اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كتاب «في الحب» بتحرير آرش نراقي، هو مجموعة من المقالات الفلسفية دفاعًا عن الحب الأرضي في مواجهة العقلانية المتطرفة؛ يرى نراقي الحب ظاهرةً تتجاوز الانجذاب الغريزي، فتمتزج باللغة والاعتقاد لتخلق عالمًا مشتركًا.

صدر حديثاً كتاب من تحرير وترجمة آرش نراقي بعنوان «عن العشق». هذا الكتاب هو مجموعة من ست مقالات فلسفية حول فضيلة العشق، يسعى فيها المؤلفون إلى تحليل أوجه مختلفة من ظاهرة العشق. وقد كتب نراقي نفسه مقدمة للكتاب تناول فيها جذور العشق في تراثنا الإيراني والإسلامي. الدكتور نراقي مفكر في مجال نظرية المعرفة والدين، وأستاذ مساعد للدين والفلسفة في جامعة مورافيان في بنسلفانيا بالولايات المتحدة. أجريت معه حواراً حول كتاب «عن العشق».
سيد نراقي، يبدو أن تحرير وترجمة هذا الكتاب هو دفاع مستميت عن العشق الأرضي، وكذلك إعادة اعتبار لعبارة «العشق الرومانسي»؛ أليس كذلك؟
إذا قرأتم هذه المجموعة من المقالات في سياق الثقافة الإيرانية-الإسلامية، فينبغي عندئذٍ اعتبار هذه المقالات دفاعاً عمّا كان يُسمّى تقليدياً «العشق المجازي» (في مقابل «العشق الحقيقي»). أما إذا قرأتم هذه المقالات في سياق الثقافة الغربية المعاصرة، فينبغي عندئذٍ اعتبارها دفاعاً عن العشق والعاطفة في مقابل العقلانية المتطرفة - أي نوع من النظرة التي تعتبر دور العواطف في الحياة الإنسانية ضاراً أو على الأقل تهمّشه.
مع قراءة هذه المقالات يتبلور سؤال، وهو أن فكرة الكتاب بشكل عام تدافع عن الوجه الإروتيكي. العشق المجازي كما هو مذموم ومحتقَر من وجهة نظر بعض الفلاسفة، ليس له وجاهة كبيرة، لكنه بشكله القائم بذاته يمكن الدفاع عنه بل وحتى يستحق الثناء أحياناً. لكن أحد الانتقادات للعشق الرومانسي قد تم تجاهله. انتقاد لا جذور له في القراءات المختلفة لرسالة المأدبة لأفلاطون، بل له طبيعة راديكالية ويعتبر «العشق الرومانسي» مرحلة بدائية من الأمر الجنسي. ألا تعتقدون أن إضافة مقال في هذا الشأن كان سيجعل الكتاب أكثر اكتمالاً؟
برأيي من الخطأ أن نعتبر ظاهرة العشق والأمر الجنسي شيئاً واحداً. بالطبع كان هناك من أمثال شوبنهاور وفرويد لا يعتبرون العشق في نهاية المطاف سوى صورة مكبوتة ومعوجة للميول الجنسية. لكن هذه النظرة تتجاهل أجزاء مهمة من ظاهرة العشق. لا شك أن الانجذابات الجسدية تلعب دوراً مهماً في تشكّل العلاقات العاشقة واستمرارها. حين يقول حافظ: «كن عبداً لطلعة من يمتلك ذلك الأَنَس»، فإن هذا «الأَنَس» الذي هو حبة فخ العشق يرتبط قطعاً بالجاذبيات الظاهرية والجسدية. العشق الرومانسي يبدأ من هذا المبدأ، لكنه يتجاوز هذا الحد بكثير. العشق ينتج من تفاعل ذلك الانجذاب (وهو أمر غريزي) واللغة (وهي أمر ثقافي). يجب علينا في الوقت نفسه أن نقرّ بالأساس البيولوجي لظاهرة العشق ونعرفه، وألا نغفل عن خاصيتها اللغوية.
ظاهرة العشق تنمي على أساس تلك الانجذابات الغريزية شبكة من العواطف الإنسانية العميقة، وتلك العواطف ممتزجة تماماً بنظام معتقداتنا وقيمنا. «الاعتقاد» هو من مقوّمات العاطفة وهو أمر لغوي أساساً. بهذا المعنى على الأقل، يجب اعتبار العشق ظاهرة ممتزجة بعمق باللغة الإنسانية. ولهذا السبب لا يمكن اعتبار مجرد الانجذاب الفيزيائي علاقة عاشقة. العلاقة العاشقة تتشكل وتنمو في سياق الحوار، والمعاشرة، والذكريات المشتركة، والتفاهم. شيئاً فشيئاً يبني الأفراد معاً عالماً مشتركاً، وفي هذا العالم المشترك يمتزجون ويقتربون من بعضهم بعضاً لدرجة أنهم، بتعبير روبرت نوزيك، يخلقون «نحن» تدريجياً. إذا كان قصدكم هو أن علاقة العشق يجب ربطها بالأمر الجسدي بهذا المعنى، ففي هذه الحالة أعتقد أن جميع مؤلفي هذه المجموعة تقريباً قد فعلوا ذلك.
ما نراه في مقالة مارثا نوسباوم هو أن العشق المجازي في القراءات الثلاث لسقراط وألكيبيادس وأريستوفان هو مرحلة من سلوك متعالٍ ومن الأسفل إلى الأعلى. صحيح أن ألكيبيادس وأريستوفان يتحديان قراءة سقراط المنغلقة جداً، لكن لا يزال العشق المجازي فيهما أيضاً أمراً فرعياً بشكل ضمني، أليس كذلك؟
إذا كان قصدكم من «العشق الجسدي» هو العشق الجنسي المحض، فأنتم على حق. فعلى سبيل المثال، من وجهة نظر أريستوفان، العشق هو جذب وتوق يشعر به الإنسان لاستعادة نصفه المفقود. فالعاشق يبلغ الكمال بلقاء المعشوق، وكأن العاشق ضالٌّ وجد أخيرًا «البيت» في هذه الرحلة الأوديسية. وهذا الجذب الذي هو جوهر العشق هو «من أجل» بلوغ الكمال، ولا يهدأ إلا في حالة الوصال. وبالطبع من منظور أريستوفان، حالة الوصال مقترنة بالاتصال الجسدي. لذلك، وعلى عكس النموذج السقراطي-الديوتيمائي، لا تُطرد الجسدانية من دائرة العشق. لكن الاتصال الجسدي ليس هو كل التجربة وكمال المسيرة العاشقة. فهذا الاتصال ينبغي أن يتجاوز حد الجسد ويُفضي إلى اتحاد روحي أيضًا. وفي رأي ألكبيادس أيضًا، المعشوق، أي سقراط، لا ينحصر في وجهه الجسدي.
فهو يعشق كامل فرادة سقراط، بما في ذلك جسده القبيح. وفي كل هذه الحالات، الأمر الجسدي شرط لازم للتجربة العاشقة، لكنه ليس شرطًا كافيًا لها. لذلك، من وجهة نظرهم، الجسدانية في العشق ليست، بتعبيركم، أمرًا «فرعيًا». فالأمر «الفرعي» غالبًا ما يُعتبر قليل الأهمية لا يخل غيابه بالأصل. لكن من وجهة نظر أريستوفان وألكبيادس، الأمر الجسدي ليس «فرعيًا» بهذا المعنى - أي أن جسد المعشوق جزء منه، والعشق للمعشوق ليس كاملًا، ما لم يتعلق بكامل فرادته، بما في ذلك جسده. لذلك، في رأيي، لم يكن أريستوفان وألكبيادس، على عكس سقراط، يعتبران الأمر الجسدي أمرًا «فرعيًا» في التجربة العاشقة، بل كانا يعتبرانه شرطًا ضروريًا للعشق.
في مقالة فضيلة العشق، يقول روبرت سولومون إن العشق الرومانسي لا يتناقض مع شرط المساواة المسبق. وهو يتحدى كذلك وجهة نظر من أمثال شولاميث فايرستون ومارلين فرنش اللتين توجهان اليوم اتهامات جديدة للعشق. أليست هذه النظرة غير واقعية بعض الشيء؟ لأن الحركات النسوية المطالبة بالمساواة في العصر الحديث غالبًا ما تنتقد العشق الرومانسي لكون المرأة فيه موضوعًا (أوبجيه).
على قدر ما أفهم، يرى سولومون أن المساواة شرط للعشق الرومانسي السليم. لذلك، فهو لا يرى تناقضًا بين العشق الرومانسي والمساواة فحسب، بل وأكثر من ذلك يعتبر المساواة شرطًا لازمًا لعلاقة عاشقة سليمة. لكن بعض النسويات الراديكاليات اعتقدن أن العشق الرومانسي ينفي بذاته المساواة بين الرجل والمرأة، وأن الرجال يسعون بحيلة هذا النوع من العلاقات إلى أسر النساء من جديد، ولكن هذه المرة بسلاسل العشق المذهبة. ففي بنية المجتمع الأبوي، لا يستطيع الرجال الذين هم في المرتبة العليا أن يهيموا بصدق بامرأة في المرتبة الدنيا، ولذلك يضطرون إلى تخيل صورة مثالية عن النساء في أذهانهم، ويرفعون النساء عبر هذه الصورة الخيالية ويجعلونهن في مستواهم، حتى يصبح العشق ممكنًا لهم.
وفي هذه الظروف، تعرف النساء بالطبع أنهن بعيدات عن تلك الصورة المثالية والخيالية، ولذلك هن في قلق واضطراب دائمين، خشية أن يفيق الرجل من وهمه ويراهن كما هن عليه، فيُحرمن بالتالي من المزايا التي لا تتحقق في مجتمع أبوي إلا عبر الرجال. وهذا النوع من العلاقة العاشقة، من منظور النسويات وكثيرين غيرهن، هو علاقة مرضية تؤدي إلى استمرار امتهان النساء ودونيتهن. لكن سولومون أكثر تفاؤلًا ويعتقد أنه بإصلاح البنى السياسية والاجتماعية التمييزية، يصبح تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي إمكانية تجربة عشق رومانسي سليم، أمرًا في المتناول. لذلك، يعارض سولومون أيضًا تشييء النساء، لكنه يعتقد أن العشق الرومانسي (خصوصًا في سياق بنية سياسية واجتماعية مُصلَحة) يمكن أن يكون مصدر ازدهار للرجل والمرأة كليهما.
دعوني أضيف هذه النقطة أيضاً، وهي أن من السمات المهمة لتجربة الحب الرومانسي أن العاشق يصبح «مرتبطاً» ارتباطاً وثيقاً بالمعشوق. هذا الارتباط يجعل الفرد شديد الهشاشة. فعندما يتوقف كيانك بأكمله على رغبات وقرارات شخص آخر، يكتسب ذلك الآخر عليك سلطة وهيمنة بالغة الخطورة. هذا التعلق الأحادي الجانب هو من علامات الحب المرضي؛ وخصوصاً في المجتمعات الأبوية، يكون هذا التعلق في الغالب تعلقاً أحادي الجانب من النساء بالرجال، مما يضع النساء في موقع ضعف مضاعف. وعلى هذا الأساس، يعتقد كثير من المفكرين أنه على الرغم من أن التجربة العاشقة لا يمكن فصلها عن تجربة التعلق هذه، فإن الحب الصحي يقوم على التعلق المتبادل بين العاشق والمعشوق. الحب الصحي متبادَل ومتناظر. أي أنه ثنائي الجانب (بما في ذلك أن كلا الطرفين متعلق بالآخر)، وهو متناظر أيضاً، بمعنى أن كليهما يحب الآخر من جهة واحدة وبمعنى واحد (فعلى سبيل المثال، ليس الأمر أن يحب أحدهما الآخر كزوج، ويحبه الآخر كأخ).
من النقاط المثيرة للاهتمام التي يطرحها سالومون هي أن عنصر الاختيار يلعب دوراً بالغ الأهمية في الحب الإيروتيكي-الرومانسي. فهو يقول إن الحب العائلي بهذا المعنى موصوف ومقدَّر سلفاً. لكن في مقالة رباط الحب، تُطرح شروط كثيرة لتحقق «النحن» وكأن الحب الرومانسي، إن لم يكن محدداً سلفاً كالحب العائلي، فإنه بعد تشكله تُحدد له شروط كثيرة حتى لكأنه يصبح مقدَّراً بعد ذلك.
لفهم دعوى سالومون بشكل أفضل، ينبغي مقارنة الحب الرومانسي بحب الأم لطفلها مثلاً. فالأم، بمجرد ولادة الطفل، تحب طفلها بلا اختيار وبشكل غريزي. هذا الحب، كما يُقال، طبيعي وغير مشروط، ولا يتوقف على جمال الطفل أو كماله. لكن حبك الرومانسي لمحبوبك ليس من هذا النوع. أي أنك لست مبرمجاً على أن تقع في حب شخص بعينه. العشق الرومانسي هو من نتاج الإرادة. بالطبع، لا يمكنك أن تقرر، على سبيل المثال، أن تقع في حب شخص ما ابتداءً من الساعة العاشرة صباح غد. لكن في الحب الرومانسي، يتجلى الاختيار بوضوح في وضعين على الأقل. التجلي الأول هو قبل الوقوع في الحب. يمكنك بمحض اختيارك أن تضع نفسك في ظروف تجعلك عرضة للوقوع في الحب. ومن هذا الوجه، يشبه الوقوع في الحب عملية الاعتقاد.
فعلى سبيل المثال، إذا رأيت علياً في الشارع، فسأعتقد تقريباً وبلا اختيار أن «ذلك الشخص هو علي». لكن إذا كنت متشوقاً حقاً للقاء علي، فعلى الرغم من أنني لا أستطيع استحضاره في كل لحظة بإرادتي، إلا أنني أستطيع أن أضع نفسي في موقف يزيد فيه احتمال لقائه. أما التجلي الثاني للاختيار في ميدان العشق فيعود إلى المرحلة التالية للوقوع في الحب. فالعاشق الرومانسي ليس مسلوب الإرادة حتى بعد وقوعه في الحب. أي أنه يمكنه أن يكون حساساً تجاه الأمور المبطلِة التي تثير التساؤل حول حبه. بالطبع، يرى العاشق عيوب المعشوق بصعوبة، أو يميل بشدة إلى تأويلها لصالح محبوبه. لكن بعد نقطة معينة، إذا تجاوز تراكم الحالات الناقضة (أي عيوب المحبوب) حداً معيناً، يستطيع العاشق أن يراجع حبه، بل وأن ينصرف عن محبوبه كلياً ويهب قلبه لآخر.
الشخص الذي لا يكترث مطلقاً بهذه الحالات «المبطلة»، أو يكترث بها لكنه لا يستطيع أن يتخذ قراراً مدروساً بناءً عليها وأن يتصرف بناءً على ذلك القرار (كأن يقطع علاقته بالمحبوب عند اللزوم مثلاً)، هو على الأرجح «مدمن» من الناحية النفسية، ولكي يترك معشوقه غير المناسب، عليه أن يخرج من تلك العلاقة غير الصحية بمساعدة طبيب نفسي وبأساليب علاج الإدمان. بالطبع، لا أريد أن أقول إن الأب أو الأم لا يستطيعان، على سبيل المثال، أن يراجعا حبهما لطفلهما، وأن ينبذاه إذا كان عاقاً أشد العقوق، لكن هذا الأمر في الحالات التي يكون فيها الحب متجذراً بعمق في الغرائز الطبيعية، يكون في غاية الصعوبة. كما أنني لا أدعي أن الحب الرومانسي لا جذور له في الطبيعة والغريزة الإنسانية، لكنني أعتقد أن دور العناصر الثقافية فيه أكثر حسماً بكثير مما هو عليه في حب الأمومة.
يقول سالومون في مقاله عن فضيلة الحب الإيروسي إنه يمكننا حتى القول إن «حقيقة» العواطف هي تمردها ومقاومتها للمحاولات التي تُبذل لتغييرها. فهل يمكن أن نستنتج من هذا أن الحب أكثر مبدئية من العقل من بعض الوجوه؟
لست متأكداً من أن تعبير «المبدئية» هو التعبير الأنسب في هذا السياق. صحيح أن العاشق يُبدي مقاومة أشد تجاه ما يُبطل حبه، ولا يستسلم بسهولة لتغيير المحبوب أو تعديله أو تركه في مواجهة ما يُسمى بالمُبطِلات. ومن أسباب هذه المقاومة أن العاشق والمعشوق، بفضل علاقتهما العاطفية، قد كوّنا معاً، بتعبير نوزيك، «نحن» واحدة، وأي لطخة تصيب ذيل المحبوب ستصيب ذيل تلك الـ«نحن» المشتركة. لذلك، من الطبيعي أن يُبدي العاشق مقاومة شديدة تجاه العوامل أو القرائن التي تهدد أسس هوية الـ«نحن». فانهيار تلك الـ«نحن» هنا سيؤدي أيضاً إلى انهيار بنية هوية العاشق. لكن العقل أيضاً ملتزم بالضرورة بمبادئ عالمه.
ليس الأمر أن العقل لا يكترث بمبادئ براهينه وأسسها ومقدماتها. فالعقل، ما دام عقلاً، ملتزم بمبادئه (أي مبادئ المنطق والعقلانية)، ويقاوم ما أمكن في وجه المُبطِلات. لكن طبيعة المبادئ، والقرينة المُبطِلة، والمقاومة في وجه المُبطِلات وما إلى ذلك، ليست واحدة بالضرورة في عالم الحب وعالم العقل. ففي المشاريع العلمية والعقلية، لا يعرض نقد نظريةٍ ما ودحضها هويةَ صاحب النظرية للخطر في أغلب الحالات (على الأقل بشكل جاد)، ولعل هذا هو السبب في أن رد فعل العالم تجاه ما يبطل نظريته يكون أقل حماسة، ويكون أكثر انفتاحاً عليها، مقارنة بالعاشق.
تقول أنيت باير في مقالها «الحُبّ المحفوف بالمخاطر» بعد استعراض آراء الإلهيين أمثال ديكارت وكانط وسبينوزا والطبيعيين أمثال هيوم، إنه لا وجود لشيء اسمه حب مضمون. ويبدو أن باير تتناغم أكثر مع هيوم القائل إن أفضل مكان لمن تكون العافية والأمان أهم شيء بالنسبة لهم هو رحم الأم أو القبر. وفي المسافة بين هذين، ينبغي لمثل هذا الشخص أن يبحث عن مكان يحمل أكبر قدر من القرابة مع هذين المكانين.
أظن أن هذا الكلام صحيح. فعندما تقع في الحب، يرتفع مستوى هشاشتك وضعفك كثيراً. يُنزل العاشق دروعه الدفاعية أمام المحبوب، ونتيجة لذلك، فإن أي سهم يُرمى على حصنه يمكن أن يجرح روحه بشدة. أنت تنزعج أكثر من كلام شخص تحبه مقارنة بمن لا يهمك أمره كثيراً. في التجارب العاطفية، ينفتح المرء على محبوبه، وبالتالي تنكشف نقاط ضعفه لمحبوبه. ومن ناحية أخرى، فإن تعلقه بالمحبوب سيجعل حياته وسعادته تواجهان مخاطر جديدة. إذا حدث خطر لمحبوبي فكأنما حدث لي، ولأن قسطاً كبيراً من حياته يمضي خارج نطاق سيطرتي وإرادتي، فإن سعادتي وشقائي يصبحان رهن عوامل خارجة عن إرادتي بشكل مضاعف، وهذا الأمر يزيد من مقدار هشاشتي وضعفي كعاشق. ومن ناحية أخرى، فإن جوهر الحب هو نوع من الشغف، والشغف، بتعبير كيركغارد، ملازم للمخاطرة. فحيثما تكمن مخاطرة أكبر، تدعو الحاجة إلى شغف أكبر. الحب أو الشغف الصادق، بتعبير كيركغارد، يُقيّم على أساس مقدار مخاطرة الطرفين.
يُقال في هذا المقال نفسه إن أفكار الإلهيين أمثال أفلاطون والقديس أوغسطين وديكارت تنظر إلى الحب بتشاؤم وتقول إنه ينبغي أن نوجه حبنا إلى ما هو جدير بالحب، أي إلى الله. لكن في اللاهوت الإسلامي، حتى الحب الجسدي المباح، كحب الزوجين، مُقرّ ومؤيد. فهل يمكن القول إن أفكار هؤلاء الإلهيين الغربيين متجذرة في القراءة الكاثوليكية للمسيحية؟
لست متأكداً من أن الثقافة الإسلامية مستثناة من هذه القاعدة.
أي أنه مذموم في الثقافة الإسلامية أيضاً؟
ليس مذموماً، لكن دوره ثانوي. في الثقافة الإسلامية، تم الاعتراف بعنصر الجسد والجسدانية بمعنى ما. فعلى سبيل المثال، أمر الزواج الذي يستلزم العلاقة الجنسية بين الطرفين، تم تشجيعه بل وجعله واجباً من وجهة نظر معينة. ثقافتنا مفعمة بالإشارات إلى هذا الأمر. وقد ذمّ نبي الإسلام الكريم الرهبانية. من هذه الناحية، يبدو (على الأقل بنظرة سطحية إلى حد ما) أن الثقافة الإسلامية، مقارنة بالثقافة المسيحية مثلاً، تنظر بعين أكثر إيجابية إلى الحب الجسدي والجسدانية بشكل عام. لكن هذا الظاهر يجب ألا يغفلنا عن نقطة أكثر جذرية. تشجيع الزواج أو الملذات الجسدية لا يعني بالضرورة نظرة إيجابية من الثقافة الإسلامية لمسألة الجسد والجسدانية (بما في ذلك الحب الجسدي). دعوني أوضح دعواي بمثال. في أدبياتنا الدينية والعرفانية، تم تشبيه العلاقة بين روح الإنسان وجسده بالعلاقة بين المسيح وحماره.
ثقافة الرهبنة التي نُسبت إلى المسيحية (خصوصاً الكنيسة الكاثوليكية)، كانت تحتقر ذلك الحمار تماماً، وترى أن الطريق الصحيح الوحيد لمواجهته هو التخلص من شره عبر تعذيبه وقتله. هذه الفكرة انعكست لدى بعض متصوفتنا أيضاً في قالب فكرة "قتل النفس". لكن في الثقافة الإسلامية، كانت أفضل طريقة لمواجهة ذلك الحمار (أي الجسد والجسدانية) هي أن يُلقى أمامه علف أو تبن أو برسيم ليشبع ويهدأ، ولا يجموح كي يتمكن من إيصال راكبه إلى المقصد. في كلتا الصورتين يوجد عنصر مشترك: الجسد والجسدانية في مرتبة الحيوانية الدنيا. هذه المسألة منسوجة بعمق في نسيج الثقافة الإسلامية. في الثقافة الإسلامية، أنت بالطبع تختار زوجاً وتكون أسرة لتؤدي مسؤولياتك الاجتماعية (مثل استمرار النسل، وتربية أبناء صالحين، وما إلى ذلك)، وكذلك لتستفيد من الفوائد النفسية لهذا الارتباط (مثل الشعور بالأمن والطمأنينة وكذلك الإشباع الجسدي والعاطفي)، لكن في النهاية، كل هذه الفوائد هي من أجل غاية متعالية، ألا وهي التقرب إلى الله.
ولهذا السبب، كان فقيه من الدرجة الأولى مثل الغزالي يوصي السالكين بأن لا يتزوجوا إن استطاعوا ولم يخشوا الوقوع في الإثم، لأنهم سيكونون أخف حملاً وسيصلون إلى مقصدهم النهائي، وهو الله، بسهولة أكبر. في القرآن، تم نقل الحب الرومانسي، في قصة موسى وابنة شعيب، بنظرة إيجابية. لكن في المجمل، كان للحب الرومانسي (أو الحب المجازي المُجاز) في الثقافة الإسلامية مكانة ثانوية وأداتية. أي أنه كان في أفضل الأحوال جسراً لإيصال الفرد إلى الحب الحقيقي، وبالتالي لم تكن له سوى صفة الطريقية.
أنا، في المقدمة التي كتبتها لكتاب "عن الحب"، اقترحت أنه ينبغي لنا أن نعيد النظر في الدور السلوكي للحب الرومانسي أو الحب المجازي المُجاز، وبدلاً من أن نعتبره "جسراً" للوصول إلى الحقيقة، نعتبره "مرآة" لتجلي الأمر المقدس. عندما توضع مرآة قلب العاشق والمعشوق مقابل بعضهما، يتجلى الأمر اللامتناهي بينهما. هنا، الحب الرومانسي هو الشرط الضروري للحب الحقيقي، وليس جسراً يجب عبوره وتركه خلف الظهر. الحب المجازي هو الشرط الضروري لتجربة الأمر المقدس، وبالتالي فإن نفيه سيؤدي إلى نفي تلك التجربة المقدسة. أي أن الحب المجازي له موضوعية بذاته أيضاً.
انطباعي من المقدمة التي كتبتها للكتاب كان أنه إذا كان الفرد مؤمناً وأحب حباً رومانسياً، فإن هذين الأمرين يمكن ألا يكونا مانعاً لبعضهما.
دعواي أقوى من هذا. عرفاؤنا كانوا يعتقدون، عن صواب، أن الحب هو بوابة الإيمان، وأن التجربة العاشقة ينبغي أن تبدأ من هذا الحب الأرضي والإنساني ذاته. لكن بالطبع، كما أوضحت في كتاب "حديث حاضر وغائب"، يرى العديد من الفلاسفة المعاصرين أن تجربة الحب في العصر الحديث قد أصابها نوع من الانسداد أو على الأقل نوع من الأزمة، وهذا الانسداد أو الأزمة، بافتراض نظرية العرفاء حول علاقة الحب والإيمان، سيظهر نفسه لا محالة في الساحات المعنوية أيضاً. لكن لا يمكن التغلب على هذه الأزمة في التجربة العاشقة ما لم نمتلك فهماً أدق لماهية تلك التجربة وجذور هذه الأزمة. كتاب "عن الحب" من هذه الزاوية يمكن أن تكون له موضوعية لأولئك الذين لديهم هم السلوك المعنوي.
لحسن الحظ، انشغل المفكرون المسلمون الجدد بشكل منهجي بإعادة بناء المنظومة اللاهوتية والحقوقية للمسلمين، وما زالوا منهمكين في هذا العمل بجدية، لكنهم للأسف لم يوجهوا حتى الآن اهتماماً جاداً نحو إعادة بناء الفكر والسلوك العرفاني في العالم الحديث. وفي تقديري، من أهم أركان التجديد في مجال الفكر والسلوك العرفاني أمران: الأول، أنه عند إعادة بناء الفكر العرفاني، ينبغي تقديم صورة دقيقة عن بنية عالم المعنى في العالم الجديد – بنية تتمثل أهم سماتها، في رأيي على الأقل، في ظاهرة يمكن تسميتها بـ«اختفاء الأمر الإلهي»؛ والثاني، أنه عند إعادة بناء السلوك العرفاني، ينبغي الالتفات إلى مسألة أزمة الحب في العصر الحديث، وإعادة فهم وبناء العلاقة بين التجربة العاشقة والتجربة الإيمانية من جديد، مع مراعاة تحولات الحب وأزماته في العصر الحديث. إن كتاب «عن الحب»، بالإضافة إلى كونه يمتلك هوية مستقلة ويمكنه أن يرتقي بفهمنا العام لظاهرة الحب، وهو بهذا الاعتبار مفيد لكل المهتمين بهذا الموضوع، يمكنه أيضاً من هذه الزاوية الخاصة أن يكون مفيداً وملفتاً لأولئك الذين تشغلهم قضية عالم المعنى.
يختزل هيوم الحب الإنساني، دون أي تحفظ أو إشارة أخرى، في الإنجاب والزواج. في المقال الأخير من كتاب «عن المستقبل: روسو والنسويات الراديكاليات» تتناول إليزابيث رابابورت آراء نسوية راديكالية مثل أتكينسون فايرستون وكذلك روسو. تتبنى أتكينسون رأياً معاكساً تماماً لهيوم وترى أن الإنجاب هو الذي يمهد الطريق لسياسة وثقافة القمع الجنسي. وبشكل عجيب، فإن استحالة الحب القصوى بين «النساء» و«الرجال» الذين يجب، وفقاً لقول جميع النسويات، أن يُدمَّروا، وخاصة تأكيد أتكينسون ضد الإنجاب، يثيران شبهة أن النسوية الراديكالية ربما وصلت، ولو عبر مسار مختلف، إلى نفس النقطة التي وقف عندها كانط، أليس كذلك؟
تأكيد هيوم وأتباعه هو أنه لا ينبغي نسيان الجوانب الطبيعية والبيولوجية للحب. تجربة الحب مرتبطة ارتباطاً عميقاً ببنيتنا الهرمونية والعصبية والدماغية، وتلعب بالطبع دوراً مهماً في الإنجاب واستمرار النوع البشري. لذلك، فإن جذر الحب، وفقاً لهيوم، لا ينبغي البحث عنه في السماوات، بل جذره كامن في طبيعة الإنسان نفسه. لكن ظاهرة الحب، كما أشرت سابقاً، وإن كانت لها خلفية بيولوجية، إلا أنها تتجاوز هذا الحد بكثير، وتمتزج بشكل عميق باللغة، وتكتسب هوية ثقافية عميقة. أما كانط، ففي حدود ما أفهمه، ليس ضد الحب. من وجهة نظر كانط، الحب الناتج فقط عن الميول هو حب مرضي.
لكنه يقر أيضاً بوجود علاقات عاشقة صحية تتحقق في نقطة التوازن بين وضعين عاطفيين-أخلاقيين خاصين: «الحب» و«الاحترام». من وجهة نظر كانط، جوهر «الحب» هو «الاقتراب» (Coming close)، وجوهر «الاحترام» هو «حفظ المسافة» (Keeping distance). الحب يدفع العاشق إلى الاقتراب أكثر فأكثر من محبوبه، حتى إن عرفاءنا كانوا يرون غايته في «الاتحاد»، أي نفي أي مسافة مع المعشوق. من وجهة نظر كانط، هذا النوع من الحب الذي لا يراعي مسافة أو حرمة المعشوق، يشوش في النهاية على استقلال هويته وهوية معشوقه، ولذلك هو حب مرضي.
لذلك، على العاشق الحكيم، لكي يحافظ على الحب بينه وبين محبوبه صحياً ومزدهراً، أن يتعلم أي المسافات ينبغي أن يراعيها مع محبوبه، بحيث لا يشوش، مع قربه منه، على استقلاله وهويته وهوية محبوبه – أي عليه، مع شوقه للاقتراب من المحبوب، أن يحترمه، وأن يراعي حرمته (أو المسافات الواجبة بينه وبينه). لذلك، من وجهة نظر كانط، «الحب في مملكة العقل» (أي الحب المقرون بالاحترام) ممكن، لكن موقف أتكينسون وبعض النسويات الراديكاليات كان أن الحب الرومانسي القائم على التبعية الأحادية الجانب للنساء تجاه الرجال، يؤدي إلى إعادة إنتاج البنى القمعية للنساء، وهو في الأساس غير صحي وغير مرغوب فيه. على أية حال، أستبعد أن يكون كانط متفقاً مع هذه المواقف شبه المتطرفة والنتائج المترتبة عليها.
لكن كانط لا يصف الحب الصحي أيضاً.
لا يكنّ كانط، إجمالاً، رأياً إيجابياً تجاه الحب. يعود ذلك، من جهة، إلى أن الوجه الغالب في الحب، من وجهة نظره، هو العاطفة، وهو يرى أن العاطفة تُخلّ بالعقل (وبهذا الصدد يشبه موقفه موقف بعض الفلاسفة المسلمين المناهضين للحب)، ومن جهة أخرى، لأن البشر في الظاهر لا يمتلكون غالباً المهارة الكافية في فن اكتشاف النقطة الذهبية للتوازن بين الحب والاحترام، ونتيجة لذلك، حين يعشقون، ينتهكون حرمة وكرامة أنفسهم أو معشوقهم. وكأن البشر نادراً ما يستطيعون، في حالة الوله، أن يحترموا المسافات الواجبة بينهم وبين أحبائهم.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.