اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أظهرت مناظرة سروش وعلي دوست أن تتبع العلاقة بين الفقه والعقل يفضي إلى فشل مشروع الفقه الترميمي؛ فالتعدد في تعريفات العقلانية الحديثة يقوّض تماسك الفقه ويُقصي الفقهاء عن المرجعية التقليدية. وقد وصفها سروش بأنها طريق مسدود.

انتهى الجدل بين سروش وعليدوست حول علاقة الفقه بالعقل إلى دوّامة أظهرت أن موضع النزاع، الذي بدا ظاهريًا ذا صياغة أصيلة وبحثًا معرفيًا/فقهيًا، هو في كليته بحث فرعي ومسألة غير مستقلة. زعمي الأساسي هو أن متابعة هذه المسألة ستؤول إلى اضمحلال مسألة «علاقات الفقه بالعقل» وكذلك انهيار «مشروع الفقه الترميمي»، على الأقل بالنسبة للمفكرين الحوزويين الجدد والمثقفين الدينيين. وعليه، فإن التيارين المذكورين يواجهان سؤالًا ينفي من جهة استمرار وتماسك الفقه كتخصص، ومن جهة أخرى سيقصي الفقهاء عن الفقاهة المدرسية والسلطة التقليدية (تمامًا كما أعفى كانط جميع الميتافيزيقيين من العمل إلى إشعار آخر/حين لم تتضح بعد أجوبة أسئلة فلسفته النقدية). جدير بالذكر أن الكاتب في هذا النص لا يدعي تقديم اقتراح أو حل معين، وهو بصدد وصف وضعية ونتائجها.
بحسب ظني، فإن تيارين من المجددين الدينيين في إيران (المفكرون الحوزويون الجدد وغالبية المثقفين الدينيين)، طالما هم مشغولون بهاجس إصلاح الفقه، فإنهم جميعًا ممارسون لمشروع واحد. بعضهم، من منظور من الدرجة الأولى ومن موقع الفقاهة، ناطقون بلسان فقه جديد، وبعضهم الآخر من موقع من الدرجة الثانية وبأدبيات أكاديمية، هم بمثابة معين أو ناقد أو صانع أفكار لمسارات جديدة لتخليص الفقه من تحدياته.
إن وضعية الفقه كعلم بومي هي، من جهات مختلفة، وضعية أزموية يسعى الكثيرون إلى ترميمها. لكن ما يحدث غالبًا لا يخرج عن هاتين الحالتين: إما أن يكون من جنس «الإصلاحية الفقهية» التي تزيل تعارض الفقه مع المقاييس العقلانية الحديثة (العرف، الأخلاق، القانون، الفلسفة، الديمقراطية... إلخ)، وهذا الإصلاح له مستويات مختلفة (داخل الفقه، أصول الفقه، وفلسفة الفقه)، وإما أن يفضي إلى نهج انسدادي يسلّم، على الأقل، نصف الفقه (المعاملات بالمعنى الأعم) إلى العلوم الإنسانية الحديثة. سروش، الذي كان يأمل يومًا من منظور القبض والبسط في إعادة بناء الفقه، صار اليوم في خلاصته، مخاطبًا أولئك الذين سلكوا طريق قبضه وبسطه، يحذرهم من أن هذا الطريق هو طريق ضلال، ولا يمكن تعليق أمل على الفقه إلا في مجالات محدودة، وحتى ذلك في حدود الحفاظ على ظاهر العبادات (وهذا التغير في الموقف ليس ناتجًا عن نقص، بل عن شجاعة أخلاقية وفكرية لدى سروش الذي لا يبقى أسير مكتسباته السابقة).
إن المواجهة العقلانية مع الفقه، في مستواها الابتدائي والمتوسط وفي صورتها المبسطة (كتعريف العقل في حدود مقبولات العرف والبديهات الأخلاقية)، مبشرة بالخير، تحل العقد المستغلقة وتُظهر علمًا رصينًا هو فقه وكفاءة في آن، وهو أخلاقي وذو مواقف حقوقية... «حتى تعلم أنه مزين بعدة فنون» ولكن ما إن نصل إلى مسألة الفقه والعقل على مستوى النظريات الأساسية، وخصوصًا في تعريف العقل، حتى ينفتح الباب على الفلسفة أيضًا. فمن جهة، يجد العقل الأخلاقي بمنظور ديني (الإلهيات الفلسفية) نفسه بديلاً عن الفقه (على الأقل في جميع أبواب المعاملات بالمعنى الأعم) ويُخرجه من دائرة الفاعلية، ومن جهة أخرى يطرح أسئلة قاتلة حول مدى اعتبار عقلانية الفقه. وفجأة يتضح، بتعبير كانط، أن حمامة العقل تحلق في فضاء لانهائي ولا يلوح في الأفق أي مسار أو مقصد محدد ومتفق عليه، (ومقصدي بالطبع ليس تجريدية المفاهيم بل انهيار المسألة) ما تعريف العقل؟ ما وظائفه؟ كم يدرك؟ وإلامَ تلزمنا التحولات البرادايمية للفلسفة في مواجهة العقل من لوازم منطقية؟ ما هي تبعات تغير البرادايمات من المقاربات الأنطولوجية لأفلاطون وأرسطو وابن سينا إلى الإبستمولوجيا الكانطية، والمثالية الهيغلية، ومقاربة فلسفة التحليل اللغوي، والبراغماتية، والآراء الجديدة لفلاسفة التحليليين والقاريين المعاصرين، في إعادة بناء تعريف العقلانية؟ هل ينبغي الاكتفاء بالذخائر المحدودة والمتهالكة المدرسية، وفي موضع يُذكر فيه العقل استطرادًا بين آلاف الصفحات من الفقه والأصول في حدود بضعة أسطر؟ آراء كبار الفقهاء (من الشيخ الطوسي إلى الخوئي والمنتظري وغيرهم... حول العقلانية، وفلسفة الحق، وفلسفة الأخلاق و...) التي لا تتجاوز عادة بضع فقرات وخارج برادايم حواري مع العقل الحديث - كيف يمكن مقارنتها بفلاسفة محترفين كتبوا آلاف الرسائل الفلسفية طيلة نحو خمسمئة عام خارج الذهنية المدرسية؟ حقًا، في مقام المعايرة، هل يمكن اعتبار أعمال كهذه بحثًا أصيلاً، أم هي أقرب إلى خداع الذات وخداع الآخرين، أو بتفاؤل أكثر، لعبة لتقوية الذهن (سعي عقيم خير من خمود)؟
أعتقد أن مستخدمي «مشروع الفقه الترميمي» من المفكرين الفقهيين الحوزويين والجامعيين/وعموم المثقفين الدينيين، يضفون أصالة تقليدية على الفقه أيضًا، أي أنهم أولاً يرون الفقه المؤسسة الرئيسية لتعريف المعايير الدينية ويقبلون مرجعية الفقه؛ وثانيًا يعرفونه بوصفه ديسيبلينًا ديناميكيًا، ونتيجة لذلك، للفقه كأي تخصص علمي، مبادئ ومسائل ومناهج خاصة به، وما زالوا يريدون إعادة تعريفه في شكل جديد، وتقديم نصوص جديدة لتدريسه في المدارس/القاعات الجامعية، وكل هذا بالطبع من المهمات التقليدية للفقهاء، ويتفق فيها المجددون الفقهيون (الحوزويون - الجامعيون) مع فقهاء السلف. بعبارة أخرى، حين يُدخل المفكرون الفقهيون الجدد والمثقفون الدينيون العقلَ في بحثهم الفقهي، فإنهم يسعون إلى ثلاثة أهداف رئيسية على الأقل: (1) عبور الفقه من أزمة/تحديات الفقه النظرية (المقاربة الترميمية) (2) حفظ اعتبار الفقه وتماسكه كتخصص/ديسيبلين حوزوي (حفظ تقليد علمي في الحوزة). (3) حفظ أوتوريتا ومرجعية الفقه/الفقهاء في أوساط المجتمع الديني.
نظرًا للتعددية التي نشأت في مفهوم العقلانية في العصر الحديث، وحتى في الفلسفة، حيث نواجه، بدلًا من الخطابات المهيمنة أو العمالقة الفكرية، وضعًا ديمقراطيًا مع محدودية دائرة نفوذ المفكرين، يبدو أن «مشروع الفقه الترميمي» إذا لم يرد الاكتفاء بآراء القدماء في إعادة قراءة مفهوم العقلانية، فسيضطر حتمًا إلى سلوك طريق التعددية المعرفية. وهذا الطريق، وإن كان قد يُرضي البعض ممن ابتدعوا شيئًا يُسمى الفقه المعاصر أو الأسس الحديثة للفقه بزعم خلوه من المشكلات السابقة، فإنه سيواجه الإشكال نفسه الذي طرحه سروش، وهو أن هذا الحدث هو بسط للعقل وقبض للفقه، ويبشر بنهاية الفقه. وعلاوة على ذلك، فإن النتيجة الأكثر سوءًا هي أن هذا المسار لن يُفضي في نهاية المطاف إلى أي خطاب إجماعي، مثل أصول الفقه القديم أو منهج الاستنباط لدى الفقهاء التقليديين (لأنه، كما أشرنا، فإن فتح باب دراسة العقل بمعناه الواسع والحوار مع فلسفات متنوعة سيؤدي إلى اتخاذ مواقف متشتتة، خاصة مع ضرورة التنبه إلى أن كل تصور خاص للعقلانية يقدم برنامجًا بحثيًا مختلفًا). وبالتالي، ستصبح أنواع مختلفة من تعريفات العقلانية محورًا للنقاشات، وسيؤدي تزايدها إلى مزيد من إضعاف علم الفقه، ولن يُبقي تنوع المقاربات والصدع العميق بينها على علم متماسك يُسمى الفقه. لذلك، سيكون «مشروع الفقه الترميمي» عقيمًا وفاشلًا في مجالين على الأقل: (1) في الحفاظ على الفقه بوصفه تخصصًا علميًا واستمرارًا لتقليده المدرسي أو الأكاديمي (وبالتالي، مع تعدد المقاربات العقلانية والبرامج البحثية، لن يتشكل في نهاية المطاف أي تخصص متفق عليه وقابل لبناء الإجماع لتدريس الفقه بناءً على آراء المفكرين الحوزويين الجدد والمثقفين الدينيين).
(2) في الحفاظ على مرجعية الفقه/الفقهاء بوصفهم مرجعًا للمعايير الأخلاقية-الحقوقية؛ سيفشل المجددون الفقهيون في هذا المجال أيضًا. إن انهيار الإطار الرسمي للفقه وظهور إعادة بناءات عقلانية متعددة منه هو عمليًا تحول بارادايمي يؤدي أولًا إلى تحويل الفقه القائم على النقل إلى فقه قائم على العقل، وتتلاشى تدريجيًا الحدود بين الفقه العقلاني والعلوم الإنسانية الحديثة وتختفي، وثانيًا تحل «روايات متعددة ومتنوعة عن العقل» محل رواية تقليدية واحدة عن النقل (الفقه التقليدي) كانت تتمتع بسلطة لا تنازع، وسيكون ممثلو كل من هذه الروايات الجزئية الفقهية-العقلية أقليات ذات نزعات مختلفة ومتضاربة أحيانًا، وهم بالطبع لا يملكون القدرة، حتى في تلك المباحث العقلية نفسها، على مجابهة علماء العلوم الإنسانية والفلسفة.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.