اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تشكلت التفسيرات الدينية الحديثة تحت تأثير الإسلاموية في القرن العشرين وهي تدّعي النقاء، لكنها غريبة عن التراث الفقهي والكلامي الموروث. يرى حسن الأنصاري أن هذه الرؤية للعالم مزيج انتقائي من أفكار دينية تعود للقرن العشرين، وليست تطوراً أصيلاً.

كان من نتائج التيارات الإسلامية والإحيائية في البلدان العربية في منتصف القرن العشرين تغيُّر النظرة الإسلامية إلى العالم بين شرائح واسعة من الطبقة المتعلمة في المدن المتوسطة. كان أشخاص مثل حسن البنا، وسيد قطب، وعبد القادر عودة، وأبي الأعلى المودودي، وأبي الحسن الندوي يتحدثون عن نوع من النظام الإسلامي الكوني القائم على جملة من الأفكار المتعلقة بالأمة، وحاكمية الله، وجاهلية المجتمعات التي لا تُضمن فيها حاكمية الله، وكذلك تطبيق الشريعة. هذه المنظومة الفكرية التي كانت تعمل بوصفها أيديولوجيا للجماعات الإسلامية، والتي تصورها الإسلاميون، بمساعدة فكر الجماعات والتنظيمات الإسلامية وممارساتها السياسية، حلاً بديلاً عن الحلول الغربية أو حلول الحكومات الوطنية والقومية، طرحت لاحقاً في سبعينيات القرن العشرين شعار تطبيق الشريعة والحل الإسلامي. أما الكتّاب الإسلاميون غير الحزبيين من الأزهريين والمستويات التقليدية، فحتى لو لم يرافقوا المشاريع السياسية لهذه الجماعات، بل وحتى عندما سلك قسم كبير من هذه الجماعات الإسلامية لاحقاً نظريات العنف وممارسته وأفكار التكفير والهجرة، لم يرافقوهم وابتعدوا عنهم، إلا أنهم كانوا تحت التأثير العام لأدبيات هذه النظرة إلى العالم وثقافتها الدينية. في الواقع، إن أفكار الإحياء والأصالة عملياً روّجت ورسّخت نظرة جديدة إلى العالم بين شرائح واسعة من الكتّاب الدينيين، لا صلة لها بما نعرفه في التراث الإسلامي. كانت، وما تزال، نوعاً من النظرة والمنظور الجديد. هذا النوع من الأفكار، رغم إمكانية إظهار جذورها في أنواع من أفكار وعقائد الفرق الإسلامية المختلفة في الماضي، عادة ما عُبِّر عنه تحت عنوان المقاربات الجديدة للدين ونوع من الصحوة الإسلامية. وفي كل مكان كانت هناك استشهادات بآيات القرآن والأحاديث ونوع من التفسير المتميز والثوري للتاريخ الإسلامي والسيرة. ومهما يكن، فإن هذه التفسيرات لا صلة لها بالتراثات الإسلامية الأصيلة على امتداد تاريخ الحضارة والتجربة التاريخية الإسلامية، ولا سيما مع النظرة المختلفة تماماً للإسلام الشيعي فيما يتعلق بمسائل الإمامة والشرعية والمرجعية السياسية أو الدينية. في العقود ما بين العشرينيات والخمسينيات من القرن الشمسي، تظهر في أدبيات المتدينين لدينا أنواع مختلفة من التأثرات الدينية بالنزعات الإخوانية والإحيائية الإسلامية، والتي شكلت طيفاً واسعاً: من نوع من الاستقامة الدينية والتأثر المباشر بفكر الإخوان، إلى النزعات المتأثرة بسيد قطب، وصولاً إلى اليسار الإسلامي المتأثر بالنزعات الاشتراكية الإسلامية. كان الكثير من الأدبيات الدينية في العقود من العشرينيات فصاعداً، ولا سيما في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الشمسي في إيران، تحت تأثيرات مختلفة لفكر النظام الإسلامي الكوني ونظرة حاكمية الإسلام إلى العالم، والتي كانت في الغالب مقتبسة مباشرة من أدبيات الكتّاب المصريين. كان الكثير من تفاسير القرآن تحت تأثير التفاسير التي كان ينشرها الإخوانيون أو الكتّاب المتأثرون بهم في مصر وباكستان والعراق والشام. بعد الثورة الإسلامية، مزج بعضهم هذا النوع من التفاسير بتفاسير مفكري التيار التقليدي المناهض للغرب من جهة، وكذلك بكتّاب ذوي نزعات هيدغرية بتفسير أحمد الفرديد من جهة أخرى، وأنتجوا أحياناً خلطات جديدة لا نزال نرى آثارها في الأدبيات الدينية لعدد من الكتّاب في العقد الأخير. الظاهرة الشائعة بين هؤلاء الكتّاب هي تطوير ما أمكن من نظرة إسلامية إلى العالم، مناهضة بالطبع للحضارة الغربية، تتضح فيها مهمة جميع العلوم، ليس فقط العلوم الإنسانية بل العلوم البحتة أيضاً، وتسعى إلى نسخة إسلامية لكل شيء. إذا تابعتم عناوين بعض المواقع الإلكترونية في إيران، أو ملخصات محاضرات بعض الكتّاب وأهل المنبر والقلم، يمكنكم أن تلمسوا بوضوح وجود مثل هذه النظرة الدينية إلى العالم. وفي تلك السنوات الثماني، ما أضيف إلى هذا الخليط هو أن نوعاً من الأفكار الأخروية امتزج بهذه النظرة إلى العالم، وهو ما لم يكن له سابقة بين أنصار هذه النزعات من قبل. إن طريقة التفكير هذه لا تعيد إنتاج نظرتها الدينية الخاصة إلى العالم فحسب، بل لها أيضاً روايتها التاريخية الخاصة، وفيها تُقدم رواية مختلفة للتاريخ الإسلامي وتاريخ العالم وتحولات المئتين أو الثلاثمئة سنة الأخيرة، وكذلك تفسير مختلف للتحولات الجارية؛ روايات تتسق مع تلك النظرة إلى العالم.
لا أريد أن أصدر حكماً، لكن عموماً يدّعي هؤلاء الكتّاب نوعاً من نقاء الفكر الديني، ولا يطيقون التطور التاريخي في سياق الفكر الديني والتفسيرات العصرية للدين، ولا يقبلون بوجود تطور تاريخي في تلقي الدين وفهمه. سؤالي هو: هل يظنون أن هذه الرؤية الكونية التي يقدمونها، وهذا التفسير للدين والسياسة والفقه الذي يحملونه، له صلة بنزعة النقاء الديني؟ حقاً، ما هي الصلة بين هذا النوع من التفاسير وما يمكن تتبعه في أدبياتنا الدينية التاريخية؟ هذه الرؤية الكونية غريبة عن تراثنا الفقهي والكلامي القديم بقدر ما هي غريبة عنه التفسيراتُ التي يزعمون أنها ليبرالية للدين. لقد جرت العادة في أدبيات كتابة الملل والنحل القديمة أن تُسجَّل التفسيرات الجديدة أو أنواع الانحراف عن الأدبيات الدينية الرسمية، خصوصاً حين تكتسب لوناً من الهوية الجماعية (والذي عادة ما يكون مصحوباً بنوع من الطقوس والرسوم الجماعية الجديدة وبدور هوياتي)، تحت عناوين الفرق الجديدة. اليوم، بالطبع، لم يعد العُرف كذلك، وقد صار ذلك الضرب من أدبيات كتابة الملل والنحل في ذمة التاريخ، لكن من المؤكد أن الأجيال القادمة ستتحدث عما نشهده اليوم في أدبياتنا الدينية بوصفه نوعاً من التحول الفكري؛ تحولٌ، وإن ادعى النقاء، ليس سوى مزيج تلفيقي من تفكيرات دينية ومذهبية مختلفة من القرن العشرين.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
مقالۀ آموزنده ای بود . با سپاس از دکتر انصاری عزیز . فقط خیلی کلی و خلاصه بود و من نتوانستم منظور اصلی مقاله را خصوصا در ارتباط با نو اندیشی دینی در ایران درک کنم . با احترام.