اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحلل علويتبار، في نقده لأرش نراقي، العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان. ويجادل بأن مقتضيات الليبرالية لا تنسجم مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن الديمقراطية لن تكون ضامنةً لجميع أبعاد حقوق الإنسان.

سعى صديقي العزيز والمفكر الدكتور آرش نراقي، في حديث و كتابة له بعنوان «التنوير الديني ودوره في المستقبل السياسي لإيران» إلى تقديم صياغة واضحة لآراء اثنين من أبرز المفكرين الدينيين الجدد في إيران المعاصرة (السيدين الدكتور عبد الكريم سروش والدكتور محسن كديور) حول الحكومة المثلى. ثم حاول بعد ذلك تحديد علاقة هذه الحكومة المثلى بالنظرة الدينية لهذين المفكرين، ونقدها من زاوية مراعاة حقوق الأقليات. ومع أن الانتظام الفكري والإنصاف والعلم الغزير الذي يتمتع به يتجلى بوضوح في مسعاه، إلا أنه يحضرني أن ثمة غموضاً مهماً في الكتابة المذكورة يستوجب النقد والمراجعة. وهو بالطبع قد تناول هذا النقد والمراجعة بدوافع معرفية ولاهوتية، لكنه سيسمح لي، بصفتي فرداً ذا انشغالات سياسية، بأن ألقي نظرة على مباحثه. ينبغي أن أوضح أنني في هذه الكتابة أستخدم مصطلحي الديمقراطية والليبرالية في مجال الفكر والأنظمة السياسية، وأضع جانباً استخداماتهما في المجالات الأخرى.
أولاً) يتمثل هاجسه الرئيسي في هذا الحديث (الكتابة) حول «مراعاة حقوق الأقليات في حكومة تُدار بناءً على رأي الأغلبية المسلمة». ولكي يتضح النقاش أكثر، ألفت انتباهه إلى بضع نقاط. أولاً، لا بد من التوصل إلى تصور مشترك للديمقراطية. ما أعتقده هو أن الديمقراطية الحديثة تقوم على ثلاث دعامات أساسية: ١) سيادة الشعب (قبول حق الشعب في تنصيب الحكومة ونقدها وعزلها واتخاذ القرار في الشؤون العامة). ٢) المساواة السياسية بين المواطنين (قبول الحق المتساوي لجميع المواطنين في تولي المناصب السياسية والمشاركة في اتخاذ القرارات العامة ومراقبة الحكومة). ٣) حكم الأغلبية مع مراعاة الحقوق الأساسية للأقلية (العمل بناءً على رأي الأغلبية في حالات الاختلاف دون إزالة إمكانية تحول الأقلية إلى أغلبية في المراحل اللاحقة). الأنظمة الديمقراطية هي محاولات ناجحة نسبياً لتجسيد هذه المبادئ في إطار شروط وإمكانيات مجتمع معين.
تستلزم إدارة الشؤون العامة في المجتمعات الجديدة اختيار وتنفيذ سياسات عامة، وكلما كانت المجتمعات أكثر حداثة، واجهت الحكومات خيارات أكثر تنوعاً عند رسم السياسات العامة، يتوجب عليها أن تختار من بينها. لا يمكن تأجيل إدارة الشؤون العامة ومواجهة المسائل والمشكلات العامة إلى حين حصول الإجماع والاتفاق العام. لا بد من إضفاء الشرعية على أحد الخيارات واتخاذه أساساً للعمل عبر آلية ما. ويبدو أن رأي الأغلبية هو الطريق الأقل ضرراً للاختيار. أساس العمل هو رأي الأغلبية اضطراراً، وإذا وجدت أغلبية فستكون هناك حتماً أقلية. سواء أكان المجتمع دينياً أم غير ديني، فلا مفر من قبول رأي الأغلبية في حالات الاختلاف. وبعد أن يصبح رأي الأغلبية قانوناً، ينبغي على الجميع الالتزام العملي بالقانون، حتى لو كانوا معارضين له. وبالطبع، كما قيل، لا يمكن للأغلبية بالاعتماد على رأيها أن تنتهك الحقوق الأساسية للأقلية.
ثانياً) إن الهاجس الذي يلوح في كامل كتابة الدكتور نراقي هو مراعاة حقوق الإنسان في إطار نظام ديمقراطي. ومن هنا، ينبغي التأمل قليلاً في علاقة الديمقراطية بحقوق الإنسان. بناءً على تصنيف مشهور، يمكن تقسيم حقوق الإنسان إلى أربع مجموعات:
الحقوق المدنية (حق حرية إبرام العقود، والملكية، والتنظيم، والتجمع، والتعبير، والفكر... إلخ)، والحقوق السياسية (حق المشاركة في العمليات السياسية والاختيارات السياسية)، والحقوق الاقتصادية-الاجتماعية (حق التمتع بتلبية الاحتياجات الأساسية كالطعام والملبس والمسكن والصحة والحد الأدنى من التعليم)، والحقوق الثقافية (حق التمتع بالمعرفة الجديدة وامتلاك نمط حياة مختلف).
لقد أظهرت التجربة التاريخية أنه لتحقيق الديمقراطية، فإن احترام الحقوق والحريات المدنية والسياسية ضروري، وبدون احترامها لا يمكن الحديث عن وجود الديمقراطية والنظام الديمقراطي. لحقوق الإنسان أساس أوسع بكثير من الحقوق اللازمة للديمقراطية. إن الوصول إلى الديمقراطية لا يؤدي تلقائياً إلى إرساء وحماية جميع أبعاد حقوق الإنسان. الديمقراطية وسيلة للحصول على المزيد من الحقوق والحريات، وليست مساوية لها جميعاً. يمكن مع إرساء الديمقراطية أن نأمل بأن يتم، بجهود المجتمع المدني، الحصول على الأبعاد الأخرى لحقوق الإنسان وإرساؤها تدريجياً. إذا افترضنا أن الديمقراطية مرادفة لإرساء جميع أبعاد حقوق الإنسان وأجزائها، فلن يكون هناك أي نظام ديمقراطي في العالم أولاً، وثانياً لن نجد أي نقطة انطلاق لإرساء المزيد من حقوق البشر. إن إرساء جزء من حقوق البشر فقط كافٍ لوجود ديمقراطية دنيا.
ثالثاً) يُستنتج من كلام الدكتور نراقي أنه يعتبر «الديمقراطية الليبرالية» أفضل طريق لاحترام وإرساء حقوق البشر المتنوعة. إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فيجب القول إنني لا أتفق مع رأيه. نقاشي ليس حول الحكومات التي تدّعي الديمقراطية الليبرالية، بل حول مقتضيات أيديولوجيا الليبرالية نفسها. لتوضيح المدّعى، لا بد من الحديث قليلاً عن مفهوم الليبرالية السياسية. نعلم أن هناك اختلافات كثيرة في تعريف الليبرالية، لكنني أعتقد أننا إذا وضعنا مواضع الخلاف جانباً، يمكننا الادعاء بأن الليبرالية هي «نموذج سياسي ذو مثل أعلى وتوجيهين». المثل الأعلى الرئيسي لليبرالية، الذي يحدد الهدف الأقصى لكل ليبرالي في السياسة، هو «بلوغ أقصى حد ممكن ومسؤول من الحرية والاستقلالية الفردية». الحرية الليبرالية حتى حدود «الإمكان»، أي إلى حيث لا تؤدي إلى انهيار المجتمع وزوال الحياة الجمعية. إضافة إلى ذلك، هي حرية مسؤولة بمعنى أن لكل شخص الحق في أن يقرر بشأن نفسه، لكن عليه أيضاً أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية لنتائج قراره. للوصول إلى هذا المثل الأعلى النهائي، لدى الليبرالية توجيهان رئيسيان. التوجيه الأول هو «فصل مجال المجتمع عن مجال الحكومة». كانت الليبرالية منذ البداية مسعى فكرياً لتحديد المجال الخاص (الفردي، والأسري، والاقتصادي) في مواجهة سلطة الحكومة، والدفاع عن مجال المجتمع المدني في مواجهة الحكومة. التوجيه الثاني هو «تقييد سلطة الحكومة بالقانون والحقوق والحريات الفردية». سائر المباحث التي تُطرح بين الليبراليين هي جميعاً موضع خلاف فيما بينهم. والمقصود مباحث مثل الدفاع عن الملكية الخاصة، وأولوية الحرية الفردية على المساواة الاجتماعية، وتجزئة السلطات وتفريقها، والتسامح والتساهل... إلخ. النقطة المهمة هي أن قبول التوجيهين الرئيسيين لليبرالية له نتائج منطقية محددة. إحداها قبول «الحكومة الدنيا» والأخرى الدفاع عن «الحرية السلبية». إن احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للبشر واحترام جزء من حقوقهم الثقافية (الوصول إلى المعرفة الجديدة) لا ينسجم مع هذه النتائج المنطقية ولا يمكن الجمع بينهما. إن قبول التمتع بتأمين الحاجات الأساسية «كحق» يخلق التزامات على الحكومة تختلف عن الالتزامات الناشئة عن قبول الحقوق المدنية والسياسية. لاحترام الحقوق المدنية والسياسية، يلزم التزامات سلبية، ولاحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يلزم التزامات إيجابية. إن قبول أي حق يخلق للحكومة وظائف كالحماية (للناس من الحرمان) والمساعدة (في حال الحرمان)، ولا يمكن ضمان مراعاة هذه الحقوق بمجرد التجنب (لحرمان الناس). من الواضح أن الحكومة التي تريد إرساء واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للبشر لن تكون بعد ذلك «حكومة دنيا». الحكومة الدنيا محدودة من ناحية «الصلاحيات» ومحدودة من ناحية «الوظائف». في حين أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجزءاً من الحقوق الثقافية تحتاج إلى حكومة تكون «صلاحياتها» محدودة، لكن «وظائفها» أكثر من حكومة دركي (حكومة دنيا). سبب مقاومة النيوليبراليين لقبول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هو هذا أيضاً، لأنهم يعلمون أنه سيؤدي إلى نقض توجيهاتهم. مع الأخذ بعين الاعتبار ما قيل، أعتقد أن الحكومة الليبرالية لا يمكنها من ناحية الأسس أن تؤدي إلى تحقيق جميع حقوق البشر؛ إلا إذا فضلنا وأولينا أولوية لتحقيق بعض الحقوق (مثل حقوق المثليين الجنسيين) على بعض الحقوق الأخرى (مثل حقوق الفقراء والمهمشين).
رابعًا) النقطة الأخيرة التي أودّ أن ألفت انتباه المفكر العزيز (نراقي) إليها، هي أنني أعتقد أن جميع المجددين الدينيين تقريبًا يؤمنون بالتمييز بين «أحكام الشريعة» و«القوانين الوضعية». لقد تجلى هذا التمييز في آثار وكتابات المجددين الدينيين من عدة وجوه. أولاً من حيث «كيفية تشكل وتغير» كل منهما. استنباط أحكام الشريعة يتبع منطقًا خاصًا، والتغيير، وعملية فهم النص وتفسيره وتصحيح الفهم، هي كذلك. أما في القوانين الوضعية فإن العمليات الديمقراطية وفي نهاية المطاف رأي الأغلبية هو المحور. ثانيًا، يكمن التمييز بينهما في مجال «ضمان التنفيذ». ضمان تنفيذ أحكام الشريعة هو «الإيمان والضمير»، أما ضمان تنفيذ القوانين الوضعية فهو «القوة القسرية للحكومة». ثالثًا، يكمن التمييز في «الغاية» من كل منهما. الالتزام بأحكام الشريعة يهدف إلى «كسب رضا الله والدخول في حياة مؤمنة»، أما هدف القانون فهو «النظام الاجتماعي وتحقيق تصور ما للعدالة». رابعًا، يكمن التمييز في مجال «عواقب انتهاكهما». انتهاك أحكام الشريعة يُعتبر «إثمًا»، وانتهاك القوانين الوضعية يُعتبر «جريمة». بالنظر إلى هذه التمييزات، أعتقد أن قلقه بشأن تحقق الحكومة المثلى لدى المفكرَين قيد البحث ليس قلقًا مبررًا إلى حد كبير.
في الختام، وعلى عكس توصية الصديق العزيز الدكتور نراقي، أرى أنه إذا كان المجددون والمثقفون الدينيون مهتمين بالديمقراطية وحقوق الإنسان ويريدون أن يكونوا صوتًا لأولئك البشر الذين لا يصل صوتهم إلى أحد (الفقراء والكادحون المهمشون)، فعليهم أن يسعوا ليكونوا في موقع «صنع السياسات». يجب أن يلعبوا دورًا في صياغة السياسات، وفي تنفيذها، وفي تقييمها، في إطار «العمل الجماعي».
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.