اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تؤكد حركة البطء في مواجهة الإيقاع المتسارع للمجتمع التكنوقراطي على الحاجة إلى الانتماء والرعاية؛ بيان 'الفكر البطيء'، المستلهم من فلسفة بديو وتقليد الحوار، يخلق زمانًا ومكانًا ويقرأ التفكير بوصفه إمكانًا غير مكتمل.

فينتشنزو دي نيكولا، إيان — في عام 1986، في أشهر ميادين مدينة روما، بيازا دي سبانيا، عند أسفل الدرجات الإسبانية، افتُتح مطعم ماكدونالدز. أثار هذا الاجتياح للوجبات السريعة الأمريكية الرخيصة إلى قلب مدينة روما حساسيات. كان أحد المحتجين كارلو بيتريني، وهو صحفي إيطالي يساري، الذي أطلق حركة باسم «الطعام البطيء»۱. أكد بيتريني على المنتجات المحلية، والتنوع البيولوجي، وقبل كل شيء، على المتعة الكامنة في المذاق الإيطالي الأصيل. في أواخر تسعينيات القرن العشرين، تحولت هذه الفكرة تدريجياً إلى فكرة «شيتاسلو»۲ أو «المدن البطيئة»، والتي هي جزء من نموذج ثقافي أوسع يُدعى حركة البطء. عبّر الفيلسوف النرويجي، غوتارم فلوئيستا، عن نبض حركة البطء في النص التالي بشكل جيد:
الشيء الوحيد الذي يمكن للمرء أن يتيقن منه هو أن كل شيء يتغير. سرعة التغيرات تتزايد. إذا أردت البقاء، فمن الأفضل أن تزيد سرعتك. هذه هي رسالة الحياة اليوم. ومع ذلك، لا بأس من تذكير الجميع بأن احتياجاتنا الأساسية لا تتغير أبداً. الحاجة إلى أن نُرى وأن نُقدَّر! هذا يعني الحاجة إلى الانتماء. الحاجة إلى القرب والرعاية، وقليل من الحب! فقط من خلال البطء في العلاقات الإنسانية نستطيع تحقيق ذلك. لكي نتغلب على التغيرات، علينا أن نستعيد البطء، والتأمل، والوجود معاً. هناك سنرى التجدد الحقيقي.
حركة البطء، من حيث أنها تدعو إلى «البطء في العلاقات الإنسانية»، تبدو محافظة، لكن الواقع أنها تدعونا بشكل بنّاء إلى تقدير الثقافات المحلية، سواء في الطعام، أو في الزراعة، وفي مقابل الإيقاع المتسارع، والرقمي، والسرعة الآلية للمجتمع التكنوقراطي (الذي أسماه نيل بوستمان في عام 1992 بالتكنوبولي، حيث «معدل التغيرات متزايد» وتحكم التكنولوجيا)، تؤكد على الحفاظ على إيقاعات أبطأ وأكثر تناسباً مع الحياة. في الواقع، هذه الحركة أكثر مما هي محافظة هي حامية، مثل طبقة واقية في مواجهة الشركات متعددة الجنسيات السالبة في صناعة الغذاء التي تدمر الصناعيين المحليين من الزراعة إلى العمارة. بفضل الإيمان الموجود في حركة البطء باحتياجاتنا الأساسية، وقبل كل شيء «الحاجة إلى الانتماء» إلى مكان، تؤسس هذه الحركة في كل مكان نوعاً من الجمع المعاصر (كونفيويوم)۳ يستجيب لزمانه ومكانه، بينما يتوسع عضوياً عندما تعبر المجتمعات عن احتياجاتها الخاصة فيما يتعلق بالانتماء والحفاظ على التماسك في مواجهة اجتياح بيروقراطية الدولة الخفية والمصالح متعددة الجنسيات.
في نفس تقليد حركة البطء، أريد هنا أن أعلن بياني الخاص من أجل «الفكر المتأني». هذا العمل هو الخطوة الأولى نحو نوع من «الطب النفسي للحدث»۴، الذي يرتكز على المفهوم المحوري للحدث في فكر الفيلسوف الفرنسي، آلان باديو، ويشكل أساساً جديداً للأنطولوجيا؛ أي كيف نفكر في الكينونة أو الوجود. الحدث يعني انقطاعاً غير متوقع في عالمنا اليومي يفتح أمامنا إمكانيات جديدة. لكل حدث ثلاثة شروط: أن يحدث لنا شيء ما (بشكل عشوائي تماماً، لا نتيجة للقدر أو جبروت الزمن)، أن نطلق اسماً على ذلك الحدث، وأن نبقى أوفياء له. في فلسفة باديو، نتحول إلى ذات بوساطة الحدث. الذات، بتسميتها للحدث وحفاظها على الوفاء له، تظهر كذات لحقيقة الحدث. «الوجود هنا»، كما ورد في الظاهراتية التقليدية، ليس كافياً. مقترحي لـ «الطب النفسي الحدثي» يشرح كيف نعلق في عالمنا اليومي، وكذلك ما الذي يحدث تغييراً فيه ويجعل الأشياء الجديدة ممكنة لنا.
بعد المراجعة المنهجية لمعنى الحدث، أعتزم شرح وتوضيح الفكر المُتَأَنِّي في سبعة بنود:
١. علامات الفكر المُتَأَنِّي هي المشّاءات السقراطية، والمواجهة وجهاً لوجه عند ليفيناس، والمحاورات الحوارية عند باختين كثيراً ما يستخدم هؤلاء الفلاسفة الثلاثة مقاربة بطيئة ومُضجرة منهجياً وحَذِرةً لحلّ الألغاز الفلسفية. كان سقراط يقضي وقته ماشياً في ساحات أثينا القديمة، منخرطاً في محادثات ارتجالية مع الناس بأسئلة ذات بساطة مطمئنة. أما إيمانويل ليفيناس، الأقرب إلينا زمنياً، وهو يهودي ليتواني نجا من الهولوكوست في فرنسا، فيؤكد أن كون المرء إنساناً يعني المواجهة وجهاً لوجه، وهي مواجهة تكون فيها كيفية تعاملنا مع بعضنا البعض هي الأهم، وتندرج تحتها سائر الأمور. ويُحلِّل المفكر الروسي ميخائيل باختين الأدب باعتباره حواراً أو لقاءات تواصلية، حتى في حديث المرء مع نفسه أو المونولوغات الداخلية حيث يوجد دائماً آخر ضمني يستمع ويطرح أسئلة. يتفق الفلاسفة الثلاثة على أن التفكير نشاط تواصلي – تتباطأ سرعته بالمشي في ساحات المدينة وفي الحوار وجهاً لوجه.
٢. الفكر المُتَأَنِّي يخلق زمانه ومكانه الخاصين يتجاوز الفكر المُتَأَنِّي الحدود الجغرافية-السياسية (أو كما ورد في عنوان حركة أخرى: «التفكير بلا حدود»)، ولا يمكن تعريفه زمنياً فنقول مثلاً إنه «معاصر» أو «حديث». الفكر المُتَأَنِّي، الذي لا يذعن للقيود الزمنية ذات الثلاثين ثانية في القصاصات الإعلامية والدورات الإخبارية ذات الأربع والعشرين ساعة، هو لامتناظر زمنياً، أي ليس له ترتيب زمني، بل ينتظم بمنطق الفكر البطيء. في التأويل أو التفسير التلمودي اليهودي للنصوص المقدسة، ثمّة مصطلح يُدعى بيلبول٥ يعني طريقة سؤال وجواب قد يظهر فيها جواب في بابل القديمة لسؤال أخلاقي تشكّل لاحقاً في مكان آخر في الأندلس زمن المسلمين. للبيلبول بنية حوارية، لكن ليس وفق التسلسل الزمني التاريخي أو الحركات العشوائية للغة العامية والدارجة، بل بوساطة مبادئ النقاش الفلسفي.
في كتابي المعنون رسائل إلى معالج شاب٦ (٢٠١١)، رويتُ قصة تؤيد هذه الفكرة. القصة عن أستاذي في كلية الطب، جويل إلكس، الذي يلتقي بعد ٤٠ عاماً بأستاذه في الفلسفة، وهو من ليتوانيا، في القدس. الأستاذ، الذي كان يرفع رأسه من كتابه بين الحين والآخر، يُلقي التحية على تلميذه القديم، بعد الهولوكوست وقيام إسرائيل وحروب كثيرة، ويقول: «آه، جويل، أنا أقرأ أفلاطون، هل تقرؤه معي؟» للفكر المُتَأَنِّي، شأنه شأن البيلبول والحوار التواصلي، حياته الخاصة.
٣. ليس للفكر المُتَأَنِّي موضوع آخر سوى ذاته الفكر المُتَأَنِّي هو محاكاة لنوع من النظر إلى الحياة، حيث نندفع في هذه النظرة من حاضر غير يقيني ووعِر، سِمَتُه المميزة هي السرعة، نحو مستقبل غير مستقر بلا مبالاة ونُقْدِم على المخاطرة. التفكير، مثل الحياة، لا يكتمل أبداً، إنه إمكان لا يستنفد ذاته أبداً، كما كتب جورجو أغامبين عام ١٩٩٦ في مقالة عن فلسفة الطفولة:
كان لدى اللاتين تعبير فريد هو vivere vitam [عِشِ الحياة]، انتقل إلى اللغات الرومانسية الحديثة في صيغة vivre sa vie, vivere la propria vita [عِش حياتك الخاصة]. ينبغي استعادة قوة التعدّي الكامل للفعل «vivere» [أن يحيا] هنا؛ قوة، وإن لم يكن لها موضوع (وهذا تناقض!)، فليس لها موضوع سوى الحياة ذاتها. الحياة هنا إمكان، قوة لا تستنفد ذاتها أبداً في وقائع وأحداث السيرة الذاتية، لأنه ليس لها موضوع سوى ذاتها. إنها محايثة مطلقة، ومع ذلك تتحرك وتحيا.
ليس من قبيل الصدفة أن يبسط أغامبِن مفهوم عيش المرء لحياته في مقالة عن الطفولة، لأن هذا الأمر بالغ الأهمية في نظرتنا إلى الطفولة، ويشكل تحدياً لما أسميه «فكر النمو»۷. علينا أن نتحدى مفهوم النمو في جميع مراحل الحياة، وعلينا أن نجد تصوراً آخر لمسار الحياة لا يقوم على السرعة أو نقاط التحول فيها.
يقدم لنا أغامبِن، بصفته أحد شرّاح ميشيل فوكو، الحياة التأملية بوصفها عناية بالذات، وهو موضوع يظهر، من قبيل الصدفة، في كتابات فوكو المتأخرة، حين كان هو نفسه يصارع الموت بسبب مرض الإيدز. إن عيش المرء لحياته، vivere vitam، يكتسب أهمية عميقة في السيرة الذاتية لغابرييل غارثيا ماركيث المسماة أعيش لأروي۸ (2002)، وهو الكتاب الذي ترجمته إديث غروسمان إلى الإنجليزية عام 2003. كان غارثيا ماركيث قد كتب هذا الكتاب حين كان يعاني من مرض قد يكون مميتاً. صحيح أن فعل العيش في عنوان هذا الكتاب هو فعل متعدٍ يتجسد في هدف الكتابة، لكن الكتابة عند ماركيث هي طريقة عيش الحياة، إنها فعله المحوري، الذي يمكن القول إنه طريقته في التفكير. في عام 2009، حين زُعم أنه توقف عن الكتابة، اعترض على ذلك قائلاً: «ليس هذا الكلام غير صحيح فحسب، بل إن الشيء الوحيد الذي أفعله هو الكتابة». إن الفكر البطيء، مثل vivere vitam في اللغة اللاتينية، ليس له موضوع إلا أن يتجسد، مثل الحياة نفسها، في أفعال محورية تتيح لنا أن نعيش بشكل أكثر اكتمالاً في حاضر لازماني، متحررين من عبء ماضٍ ناقص أو وعود عقيمة لمستقبل خلاصي.
٤. الفكر البطيء مسامي يصف فالتر بنيامين، في مقالته التي لا تُنسى عن نابولي، والتي كتبها بالتعاون مع آسا لاتسيس، هذه المدينة بأنها مسامية:
يتم تجنب الأمور القطعية. لا يبدو أن أي وضع قائم إلى الأبد، ولا يقول أي شكل أو دور «هكذا وليس غير». [...] نادراً ما يمكن للمرء أن يتبين أين لا يزال البناء جارياً وأين بدأ الخراب. لأنه لا شيء متصلب. المسامية هي نتاج [...] الشغف بالارتجال، الذي يتطلب الحفاظ على الفضاء والفرصة بأي ثمن.
إذا افترضنا أن ثقافة نابولي هي أباراتوس (بالمعنى الفوكوي للكلمة، أي أداة لبنينة المجتمع)، فإن «المسامية» التي يقصدها بنيامين هي الاسم الذي يطلقه على هذا الأباراتوس، بسبب نظرته إليه، وبسبب المبدأ المنظم الذي يربط نظرته بفعل تواصلي (المقالة عن نابولي/المسامية):
المسامية هي قانون حياة هذه المدينة الذي لا ينتهي، والذي يظهر من جديد في كل مكان. قطعة من يوم الأحد مختبئة في كل يوم من أيام الأسبوع، وكم من يوم غير عطلة في يوم الأحد هذا!
الفكر البطيء هو طريقة تفكير مسامية، غير مقولبة، منفتحة على الإمكانات، وتتيح للأفراد أن يتكيفوا بشكل عفوي مع مقتضيات الحياة وتقلباتها. لدى الإيطاليين اسم لهذا: «أرّنجياسي»۹ الذي يتجاوز معناه «التدبر بالأمر» و«التأقلم»، ليعني فن الارتجال، إنه طريقة لاستخدام الموارد المتاحة من أجل إيجاد حل. المسامية الكامنة في الفكر البطيء تفتح الطريق أمام ردود فعل محتملة تجاه المآزق الإنسانية.
٥. الفكر البطيء لعوب هذا البند يعني قبل كل شيء أن القواعد يمكن أن تُكسر بفكر جاد. يرمي الفكر البطيء بكتاب القواعد جانباً، تماماً كما ينقل يوهان هويزينغا في دراسته المتقنة المسماة هومو لودنس۱۰ عن إيراسموس: بحسب رأيي، ليس من الضروري إطلاقاً أن تفعل في المدارس الشيء نفسه الذي تفعله في لعب الورق أو النرد؛ ليس الأمر أن أي خرق للقوانين يفسد اللعبة. بل على العكس، في نقاش علمي، لا ينبغي أن يبدو طرح فكرة مبتكرة أمراً غير مألوف أو محفوفاً بالمخاطر على الإطلاق.
هذا انعكاس دقيق لفلسفة الحدث عند بديو التي تشرح الابتكار؛ أي دخول أشياء جديدة إلى العالم. يقول بديو بصراحة في البيان الثاني للفلسفة۱۱ (۲۰۱۱): «الفلسفة التي لا تكون جريئة لا تكون شيئاً». الفكر المُتَأَنِّي لا حدود لجرأته اللعوبة. لا الزمن ولا التقليد قادران على لجمه. «اللعب» أو مرونة الفكر المُتَأَنِّي لا تعني فقط أن القواعد يمكن كسرها، بل إن القطيعة في الفكر ممكنة أيضاً. هذه القطيعة تعني الامتناع عن قبول ما يسميه ميلان كونديرا في مقالته «ثلاثة وستون عالماً»۱۲ (۱۹۹۸) بـ«لا تفكير الأفكار المقبولة».
يسمي هويزينغا اللعب «إنترميتسو، فاصلاً في حياتنا اليومية» في عرض جميل للكلمات، أي أنه يرى اللعب نشاطاً بين فصول عرض أو أوبرا، «منفصلاً عن ’الحياة اليومية‘»، «يتجاوز الواقع الراهن ويرتقي إلى نظام أعلى». يُحدث اللعب قطيعة في حياتنا. الفكر المُتَأَنِّي، من حيث كونه لعوباً، لا يعارض الجدية، بل له معناه الخاص من الجدية. الفكر المُتَأَنِّي، مثل لعب الأطفال، تلقائي وطوعي، لا واجب فيه، ويمكن تعليقه وتأجيله في أي وقت. يصنع اللعب زمانه وقواعده ونظامه الخاص، وهو نموذج للفكر المُتَأَنِّي. الفكر المُتَأَنِّي أيضاً، مثل اللعب، تقترن به الحماقة، لكنه ليس أحمق. في دراسة هويزينغا، ليس للعب أي وظيفة بيولوجية أو أخلاقية - لا هو ضرورة جسدية ولا واجب أخلاقي. لا تنتج عنه منفعة مادية ولا «يمكن جني ربح منه».
كما يساعد اللعب الطفل على بلوغ فهم لذاته، فإن الفرد، بحسب هويزينغا، من خلال استخدام القناع أو وسائل أخرى، يخلق مجتمعاً خاصاً به منفصلاً عن العالم العام. في اللعب شيء مقنّع ومستور ليس بواضح ولا بديهي. لكن اللعب، رغم أنه ليس جاداً أو منطقياً، يخلق قواعده ونظامه ومنطقه الخاص. يريد الفكر المُتَأَنِّي أن يمسك بقواعد اللعب ونظامه ومنطقه، أن يزيح قناعه ويفك شيفرته.
بين الفكر المُتَأَنِّي وحركات أخرى في تاريخ الفكر نوع من الشبه العائلي. لورنس ستيرن في روايته تريسترام شاندي۱۳ (۱۷۵۹-۱۷۶۷) يُرفق قصته عمداً بكمٍّ من الأحداث الاعتراضية والانحراف عن المسار الرئيسي للحكاية، وغالباً بهدف تهكمي. جون ميلتون، شاعر القرن السابع عشر، يصرح في غزل شهير: «إنهم يخدمون أيضاً أولئك الذين يقفون وينتظرون». إدموند هوسرل، في عام ۱۹۱۳، عرّف الإيبوخيه الفينومينولوجية بأنها: وضع التجربة بين قوسين، وتعليق الحكم. يتحدث ليفيناس عن الإرهاق والإنهاك كمقاومة للوجود، وعن التأخير بوصفه «استحالة البدء أو ... تحقق البدء». أغامبِن، فيلسوف اللاتمايز واللامبالاة، يعشق لازمة بارتلبي۱۴ القائلة: «أفضّل ألا أفعل». جاك لاكان في محاضرته عن «الرسالة المسروقة» (۱۸۴۴) لإدغار آلان بو يتحدث عن «الرسالة في الانتظار»؛ الرسالة التي تصل إلى وجهتها رغم تنقلها (في النهاية/بالصدفة/على نحو اتفاقي). يقوم جاك دريدا بتفكيك الإرجاء والتأخير إلى حد لا يصل فيه إلى وجهته فحسب، بل لا يشرع حتى في السفر أبداً لأن نقاط الانطلاق عديدة. الفكر المُتَأَنِّي يستحضر كلمة المقاومة، لكن ليس بمعناها الدفاعي التحليلي النفسي، بل بمعنى التخلف والإرجاء.
لقد كرر الفكر المُتَأَنِّي الشيطنة التي تميزه بأشكال مختلفة، من الانحراف واللامبالاة، إلى الوضع بين قوسين والتعليق، إلى الإرجاء والتأخير، التردد والإرهاق، إلى التنقل والتخلف. ما تشترك فيه كل هذه هو المماطلة، التلكؤ، الانتظار، والمطالبة بالتأمل قبل الاعتقاد والوضوح قبل الإقدام.
۶. الفكر المُتَأَنِّي هو ضد-منهج للتفكير، لا منهج للتفكير، لأنه يخلص الفكر ويحرره ويطلقه من قيود التقليد وكوابيسه.
افتتاحية في صحيفة آيريش تايمز عام ٢٠١٤ تؤيد إدخال الفلسفة إلى المدارس الثانوية في أيرلندا وتجادل ضد «المحاولات الرامية إلى حذف زمن التأمل»، وهي محاولات يمكن إيجازها بالكامل في «شعارات عصرنا التقني الاستهلاكي»: فقط افعلها، كن سريعًا وحطّم، يولو١٥ (أنت تعيش مرة واحدة فقط). شعارات تقول لنا «تحرّك الآن، وفكّر لاحقًا». في مقابل «مجتمع استهلاكي [يريد] باستمرار حذف زمن التأمل»، تُقترح الفلسفة بوصفها «ثقلًا موازنًا ضد ثقافة الفعل السريع هذه».
المشكلة هي أنه في «الفعل السريع» يُتصوّر أن ثمة طريقًا مضمونًا لإنجاز الأمور، وأن هناك نمطًا من الوتيرة الواحدة يمكننا بالإسراع بلوغه. تمامًا كما يصلح الطعام السريع في بعض الوجبات ولا يصلح في أخرى، ينبغي لنا أن نتعامل مع الأمور المستغرقة للوقت بانفتاح، حفاظًا على ما وصلنا من الماضي وكان قيّمًا، وتخصيصًا للوقت لخلق مقاربات جديدة للحاضر. النقطة الأساسية هنا هي التعددية والكثرة والتنوع، وهي أمور مستغرقة للوقت.
يقول فتغنشتاين: «لا توجد طريقة فلسفية واحدة، رغم وجود طرق بالفعل، مثل العلاجات المختلفة». أشهر فيلسوف في القرن العشرين وأكثرهم راديكالية لم يؤسس لنفسه نسقًا فلسفيًا لأنه كان يأمل أن يعالج مرض الفلسفة في نفسه (وفينا). كون فتغنشتاين يتحدث عن العلاج مهم لأنه كان يشبّه عمل الفلسفة بعمل الطب أو علم النفس: «علاج سؤال من قبل الفيلسوف هو بمثابة علاج مرض».
عندما أقول إن التفكير البطيء هو ضد-منهج، فإن كلامي ينسجم مع فكر فتغنشتاين الذي نُشر بعد وفاته في ملاحظات حول فلسفة علم النفس١٦ (١٩٨٠)، حيث يخلص إلى:
ما نتعلمه في الفلسفة قليل الأهمية؛ الفلسفة لا تعلمنا شيئًا جديدًا، العلم هو من يفعل ذلك. لكن أن نرى حقًا كل هذه الأشياء القليلة الأهمية معًا هو أمر في غاية الصعوبة، وله أهمية بالغة. الفلسفة في الواقع هي رؤية الأشياء القليلة الأهمية معًا.
اسمحوا لي أن أنظر إلى هذا القول في أفق فلسفي أوسع. في أعمال باديو وريتشارد رورتي، يمكن التمييز بين نوعين من الفلاسفة. يسميهم رورتي الفلاسفة النسّاقين والفلاسفة التنويريين، أما باديو فيسميهم الفلاسفة وضدّ الفلاسفة.
(من وجهة نظر رورتي) الفلاسفة النسّاقون و(من وجهة نظر باديو) الفلاسفة الحقيقيون يشرعون في بناء أنساق فكرية، وغالبًا ما يصنعون موادهم (مناهجهم) الخاصة لبنائهم الفلسفي. مفكرون مثل أفلاطون وأرسطو، أوغسطينوس والأكويني، جيامباتيستا فيكو وجوردانو برونو، توماس هوبز وجون لوك، رينيه ديكارت وباروخ سبينوزا، إيمانويل كانط وهوسرل، كلهم فلاسفة نسّاقون. آخرون يعالجون أسئلة تنويرية (رورتي) أو يحاولون زعزعة أنساق الفكر المستقرة (ضدّ فلاسفة باديو). يسمي رورتي هذه الفئة من المفكرين «معالجين لا بنائين». ضدّ فلاسفة باديو هم أمثال بولس القديس، فريدريش نيتشه، سيغموند فرويد وتابعه لاكان، وفتغنشتاين.
استنادًا إلى أبحاثي الفلسفية حول الصدمة والحدث، أعتبر الفلاسفة الحقيقيين وذوي النزعة النسقية فلاسفة حدث، يفتحون أمامنا الإمكانات (في الفكر والحياة). أما مناهضو الفلسفة فهم فلاسفة الصدمة والهاوية، الذين يغلقون الإمكانات في وجوهنا. القاسم المشترك بين هؤلاء هو القطيعة التي تُدرَك على شكل تريّث، أو انقطاع، أو توقف. عندما تتحول القطيعة إلى صدمة/هاوية، فهي ليست بالضرورة الصدمة السريرية كما تُتصوَّر في الطب النفسي أو التحليل النفسي، بل هي صدمة الدراسات الثقافية التي، تمامًا كما يُفهَم في تقليد مناهضة الفلسفة، ليست نسقية ولا بنّاءة، بل تفكيكية، وعلى عكس الصدمة السريرية، لا تستدعي أي تدخل.
هناك فئة أخرى من المفكرين أسميهم المنهجيين. هؤلاء هم المفكرون الذين يقترحون علينا أدوات جديدة للتفكير. لا يمكن وضعهم بسهولة في التصنيف الثنائي فلسفة/مناهضة فلسفة أو فلاسفة نسقيين/تنويريين. جوانب من فكر نيتشه، مثلاً جينيالوجياه، هي في نظري منهجية. كان فيتغنشتاين مناهضًا للفلسفة من وجهة نظر بديو، لكن من الواضح أن فيتغنشتاين كان يرى نفسه منهجيًّا كبيرًا ينفر من النسق الفلسفي، واستطاع، عبر شرح الألعاب اللغوية، أن يزيل معضلات فلسفية محددة. من هذا المنظور، فإن أفضل نظرة يمكن أن ننظر بها إلى دريدا هي القول إنه كان منهجيًّا قدّم مجموعة من الرؤى الفائقة حول اللغة والثقافة والفكر بمفاهيم مثل فارماكون١٧، والتشتت، والتكرار. فوكو وأكبر شارحيه، أغامبِن، هما أيضًا منهجيان. يقدم فوكو مجموعة من المنهجيات -الجينيالوجيا، والأركيولوجيا، والإشكالية١٨. أما أغامبِن فيدقّق في أركيولوجيا فوكو، ذاك الذي يعيد أغامبِن جينيالوجياه إلى نيتشه وفرويد، ويحولها إلى منهجية أكثر تنقية يسميها الأركيولوجيا الفلسفية. علاوة على ذلك، يقدم فوكو مفهومي الجهاز أو الأباراتوس، ومفهوم «العناية بالذات»، كمنهجيات للبحث والتفكير والعمل.
التفكير البطيء هو ضد-منهج ونظير لمناهضة الفلسفة. تمامًا كما يوجد فلاسفة ومناهضو فلسفة، لدينا أيضًا منهجيات وضد-منهجيات. بهذا المعنى، يمكننا اعتبار التفكير البطيء فلسفة تنويرية ومناهضة للفلسفة، على غرار طريقة نيتشه وفيتغنشتاين ودريدا في فحص أدوات الفكر ومناهجه بغرض توضيح الجينيالوجيات (نيتشه)، وتحريرنا من المعضلات (فيتغنشتاين)، وكشف الجذور والمعاني والآثار المستترة والمجهولة والمنكَرة للكلمات (دريدا).
٧. التفكير البطيء حذِر يوبّخ فيتغنشتاين، في درس فلسفي مدهش يشبه النكتة، الفلاسفة لأنهم يستعجلون أفكارهم:
السؤال: «ما رأي الفيلسوف الفلاني في الفيلسوف العلاني؟»
الجواب: «لا تتعجل، هناك متسع من الوقت».
كان هذا هو الاعتراض الأساسي لسقراط على سفسطائيي أثينا طليقي اللسان. كان السفسطائيون يعلمون الأثينيين فن الخطابة كي يدافعوا عن أنفسهم بشكل مؤثر، لكن سقراط كان يتكلم بحذر وبطء، حتى بتردد، و(على المدى القصير) لم يستطع الدفاع عن نفسه أمام تهمة إفساد شباب أثينا. لكن التاريخ أصدر حكمه على تلك التهم.
.
.
الهوامش: • بقلم فينتشنزو دي نيكولا، نُشر في 27 فبراير 2018 بعنوان «Slow Thought: a manifesto» على موقع أيون. وقد نشره موقع ترجمان في 15 أغسطس 2018 بعنوان «بيان من أجل الفكر البطيء» بترجمة محمد إبراهيم باسط. •• فينتشنزو دي نيكولا (Vincenzo Di Nicola) أستاذ كرسي في الطب النفسي بجامعة مونتريال. غطت دراساته مجالات مختلفة تشمل علم النفس والطب النفسي والفلسفة. يعمل حاليًا على كتاب بعنوان الطب النفسي في أزمة: عند تقاطع العلوم الاجتماعية والإنسانيات وعلوم الأعصاب (Psychiatry in Crisis: At the Crossroads of Social Science, the Humanities, and Neuroscience).
[۱] Slow Food [۲] Cittaslow [۳] convivium [۴] psychiatry of the event [۵] pilpul [۶] Letters to a Young Therapist: Relational Practices for the Coming Community [۷] developmental thinking [۸] Vivir para contarla [۹] arrangiarsi [۱۰] Homo Ludens [۱۱] Second Manifesto for Philosophy [۱۲] Sixty-Three Words [۱۳] Tristram Shandy
[۱۴] Bartleby: شخصية من إحدى أشهر قصص هرمان ملفيل القصيرة، كان يرد على كل طلبات مديره بقوله: أفضل ألا أفعل! [المترجم].
[۱۵] YOLO: اختصار لجملة You Only Live Once [المترجم].
[۱۶] Remarks on the Philosophy of Psychology [۱۷] pharmakon [۱۸] problematicisation
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الأدب
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سرنخ های زیادی در این مقاله بود برای دنبال کردن، سپاس از شما، آموزنده بود.