اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«أوثق علامات الحكمة البهجة الدائمة»؛ تأويلٌ لمقولة مونتين يرى الصلة بين الحكمة والبهجة صلةً جدلية. وبشواهد من حافظ ونيتشه، تُقدَّم البهجة الدائمة لا كحالة نفسية، بل كطريقة وجود أنطولوجية في مصارعة الألم وقبول الحياة.

لا ينبغي أن يُنظر إلى التحلي بالنشاط الدائم على أنه مجرد حالة نفسية وتفسيره سلوكياً. ومع أن الحكيم لا ينبغي أن يُتصور بوجه عابس جاف وهيئة قاطبة مكفهرة، إلا أنه لا ينبغي أن يُظن أيضاً أنه شخص لا ألم له ولا حزن، وأن الحياة لا تمضي به إلا في اللهو والمجون. فالشخص المليء بالنشاط ليس من يضحك ويقهقه باستمرار، أو يرقص ويمازح. يمكن القول إن هذا التصور للسعادة لا يحكي وضعاً غير مرغوب فيه فحسب، بل وضعاً مستحيلاً. لقد صور فيلليني، مخرج السينما الإيطالي الكبير، في فيلم «الشره الكبير»، وببراعة، الاشمئزاز من هذه الملذات غير الحكيمة والألم النسياني...
.
يمكن البدء بالتأمل في الصلة بين «العقل» و«البهجة» من خلال التأمل في مقولة مونتين، الأديب والفيلسوف الفرنسي من القرن السادس عشر:
«إن أقطع علامات الحكمة هو النشاط الدائم».
يبدو أن هذه المقولة يمكن تفسيرها على نحوين: الإطار التفسيري الأول يمكن أن يقوم على أساس أن «الحكمة معلولة ومتولدة عن النشاط»، ومن المعلول يمكن الاستدلال على العلة. وبتعبير حافظ:
متى ينظم الشعر الطري خاطر من كان حزيناً أشرنا إلى معنى من هذا المعنى وحسبنا هذا
وهكذا، فإن «الشعر الطري»، أي «الحكمة الحافظية» ذاتها، هي نتيجة الخاطر الفرح (والحر).
أما الإطار التفسيري الثاني فيمكن أن يقوم على أساس أن «الحكمة علة ومولدة للنشاط»، ومن العلة يمكن الاستدلال على المعلول. وبتعبير حافظ:
اشرب خمراً فكل من رأى عاقبة أمر العالم خف من الهم ومال إلى الكأس الثقيلة على ورق الورد كتبوا بدم الشقائق أن من نضج مال إلى الخمرة الأرجوانية
من وجهة نظر مونتين، فإن السعادة الحقيقية للإنسان هي نتيجة لحكمته. وهذا بالطبع لا يعني استبعاد التفسير الأول، ويمكن القول إن الحكمة أيضاً، بشكل ما، هي نتيجة للبهجة. وبالتالي، فإن كلا المعنيين والتفسيرين قابلان للجمع. وكأن بينهما علاقة جدلية: فالحكمة والبهجة بينهما ترابط متبادل، وكل منهما مشروط بالآخر بشكل ما.
لكن «التحلي بالنشاط الدائم» لا ينبغي تفسيره بمعنى التمتع بالراحة والرفاه المطلقين، وانعدام الألم كلياً. يؤكد نيتشه، أكثر من أي حكيم، على أن من يريد أسمى ضروب البهجة، عليه أن يريد أسمى ضروب الألم أيضاً. من وجهة نظر نيتشه، لا يمكن أبداً ترقية اللذات بشكل أحادي الجانب؛ أي لا يمكن زيادة اللذة دون زيادة الألم في الوقت نفسه وبالقدر نفسه. ولهذا يقول نيتشه إن البهجة الحقيقية لا تكون إلا حيث يوجد انتصار؛ انتصار على الأشد صعوبة.
يمكن القول إن قول مونتين: «لم يستثمر أحد أكثر مني في الوداع» يحمل المعنى نفسه، وهو أنه يجد الوداع، بوصفه أكثر تجاربه إيلاماً، في الوقت نفسه، أفضل رأسمال لسعادته. وهكذا، فإن «أقطع علامات الحكمة هو التحلي بالنشاط دوماً»، تعني أن علامة الحكمة هي أن تكون في صراع دائم؛ صراع للتغلب على الآلام والمصائب؛ وبتعبير حافظ، أن تكون دائم الانشغال بعمل ما لإنهاء الغصص! بعبارة أخرى، الإنسان الفرح ليس من لا هم له، بل هو من يمتلك، رغم الهم، وحتى في أيام المآتم، فيضاً داخلياً ونشاطاً خارجياً.
في الواقع، لا ينبغي اعتبار النشاط الدائم مجرد حالة نفسية وتفسيره سلوكياً. ومع أنه لا ينبغي تصور الحكيم بوجه عابس جاف وهيئة مقطبة كالحة، إلا أنه لا ينبغي الظن أيضاً أنه شخص لا ألم له ولا حزن، وأن الحياة لا تمر عليه إلا باللهو والمجون. فالشخص النشيط ليس من يضحك ويقهقه باستمرار، أو يرقص ويلقي النكات. يمكن القول إن هذا التصور للسعادة لا يحكي عن وضع غير مرغوب فيه فحسب، بل عن وضع مستحيل. لقد صور فيلليني، المخرج الكبير للسينما الإيطالية، في فيلم «الشراهة الكبرى»، وبصورة بارعة، الاشمئزاز من هذه المسرات غير الحكيمة والمعاناة المنسية.
ينبغي النظر إلى النشاط الدائم، أبعد من كونه حالة نفسية، بوصفه نمطاً وجودياً وضرباً من الكينونة في العالم؛ ضربٌ يمكن، لتفسيره، الاستعانة بمثال «الطبيعة» أكثر من أي شيء آخر. ألا يمكن القول إن الطبيعة في نشاط دائم، حتى حين تكون في الخريف أو الشتاء؟ يمكن القول إن الطبيعة سعيدة دائماً، لأنها في حركة دؤوبة وولادة وإبداع دائم. والسعادة الحقيقية للإنسان لا ينبغي اعتبارها إلا حركة دؤوبة وإبداعاً. يستدعينا هاينريش هاينه، الشاعر الألماني، إلى مثل هذه الحكمة:
"أيها القلب، لا تحزن وتحمل قدرك، فالربيع الجديد يعيد ثانيةً، كل ما سلبه منك الشتاء."
يمكن القول إن زوربا اليوناني هو أفضل نموذج لتلك «الحكمة المرحة» التي يتحدث عنها مونتيني، وتبعه في ذلك نيتشه. رقصة زوربا هي استعارة لفكره ونظرته الراقصة، لكن من المهم جداً أن يُطرح هذا السؤال:
متى رقص زوربا لأول مرة في حياته؟
لا أشك في أن من لم يقرأ هذه التحفة لكازانتزاكيس لا يمكنه أن يخمن جواب هذا السؤال، بل إن سماع الجواب سيكون صادماً له.
على أية حال، من غير المعقول أن زوربا رقص لأول مرة بعد وداعه لابنه الشاب الميت، بينما كان جسده قد برد وفقد الحياة بين ذراعيه قبل قليل. حكمة مونتيني المرحة، أيضاً، مثل حكمة زوربا، هي فكرة مفعمة بالحياة؛ وليست كالحكمة الفجة المجردة لأربابها المتعلمين وقارئي الكتب، الذين ينبغي أن يقال لهم مع حافظ:
خذ هذه الحكمة الفجة إلى الحانة لتجعل الخمر الياقوتية تغلي دمها
«الحكمة المرحة» ليست فقط غير مبالية بالألم والحزن الإنسانيين، بل إنها تعلمنا الفرق بين نوعين من الغم*: «الغموم الآكلة للإنسان» التي قليلها كثير ويجب الفرار منها بأقصى سرعة، وكما قال حافظ:
قضاء لحظة مع الغم لا تساوي العالم كله بع خِرقتنا بالخمر فليس أثمن من هذا
و«الغموم المغتمة بالإنسان» التي كثيرها قليل ويجب الركض نحوها بكل قوة. وأيضاً كما قال حافظ:
قال لي الناصح: أي فن للعشق سوى الغم؟ اذهب أيها الخواجة العاقل، فهناك فن أفضل من هذا أو: زمانٌ صار فيه هوى الأصنام ديني غم هذا العمل، هو نشاط قلبي الحزين.
كما لوحظ، هناك قرابة فكرية كبيرة بين رؤى وأفكار مونتيني وحافظ.
* إقبال اللاهوري: غم هو الغم الذي يأكل الإنسان وغم آخر يأكل كل غم وغم آخر هو أنيسنا روحنا بصحبته بلا غم
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
عالی بود سایر متن های زیبای استاد زنجانی رو هم منتشر کنین با تشکر از زحمات دوستان صدانتی