قام أحد المجددين الدينيين (السيد أكبر كنجي) بنقد مفصل لنظرية «الأحلام الرسولية» للدكتور عبد الكريم سروش، ثم انتقل بعد ذلك إلى عرض وتقييم مشروع طويل الأمد ظن أن طرح نظرية «الأحلام الرسولية» ليس سوى خطوة في سبيل التمهيد لتحقيق ذلك المشروع طويل الأمد. أثار طرح هذا الموضوع ردود فعل ضد الكاتب جعلت أجواء الحكم مغبرة وأدت إلى طرح مباحث تتنافى مع المكانة الرفيعة للمجددين الدينيين باعتبارهم دعاة للتدين الأخلاقي المحوري.
.
عبور العقبة
علي رضا علوي طبار
لا تظننّ، يا من زرعتَ في الخريف شعيراً،
أنّك ستحصد قمحاً وقت الحصاد (سعدي)
قام أحد روّاد التنوير الديني (
السيد أكبر كنجي) بنقد مفصّل لنظرية «الأحلام الرسولية» للدكتور عبد الكريم سروش، ثم انتقل بعد ذلك إلى عرض وتقييم مشروع طويل الأمد كان يعتقد أن طرح نظرية «الأحلام الرسولية» ليس سوى خطوة في سبيل التمهيد لتحقيق ذلك المشروع طويل الأمد. أثار طرح هذا الموضوع ردود فعل ضد الكاتب، مما غبّر أجواء النقاش وأدى إلى طرح مباحث تتنافى مع المكانة الرفيعة لروّاد التنوير الديني باعتبارهم دعاة للتدين القائم على محورية الأخلاق.
كان لزاماً على كل شخص أن يسعى قدر استطاعته لإخماد هذا الغبار، وأن يساعد في الخروج من هذه الضوضاء عبر التذكير ببعض التوجهات. وأنا أيضاً، بصفتي واحداً من أقل المهتمين بالتنوير الديني، رأيت من الضروري تذكيركم ببضع نقاط. هذه الكتابة هي ثمرة هذا الشعور بالمسؤولية؛ آملاً أن تكون مفيدة.
١- مكانة الدكتور سروش في إعادة «الديناميكية» و«الحيوية» إلى الأفكار الدينية التي أصابها الصدأ والركود لفترات طويلة، ليست خافية على أحد. خلال السنوات الماضية، قدّم الدكتور سروش خدمة جليلة للفكر الديني في ثلاثة مجالات: طرح أسئلة أساسية ودقيقة؛ عرّف بمصادر البحث ومناهجه للعثور على الإجابات؛ وأخيراً قدّم معايير لتقييم الإجابات لأهل النظر.
بمعنى ما، كل من يفكر في الدين – سواء أكان موافقاً أم معارضاً – مدين له. سروش (وأفكاره) نقطة تحول في تاريخ دراسات الأديان المعاصرة لدينا. يمكن للمرء أن يخالف سروش وآراءه، لكن لا يمكنه إنكار أهمية الأسئلة التي طرحها، ولا تجاهل المعرفة الواسعة التي تشكل سنداً لطرح هذه الأسئلة. إن تذكير سروش ببعض المباحث الأولية المتعلقة بدراسات الأديان الحديثة هو تجاهل لتمكنه ومعرفته الغزيرة جداً. معرفةٌ لولاها لما استطاع طرح مثل هذه الأسئلة المزلزلة في ساحة دراسات الأديان. لذلك، حيثما نرى تعارضاً بين وجهة نظره وبعض المباحث المعتبرة في دراسات الأديان، ينبغي علينا في الخطوة الأولى أن نبحث عن نقاش أعمق مما يبدو في الوهلة الأولى. وبعد أن لا نجد مثل هذا النقاش، نقدم على النقد.
٢- على الجانب الآخر من هذه القضية يقف السيد أكبر كنجي. وهو أيضاً شخصية معروفة لدى روّاد التنوير الديني ودعاة التغيير السياسي. دوره في تنظيم وإعداد أعمال الدكتور سروش لفترة ملحوظة ليس بخافٍ على المطلعين. علاوة على ذلك، دفاعه الحماسي عن الدكتور سروش وآرائه والتكاليف الباهظة التي تكبدها من أجل هذا الدفاع، لم تذهب بعد من الذاكرة. كتاباته السابقة ونقوده الأخيرة على حد سواء تدل على معرفته وإلمامه بمجمل أعمال الدكتور سروش المكتوبة والشفهية. أسلوب كتابة السيد كنجي هو أسلوبه الخاص! صريح وبلا مواربة، لاذع، غزير ومقرون باستشهادات كثيرة يضيع بينها أحياناً أصل الدعوى! لكن لا يمكن للمرء أن يجد في أعماله صفتين: انعدام الصدق والكتابة عن جهل. قراءة كتاباته توحي للقارئ أحياناً بأنه تبنى وجهة نظر ثم جمع الشواهد لتأكيدها! لكن هل يمكن الاستدلال على صحة كتاباته أو خطئها بالاعتماد على دوافعه؟ من الواضح أن الجواب هو لا. بتعبير أحد الأصدقاء، قراءة كتابات كنجي ترهقك لكنك في النهاية تقر بأن «قراءتها كانت رياضة لكنها استحقت العناء». ليس من الإنصاف أن نبتهج ونصفق عندما يكتب ضد أعدائنا، ثم نصاب بالاكتئاب عندما يوجه لنا النقد! السجل السياسي لكنجي أوضح من أن يرغب طلاب العافية مثلي في التشكيك به.
٣- في خضم هذه الضوضاء، طالت أسماء عظماء آخرين، ظلماً. الدكتور
آرش نراقي أيضاً، تعرض لجفاء كبير. إن تذكّر شخصيته الهادئة وكلماته الرزينة، جعلني أستغرق كثيراً في التفكير: إلى أي حد يمكننا أن نكون قساة، وأن ننسى فجأة كل قيم الآخرين وجهودهم، ونقول عنهم ما يحلو لنا! تيار التنوير الديني يمتلك ثروات بشرية كثيرة، ينبغي أن نفخر بها ونعتز. أناس شرفاء، في زمن انعدام الأخلاق وعبادة السلطة، أقدموا على طرح أسئلة كبرى، وبذلوا أعمارهم بصدق من أجل الدفع بمشروع خلق الإمكانية النظرية والعملية للإيمان بالدين والتدين في العصر الحديث.
رأس مال كبير مثل محسن كديور، وآرش نراقي، وأبو القاسم فنائي، وعبد العلي بازركان، وحسن يوسفي إشكوري، وحبيب الله بيمان، ومحمود صدري، وأحمد صدري، وسروش دباغ وغيرهم... هم من القيمة لمجتمعنا بحيث لا ينبغي أن نستعرض جحودنا التاريخي أمامهم بكل ذريعة!
٤- كان تصوري أن نظرية «الأحلام الرسولية» للدكتور سروش لم تُطرح بعد بشكل كامل، وينبغي الصبر حتى يقدمها صاحبها بتفصيل وفي مواجهة النقد والأسئلة المطروحة، ولا يمكن الحكم عليها إلا بعد اكتمال المشروع. الحق أن ما طُرح حتى الآن لم يكن مقبولاً بالنسبة لي، ولا أراه أفضل تفسير ممكن لـ«المعطيات الوحيانية»، لكني كنت في انتظار إزالة الغموض والتناقضات الداخلية فيها والتغلب على افتقارها للجامعية والمانعية. أعتقد أن أفضل خدمة لهذه النظرية، ولمصممها، هي السعي لإظهار نقائصها وحالات عدم الصدق المحتملة فيها. ومن هنا، أعتبر جهود أمثال السيد كنجي خدمةً لا خيانة.
السبيل الوحيد لرد هذه الخدمة هو الإجابة عليها، لا سحقها! جماعة أهل النظر في التنوير الديني لديهم أسئلة كثيرة حول هذه النظرية. يجب اتباع طريقة تشجعهم جميعاً على تدوين أسئلتهم، لا أن يصمتوا خوفاً على ماء وجوههم.
التنوير الديني سيجتاز هذه العقبة أيضاً. المستقبل لمن يواصلون السير في الطريق بجد وصبر وأخلاق.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
نویسنده چیزی نگفته. انتظار بیشتری داشتم.