أي معطى تم تفسيره سابقاً دون تفسير. علاوة على ذلك، يجب أن يكون قادراً على تفسير المعطيات التي لم تفسرها النظريات السابقة. من الممكن أن تكون لدينا سابقاً نظريات تفسر المعطيات الموجودة ظاهرياً، ولكن بعد فترة تُطرح أسئلة حول كفاية هذه النظريات من حيث التماسك الداخلي أو الشمولية أو الصلة بالمعطيات. ينبغي للنظرية الجديدة، أثناء تفسيرها للمعطيات، أن تدافع عن كفايتها في مواجهة الانتقادات الموجهة إليها.
ثانياً، يجب أن يكون خصباً ومولداً. البرنامج البحثي الرائد يجب أن يمتلك القدرة على تقديم المزيد من النظريات، وأن يجيب في الواقع على المزيد من الأسئلة. البرامج البحثية المتدهورة لا تملك إجابة أمام الأسئلة الجديدة، وتسعى إلى تجاهلها وإغفالها عن عمد.
ثالثاً، يجب أن يكون قادراً على إزالة الغموض عن الحالات المبهمة وغير الواضحة، وتقديم نتائج محددة وقابلة للفهم والتقييم. نتائجه الواضحة والجليّة يجب أن تحظى بدعم الاستدلالات والمعلومات المستمدة من المعطيات، وأن تتمتع بمصداقية مقبولة.
المقارنة بين البرنامج البحثي للتنوير الديني والبرامج البحثية الأخرى يمكن أن تقنعنا في الحكم على ريادة هذا البرنامج.
مجموعة كتابات الدكتور أبو القاسم فنائي، في اعتقادي، علامة جيدة جداً على ريادة البرنامج البحثي للتنوير الديني. وبشكل خاص كتابه الأخير (أخلاقيات علم الدين) هو من أبرز الأعمال التي أُنجزت في إطار البرنامج البحثي للتنوير الديني. سأشير إلى بعض السمات المميزة لأعماله التي تُظهر، قليلاً أو كثيراً، ريادتها.
الأول. يكتمل التنوير الديني في نقده المتزامن لـ«التقليد» و«الحداثة». فرغم أن التنويريين الدينيين ينتمون إلى الخطاب الحديث، إلا أنهم لا يرحبون بـ«أحادية الحديث». إنهم ينخرطون في حوار مع الحداثة، وهو حوار نقدي. ومن الآفات الرئيسية للتنوير الديني الاستسلام لـ«أحادية الحديث». وهي آفة أصابت بعض أعمال التنويريين الدينيين في السنوات الأخيرة. لقد أظهر فنائي أنه لا يذعن للقبول المطلق بكل ما هو جديد، ولا للانفعال إزاء المنتجات الحديثة، بل يتخذ منها موقفًا نقديًا في كل موضع.
الثاني. لقد كانت المعرفة بالتقليد والقدرة على نقده بعمق من ميزات التنويريين الدينيين. لكننا في حالة فنائي لا نواجه مجرد معرفة، بل نلاحظ لديه تمكنًا عميقًا من المعارف الحوزوية. ففي ثنايا هذا الكتاب ما يدل على معرفته بالمعارف التقليدية وقدرته على تحليلها نقديًا.
الثالث. يمتد النقد لدى فنائي ليشمل حتى منجزات التنوير الديني. فهو يحلل المنجزات السابقة للتنوير الديني، ويقدم أدلة جديدة لتأييدها، وينقح صورة استدلالها ويعيد بنائها، ويزيل الغموض عنها ويصحح ما فيها من تشويش وضعف. إنه في مجموع أعماله يعزز نقاط القوة ويزيل نقاط الضعف.
الرابع. لا يكتفي فنائي بالإجابة عن الأسئلة القائمة، بل يطرح أسئلة جديدة ويفتح أمامنا آفاقًا جديدة. والأسئلة التي يطرحها ليست مجرد تمرين ذهني، بل هي أسئلة مهمة وفاعلة تُعد الإجابة عنها خطوة مهمة إلى الأمام.
الخامس. لغته منقحة ومنهجه تحليلي. إنه يحسن التصنيف، ويجادل بوضوح، ويختار الكلمات المناسبة لنقل المعاني، ويبتكر تراكيب جديدة. كتاباته في مجموعها تنبئ عن ذهن منظم ومدرب، وعن لغة قادرة على نقل المفاهيم. كان أحد الفلاسفة الإيرانيين (السيد الدكتور شايغان) قد قال ذات مرة إنه يرى الفلسفة التحليلية أكثر صحة للإيرانيين. كتابات فنائي تظهر لنا ما يمكن أن تثمره من ثمار يانعة إذا ما وضعنا وضوح الفلاسفة التحليليين ودقتهم في خدمة القضايا الأساسية لمجتمعنا. إننا لا نعثر في كتاباته على مفهوم غير معرف أو ادعاء بلا دليل، وهذا ينبغي أن يُعد إنجازًا كبيرًا للجيل الجديد من التنويريين الدينيين.
السادس. التوظيف المناسب والصحيح للنصوص الوحيانية هو من السمات الأخرى لأعمال فنائي. فهو يقدم من المفاهيم الموجودة في النصوص الوحيانية تأويلات وتفسيرات جديدة، لا تقتصر على تغطية الاستخدامات السابقة لهذه المفاهيم فحسب، بل تجد لها استخدامات جديدة أيضًا. وهو على وجه الخصوص، إذ يبين جيدًا عدم اتساق بعض التأويلات القديمة مع سائر أجزاء هندسة المعرفة الدينية، ينبه جيدًا، وعلى الرغم من قوتها الظاهرية، إلى عجز التأويلات التقليدية للمفاهيم الدينية.
السابع. بذل التنويريون الدينيون جهودًا كبيرة لتفسير الدين على نحو يجيب عن الأسئلة النظرية ويقدم حلولًا للمشكلات العملية لـ«عصرنا».
وفضلًا عن ذلك، لا يُرى في فهمهم للدين أي تعارض بين المعتقدات الدينية والمعارف المعتبرة والقيم المقبولة في «عصرنا». هذا التركيز على إظهار «قدرة وديناميكية» الفكر الديني يغفلهم أحيانًا عن التأكيد على ضرورة التدين والإيمان بالدين من أجل عيش حياة فاضلة. تكمن بروز أعمال فنائي في أنه يمكن للمرء أن يدرك باستمرار تأكيده على ضرورة التدين في العصر الحديث وسعيه لتثبيت حقيقة أن «الدين شرط لازم لسعادة الإنسان المعاصر». إن أعمال فنائي، بالإضافة إلى تعزيزها للنظرة الحديثة لدى الإنسان، تعزز أيضًا حاجته إلى التمسك بالدين.
ينبغي استقبال كتابات وكتب الدكتور فنائي من أجل عيش مؤمن في العالم الحديث. برنامجه البحثي يبشرنا بثمار حلوة وآسرة.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.