اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نضالٌ دام عشرين عاماً لطالبٍ في الحوزة ضد الربا، قاده إلى الجامعة حيث توصّل إلى فهمٍ جديد: البنوك نتاجُ عمليةٍ معيبة، والعلاج لا يكمن في إلغاء الفائدة، بل في الازدهار الاقتصادي والتنمية السياسية.

إنه طالب علم، وفي قلبه وجع الدين. قرأ في القرآن أن الربا حرب مع الله. وسمع من أستاذه أن الربا منبع كل الفساد. فيشد الهمة ويخوض حرباً على الربا. أقرب هدف له هو البنوك. يبدأ توجيه نقوده ضد البنوك. يكتب أحياناً، ويلقي المحاضرات أحياناً، وأحياناً يبكي في خلواته العرفانية طالباً من الله أن يوفقه لاستئصال جذور الربا وعدم الحجاب وأمثالهما من الأساس. وأحياناً يتلوى خجلاً من نفسه لتقصيره وعدم خوضه الحرب بما يكفي. تمر عشرون عاماً، وقد صار طالب العلم الشاب في متوسط العمر. لا يزال قلقاً وحزيناً، بل أكثر من ذي قبل؛ لكنه لا يصيبه اليأس. يتجه نحو الإمكانيات الجديدة. ينشئ قناة في التلغرام، ويصنع مدونة، ويذهب إلى الفيسبوك، ويستغل كل الفرص التبليغية في شهري محرم وصفر ورمضان ليكسر شوكة هذا الغول. حين يلقي محاضرة ضد الربا وعدم الحجاب بحلق متعب وصدر موجوع، يغمره إحساس مفعم بالروحانية والقرب. وأحياناً يهمهم: ما بذلته من سعي في طلبك هذا قدره أن القضاء لا يمكن تغييره يقوده الإحساس بالتكليف إلى مزيد من المطالعة، بل وإلى الدراسة الجامعية. في الجامعة وبين الكتب، يتنبه شيئاً فشيئاً إلى مسألة عجيبة. لا يقبلها ويمر بها مرور الكرام. يدخل في نقاشات لا تعرف الكلل مع أساتذة الجامعة والطلاب. يرى في أي تراجع ذرة إثماً كبيراً يقترب ظله منه رويداً رويداً. يطرد عن نفسه التعب ويستعد لكتابة كتاب عن الربا في الأنظمة المصرفية الإيرانية. لكتابة الكتاب، يضطر لقراءة عدة كتب تخصصية. يقرأ ويقرأ. لكنه كلما قرأ أكثر، تعاظمت تلك المسألة العجيبة في نظره. ذات ليلة، بعد سماع أخبار التلفزيون، وبينما هو جالس خلف مكتبه وأمامه أكوام من الكتب الملونة، يقول في نفسه: تُرى لماذا تأخذ البنوك الإيرانية ربا وتعطيه أكثر من الدول غير الإسلامية؟ هل هناك يد خفية تعمل؟ ينهض ويصب لنفسه الشاي. - البنوك تأخذ فوائد وتعطي فوائد، والغرض بالطبع هو زيادة دوران رأس المال في حساباتها. حسناً، إذا تم تأمين دوران رأس المال هذا من طريق آخر، فلن يبقى مبرر للربا. لا نقول ألا يأخذوا أي فائدة ولا يعطوا أي فائدة. لا يمكن للبلد أن يستغني عن البنك، ولا يمكن للبنك أن يستغني عن الفائدة. لكن ليس بهذا القدر! يفكر في «الطريق الآخر». - الطريق الآخر! يتذكر أنه قرأ في الكتب وسمع من أساتذته واقتنع بأنه حيث لا يوجد ازدهار اقتصادي، لا تجد البنوك بداً من تحويل النقود إلى نقود، وهذا بداية الربا. - صحيح! الازدهار الاقتصادي! وجدتها! في هذه اللحظة، يودع ذهنه الربا بعد عشرين عاماً من النضال الدؤوب والمخلص ضده، ويبدأ بالتفكير في الازدهار الاقتصادي. لكنه يتذكر في الحال أن الاقتصاد لا يزدهر بإرادته. هناك عوامل كثيرة يجب أن تتضافر لتزدهر اقتصاديات بلد ما. أحدها هو الاستثمارات الأجنبية. والاستثمارات الأجنبية غير ممكنة إلا بعد التنمية السياسية وإخراج رأس المال من تحت الأنظار الأمنية. - إذن، ما العمل؟ يملأ الكأس من جديد بالشاي الساخن الثقيل. - يعني ألا يوجد طريق للتنمية الاقتصادية سوى التنمية السياسية؟ يفكر في الصين التي استطاعت تحقيق التنمية الاقتصادية دون التنمية السياسية. - والآن، من أين لنا بمليار عامل رخيص؟! يضحك. - ثم إن الصينيين لا مشكلة لديهم مع الاستثمار الأجنبي؛ حتى لو كان المستثمر هو الإمبريالية العالمية. يستغرق في التفكير. لم تعد الفوائد البنكية بنسبة 27% في إيران هي مشكلته الأساسية. لقد امتلأ ذهنه بمسائل جديدة. يعرف الآن أن البنوك جزء من عملية معيبة؛ بل هي نتاجها. يقرر قبل كتابة كتاب عن الربا أن يدخل في حوار مع أساتذته في الجامعة والحوزة. يضع القلم جانباً ويحمل الكأس الفارغ؛ يملأ الكأس بالشاي الساخن. ساخن جداً. هذه المرة أثقل من ذي قبل. يتجه بكأس الشاي نحو مكتبته. لكن لا يلفت نظره أي كتاب. يعود. يجلس. يبرد الشاي ويسخن ذهنه. يجمع الكتب عن الطاولة. يضعها فوق بعضها. يرى صورة ابنته تبتسم له من زاوية الطاولة.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.