اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التمييز بين «الدين» بوصفه معطيات وحيانية و«علم الدين» بوصفه مسعى منهجي هو أساس إعادة التفكير الديني؛ فتدقيق هذه المفاهيم يوضح شروط البقاء في إطار دين ما وحدود التنظير الديني.

إن الكتابات والأقوال التي تُنشر هذه الأيام حول دراسة الدين، والتجديد الديني، وصناعة الدين... إلخ، طافحة بالمصطلحات والتعبيرات المتنوعة، بحيث لا يمكن القيام بأي نشاط تأملي بشأنها دون الاتفاق على المعنى الدقيق لهذه المصطلحات والتعبيرات. ومن هنا، فبينما أشرع في طرح تأملات في سياق هذه المباحث، أحاول أيضاً أن أوضح بعض المفاهيم وأميزها عن بعضها البعض. ١- أول مفهوم يحتاج إلى إعادة تأمل وتدقيق هو مفهوم «الدين» ويليه «الإسلام» .
إن التعريف الدقيق لـ«الدين» تعريفاً جامعاً مانعاً، إن لم يكن مستحيلاً، فهو على الأقل أمر عسير، ولكن بما أن النقاش قد أثير حول الخروج من نطاق دين معين أو البقاء فيه، فلا بد أن نحدد مرادنا من الدين إلى حد ما. إذا حصرنا نطاق بحثنا في الأديان التوحيدية (الإبراهيمية) واعتبرناها ذات تشابه عائلي، فرغم أن أياً من مجموعات التشابهات بين أفراد هذه العائلة لا تكفي وحدها للتعريف، إلا أنه يمكن العثور فيما بينها على السمة الغالبة والشائعة (هيك، ١٣٧٦: ١٦).
علاوة على ذلك، يبدو أنه لتوضيح الموضوع ينبغي التمييز بين «الدين» و«التدين والإيمان». الدين في النظرة الأولى أمر خارجي، أما التدين والإيمان فأمران داخليان. ويكتسب هذا التمييز أهمية أكبر، خاصة إذا كنا نؤمن بنوع من الواقعية في «دراسة الدين». ففي جميع أشكال الواقعية (الواقعية البسيطة، والواقعية المعقدة والنقدية، والواقعية التاريخية) (Guba & Lincoln, 1999: 109) يوجد الواقع مستقلاً عن إدراكنا. قد نعتبر أن معرفته وإدراكه في المتناول تماماً (الواقعية البسيطة)، أو نعتبر أن معرفته وإدراكه الاحتمالي والناقص فقط هو الممكن والمتاح (الواقعية النقدية والمعقدة)، أو نعتبره مغلفاً بهالة من القيم الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والعرقية والجندرية التي لا تتجسد وتنكشف كاملة إلا بمرور الزمن (الواقعية التاريخية). من منظور واقعي، فإن «الدين» بوصفه موضوع «دراسة الدين»، هو مفهوم مستقل عن أنواع دراسات الدين. والآن يمكن أن نسأل: ما هي السمة الغالبة والشائعة لواقع الأديان الإبراهيمية (التوحيدية)؟
الدين بوصفه واقعاً خارجياً، هو مجموعة من العلامات والنصوص التي لها أصل إلهي وفقاً للمعتقدات الدينية.
إذا أردنا أن نتحدث بدقة أكثر، فإن كل شيء يعود إلى محور يمكن تسميته «المعطيات الوحيانية». إن استخدام هذا المصطلح يستلزم التأكيد على عدة نقاط أكثر تفصيلاً، أهمها على النحو التالي:
أولاً. نحن أمام مجموعة من «المعطيات» (data). أي مجموعة من الرموز والكلمات والأعداد والأشكال التي تحكي عن حقائق وأحداث. لكنها وحدها لا تكفي لنقل المعنى وتحتاج إلى معالجة. تتحول المعطيات إلى معلومات (information) بإضافة خصائص مثل تحديد السياق، والحساب، والتصنيف، والارتباط ببعضها البعض، والتصحيح في أثناء المقارنة. إن تحويل المعطيات إلى معلومات يتطلب التحليل والتفسير. وما يبرر استخدام مصطلح «معطى» للوحي هو، من جهة، المعنى اللغوي لهذا المصطلح، ومن جهة أخرى، بعض الروايات المنقولة حول كيفية نزول الوحي.
الوحي في الأصل بمعنى «الإشارة السريعة»، ويدل في الكلام على الكلام الرمزي والكناية، والأصوات غير المركبة، وأحياناً على إشارة الأعضاء (راغب، ١٣٩٤: ٨٢٧).
النقطة المهمة هي أن المعطيات الوحيانية في الإسلام قد «عُولجت» مرة واحدة بحضور النبي (ص) وبتوجيهه وشروحاته. فتصنيف الآيات في إطار السور، وشروح النبي (ص) حول شأن نزول الآيات، وشروحه لتوضيح المبهمات… هي من جملة حالات معالجة هذه المعطيات. ونتيجة هذه المعالجة هي تشكّل «الكتاب» و«سنة» النبي في تفسير رسالة الكتاب. فالمسلمون بعد النبي (ص) يواجهون معطيات وحيانية حُوّلت مرة واحدة بواسطته إلى معلومات. لكن اختلافات المسلمين بعد النبي (ص) في فهم وتوضيح كتابه وسنته تُظهر أنهم ما زالوا بحاجة إلى السعي لفهمه.
ثانياً. الوحي يدل على إقامة التواصل ونقل الرسالة. فالمعطيات الوحيانية، دون افتراض وجود الله وإرادته لإيصال الرسالة إلى البشر، هي إجراء عبثي وبلا معنى. إن أخذ المعطيات الوحيانية على محمل الجد والسعي لكشف المعنى الكامن فيها إنما يتم بافتراض وجود «رسالة» في ثناياها، مما يُخرجها من كونها إجراءً عبثياً وبلا نتيجة.
ثالثاً. التعلق بدين ما والولاء له يتم بافتراض أن المعطيات الوحيانية المتاحة لنا كافية لتلقي الرسالة المرسلة من جانب الله. فإذا اعتبر شخص ما أن المعطيات الوحيانية الموجودة غير كافية لنقل الرسالة، فإنه يبحث عن مصادر موثوقة ومكافئة للمجموعة الموجودة لتكميل الرسالة. إن تفسير المعطيات الوحيانية للوصول إلى إجابات جديدة منها شيء، واعتبارها غير كافية شيء آخر.
وبالنظر إلى ما قيل، يبدو أنه للاندراج تحت «دين» معين، فإن القبول بثلاثة محاور والالتزام النظري والعملي بها ضروري على الأقل:
أولاً، الاعتقاد بأن نبي ذلك الدين قد بُعث ليكون حامل رسالة الله إلى البشر. ثانياً، الاعتقاد بأن رسالة الله حاضرة في النص الوحياني والنموذج السلوكي للنبي. ثالثاً، الاعتقاد بأن النص الوحياني لذلك الدين والنموذج السلوكي لنبي ذلك الدين كافيان لتلقي رسالة الله.
إن نفي أي من الاعتقادات الثلاثة المذكورة يؤدي إلى الخروج من نطاق دين ما، وربما الدخول في نطاق دين آخر أو صناعة دين. فالبقاء في المجال «الإسلامي» ضمن إطار دين الإسلام يستلزم الاعتقاد بنبوة محمد بن عبد الله، وحضور رسالة الله في القرآن وسنة نبي الإسلام (ص)، وكفايتهما لتلقي رسالة الله، وقبول الاستغناء عن نبوة جديدة لنقل هذه الرسالة.
۲- المفهوم الثاني الذي يحتاج إلى تأمل هو مفهوم «دراسة الدين» ويتبعه «الدراسات الإسلامية»
دراسة الدين في أبسط تعريف هي السعي «المنهجي» للإجابة عن الأسئلة المطروحة حول دين ما. إن ما يفصل التفكير في الدين عن التخيل حوله هو كونه منهجياً. المنهج في أبسط تعريف يعني كيفية السير في «المسار» للوصول إلى «الهدف». وبتعبير أدق، كون السعي منهجياً يعني «السير بناءً على أصول وضوابط معينة وبالمرور بمراحل محددة للوصول إلى الهدف المعين». وكما يُلاحظ، فإن المنهجية تستلزم نوعاً من «البنينة».
إن دراسة الدين والعلوم التجريبية، وإن لم تكونا من سنخ واحد ولا يمكن مقارنتهما في مجال «الموضوع» و«المنهج» و«الحصيلة»، إلا أنهما، كما يقول إيان غريم باربور (Barbour, 1990)، يمكن أن تتعلم إحداهما من الأخرى وتتحاورا معاً، وبعبارة أخرى، إنهما متشابهتان من بعض الجوانب وقابلتان للمقارنة. ويمكن البحث عن أهم أوجه التشابه بين دراسة الدين والعلوم التجريبية في الموارد التالية:
۱. اعتبار العرف؛ ۲. استخدام اللغة المؤسسية، والتمثل، والنموذج؛ ۳. الانخراط الشخصي؛ ۴. التفاعل بين التجربة والعقل؛ ۵. أهمية الشك والارتياب؛ ۶. أهمية اللغة ودورها (معنوية القضايا، الاستعمال اللغوي)؛ ۷. معايير التقييم (الصلة بالمعطيات، الاتساق، الشمولية).
بسبب التشابهات المذكورة آنفاً، يمكن استخدام الأطر التي قُدّمت لتفسير التغيرات والتحولات العلمية، لفهم وتفسير التغيرات الحاصلة في دراسة الدين.
اليوم، لا يكاد المرء يجد صاحب نظر ينكر وجود وجهات نظر مختلفة في مجال دراسة الدين (أو بتعبير شريعتي، أنواع الإسلاميات). لتفسير وفهم أنواع دراسات الدين، يُستعار أحياناً مفهوم النموذج الإرشادي السائد (Paradigm) من كوهن، وأحياناً مفهوم البرنامج البحثي (Research Programme) من لاكاتوش. في النظرة الأولى، تكون الاتجاهات المختلفة في دراسة الدين نماذج إرشادية سائدة في دراسة الدين، وفي النظرة الثانية، يكون كل منها برنامجاً بحثياً في دراسة الدين يتنافس مع البرامج البحثية الأخرى.
يجب الانتباه إلى أن هذا الاختلاف ليس في التسمية فحسب، بل له عواقب كثيرة. صحيح أن كلاً من وجهة نظر كوهن ووجهة نظر لاكاتوش تنظران إلى العلم (وهنا دراسة الدين) بوصفه "كلاً بنيوياً" وليس مجموعة من القضايا والنظريات المستقلة والمنعزلة، لكن النماذج الإرشادية السائدة في نظر كوهن غير قابلة للمقارنة والقياس، في حين أن هذا الأمر ممكن في حالة البرامج البحثية عند لاكاتوش.
إذا اعتبرنا أنواع المعارف الموجودة عن الدين بوصفها نماذج إرشادية مختلفة، فإن هذه النماذج، بالإضافة إلى كونها غير متوافقة مع بعضها البعض، تكون أيضاً لا قياسية (incommensurable)، أي لا يمكن مقارنتها ببعضها أو قياسها بمعيار وضابط محايد ونزيه. أي محاولة للاختيار العقلاني بين النماذج الإرشادية المتنافسة تكون فاشلة وستواجه معضلة الدور. فكل نموذج إرشادي سائد يتضمن نظرياته وأساليبه ومعاييره ومقاييسه الخاصة.
إحدى النتائج المهمة للاقياسية النماذج الإرشادية السائدة هي أن الاختيار بين النماذج يكون غير عقلاني إلى حد كبير. هذا التصور اللاعقلاني لاختيار النماذج يؤدي إلى نسبية المعرفة العلمية ودراسة الدين. إن الحكم على جدارة وجهة نظر ما (سواء في العلم أو في دراسة الدين) يتم بناءً على معايير هي نفسها لا قياسية. هذه الصورة غير التراكمية واللاعقلانية إلى حد كبير لتطور العلم ودراسة الدين ليست مقبولة لدى الفلاسفة الموضوعيين والواقعيين. بينما في منهجية لاكاتوش، يجب اختيار البرنامج البحثي "التقدمي" (Progressive) وتجنب البرامج البحثية "المتدهورة" (degenerating). فهو لا يرى المقارنة والحكم ممكنين فحسب، بل يصفهما أيضاً.
إن دارسي الدين الذين يؤمنون بوجود واقع مستقل عن إدراكنا بوصفه "معطيات وحيانية"، ويقبلون إمكانية الحكم المعقول بين أنواع دراسات الدين، ويضيفون إلى ذلك إيمانهم بـ"الصلة بالمعطيات" كمعيار لتقييم وجهات النظر المختلفة في دراسة الدين، سيؤمنون حتماً بنوع من قابلية قياس وجهات النظر المختلفة في دراسة الدين بعضها ببعض، حتى لو أسموها نماذج إرشادية مختلفة.
إذا لم تمل دراسة الدين إلى "منهج" محدد لدراسة الدين يمكن استخدامه بشكل مستقل عن التصور والحدس والخصائص الفردية وخيال الأشخاص لفهم التعاليم الدينية، وجعلت منهج دراسة الدين تابعاً لتصورات وأحكام دارسي الدين الحدسية، فإنها تخرج من نطاق الواقعية وتدخل في نوع من "النسبية المعرفية" في دراسة الدين. النتيجة المنطقية لمثل هذه الوجهة هي أنه لا توجد أي وجهة نظر في دراسة الدين أفضل من الوجهات الأخرى، وأن معاييرنا للحكم تُعرّف هي الأخرى من قبل كل وجهة نظر.
قد يخرج دارس الدين من نطاق "الواقعية" ويندرج تحت "النسبية" في دراسة الدين لأسباب مختلفة:
الحالة الأولى، إذا لم يعتقد بوجود واقع للدين مستقل عن إدراك وأذهان دارسي الدين، وهو ما يمكن تسميته بالخروج عن الواقعية الميتافيزيقية (الأنطولوجية).
الحالة الثانية، إذا لم نعتبر أن هدف دراسة الدين هو فهم الرسالة الموجودة في "العلامات والنصوص" الدينية، ولم نرغب في إقامة علاقة بين وضعنا المعرفي (ما نعرفه في إطار وجهات النظر الدينية حول رسالة الدين) وما هو موجود فعلاً في المصادر الدينية. يمكن تسمية هذا الموقف بالخروج عن الواقعية المعرفية. تدّعي الواقعية المعرفية أن أفضل تفسيراتنا للدين هي (تقريباً) صحيحة، وتشكل وصفاً (تقريباً) دقيقاً للرسالة الموجودة في المعطيات الوحيانية.
٣- المفهوم الثالث القابل للطرح في هذا السياق هو مفهوم "الإنشاد الديني" أو "الإنشاد الإسلامي"
استُخدم مصطلح "الإنشاد الإسلامي" لأول مرة من قبل مرتضى مطهري في عام ١٣٥١ (أبو الحسني، ١٣٦٢: ٤١٧).
يظهر الإنشاد الإسلامي، أو الإنشاد الديني بشكل عام، عندما يصبح الدين موضوعاً للتخيل الإبداعي بدلاً من أن يكون موضوعاً لـ"المعرفة". يتشكل الإنشاد الديني عندما نجعل من الدين، بطريقة ذوقية ومعتمدة على قوة الخيال، موضوعاً لإنشاد الشعر ولكن بصيغة النثر. بعبارة أخرى، الإنشاد الديني هو تقديم الدين دون الالتزام بـ"منهج" محدد في دراسة الدين. يتم الإنشاد الديني أحياناً بنظرة إيجابية للدين وبهدف إظهار جمالياته وجاذبياته، وأحياناً بنظرة سلبية ولإثارة الاشمئزاز والنفور من الدين.
على الرغم من أن الحد الفاصل بين دراسة الدين والإنشاد الديني هو "المنهجية"، إلا أنه لا ينبغي الوقوع في خطأ والظن بأن مجرد امتلاك منهج يضمن صحة نتائج أي مسعى في دراسة الدين. فقط المنهج الذي يتمتع بأسس نظرية مبررة وأظهر كفاءته في الممارسة العملية يمكن اعتباره مقدمة للوصول إلى نتائج مقبولة. لذلك، فإن نقد "المنهج" هو بحد ذاته طريق لمقارنة المعارف المختلفة حول موضوع واحد. على سبيل المثال، ربما يكون "علم الفقه" هو الأكثر منهجية بين مجموعة المعارف الإسلامية. علم أصول الفقه هو الذي يتولى بحث وتبرير هذا المنهج. ولكن على الرغم من هذه المنهجية، وبسبب عدم صحة وعدم قابلية قبول بعض أسس وافتراضات منهجه، فإن نتاج تطبيق هذا المنهج في فهم التعاليم العلمية للدين يكون غير مقبول في حالات عديدة.
يمكن تلخيص ما قيل حتى الآن في عدة محاور واعتباره كنتيجة للنقاش أساساً للحوار:
أولاً. الموضوع الرئيسي لدراسة الدين هو "المعطيات الوحيانية". في الإسلام، تمت معالجة المعطيات الوحيانية مرة واحدة من قبل النبي في قالب "الكتاب" و"السنة". لذلك، لا يمكن اعتبارها خالية من "المعنى" وجاهزة لقبول أي نوع من التفسير. ثانياً. يمكن من خلال التحليل المفهومي لـ"الدين" تحديد معايير وضوابط محددة لـ"الحضور" في إطار دين معين أو الخروج منه. ثالثاً. يمكن دراسة التيارات المختلفة في دراسة الدين في إطار "برامج بحثية" متنافسة. لذلك، يمكن تحديد "نواة صلبة" و"حزام واقٍ" و"توجيهات إيجابية" و"توجيهات سلبية" لكل منها، ومقارنتها مع بعضها البعض تحت هذه العناوين الأربعة. رابعاً. يجب على كل تيار في دراسة الدين أن يعرّف بأسس ومحاور "منهجه" في دراسة الدين وأن يبررها. وإلا فإن ما يقدمه على أنه دراسة للدين يجب اعتباره نوعاً من "الإنشاد الديني" وتسميته إجراءً "ذوقياً".
.
.
هيك- جون- فلسفة الدين- ترجمة بهزاد سالكي- طهران- ١٣٧٦- الهدى
Ian Barbour –Religion in an age of science- 1990
Egon g.Guba- Yvonnas s.LINcoln- Competing paradigm in qualitive research
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.