اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في الجزء الثاني، يجادل فرهاد شفتي، من خلال مقاربة نصية، بأن القرآن ليس إقصائياً بل تعددي. ويقول إنه لم 'يستنتج' التعددية من القرآن، بل لم يرَ فيه غيرها؛ بتقرير من مهدي إيرانمنش في صدانت.

للحصول على ملف PDF يُرجى مراجعة نهاية الصفحة
« السؤال الثاني: هل القرآن إقصائي أم تعددي؟»
ملاحظة من فرهاد شفتي: أشكر موقع صدانت والصديق العزيز مهدي إيرانمنش الذي تكرّم وأعدّ تقريرًا للقاءات الخمسة "القرآن والأسئلة الأساسية الثلاثة" التي عُقدت في صدانت، وصاغه في وقت قصير جدًا على هيئة النص أدناه. كما أشكره لإتاحته لي فرصة تنقيحه قبل النشر، وإن كان هذا قد تسبب في تأخير نشر هذا النص. في المراجعة التي أُجريت، حاولت مع الحفاظ على طابعه الشفاهي، أن أضيف إلى تماسك هذا النص ووضوحه - الذي كان في الأصل حديثًا وحوارًا - من خلال قليل من التحرير وفي بعض المواضع إعادة الترتيب وإضافة بعض الشروحات بشكل نادر.
كما ورد في النص، السؤال الأساسي في الواقع هو: ما فائدة القرآن لنا اليوم؟ لكن لتبيين إجابتي عن هذا السؤال، كان عليّ أن أعبر مَضِيق سؤالين أساسيين آخرين، أولهما: مَن هو مخاطَب القرآن؟ وثانيهما: هل ينظر القرآن إلى الدين نظرة تعددية أم نظرة إقصائية؟ بعد الإجابة عن هذين السؤالين، يمكن التطرق إلى سؤال القرآن ويومنا هذا بنظرة أكثر تبصّرًا.
أود في هذه الملاحظة أن أوضح نقطتين. الأولى أن مباحث هذه الأسئلة الثلاثة مترابطة. فالإجابة عن السؤال الثالث تستند إلى إجابات السؤالين الأول والثاني. ولهذا السبب، فإن قراءة الأجزاء الأخيرة من هذا النص دون مراجعة الأجزاء الأولى والوسطى على الأقل، قد يوقع أساس الكلام ومنطقه في الغموض. النقطة الثانية هي أنني في الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة، وبحسب مقتضى الموضوع، يسير تيار الفكر تدريجيًا نحو المقصد المنشود. وأظن أن الإيمان والفهم اللذين طرحتهما حول موضوعات مختلفة لا يتضحان إلا بالاقتراب من المباحث النهائية.
خلاصة الإجابة عن السؤال الأول: مَن هو مخاطَب القرآن؟
بناءً على البحث الذي ورد في الجزء الأول من هذا النص، للقرآن مخاطَب خاص مباشر، ومخاطَب خاص غير مباشر، ومخاطَب عام، لكن خطاب القرآن يقوم على أساس المخاطَبين الخاصين المباشرين. أي أولئك الذين كانوا حاضرين في زمان الوحي ومكانه. تركيز هذا الخطاب على هذه الفئة من المخاطَبين كان الهدف منه، وفقًا لسُنّة الأديان الإبراهيمية، أن يُتم النبي الحجة عليهم بمعونة الوحي وعبر تبيين الحقيقة والإنذار. في هذه العملية، ينفصل المؤمن وغير المؤمن من بين المخاطَبين الخاصين المباشرين تدريجيًا عن بعضهما، ويُقدَّر لهما الثواب والعقاب في هذه الدنيا. إن إشارات القرآن وخطابه للمجموعات الدينية والاجتماعية المختلفة كانت خاصة بالناس الذين كانوا حاضرين في زمان الوحي ومكانه، ما لم يثبت خلاف ذلك بقرينة. إن قبول هذه الرواية مؤثر جدًا في فهم أي الأوامر والأحكام والتوصيات في القرآن قابلة للتعميم على ما بعد عصر الوحي، وأيها خاص بذلك العصر.
مقدمة
أُشير إلى أن الإجابة عن السؤال الأول كانت بمنزلة حرث أرض الفكر، من حيث إن جزءًا كبيرًا من تلك الإجابة هو في الواقع تذكير بشيء كنا نعرفه.
الإجابة عن السؤال الثاني هي بمنزلة بذر البذرة في أرض الفكر لنحصد المحصول للسؤال الثالث. بالنسبة لنا، نحن الذين نريد الوصول إلى السؤال الثالث، من المهم أن نعرف ما إذا كانت رواية القرآن من حيث النظرة إقصائية أم تعددية. علاوة على ذلك، يجب الانتباه إلى أن النظرة التعددية إلى القرآن كانت موجودة بين السابقين أيضًا، لكن الدكتور شفتي حاول أن ينظر إلى هذه المسألة بشكل منهجي واستنادًا إلى نص القرآن، لا أن يأخذوا بعض الآيات فحسب ويتركوا بعضها الآخر. [1]
هذا الأمر مهم من حيث إنه إذا أراد شخص ما نقد هذه الرؤية، فعليه هو نفسه أيضًا أن يكون قادرًا على تقديم رؤية منهجية - للإقصائية مثلاً - في القرآن.
كتب مقالتين بالفارسية أكثر تفصيلاً:
۱- التعددية أم الإقصائية المحقَّقة؟ [2]
۲- قرآن، انحصارگرا یا کثرتگرا؟ [3]
در مقالهی اول به برخی استدلالهای عقلی برای انحصارگرایی دینی، و نیز نقدهای عقلی مطرح شده دربارهی کثرتانگاری دینی پاسخ داده شده است.
در مقالهی دوم حدود ۱۰۰ آیه مورد بررسی قرار گرفته و به آنها استناد شده و در همان مقاله نیز ارجاع به مقاله انگلیسی ایشان داده شده است که حاوی نکات جدیدی نیز هست.
در همین ابتدا باید توجه کرد که در خصوص این موضوع میتوان استدلال عقلی کرد. میتوان استدلال تجربی کرد و میتوان استدلال نقلی- متنی کرد. اما ایشان متذکر شدهاند که استدلال من نه عقلی است و نه تجربی بلکه متنی است یعنی فقط به متن قرآن وابسته است.
همچنین ایشان مدعی نیستند که تحت تاثیر استدلالهای عقلی به سود کثرتانگاری نیستند و بر این باورند که ما فرزند این زمان و نظریههای این زمانیم و قطعا چه بدانیم و چه ندانیم افکار ما تحت تاثیر افکار گذشتگان و به خصوص معاصرین است. با این حال گفتهاند: «چیزی که من میدانم این است که اینگونه نبوده که مثلا آثار جان هیک که از فلاسفهی بزرگ کثرتانگاری است را بخوانم و بعد بروم ببینم آیا از قرآن میشود چنین استنباطی را داشت یا نه.
برای من اینگونه نبوده است. من زمانیکه کثرتانگاری را در قرآن دیدم اصلا جان هیک را به درستی نمیشناختم. نکتهی دیگر اینکه من کثرتانگاری را از قرآن "برداشت" نکردهام، بلکه اصلا غیر از کثرتانگاری در قرآن ندیدهام.[4] یعنی همانطور که کسیکه انحصارگراست[5] تعجب میکند از خوانش کثرتانگار از قرآن، من نیز تعجب میکنم که کسی خوانش انحصارگرا از قرآن داشته باشد.»
۲ـ قرآن انحصارگراست یا کثرتانگار؟
این بحث را در پنج بخش مطرح میکنیم:
۰ توضیحاتی در مورد انحصارگرایی و کثرتانگاری
۰ بخش اصلی: توجه به سه دسته آیات
۰ مرور گذرایی بر برخی آیات مورد استناد انحصارگرایان دینی
۰ مرز کثرتانگاری بر اساس قرآن تا کجاست
۰ کثرتانگاری قرآن و ادیان غیرابراهیمی
۱-۲ـ توضیحاتی در مورد انحصارگرایی و کثرتانگاری:
به اختصار، انحصارگرایی بر این است که تنها یک دین، دینِ رستگار است، بقیه باطل یا منسوخاند و به رستگاری و یا حداقل به رستگاری اعلی نمیرسند. انحصارگرایی گاهی صورت نرمتری پیدا میکند که به آن شمولگرایی میگویند.
شمول گرایی بر این است که تنها یک دین همهی حقیقت را دارد و بقیهی ادیان بخشی از حقیقت را دارند. یعنی آن بخش از ادیانِ دیگر که دینِ من هم میگوید درست است، پذیرفتنی است و بقیه یا غلط است یا کامل نیست، و در نهایت ختم به همان خواهد شد که یا تنها دین من است که رستگار میکند و یا تنها دین من است که به رستگاری اعلا[6] میرساند.
نسبیانگاری را میتوان اینگونه به اختصار در آورد چون نمیتوان حقیقت را دانست، برداشت هر گروهی از حقیقت را میتوان حقیقت برای همان گروه دانست. به تعبیری انگار که نه تنها فهم از حقیقت بلکه خود حقیقت نیز نسبی است، بنابراین هر فهمی از حقیقت درست است.
کثرتانگاری میگوید بیش از یک دین میتواند دین حق باشد. کثرتانگاری دو جنبهی نظری (صدق) و عملی (نجات) دارد. جنبه نظری یا صدق این است که تفسیر انسانها از حقیقت میتواند متفاوت باشد. ممکن است ما دو دین (یا دو راه معنوی) داشته باشیم که هر یک فهمی از حقیقت داشته باشند که متفاوت باشند ولی لزوما یکی از آنها غلط نباشد. کثرتانگاری عملی (نجات) به رستگاری نگاه میکند و میگوید بیش از یک دین (یا راه معنوی) میتواند ما را به رستگاری یا رستگاری اعلا[7] برساند.
۲-۲ـ بخش اصلی: توجه به سه دسته آیات
در اینجه به سه دسته آیات در موضوعات زیر توجه میکنیم:
۰ سنة إرسال الأنبياء في رواية القرآن
۰ معيار النجاة في رواية القرآن
۰ تنوع الشريعة في رواية القرآن
نظراً لكثرة الآيات في كل قسم، سنركّز في كل مورد على آية أو بضع آيات مفتاحية، كما أننا، تفادياً للإطالة، لن نفصل بين الجانب النظري (الصدق) والعملي (النجاة) في التعددية.[8]
۱-۲-۲ سنة إرسال الأنبياء في رواية القرآن :
جوهر الدعوى هنا هو أن مهمة الأنبياء كانت محلية.
ليس النقاش هنا أنه، مثلاً، بما أن مهمة نبي الإسلام كانت في الجزيرة العربية، فلا ينبغي لغير العرب أن يسلموا. نحن نعلم أن كثيراً من كبار علماء الإسلام لم يكونوا من الجزيرة العربية ولا حتى من العرب، وبالأخص كان كثيرون ممن اضطلعوا بدور كبير في حفظ العلوم الإسلامية والتعمق فيها من الإيرانيين. لكننا هنا نريد فقط أن نفهم سنة الله، وسنبحث بالتأكيد في نطاق الأديان الإبراهيمية. وبعد ذلك يمكن الالتفات إلى الأديان غير الإبراهيمية والصور الأخرى للإله في تلك الأديان، كصورة الإله غير المتشخص.
حتى لا يكون هناك جدال في ترجمة آيات هذا القسم، اختيرت جميع الترجمات من ترجمة حسين أنصاريان للقرآن، وهو عالم فاضل وتقليدي يؤمن قطعاً وبشكل جاد جداً جداً بالحصرية الدينية. أوردنا نص الترجمة مع شروحه بين قوسين. وللاستفادة أكثر من هذه الكتابة، إذا كانت هناك كلمات محددة مقصودة، فسنقوم بتظليلها في الآية والترجمة.
"وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" (۶:۹۲)
(وهذا [القرآن] كتاب مبارك أنزلناه، مصدق الكتب السماوية التي قبله، و[نزوله] لتنذر أهل مكة والذين حولها؛ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون.)
لدينا عدة آيات يُقال فيها للنبي إننا أرسلناك لهذا القوم خاصة:
"ِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ" (۳۶:۶)
(لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون.)
وقد ورد الأمر نفسه بشأن الأنبياء الآخرين:
"وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَ جَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا"(۱۷:۲)
(وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل [وهديناهم في ذلك الكتاب إلى هذه الحقيقة] ألا تتخذوا من دوني وكيلاً.)
وقد عُبّر عن هذا كقانون كلي:
"وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (۱۶:۳۶)
(ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين.)
سنشير لاحقاً إلى ما يمكن فهمه من هذه الآيات، وسنتناول سؤال: هل كان لكل الأمم أنبياء؟ في الآية السابقة ورد لفظ "أمة". وفي هذه الآية ورد المعنى نفسه تقريباً بلفظ "قوم":
"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ" (۱۳:۷)
(ويقول الذين كفروا: لولا أنزلت عليه آية من ربه؟ إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد.)
إن السبب في مجيء نبي لكل قوم من أنفسهم يمكن استنباطه من القرآن أيضاً. فالقرآن يؤكد أن النبي كان من نفس هؤلاء الناس (بثقافتهم ذاتها) وكان يتكلم بلسانهم:
"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (۱۲:۲)
(إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون.)
وفي سورة فصلت أنه لو كان القرآن أعجمياً لقلتم نحن عرب، فكيف يأتينا قرآن أعجمي؟
"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ" (۴۱:۴۴)
(ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي؟ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد.)
وقد ورد هذا أيضاً كقانون كلي في القرآن:
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (۱۴:۴)
(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.)
لقد أوضح دارسو القرآن أن المقصود من "اللسان" في مثل هذه الآيات ليس اللغة بمعناها الضيق فحسب، بل هو كناية عن الثقافة الكامنة وراء تلك اللغة. فاللسان هو في الواقع ممثل لتلك الثقافة. ونحن نرى هذا التأكيد على "كونه منكم" في آيات القرآن.
في سورة البقرة نقرأ:
"... أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" (2:151)
(... أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.)
إن ورود عبارة "رسول منكم" في الآية لا يُقصد به نوع الإنسان، بل المقصود هو القوم العرب.
وفي سورة التوبة نقرأ:
"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" (9:۱۲۸)
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم.)
وكذلك في الدعاء المنقول عن النبي إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة نقرأ:
"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (۲:۱۲۹)
(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)
وفقاً لرواية القرآن، فإن هذه السنة مستمرة يوم القيامة أيضاً:
"وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" (۱۶:۸۹)
(ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)
تشير كلمة "هؤلاء" هنا إلى المخاطبين المباشرين للقرآن.
نحن لا نرى في القرآن هذه السنة القائلة بأن نبياً قد أُرسل للعالمين. بالطبع، يستند الانحصاريون إلى آيات في هذا الشأن، سنراها لاحقاً. وهم يشددون على أن النقاش ليس حول ما إذا كان ينبغي على الآخرين أن يصبحوا مسلمين لأن النبي جاء لقومه أم لا؟ النقاش هو أنه بناءً على رواية القرآن، فإن منهج إرسال الأنبياء هو أن كل نبي يأتي لقومه. وكون الأقوام الأخرى يمكنها لاحقاً أن تدخل في دين ذلك النبي لا يتنافى مع هذا المنهج.
والآن يبرز هذا السؤال: ما علاقة هذه المباحث ببحث التعدديّة؟ جوابهم هو أن منهج "كل نبي لقومه" هذا، أقرب إلى لوازم التعدديّة منه إلى لوازم الانحصاريّة. في المقابل، مثلاً، منهج يُرسل فيه نبي برسالة متعددة اللغات والثقافات، أو أن يُرسل عدة أنبياء بشكل منسق معاً إلى عدة نقاط من العالم، هو أقرب إلى لوازم الانحصاريّة.
۲-۲-۲ـ معيار النجاة في رواية القرآن
إذا بحثنا في القرآن عن معيار النجاة في كلمة واحدة، فهو التزكية.
"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى"(۸۷:۱۴)
(قد أفلح من تزكى)
هذا المعيار نفسه عندما يتسع يصبح الإيمان والعمل الصالح، وهو ما ورد كثيراً في القرآن. دعواهم هي أنه عندما يتحدث الله عن نجاة البشر ويأتي ببحث الإيمان والعمل الصالح، فهو في الحقيقة يضع الشريعة "كعامل". إحدى أكثر الآيات وضوحاً في التعدديّة هي التي وردت في القرآن باختلاف طفيف في موضعين:
" إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ الَّذينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُون" (2:62)
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
هذه من أوضح الآيات الدالة على التعدديّة، والتي تُظهر أنك سواء كنت مسلماً أو يهودياً أو غير ذلك... فإن معيار نجاتك هو الإيمان والعمل الصالح، فما هو مشترك بين هذه الجماعات هو الإيمان والعمل الصالح، وما هو مختلف فهو الشريعة.
القرآن يحارب هذه الذهنية الإقصائية القائلة بأنه ينبغي أن أكون أنا هذا أو ذاك. في الآية أعلاه أيضًا يدور الحديث عن النصارى والصابئين وغيرهم. من هم النصارى؟ تعلمون أن السيد المسيح لم يأتِ بدين جديد. لقد كان مصلحًا. ومع ذلك، كانت هناك جماعة تُدعى المسيحيين وطائفة منهم تُدعى النصارى في بلاد العرب. القرآن لا يقول إنكم أخطأتم منذ البداية ولم يكن مقررًا أصلًا أن تكونوا نصارى وكان ينبغي أن تبقوا يهودًا. القرآن في هذه الآية لا شأن له بهذه المباحث النظرية.
الأمر نفسه ينطبق على الصابئين. هناك نقاش واسع حول هويتهم، هل هم أتباع النبي يحيى أم إبراهيم... ما يبدو هو أنهم كانوا جماعة قديمة جدًا من الناحية الدينية، ومن المحتمل أن معتقداتهم وأفكارهم الأصيلة كانت قد تعرضت للتغيير.
الله تعالى في هذه الآية لا يقول إن معتقداتكم تفتقر إلى الأصالة. بل يبيّن أنه سواء كان اسمكم وملتكم مسلمين أم مسيحيين أم يهودًا أم صابئين، فإن ما أطلبه منكم هو هذا: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. هنا نجد أن الآية قد "فكّكت" شكل الدين وعنوان الدين وشريعة الدين. شرح آية الله طالقاني في "شعاع من القرآن"، وهو بالطبع كان يؤمن قطعًا بالحصرية الدينية، في ذيل هذه الآية جدير بالقراءة وقد وردت فيه نقاط قيّمة.
من وجهة نظره، فإن قسطًا كبيرًا من سورة البقرة هو محاربة لفكرة الإقصاء الديني. الآية التالية من سورة البقرة أيضًا بليغة جدًا:
"وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (۲:۱۳۵)
(وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)
القرآن هنا لم ينتقد اليهود والنصارى، بل انتقد ذهنية، وتلك الذهنية هي الذهنية التعدّدية. قد يُقال إنما ورد ذكر اليهود والنصارى فقط في هذه الآية، فلنمعن النظر في الآية التالية من سورة النساء:
"لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا" (۴:۱۲۳)
(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا)
هذه الآية تقول للمسلمين وأهل الكتاب إن الخلاص ليس وفق أمانيكم، ثم تأتي بنفس معيار الإيمان والعمل الصالح في هذه الآية والآية التي تليها، أي أن الخلاص ليس حكرًا على أي جماعة.
وردت في القرآن آيات تتحدث عن خلاص أهل الكتاب في زمن النبي:
"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (۳:۱۱۰)
(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)
دقت شود که در ترجمهی بالا از حسین انصاریان، عبارت [به قرآن و پیامبرند] بخشی از ترجمه نیست بلکه تفسیر ایشان است و برای همین هم در کروشه آمده است. سخن در اینجا از همان اهل کتاب زمان پیامبر و مورد خطاب مستقیم قرآن است، از همانها مومنینی هستند نه اینکه مومناند چون به قرآن و پیامبر ایمان آوردند. ضمن اینکه ایمان آوردن به قرآن و پیامبر لزوما به معنی تغییر دین و مسلمان شدن نیست. این نکته در همین قسمت بیشتر توضیح داده خواهد شد. این که، بنا به تفسیری، منظور از مومن شدن آنها مسلمان شدن آنهاست با ظاهر آیه اصلا سازگاری ندارد. قرآن مسلمانان را اهل کتاب نمیخواند حتی اگر قبلا اهل کتاب بوده باشند. آخر آیه میگوید اگر اهل کتاب ایمان بیاورند برایشان بهتر است سپس دربارهی همان اهل کتاب میگوید مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. در میان آنها مومنانی هستند. این از آیات قبل و بعد نیز روشن است. در همین سوره، سه و چهار آیه بعد (113و 114) آمده است:
"لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ يُسَارِعُونَ فىِ الْخَيرْاتِ وَ أُوْلَئكَ مِنَ الصَّالِحِين".
(](همه اهل کتاب] یکسان نیستند، از اهل کتاب گروهی درستکار [و رعایت کننده حقّ خدا و مردم] هستند، آیات خدا را در ساعاتی از شب میخوانند و [به پیشگاه حق از روی تواضع و فروتنی] سجده میکنند). [در سايه قرآن و نبوّت پيامبر] به خدا و روز قيامت ايمان مىآورند و به كار شايسته و پسنديده فرمان مىدهند، و از كار ناپسند و زشت بازمىدارند و در كارهاى خير مىشتابند؛ و اينان از شايستگانند.
باز در ترجمهی حسین انصاریان، [در سايه قرآن و نبوّت پيامبر] تفسیر ایشان است بر مبنای دیدگاه انحصارگرایی دینی که دارند.
آیات در موضوع رستگاری اهل کتاب بیشتر از این است و در مقالهی قرآن، انحصارگرا یا کثرتگرا؟ به آیات دیگر نیز اشاره شده است، اما از آن میان آیات 82 تا 84 سورهی مائده به خصوص قابل تامل است. در این آیات به رستگار بودن گروهی از نصاری اشاره شده است، یعنی عنوان در اینجا از "اهل کتاب" نیز خاصتر است. قطعا نمیتوان گفت که قرآن به آن نصارایی که مسلمان شدند کماکان نصاری میگوید. باز در اینجا، آیهی 83، آمده که برخی از نصاری با شنیدن آنچه بر پیامبر نازل شده میگویند ما ایمان آوردیم. در اینجا نیز همان نکته نهفته است که ایمان آوردن با عوض کردن شریعت و مسلمان شدن یکی نیست. این نکته در قسمت 2-3 در این نوشتار بیشتر تبیین شده است.
نتیجه اینکه خداوندی که به فرقه نگاه نمیکند و از پیروان ادیان ایمان و عمل صالح برای رسیدن به تزکیه میطلبد، نه خدایی فرقهگرا که خدایی "عملگراست". این اصطلاحی است که در گفتارها و نوشتههای دیگر ایشان چندین بار مطرح شده است.
۳-۲-۲ـ تنوع شریعت در روایت قرآن
بر مبنای روایات، یکی از یهودیانِ اطراف مدینه مرتکب زنا شده بود و طبق قانون تورات باید سنگسار میشد. گروهی از یهود گفتند ببریمش پیش محمد شاید حکم راحتتری بدهد. آیهی 43 سورهی مائده انتقاد میکند که كه چرا از تو سوال میکنند در حالی که تورات نزدشان است و در آن حکم خداوند است:
"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ" (۵:۴۳)
(چگونه تو را داور قرار می دهند در حالی که تورات که در آن حکم خداست نزد آنان است؟ سپس بعد از آنکه میانشان با حکمی که مطابق حکم تورات است داوری کردی روی برمی تابند، و [این روی برتافتن نشانه این است که] آنان [به تورات هم] ایمان ندارند).
اگر بنا بود که اینها باید شریعت خود را رها میکردند و شریعت پیامبر را میپذیرفتند، این آیه لحن متفاوتی میداشت و به جای اینکه بگوید چرا از تو میپرسند در حالی که تورات را دارند، نیت ایشان و عمل نکردنشان به حکم پیامبر را نقد میکرد. شأن نزول این آیه آن اصلی را که آیه به آن اشاره میکند نفی نمیکند. همین اصل، بدون شأن نزول خاصی در چهار آیه بعد آمده است:
"وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (۵:۴۷)
(وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.)
ثم يأتي نفس هذا المبدأ بتأكيد أكبر في الآية التالية:
"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (۵:۴۸)
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون.)
الآية أعلاه هي واحدة من أوضح آيات القرآن في مجال التعددية.
في سورة البقرة ورد:
"وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(۲:۱۴۸)
(ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعًا إن الله على كل شيء قدير.)
لننتبه إلى عبارة "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ" في هذه الآية والآية 48 من سورة المائدة، مما يشير إلى أن كلتا الآيتين تتناولان موضوعًا واحدًا.
وفي سورة الحج أيضًا لدينا:
"لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ"(۲۲:۶۷)
(لكل أمة جعلنا منسكًا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم.)
تخبرنا هذه الآيات أن القرآن يعترف بتنوع الشرائع. بل إن القول بأنه تقبل تنوع الشرائع هو تقليل من شأن الأمر. فبناءً على هذه الآيات، كان هذا التنوع في الشرائع من فعل الله.
في سورة المائدة لدينا:
"وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ" (5:66)
(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون.)
يقول البعض إن المقصود بقوله «ما أُنزل إليهم من ربهم» هو القرآن. غير أن العلامة الطباطبائي يرى أن كلمة «أقاموا» تمنع من تفسير «مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ» بالقرآن، وأن هذه العبارة تشير إلى الكتب السماوية الأخرى لتلك الأديان. [9]
وعلى هذا الأساس، فإن فهم الدكتور شفتی للقرآن لا يخرج عن التعددية. وهو يعتقد بضرورة اتباع نهج نسقي في مقاربة القرآن. في هذا النقاش، وبصورة أكثر تفصيلاً في مقال «القرآن، إقصائي أم تعددي؟» الذي أشير فيه إلى نحو مئة آية، كانت النظرة إلى القرآن نظرة نسقية، بمعنى أنه تم الخروج برواية عن القرآن استناداً إلى الفهم الناشئ من ترابط الآيات والمفاهيم القرآنية. وإذا ما أراد أحد أن يطعن في التعددية لصالح الإقصائية مستنداً إلى آية أو آيات، فعليه أن يوضح موقفه من الآيات الأخرى، أي أن يأتي بفهمه لانسجام الآيات والرواية الناتجة عنها. لذا، فإن الاستدلال بأن لآية ما معنى آخر، أو أن هناك آية أخرى يبدو أنها تقول شيئاً مختلفاً، لا يكفي وحده.
۲-۳ـ استعراض عابر لبعض الآيات التي يستند إليها الإقصائيون دينياً
- كلمة «العالمين» في القرآن:
قلنا إننا لا نجد في القرآن هذه السنة المتمثلة في إرسال نبي إلى العالمين كافة. لدينا آيات تقول للنبي: «ذكر للعالمين» أو «رحمة للعالمين» أو «نذيراً للعالمين». أولاً، لا يمكن اعتبار هذه الآيات ناسخة لآيات «أم القرى ومن حولها».
أي أن نقول إن الله كان قد قضى أولاً أن يرسل القرآن لأهل شبه الجزيرة العربية، ثم بدا له أن يرسله للعالم أجمع! فالنسخ لا يعني أن الله يغير رأيه.
ثانياً، إن القرآن يؤكد على سبب إنزال هذا الكتاب لسكان الجزيرة العربية، وهو أن لغتهم عربية.
وكذلك أنهم لم يكن لديهم نذير من قبل. ثالثاً، إن كثيراً من الآيات التي تتحدث عن «العالمين» في سياق رسالة النبي، تأتي -بحسب ترتيب النزول المشهور للسور- قبل الآيات التي تقول إنه أُرسل لمكة وما حولها.
ما نراه في القرآن هو أن «العالمين» لا تعني في كل موضع الجنس البشري بأكمله. يمكن أن تعني «العالمين» جميع الناس في نطاق محدد. في مثل هذه الآيات، تحدد «أم القرى ومن حولها» ظرف ونطاق «العالمين»، أي جميع من هم في مكة وما حولها. أما في موضوع آخر، فيمكن أن يُقصد بها جميع البشر، كما في «الحمد لله رب العالمين». من هذا المنظور، فإن لكلمة «العالمين» في القرآن الاستخدام نفسه الذي لكلمة «همه» في الفارسية أو «everyone» في الإنجليزية. فهذه الكلمات أيضاً لا تُستخدم دائماً بمعنى جميع البشر في العالم.
من ناحية أخرى، في مواضع مثل «رحمة للعالمين»، حتى لو قبلنا بأن «العالمين» هنا تعني العالم كله، فلا أحد ينكر أن نبي الإسلام يمكن أن يكون رحمة للعالم كله. لا أحد ينكر أن إنذار القرآن بمعناه العام يمكن أن يكون إنذاراً لجميع العالمين.
- آية غلبة الدين الحق على الأديان الأخرى:
الآية الأخرى التي يُستنبط منها أحياناً الإقصاء الديني، والتي تُعتبر عموماً صريحة في عالمية رسالة النبي، هي هذه الآية:
«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا» (۴۸:۲۸)
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً.)
ولكن أين هي هذه الصراحة حقاً؟ لقد تكررت هذه الآية مع اختلاف طفيف ثلاث مرات في القرآن. في آيتين (۹:۳۳، ۶۱:۹)، تشير في النهاية إلى مشركي قريش. أما الآية الثالثة فقد وردت في سورة الفتح، والآية التي قبلها تتحدث عن فتح مكة. وبناءً على هذه القرائن، فإن المقصود بـ «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» هو في الجزيرة العربية نفسها، والتأكيد فيها هو على المشركين. ومرة أخرى، فإن «أم القرى ومن حولها» هي المعيار لمعرفة الإطار الدلالي لهذه الآيات.
أولئك الذين يفهمون هذه الآيات فهماً عالمياً سيضطرون إلى استنتاج أن الله ورسوله لم ينجحا حتى هذه اللحظة في تحقيق مقصود الدين. أما بناءً على الفهم المحلي لهذه الآيات فالنتيجة هي أنهما كانا ناجحين للغاية. طبعاً هذه نقطة فرعية، فلا دخل للنجاح أو عدمه في تفسير الآية.
- لفظة الإسلام في القرآن:
في سورة آل عمران، الآية 19، يُسمّي الدينَ الأصليَّ "إسلاماً"، وتقول الآية 85: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرين" - (۳:۱۹). يستنبط البعض من هذه الآيات حصريةً دينية.
ينبغي التدقيق في استعمال "الإسلام" ومشتقاته في القرآن، وخصوصاً في هذه المجموعة من الآيات في سورة آل عمران. الآية 52 من سورة آل عمران تصف حواريي عيسى بالمسلمين، وفي الآية 67 تصف إبراهيم بالمسلم، وفي الآية 83 تقول إن ما في السماوات والأرض مسلِّم له. لقد ورد الإسلام ومشتقاته في جميع هذه الآيات (بل في القرآن كله) بمعناه اللفظي، أي التسليم. في سورة البقرة يوصي إبراهيم ويعقوب أبناءهما: "... وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - 2:132" وفي الآية 102 من سورة آل عمران تُوجَّه الوصية نفسها للمؤمنين بالنبي. في الآيتين 19 و85 حيث يُذكر الإسلام على أنه الدين الوحيد المقبول، فالمقصود بالإسلام ليس شريعة النبي، بل التسليم للحق.
-لفظة الناس في القرآن:
كلمة أخرى يستند إليها الحصريون هي كلمة "الناس"، بافتراض أن المقصود من الآيات التي تتحدث عن الناس هم جميع أهل الدنيا. في حين أن العربية، ككثير من اللغات الأخرى، ليست على هذا النحو من إطلاق المعاني. فالناس أيضاً تُفسَّر ضمن سياقها الذي تنتمي إليه، وهي في القرآن تعني أحياناً جميع البشر في العالم، وأحياناً أخرى تعني نطاقاً محدوداً من البشر في زمان ومكان معينين.
-إصرار القرآن على إيمان أهل الكتاب:
يستند الحصريون أحياناً إلى آية أو آيات يُلِحُّ فيها على إيمان أهل الكتاب.
"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (7:157)
نتناول ثلاث نقاط في هذا الشأن:
الأولى: هل يقول القرآن إن على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي؟ الجواب نعم.
الثانية: هل يعني إيمان أهل الكتاب ترك دينهم واتباع شريعة النبي؟ كلا، هذا مجرد افتراض مسبق لا أساس له، وهو يتناقض أيضاً مع الآيات التي وردت في القسم 2-2-3. لقد تحدث القرآن عن الجن، وفي الآية 2 من سورة الجن يقول إنهم آمنوا بالنبي. ومن مسلّمات القرآن أن لكل قوم نبياً من جنسهم. فالنبي لم يأتِ للجن بشريعة. والجن لا يتبعون شريعة المسلمين. لكن الآية تقول إنهم آمنوا.
في سورة النساء ورد:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا"(۴:۱۳۶)
(يا أيها الذين آمنوا، آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالاً بعيداً.)
يقول للمسلمين ألا يكفروا بالأنبياء السابقين وكتبهم وأن يؤمنوا بهم. المسلمون لا يتبعون شريعة الأنبياء السابقين لكنهم يؤمنون بهؤلاء الأنبياء. الإيمان شيء وترك شريعة واعتناق شريعة أخرى شيء آخر. هذا افتراضنا الخاطئ بأننا نقيم تلازماً بين هذين الأمرين.
النقطة الثالثة هي أن أهل الكتاب الذين يُطلب منهم أن يؤمنوا، هل المقصود بهم جميع أهل الكتاب في العالم؟ كلا على الإطلاق. المقصود هم أهل الكتاب في أم القرى وما حولها،[10] وذلك في عصر النبي.
الخلاصة أن القرآن لم يدعُ جميع أهل الكتاب في العالم وإلى الأبد، بل دعا أهل الكتاب المقيمين في جزيرة العرب في عصر النبي إلى الإيمان بالنبي، ولم يكن المقصود من الإيمان به اتباع شريعته.
يمكن التعبير عن رواية القرآن على هذا النحو: لقد أرسل الله نبياً إلى أرض إقامتكم يا أهل الكتاب. أنتم من الناحية الدينية أبناء عمومة هذا النبي، وهو نفسه يقول إني أصدّق أصل ما تقولون. أقل ما كان يُنتظر منكم هو ألا تؤذوه وألا تعادوه. لكنكم آذيتموه وعاديتموه وتحالفتم مع المشركين ودبّرتم المؤامرات. كان الأجدر بكم أن تنصروه، وأن تستفيدوا منه أنتم أيضاً. إنه نبي وبمعونة الوحي يمكنه أن يخفف عنكم بعض مشاق شريعتكم. بهذا المعنى وبهذه الصورة ستبقون على شريعتكم وعلى الدين الحق.
نُذكّر هنا أيضاً بأن نقاشنا هنا هو نقاش داخل النص. إذا أدخلنا العقل فإن الحصرية تصبح في موقف دفاعي للغاية، ومن الأدلة الرئيسية للتعدديين هي الأدلة العقلية بالمناسبة. نشير فقط إلى أنه إذا اعتقد شخص ما أن الطريق الوحيد للوصول إلى الفلاح أو الفلاح الأعلى هو اتباع نبي الإسلام، فإن هذا يثير تساؤلات كثيرة. على سبيل المثال، عادةً من يولد مسلماً يصبح مسلماً، ومن يولد في أسرة غير مسلمة يبقى غير مسلم. لماذا الفلاح أو الفلاح الأعلى في المنظومة الإلهية مرهون إلى هذا الحد بمحل الولادة؟
أو لماذا الدين الذي هو الدين الوحيد المفلح أو الأكثر فلاحاً ليس له (من وجهة نظر أتباعه) نبي آخر؟ ألدينا اليوم قراءة مجمع عليها لهذا الدين الكامل الوحيد؟ وهل نحن المسلمون متحدون فيما بيننا، أو هل نعيش في سعادة بشكل عام؟
هل تساعد هذه الظروف المسلمين في مجموعها على تبليغ الدين؟ أين تندرج الحكمة والعموم والرحمة الإلهية في هذه الرواية؟
٤-٢ـ إلى أين يمتد حد التعددية بناءً على القرآن؟
عندما نقول إن القرآن تعددي، فما معنى ذلك؟ هل المقصود أن كل دين وكل طريق روحي مقبول؟ جواب الدكتور شفتي هو أنه بالنسبة لمن يكون القرآن معياره، لا يمكن أن تكون كل الطرق مقبولة. وكما أن للحصرية أرضية، فإن للتعددية سقفاً أيضاً وهي ليست مطلقة. ولكن أين بُني سقف تعددية القرآن؟
يعبّر عن إجابته على هذا السؤال بالصورة التالية:
«القرآن، شأنه شأن العديد من النصوص الروحانية الأخرى، تناول أخلاق الإنسان في ثلاثة ارتباطات: 1، الأخلاق في ارتباط الإنسان بمحيطه (لا سيما البشر الآخرين ثم الحيوانات والنباتات والجمادات)، 2، الأخلاق في ارتباط الإنسان بنفسه، و3، الأخلاق في ارتباط الإنسان بتلقيه للحضرة الحقّة (التي يُشار إليها/إليه في الأديان الإبراهيمية والأديان المشابهة باسم الله). في القرآن كلّه، يُدفع الإنسان الواعي بذاته إلى حُسن الخُلق في هذه الارتباطات الثلاثة ويُحذَّر من الظلم فيها. الظلم في ارتباط الإنسان بمحيطه، خصوصاً البشر الآخرين، هو ما يُعرف في الكلام اليومي بسوء الخُلق وسوء المعاملة والإنصاف وعبارات مشابهة أخرى. ويُشار إلى الظلم في ارتباط الإنسان بنفسه عادةً بعبارات كالتكاسل والانغماس في الشهوات والعبث، والظلم في ارتباط الإنسان بالحضرة الحقّة هو التعامل معه بما لا يليق بشأنه، وهو في أسوأ صوره الشرك - إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (31:13). هذه الارتباطات الثلاثة ليست بالطبع بمعزل عن بعضها البعض، بل هي مترابطة.
وبناءً على هذه الصياغة، أُعبّر عن حدّ التعدّدية في القرآن على النحو التالي: ذلك الدين والمذهب والمسلك الذي يشجّع أتباعه على سوء الخُلق في ارتباط واحد أو أكثر من الارتباطات الثلاثة المذكورة أعلاه، لا مكان له في سعة التعدّدية القرآنية. مثل هذا الاعتقاد قد تجاوز حدّ التعدّدية القرآنية وهو مردود من منظور القرآن. بعبارة أخرى، المسلم التعدّدي التابع للقرآن إذا ما تبيّن له أن سوء الخُلق في أحد هذه الارتباطات الثلاثة قد مُدح أو أوصي به أو أُمر به في دين ومذهب ما، فإنه يعدّ ذلك الدين والمذهب باطلاً ومضلّاً رغم كونه تعدّدياً.»[11]
5-2ـ تعدّدية القرآن والأديان غير الإبراهيمية
ما ورد حتى الآن كان مركّزاً على التعدّدية في نطاق الأديان الإبراهيمية. فهل تشمل تعدّدية القرآن الأديان غير الإبراهيمية أيضاً؟ جواب الدكتور شفتي بناءً على التوضيح الآتي وبالنظر إلى التحديد الذي ورد في الجزء السابق هو "نعم":
1-5-2ـ ما هي محدوديات القرآن ولماذا يُعدّ فهم محدودياته مهماً من منظور دعوى التعدّدية؟
الحقيقة هي أنه بالإضافة إلى القابليات، فإن محدوديات أي ظاهرة تساعدنا أيضاً على أن نعرف بشكل أفضل تطبيق تلك الظاهرة. أي أنه كما أن فهم قابليات كل ظاهرة تواجهنا يساعدنا على فهم تطبيق هذه الظاهرة بشكل أفضل، فإن فهم محدوديات هذه الظاهرة يساعدنا أيضاً على فهم تطبيقها بشكل أفضل. عندما نتعامل مع كتاب كالقرآن، فإن فهم القابليات وفهم المحدوديات كلاهما مهم. المقصود من المحدودية هنا ليس النقص. فالنقص يُعرَّف بالنظر إلى تطبيق ظاهرة ما، لا إلى محدودياتها. فالنظّارة العادية مثلاً لا تسجّل المشاهد، ويمكن القول إنها محدودة من هذه الناحية. لكن هذه المحدودية ليست نقصاً فيها لأن تسجيل المشاهد ليس من تطبيقات النظّارة.
لنعد إلى القرآن. القرآن بلسان بشري واللسان البشري محدود. هناك حدود وقيود. هنا يشير إلى بعض الحدود والقيود ثم يتحدث عن لاهوت القرآن لنتمكن بهذه الطريقة من النظر إلى المسألة من منظور أعلى ونزرع في الحقيقة بذرة للاستنتاج النهائي.
نعلم أن القرآن فيه سلسلة من القضايا حول الظواهر المحيطة بنا وكذلك حول التاريخ. هناك باحثون يعتقدون أن القرآن سابق حتى لعلم عصره، ومع كل اكتشاف جديد يبحثون عن آية ليقولوا انظروا إن القرآن قد قال هذا من قبل.
حتى أن البعض استخرج سرعة الضوء من القرآن مثلاً. لقد بلغت هذه المسألة مبلغاً جعل البعض يشككون حتى في التاريخ المدوّن، لأن القرآن قد روى التاريخ على نحو آخر. وهناك أيضاً من يبررون الأمر لو وردت في القرآن نبوءة لم تتحقق بشكل واضح. ويقول الأستاذ: أنا بالطبع لا أتفق مع هؤلاء الأصدقاء، وأتفق مع الباحثين الذين يعتقدون أن الغرض من قضايا القرآن ليس كشف حقيقة العلم أو التاريخ لنا، بل إن القرآن استخدم معلومات ومعارف الناس في زمنه لإيصال مقصوده. فمثلاً، إذا كان مخاطب القرآن يعتقد أن الشمس والقمر على هيئة معينة، فإن القرآن يسأل انطلاقاً من هذا الاعتقاد: كيف يمكن ألا يكون لهذه الشمس والقمر إله؟ أو بالنظر إلى ثقافة الأديان الإبراهيمية (الثقافة الكتابية) التي كان لها موطئ قدم في أرض الوحي، يستخدم القرآن الروايات التاريخية لهذه الثقافة عينها لإيصال مقصوده إلى المخاطب والتأثير فيه.
وعليه، فإن جوهر المسألة هو أن هذه ليست قضايا لكشف الواقع، بل هي قضايا لاستخدام التصور الذي يحمله المخاطب عن الواقع، بغية إيصال الرسالة.
قدم أحد الباحثين القرآنيين، السيد محمد علي طباطبائي، مع السيدة سعيدة مير صدری مؤخراً مقالة في جمعية المباحثات القرآنية، كان خلاصتها أنه على الرغم من أن الصورة التي يقدمها القرآن عن الأكوان هي صورة خاصة به، إلا أنها تتشابه إلى حد كبير مع صورة علم الفلك البابلي في ذلك الزمان.
يريد القرآن أن ينقل رسالة، وهو مضطر إلى التعبير عن تلك الرسالة في إطار التصور الذي كان لدى المخاطبين المباشرين للوحي عن الواقع. إذن، ثمة حقيقة قد جاءت، ولكنها صُوِّرت في إطار الثقافة البشرية المحدودة في ذلك الزمان والمكان. وما يقع خارج هذا الإطار لا يدخل في القرآن. ولهذا السبب، فإن القرآن لا يرفض الأديان غير الإبراهيمية ولا يقبلها، بل لا يُدخلها في النقاش بسبب هذه المحدودية، أو لنقل بدقة أكبر، إنها تقع خارج إطار نقاش القرآن.
وهنا نتناول محدودية أخرى من خلال نظرة إلى لاهوت القرآن:
لدينا مصطلحان قرآنيان: الحمد (الثناء على الله لما هو عليه = أنت هذا) والتسبيح (تنزيه الله = أنت لست ذاك، أنت أسمى). في مواجهة ظاهرة ما، تكون "أنت لست ذاك" أيسر دوماً من "أنت هذا". والقرآن يقول: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ" (62:1، 64:1)، "وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ" (13:13)، فالرعد أيضاً يسبح. كل شيء يسبح الله. وإذا كان هناك حمد، فإنه في معظم الحالات يأتي مقترناً بالتسبيح، أي نوع من الحمد مع الإقرار بالقصور عن المعرفة، كما في آية تسبيح الرعد هذه. فقط في سبعة مواضع ورد الحمد لذاته على لسان أحد وبشكل مباشر، خمسة منها تتعلق بأهل الجنة. وموضع واحد في سورة إبراهيم الآية 39 حيث يحمد إبراهيم الله لأنه رزقه ولدين في هذا السن المتقدم.
وموضع واحد في سورة النمل الآية 15 حيث يحمد داوود وسليمان بسبب الفضل الذي أوتياه. بعبارة أخرى، إن القرآن يذكر الحمد إما على لسان أهل الجنة أو على لسان الأنبياء، بشكل نادر جداً، ويحصره أيضاً في مسألة خاصة، كمنح الجنة، أو الأبناء، أو الفضل. أي أنه حتى في هذا الحمد، يرد شكر المحمود أكثر من وصفه.
لا نريد الخوض في مباحث اللاهوت السلبي والإيجابي، ولكن لو أردنا ذلك، يمكن القول على هذا الأساس إن القرآن أقرب إلى الأدبيات السلبية.
محدودية أخرى هي تأكيد القرآن على تشابه بعض الآيات. هذا أمر بالغ الأهمية، ولا يهمنا من يفهمها ومن لا يفهمها. ولكن مجرد تحدث القرآن عن آيات تُدعى المتشابهات، وهي تتعلق بمقولات لا نستطيع إدراكها وتُستخدم فيها لغة تمثيلية واستعارية للغاية، لهو أمر مهم لبحثنا. وكذلك الحال عندما يتحدث القرآن عن الغيب ويقول إنه لا أحد يطلع على الغيب مطلقاً إلا أن يشاء الله.
والنتيجة هي أن القرآن، من جهة، وبسبب لغته البشرية، يقدم لنا تصوراً محدوداً للحقيقة، وفي المسائل المتعلقة بواقع الحياة كالعلوم التجريبية والتاريخ، استخدم معرفة المخاطب المباشر أو الثقافة التي كان يألفها كي يوصل إليهم رسالة.
وبالأولى، حينما يصل الأمر إلى تعريف الله نفسه، فإن القرآن لا يعبر عن تلك الحقيقة المطلقة باللغة البشرية حرفياً، والواقع أن مثل هذا الأمر لا يمكن التعبير عنه في أي كلام بشري.[12]
ومن جهة أخرى، فإن الصورة التي قدمها القرآن كانت مطابقة ومتناسبة مع مخاطبيه. هؤلاء المخاطبون كانوا عرباً تأثروا كثيراً بالأديان الإبراهيمية، وبسبب أصنامهم كانوا يعتقدون بإله مشخص. القرآن استخدم هذه الصورة ذاتها التي لدى المخاطب، والذي يتصور أن الشمس تتبع القمر وتدور حول الأرض، أو الذي ألف، تحت تأثير المعتقدات الدينية والطقوسية المألوفة آنذاك، صورة مشخصنة للإله وآمن على أساسها، أو يمكنه أن يؤمن بأن آدم وحواء كانا موجودين، وأن الأمانة عُرضت فأبت الجبال حملها وحملها الإنسان، استخدم القرآن هذا كله ليوصل رسالته. أما لماذا كان القرآن، وفي الواقع أي كتاب مقدس آخر، على هذا النحو، فيعود إلى مسألة طبيعة الوحي، وهو ما يخرج عن إطار هذه السلسلة من الحوارات/الكتابات.
وهو يعتقد أن كلا التعبيرين، الإله المشخص والإله غير المشخص، هما صورتان لحقيقة الله، وليست إحداهما بالضرورة أفضل من الأخرى. فلكل منهما ميزاته.
فعلى سبيل المثال، قد يكون الإله غير المشخص أكثر قابلية للدفاع عنه فلسفياً، لكن مع الإله المشخص ربما يمكن إقامة علاقة شخصية وذات اتجاهين بشكل أفضل عملياً. أتباع الإله المشخص يقولون: الله هكذا، ولا نعلم أكثر من هذا. وأتباع الإله غير المشخص يقولون أيضاً: الله هكذا، وهو غير مشخص، ولا نعلم أكثر من هذا. والله الذي يُشار إليه في القرآن بتعبير «الحق» بنحو ما، ليس هذا ولا ذاك. كلتا هاتين الصورتين هما تصوران لتلك الحقيقة التي يسميها هو بالإله «اللامعين» (ليس كمثله شيء). الإله اللامعين سري، وإذا لم نمزج السر بالأمر المتعالي، نكون قد شككنا في أصل ذلك الأمر المتعالي. ينبغي أن يكون سرياً ليكون أمراً متعالياً. يمكن الاطلاع على نقاش أوسع في هذا الشأن في مقال آخر له بعنوان «نحن وإله القرآن السري».
إذا قبلنا بأن الصورة التي يقدمها لنا القرآن عن الله أو الآخرة أو مجيء الإنسان إلى الدنيا... إلخ، هي صورة قائمة على أساس طاقة المخاطب المباشر ومتناسبة معه، وانتبهنا أيضاً إلى النقاط الثلاث السابقة، أي «الإله البراغماتي» الذي لا يهمه إن كنت نصرانياً أو صابئياً أو... وإنما يهمه الإيمان والعمل الصالح فحسب، والإله الذي أرسل، حتى في حدود الأديان الإبراهيمية، نبياً لكل قوم، والإله الذي جاء بشرائع مختلفة لأتباع الأديان الإبراهيمية أيضاً، حينئذ يمكننا أن نصل إلى رؤية واسعة في التعددية. بهذا المعنى نقترب من أن معيار النجاة، الذي أصله التزكية، يصبح معياراً لجميع أتباع السبل الروحية المتنوعة، وكما أن هذا المعيار ليس مشروطاً باتباع شريعة واحدة فقط بالنسبة للأديان الإبراهيمية، فهو كذلك بالنسبة للأديان والطقوس غير الإبراهيمية. وكذلك الحال بالنسبة للإيمان والعمل الصالح. الإيمان لا يعني الاعتقاد بنفس صورة الله التي لدى الأديان الإبراهيمية. كما قيل، كان مخاطبو القرآن جميعاً يؤمنون بذلك الإله وتلك الصورة عن الإله. الإيمان بمعنى ترسيخ الاعتقاد بالله، إيمان يؤدي إلى عمل صالح ويؤدي إلى روحانية. والعمل الصالح أيضاً ليس محصوراً بالعمل بشريعة معينة، بل هو العمل الجيد الذي يُؤدى بنية حسنة. هذا الإيمان يمكن أن يكون بصورة غير مشخصنة عن الله أيضاً.
ولهذا السبب نرى أن البشر العارفين والمتحررين لا يقتصرون على المسلمين، بل نرى بشراً متحررين في مسالك روحية مختلفة، شرط أن تكون تلك المسالك التي تتناول تلك الجوانب الأخلاقية الثلاثة التي ذُكرت في بحث حدود التعددية، وألا تغفل عن أي منها ولا تنفي أياً منها. هؤلاء جميعاً يسيرون في اتجاه واحد، والمثير للاهتمام أننا نرى حتى في كتاباتهم وأقوالهم، ورغم الاختلاف في اللفظ، أنهم جميعاً في النهاية، وبدرجة أو بأخرى وفي حالات كثيرة، يشيرون إلى اتجاه واحد.
- هنا يبرز هذا السؤال: مع هذه النظرة النصية، إذا لم يجدوا في القرآن شيئاً سوى التعددية، فلماذا نادراً ما نرى إيماناً بالتعددية بين نصّيّينا؟
جوابهم يدور حول هذا المضمون: نعم، غالب النصّيين حصريون. ومع أنني لا أستطيع الحكم على الأفراد، لكن يبدو لي أن ما ألفه المجتمع الديني ونشأ عليه بسبب مسائل تاريخية، يؤثر كثيراً في فهمنا للقرآن أو أي نص آخر. لا أريد أن أقول إنني تحررت من ذلك التأثير، لكنني أضع في الاعتبار هذه العبارة المنسوبة إلى الإمام علي في الخطبة ١٧٦ من نهج البلاغة حيث يقول: اعرضوا آراءكم على القرآن وانتقدوها (واتهموا عليه آراءكم)، وانظروا أيها يمكن قبوله. وهو عمل شاق بالطبع، لأنه من الصعب الخروج من الإطار النظري الذي تشكلنا به. أنا لم أستنبط التعددية من تفسير آيات القرآن، بل أراها صراحةً في آيات القرآن.
- سؤال آخر: من جهة يقول القرآن إننا أرسلنا رسولاً لكل أمة، لكننا نرى أنه ليس لدينا رسول للأقوام الأخرى؟
الجواب أن الخطاب هنا موجه إلى المخاطبين المحليين للقرآن، وهو يتحدث في نطاق الأديان الإبراهيمية، أي يقول إن أمم الأديان الإبراهيمية كان لكل منها رسول. نعم، إذا قلتم لا، أنا أعتبر هذا عالمياً، فسأسألكم حينها: أين تجدون في التاريخ رسولاً بتلك المواصفات القرآنية الخاصة للأفارقة والصين وروسيا وأمريكا... إلخ؟
عندما يقول القرآن إن لكل أمة رسولاً، فهو يعني أمة الأديان الإبراهيمية التي كانت في تاريخ الشرق الأوسط نفسه، قوم بني إسرائيل، وقوم هود ويونس وصالح... إلخ. إلا إذا وسعنا تعريف الرسول وأخرجناه من إطار القرآن، فعندئذ سيتغير أصل هذا السؤال.
نهاية نقاش التعددية:
نحن أمام روايتين:
الرواية الأولى، هي عن إله خلق آدم وحواء وأوجد جميع البشر من نسلهما، وهيأ للإنسان جنة وناراً، ثم اختار منطقة محدودة من الكرة الأرضية وأرسل في هذه المنطقة بضعة أنبياء. آخرهم جاء قبل ما يقرب من ١٤٠٠ سنة، وكل ما تلقاه عن طريق الوحي هو عين الحقيقة أو الصورة الوحيدة الصحيحة للحقيقة. على جميع الناس في بقاع الأرض الأخرى أن يقبلوا هذا، وأن يقوموا بأعمال محددة بناءً على شريعته ليبلغوا النجاة (الجنة) أو النجاة العليا، ومن واجبات أتباعه أن يهدوا شعوب العالم، عبر التبشير بهذا الدين وهذه الشريعة، إلى الطريق الوحيد للنجاة أو النجاة العليا. هذه القصة يرضاها كثيرون ولا يرون فيها أدنى مشكلة.
الرواية الثانية مختلفة تماماً:
في هذه الرواية، ثمة حقيقة نشير إليها بعنوان الإله "غير المحدد". هذه الحقيقة ليست قابلة للإدراك والفهم بشكل موضوعي بالنسبة لنا نحن البشر الناسوتيين. ثمة بشر متحررون حاولوا، عبر التهذيب والسلوك الروحي، الاقتراب من هذه الحقيقة، ولما اقتربوا أظهرت لهم هذه الحقيقة نفسها، ولكن بصورة تتناسب مع ثقافتهم ومجتمعهم. وعلى هذا الأساس نشأت جماعات روحية مختلفة. هذه الجماعات الروحية المختلفة تختلف فيما بينها حول تلك الصورة. أحدها يؤمن بالجنة والنار، وآخر بالتناسخ، وثالث بصورة أخرى. لكنهم جميعاً يتفقون على شيء واحد، وهو أن كيفية الإنسان، من الناحية النفسانية، في هذا العالم تؤثر على كيفيته بعد موته، ويتفقون جميعاً على أن طريق تحسين كيفيته هو تزكية النفس وتهذيبها. كما توجد بعض المفاهيم المشتركة بأشكال مختلفة ولكن بوظائف متشابهة تقريباً. كمفهوم التوكل الموجود بين القائلين بالإله غير المحدد أيضاً، بنفس الوظيفة وبصورة أخرى. والتقوى كذلك، وإن اختلف الاسم المستخدم لها.
بناءً على هذه الرواية الثانية، فإن الأديان الرئيسية والطرق الروحية الموثوقة، كلها، شرائع وطرق مختلفة نحو وجهة واحدة، ولكن بصور مختلفة عن تلك الحقيقة. وبطبيعة الحال، قد تستخدم أساليب مختلفة للوصول إلى تلك الحقيقة، لكن جميع هذه الأساليب تؤكد على التزكية.
يقول القرآن في سورة المائدة، الآية ٤٨:
"... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ". تشير هذه الآية بالطبع في سياق القرآن إلى الشرائع الإبراهيمية، ولكن كما جرت مناقشته، فهي تتحدث عن مبدأ يسري على جميع الأديان والطرائق الروحية الأصيلة.
فرغم أن المناهج مختلفة، إلا أن المعيار وفقاً لرواية القرآن واحد، وهو التزكية. ليس لدينا في القرآن آية واحدة تذكر شرط النجاة في كلمة واحدة سوى هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. هذا أمر بالغ الأهمية. حتى تلك الآيات التي تقول إننا أرسلنا النبي ليزكيهم، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، فإن كل هذا التعليم للكتاب والحكمة كان لأجل شيء واحد هو التزكية.
كل واحدة من هاتين الروايتين تنتج نتائج مختلفة للغاية. فالرواية والنظرة التعددية مثلاً قد تدفعنا إلى أن نزور أتباع الأديان الأخرى ونقدم لهم صورة الحقيقة التي أُعطيت لنا، أو التي تلقيناها، ونسألهم بدورنا: ما هي صورتكم؟ لهذا فائدة يُطلق عليها في مناهج البحث، النظر إلى ظاهرة معقدة من زوايا متعددة. نظرٌ من أجل فهم ماهية تلك الظاهرة حقاً، وفيما يتعلق بتلك الحقيقة المطلقة، من أجل فهمها على نحو أفضل. يمكن إيجاد صحة هذا الأمر في موضوعات شتى. فمثلاً، إذا قمنا بدراسة مفهوم الدعاء كما يتصوره المؤمنون بإله مشخص، من زاوية القائلين بإله غير مشخص، فسنجد مكتشفات يمكن أن تساعدنا نحن أنفسنا في الدعاء، والعكس صحيح.
تساعدنا هذه الصور المختلفة على الاقتراب من اكتشاف الحقيقة على نحو أفضل. إنها تغير نظرتنا للعالم. يمكن رؤية نموذج لهذه النظرة للعالم في قصة موسى والراعي. غالباً ما ننتبه إلى ذلك الجزء من القصة حيث يقول الله لموسى: "بندهی ما را ز ما کردی جدا" فيذهب موسى إلى الراعي ويقول له سامحني و "هیچ آداب و ترتیبی مجو". فيقول الراعي إنه بعد ذلك الكلام الذي قلته، وصلت إلى مكاشفات "حال من اکنون برون از گفتن است". لكن نقاش مولانا هذا يستمر:
نقش میبینی که در آیینه ایست
نقش تست آن نقش آن آیینه نیست
دم که مرد نایی اندر نای کرد
درخور نایست نه درخورد مرد
هان و هان گر حمد گویی گر سپاس
همچو نافرجام آن چوپان شناس
حمد تو نسبت بدان گر بهترست
لیک آن نسبت بحق هم ابترست.
أي أنك أنت الذي تتصور أن حمدك ومعرفتك أكمل من معرفة ذلك الراعي، فاعلم أن حمدك ومعرفتك هذه ناتجة أيضاً عن صورتك المحدودة عن الله، وهي بالنسبة إلى الحق ناقصة ومبتورة للغاية.
"والآن، وقد حرثنا الفكر بالإجابة عن السؤال الأول، وزرعنا فيه بذرة بالإجابة عن السؤال الثاني، صرنا على أهبة الاستعداد لأن نحصد المحصول في الجزء الثالث بالسعي الذي سنبذله في الإجابة عن السؤال الثالث. السؤال الثالث هو: بماذا ينفعنا القرآن اليوم؟".
قناة الدكتور فرهاد شفتي على التلغرام:
[1]- للدكتور شفتي بخصوص الموقف من قبول أو رفض النظرة التعددية للقرآن، اقتراح جدير بالاعتبار. يقول: «من الجيد أن يحاول جمهورنا (وخاصة الشباب) في الوقت الحالي الخروج من ذهنية القبول أو الرفض، ومن فكرة أنه لا بد في هذه المرحلة من قبول هذه الآراء أو رفضها، وأن يسعوا أكثر للوصول إلى فهم واضح لهذه الآراء. لاحقاً، سيتحدى هذا الفكرُ أفكارَهم الأخرى» أي أن هناك في الحقيقة فرصة للرفض والقبول.
[2] نقد فرهاد شفتی على آراء آرش نراقي؛ «تعددية أم حصرية محققة؟»
[3] مقالة فرهاد شفتی بعنوان «القرآن، حصري أم تعددي؟»
[4] يقول: «إن كوني بدأت من النص لا من العقل، فسبب ذلك أنني شخصياً توصلت إلى التعددية من هذا الطريق. وبالطبع عندما اطلعت على الاستدلالات العقلية وجدتها صحيحة أيضاً. فالبحث العقلي أيضاً مفصل للغاية، ويصبح النزاع بين الحصرية والتعددية (هناك) أوسع بكثير».
[5] مقالتان لصالح الحصرية وفي نقد استدلالات التعددية:
التعددية الدينية أم التعددية في الدين لعبد الله محمدي وعبد الحسين خسروبناه، المنشورة في الفصلية البحثية انديشه نوين ديني، السنة 6، العدد 22، وكذلك في نقد الآيات التي يُستفاد منها تعددياً، مقالة لمحمد حسن قراملكي في مجلة قبسات سنة 1384 (هذا العدد من المجلة مخصص للتعددية؛ وقد صدر هذا العدد تقريباً بالتزامن مع زيارة جون هيك لإيران).
[6] مصطلح مستعار من آرش نراقي، انظر مقالة الحصرية المحققة في حقل الدين
[7] إن إمكانية الاعتقاد بالتعددية النظرية دون التعددية العملية والعكس، هي مسألة جديرة بالتأمل في هذا الباب.
[8] للاطلاع على مزيد من الآيات مع تفكيك جانبي التعددية، راجع مقالة القرآن، حصري أم تعددي؟.
[9] يقول العلامة الطباطبائي: من الممكن أن يقول قائل إن العمل بالقرآن هو في الحقيقة عمل بالإنجيل والتوراة الأصليين أيضاً، لأن هذين الكتابين بشرا بمجيء القرآن وأوصيا بني إسرائيل بالعمل به والانصياع له، ... وهذا احتمال جيد، لكنه لا ينسجم مع كلمة (أقاموا) لأن إقامة التوراة والإنجيل تعني أن تُحفظ بالكيفية التي هي عليها وبكامل تفاصيلها، لا أن تُقام وتحفظ فقط الآيات التي تبشر بالإسلام والقرآن ويُترك ما سواها؛ فيتبين أن المراد بالإقامة هو إقامة التوراة والإنجيل. (الميزان، تفسير ذيل الآية 5:66)
[10] في القرآن، لا توجد حتى إشارة إلى الجماعات الدينية المختلفة التي كانت خارج شبه الجزيرة.
[11] القرآن، حصري أم تعددي؟ - فرهاد شفتی
[12] . لأن إدراك تلك الحقيقة اللامحدودة والمطلقة باللغة والوعي الإنساني المحدود أمر مستحيل. في الحقيقة لغتنا وعقلنا محدودان، وبأداة محدودة لا يمكن فهم اللامحدود. لأنك إن أحصيته فلن يكون بعد ذلك لامحدوداً. لذا يُظهر لنا صورة عنه ويقول مثلاً: هو الأول والآخر والظاهر والباطن. ولكن بمجرد أن يريد الإنسان أن يكون له تصور عنه، يقول: «ليس كمثله شيء». وهذا يُظهر سرانية الله.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
قرآن مدعی است که مبنای وحی و نزول از خالق جهان را دارد. اصولا ادعای معرفتی قرآنی با معرفت شناسی شما متفاوت است. بنا به تعریف و طبق محتوای قرآن کریم قران محصول دانای مطلق است که دنیای مشاهدتی (این جهان) و غیر مشاهدتی (عالم ناپیدا برای انسان) را می داند. سئوال از کثرت گرا بودن یا انحصار گرا بودنش تحریف قرآن است. خدا جزء افراد انسانی نیست که انحصار طلب یا کثرت گرا باشد . این تحریف قرآن است.