اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في الجزء الثالث من سلسلة جلسات «القرآن والأسئلة الجوهرية الثلاثة»، وبعد تناول موضوع المُخاطَب والتعدّدية، يُناقَش توظيف القرآن في حياة الإنسان المعاصر. يرى فرهاد شفتي أن غاية القرآن ليست الأحكام الجامدة، بل «التزكية».

للحصول على ملف PDF، يُرجى مراجعة نهاية الصفحة.
« السؤال الثالث: بماذا ينفعنا القرآن اليوم؟»
ملاحظة من فرهاد شفتي: أتقدّم بالشكر لموقع صدانت والصديق العزيز مهدي إيرانمنش الذي تكرّم مشكوراً وبادر في وقت قصير جداً إلى تدوين تقرير عن الجلسات الخمس «القرآن والأسئلة الأساسية الثلاثة» التي عُقدت في صدانت، على هيئة النص المكتوب أدناه. كما أشكره على إتاحة الفرصة لي لتنقيحه قبل النشر، وإن كان هذا قد تسبّب في تأخير نشر هذه الكتابة. في المراجعة التي أُجريت، حاولت مع الحفاظ على طابعه الشفاهي، أن أُضفي مزيداً من التماسك والوضوح على هذا النص الذي كان في الأصل كلاماً وحواراً، وذلك بقليل من التحرير وفي بعض المواضع بتغيير الترتيب وبإضافة بعض الشروحات بشكل نادر.
كما ورد في النص، فإن السؤال الأساسي في الواقع هو بماذا ينفعنا القرآن اليوم. لكن لتبيين إجابتي عن هذا السؤال، كان عليّ أن أعبر مَضِيق سؤالين أساسيين آخرين، أولهما مَن هو مخاطَب القرآن، وثانيهما هل ينظر القرآن إلى الدين نظرة تعدّدية أم نظرة إقصائية حصرية. بعد الإجابة عن هذين السؤالين، يمكن التطرّق إلى سؤال القرآن واليوم ونحن بنظرة أكثر صقلاً وخبرة.
أودّ في هذه الملاحظة أن أشرح نقطتين. الأولى أن مباحث هذه الأسئلة الثلاثة مترابطة. فالإجابة عن السؤال الثالث تستند إلى إجابات السؤالين الأول والثاني. ولهذا السبب، فإن قراءة الأجزاء الأخيرة من هذه الكتابة دون مراجعة الأجزاء الأولى والوسطى على الأقل، قد تُوقع أساس الكلام ومنطقه في الغموض. النقطة الثانية هي أنني في إجابتي عن هذه الأسئلة الثلاثة، وبحسب ما يقتضيه الموضوع، فإن تيار الفكر يسير تدريجياً نحو المقصد المنشود. وأظن أن الإيمان والفهم اللذين طرحتهما حول مواضيع مختلفة لا يتّضحان إلا بالاقتراب من المباحث الختامية.
خلاصة الإجابة عن السؤال الثاني: هل القرآن إقصائي حصري أم تعدّدي؟
إن رواية القرآن لسُنّة إرسال الأنبياء، ومعيار النجاة، وتنوّع الشريعة، هي رواية تعدّدية وليست إقصائية حصرية. يؤكد القرآن على إرسال الأنبياء إلى أقوامهم وبألسنتهم، ويُعرِّف معيار النجاة بأنه التزكية لا اتّباع شريعة محدّدة، ولم يقتصر على قبول الشرائع المختلفة فحسب، بل اعتبرها مشيئة الله، ودعا كلاً من اليهود والنصارى إلى اتّباع شريعتهم. تنشأ بعض التفاسير الإقصائية الحصرية لآيات القرآن عن تفسير كوني شامل لكلمات مثل «الناس» أو «العالمين»، دون الالتفات إلى سياق الآيات. كما أن عدم التمييز بين الإيمان بالنبي واتّباع شريعة النبي يؤدّي إلى تفسير إقصائي حصري لآيات دُعي فيها أهل الكتاب في زمن الوحي ومكانه إلى الإيمان. إن الالتفات إلى ما سُمّي بمحدوديات القرآن - لا نقائصه - يمكن أن يوسّع من نطاق تعدّدية القرآن لتشمل الأديان غير الإبراهيمية أيضاً. غير أن تعدّدية القرآن ليست مطلقة ولا تشمل كل مذهب. فذلك الدين أو الآيين أو المذهب الذي يشجّع أتباعه على سوء الأخلاق في علاقة واحدة أو أكثر من علاقات الإنسان الثلاث - بالشرح الذي سبق - لا مكان له في سعة تعدّدية القرآن.
مقدّمة
أُشير في المباحث السابقة إلى أن الإجابة عن سؤال مخاطبي القرآن هي بمثابة حرث الفكر، والإجابة عن سؤال تعدّدية القرآن هي بمثابة بذر بذرة فيه. لقد جاء ذانك السؤالان وكل ذلك البحث كيما نقوم، بالتدبّر والبحث للإجابة عن السؤال الثالث، بجني المحصول وحصاده. في هذا القسم، ومع التأكيد مجدّداً على أن بحثنا هو بحث يتعلّق بقراءة النص، نريد أن نرى كيف يمكن لنص القرآن أن يساعد شخصاً يرتبط بهذا الكتاب لأي سبب كان، وبماذا ينفعه في يومه هذا.
لهذا الغرض، إن لم ندرك أيّ خطاب من القرآن موجّه إلينا وأيّه موجّه إلى المخاطبين المباشرين، فلن نتمكّن من الاستفادة من القرآن على النحو الصحيح. بعبارة أخرى، ما لم نتجاوز الورقة الخاصّة بالمخاطب المباشر، فلن نصل إلى الورقة الثانية التي تشمل المخاطبين غير المباشرين. لا يتعلّق الأمر هنا بنظرة أعمق إطلاقًا، بل المسألة هي أنّه على المستوى نفسه الذي ننظر فيه، توجد هاتان الورقتان ويجب الفصل بينهما. في الإجابة عن السؤال الأول، تطرّقنا إلى هذا الموضوع، وقمنا بدراسة الورقة الأولى بالنظر إلى الهدف الأوّلي للقرآن بالنسبة لمخاطبيه المباشرين.
أمّا السؤال الثاني فكان مفيدًا، لا سيّما من حيث إدراكنا أنّ القرآن يقدّم لنا صورة عن الحقيقة، لا الحقيقة ذاتها. وعليه، فإنّ التفكير في صحّة هذه الصورة أو تلك لن يكون بالضرورة تفكيرًا ذا صلة. بوسعنا أن نجعل فهمنا للقرآن أكثر شمولًا بعض الشيء.
لكنّ السؤال الثالث هو أن نرى: فيمَ ينفعنا القرآن اليوم؟ لهذا جواب بدهيّ، وهو أنّ القرآن دستور الدين، أو مصدر للعقائد، أو إن شئتم فمعرفة أحكام الدين تستلزم الرجوع إلى القرآن، وله الكلمة الفصل. بصرف النظر عن اعتقادنا بصلاحية هذه الأحكام لنا اليوم أو لا، وبصرف النظر عن إيماننا بشريعة ثابتة أو شريعة متطوّرة. نتجاوز هذا الجواب البدهيّ، لأنّ المقصود هنا هو استخدام القرآن – وتحديدًا نصّ القرآن – في حياة الإنسان المتعلّق به، لا دور القرآن في فهم الدين والشريعة.
٣ـ فيمَ ينفعنا القرآن اليوم؟
نتابع السؤال الثالث بدراسة ثلاثة أسئلة فرعيّة، ثمّ الإجابة عن السؤال الرئيسي في الأقسام التالية:
۰ ما الهدف النهائي للقرآن؟
۰ ما الذي يمكن استخلاصه من رواية قصّة خلق الإنسان في القرآن؟
۰ كيف يؤثّر القرآن في تزكية ومعنويّة المتعلّقين به؟
۰ خلاصة وإجابة عن السؤال الرئيسي: فيمَ ينفعنا القرآن اليوم؟
١-٣ـ ما الهدف النهائي للقرآن؟
ذكرنا أنّ الهدف الابتدائي للقرآن كان إتمام الحجّة على المخاطبين المباشرين. أمّا الهدف النهائي للقرآن فهو ما ورد في الجزء ٢-٢-٢ في الإجابة عن السؤال الثاني بوصفه معيار النجاة في القرآن، أي التزكية. وقد قيل هناك:
إذا بحثنا في القرآن عن معيار النجاة في كلمة واحدة، فهي التزكية.
"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى"(87:14)
(قد أفلح من تزكّى)
يطرح القرآن هدف الدين في أربع آيات متشابهة. في الترتيب الحالي للقرآن، الآية الأولى هي الآية ١٢٩ من سورة البقرة، حين يدعو النبيّ إبراهيم عليه السلام قائلًا: ربّنا ابعث فيهم رسولًا. والآيات الثلاث الأخرى بالمعنى نفسه وبالألفاظ الرئيسيّة ذاتها موجّهة إلى مخاطبي القرآن:
"رَبَّنا وَ ابْعَثْ فیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یتْلُوا عَلَیهِمْ آیاتِكَ وَ یعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ یزَكِّیهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزیزُ الْحَكیمُ" (2:129)
وكما في الإجابة عن السؤال الثاني، وحتى يقلّ الجدل حول ترجمة الآيات، نورد ترجمة حسين أنصاريان:
(ربّنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم)
إذا قرأنا هذه الآيات عابرين دون تأمّل، فقد نخلص إلى أنّ النبيّ عليه السلام جاء لأربعة أهداف منفصلة:
١- تلاوة آيات القرآن ٢- تعليم الكتاب ٣- تعليم الحكمة ٤- التزكية
من وجهة نظر الدكتور شفتي، فإن الدين قد جاء لأجل الغاية الأخيرة، أي للتزكية، وتلك الثلاثة هي سبيل إلى التزكية. إن إيصال آيات القرآن إلى المخاطبين بواسطة النبي يفتح الطريق لتعليم الكتاب والحكمة للمخاطبين، وهذا بدوره يمهّد السبيل للهدف الأصلي وهو التزكية. فمع تلك الثلاثة وبدون التزكية، لن يُشفى الألم فحسب، بل سيزداد الوضع سوءًا. لأن تلك الثلاثة تجلب معها المعرفة والوعي، ومن يكتسب هذه المعرفة والوعي ويفهمها ويؤمن بها لكنه لا يتزكى، فستكون حجته ضعيفة. وكل توصية وكل نصيب آخر من الدين أشير إليه في القرآن، كالتقوى وإقامة القسط وتبيين موضع الخلاف، كان لأجل هذا الهدف الأصلي أي التزكية.
في القرآن، كل أمر وحكم ورد فإن غايته النهائية هي التزكية. بل إن الهدف الابتدائي الذي كان إنذارًا وإتمامًا للحجة على المخاطب المباشر، كان أيضًا لأجل التزكية. أي أن الهدف الأولي للقرآن بالنسبة للمخاطب المباشر كان أيضًا في خدمة هذه الغاية النهائية، أي تزكيتهم. وإذا تجاوزنا الهدف، فمن الجيد أن نلتفت إلى موضوع القرآن وأسلوبه أيضًا. يقول القرآن إنه هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أو هُدًى لِلنَّاسِ، ويقول إن القرآن كتاب هداية ورحمة للمؤمنين، فالهداية هي موضوع القرآن.
إن فهم هذه النقطة بالغ الأهمية، لأنه بهذا الفهم، مثلًا عندما يقول إن القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، لن يكون لدينا أي توقع منه، وسنفهم «كل شيء» في إطار موضوع الهداية وهدف التزكية، وفي ذلك السياق أيضًا بلغة الإنذار لا بأي لغة أخرى.
وبهذه الطريقة يمكن الوصول إلى ثلاثة عناوين:
۰ هدف القرآن: التزكية
۰ موضوع القرآن: الهداية
۰ أسلوب القرآن: الإنذار (بمعنى أن أسلوب القرآن قائم على أساس الهدف الأولي للقرآن بالنسبة للمخاطب المباشر)
إذا التفتنا إلى أن هدف القرآن هو التزكية وموضوعه هو هداية الإنسان نحو التزكية، فإن هذا السؤال يطرح نفسه: ما هي الطريقة التي يستخدمها القرآن لهذه الهداية؟ سنبحث هذا في تتمة هذا النقاش:
۲-۳ـ ما الذي يمكن استخلاصه من رواية قصة خلق الإنسان في القرآن؟
في البداية يجب الانتباه إلى أن اهتمامنا هنا منصب على نص القرآن، ونحن بصدد قراءة هذا النص. هذا لا يعني أننا نعتقد أن قصة الخلق كانت بكلمة كلمة عين الواقع وذات حقيقة خارجية. إن مسألة ما إذا كان الأمر كذلك، أو ما إذا كانت اللغة المستخدمة في هذه الرواية هي لغة الاستعارة، أو أنها كانت نتيجة تجلّي الحق على قلب النبي، هي مسألة أخرى.
سنطرح رواية القرآن لقصة خلق الإنسان في أربعة فصول لشرح هداية الإنسان نحو هدف التزكية بشكل أفضل:
۱-۲-۳ـ الفصل الأول: خلق الإنسان
يعبّر الدكتور شفتي عن استخدامه لقصة الخلق في القرآن بتشبيهها ببعض الأفلام. في بعض الأفلام، يعود مشهد العرض فجأة إلى الوراء ويعرض حكاية من الماضي، ليدرك المشاهد حينها فقط ما كانت عليه القصة ولماذا انتهت إلى هذا الحد. هنا أيضًا يقوم الدكتور شفتي بمثل هذا الاستخدام لقصة الخلق:
في سياق قصة الخلق، حين يقول الله للملائكة اسجدوا لآدم، يكون قد قال سابقًا: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»، أي نفخت فيه من روحي. يعني قبل أن يقول فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ - خرّوا له ساجدين - أشار إلى أنه نفخ فيه من روحه.
ما يُفهم من «نفخت» هذه هو أن الإنسان يحمل في داخله شيئًا من الله. صحيح أنه بنظرة وحدة الوجود يمكن القول إن كل الوجود هو وجوده، لكن تخصيص الإنسان بهذا القول يشير إلى أن ما يحمله الإنسان منه هو في مرتبة عالية. بعد هذا الموضوع، يتحدث القرآن عن «الأمانة» ويقول إنا عرضنا هذه الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. ثمة تفاسير متعددة لهذا، لكن إذا وضعنا كل هذه التفاسير جنبًا إلى جنب، فإن معظمها ينتهي إما إلى العقل وإما إلى الاختيار، وهذان بدورهما مرتبطان ببعضهما.
النقطة التالية في قصة خلق الإنسان هي مسألة التكبر، حيث قيل للشيطان أَسْتَكْبَرْتَ: هل تكبرت؟ وهو ما قلنا في بحث السؤال الثاني إنه ما يجعل الإنسان مستحقاً لجهنم بناءً على القرآن. لأن طبيعتي هي أن أكون معه، فإذا تكبرت فقد وقفت في وجه طبيعتي. طبيعتي متعلقة ومتصلة به لأنه نفخ فيّ من روحه، وهذا النفخ مستمر، كل يوم هو في شأن. فإذا تكبرت فقد جعلت نفسي في مواجهته وجعلت من نفسي مثالاً للشرك. ثم حين تقول الملائكة لله إن هذا المخلوق سيسفك الدماء، يقول الله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ: إني أعلم ما لا تعلمون. وكأن الله يريد أن يتابع هذا النقاش مع الملائكة فيقول إنه علّم آدم الأسماء، ثم يقول أنبئوني بهؤلاء إن كنتم تعلمون، فيقولون لا نعلم. يمكن أن نستخلص من هذه الأسماء فهماً فلسفياً. ويمكن النظر إليها أيضاً كما ورد في بعض التفاسير، أنه بالنظر إلى استخدام كلمة هَؤُلَاءِ في هذه الآية فإن المقصود من هذه الأسماء أسماء البشر الكاملين، كالأنبياء في الأديان الإبراهيمية، وبوذا، وغيرهم من الإنسان الكامل. وكأن هذا الشرح هو جواب الله القائل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
مثل البستاني الذي لا يرى المارّة في عمله إلا الغبار والطين، فيسألونه بدهشة "ماذا تفعل؟"، فيقول البستاني إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وبعد بضعة أشهر يريهم الثمار والأزهار. نعم، سيأتي إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وسيأتي ابن عربي ومولوي وحافظ وعطار وبوذا...
٢-٢-٣ـ الفصل الثاني: الهدف من خلق الإنسان
ما هو الهدف من خلق الإنسان بناءً على القرآن؟ يقول القرآن: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیعْبُدُونِ: ما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون. ومع أن البعض قد فسّر لِیعْبُدُونِ بمعنى لِیعْرِفُونِ، إلا أنه يبدو أنه لا حاجة لمثل هذا التفسير. أي أن الهدف هو لِیعْبُدُونِ ذاته. ولكن لماذا خُلق الإنسان لعبادة الله بناءً على نص القرآن؟ فالله ليس بحاجة إلى عبادة البشر، فما هو المقصود إذن؟
في اللغة العربية وخصوصاً في القرآن، ليس الحال دائماً أن كلمة عبد تستحضر في الذهن صورة وضيعة. فالله في القرآن يذكر عباده بفخر، و عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذینَ یمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاما (25:63)، وعندما يشير إلى أنبيائه يستخدم كلمة عبد، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا، وَ اذْكُرْ عَبْدَنا، ... . إن مقام العبد يُقاس بمقام المولى. فكلما كان المولى أسمى، كان مقام العبد أسمى.
ولكن ما هي الصفة التي يجب أن يتحلى بها العبد ليكون عبداً صالحاً لمولاه؟
لنضرب مثلاً. إذا كان "هذا" عبداً لـ "ذاك"، وكان "ذاك" يحب الضيوف بينما "هذا" لا يحبهم، أو إذا كان "هذا" معتاداً على الاستيقاظ متأخراً بينما "ذاك" يستيقظ باكراً، فهل يستطيع "هذا" أن يكون عبداً صالحاً لـ "ذاك"؟ يجب أن يكون العبد شبيهاً بالمولى، يجب أن يحب ما يحبه المولى وأن يسير على سبيل مولاه بقدر وسعه. أن تكون عبداً لله يعني أن تصبح شبيهاً به وأن تتلون بلونه وصِبغَتِه، وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، صبغة الله، وأيّ صبغة أحسن من صبغة الله؟ ثم يقول وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون (2:138)، ونحن له عابدون. لماذا نصبح شبهه؟ لأننا جئنا منه، نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی، وإليه نعود، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیهِ راجِعُونَ.
پس عبد خدا بودن یعنی به رنگ او در آمدن، شبیه او شدن. برای همین نیز میگوید که این دینی که به آن خوانده میشوید (اسلام به معنی تسلیم حق بودن) فطرت الله است که انسان بر آن آفریده شده است: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیهَا. آن ملاک رستگاری که در پاسخ به پرسش اول و دوم بحث کردیم، یعنی تزکیه، همان است که ما را به او شبیه میکند، که او منبع پاکیهاست. عبادت به تزکیه کمک میکند، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَر، یا أَیهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذی خَلَقَكُمْ وَ الَّذینَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكىَ وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلى. در این آیهی اخیر فَصَلى ملاک دوم برای رستگاری نیست بلکه یک ابزار برای رسیدن به تزکیه است.
پس وقتی میگوید : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیعْبُدُونِ یعنی من اینها را خلق کردم تا به رنگ خدا، به رنگ من در آیند. مانند او، و البته در حدّ خود، پاک شوند.
خلاص حافظ از آن زلف تابدار مباد
که بستگان کمند تو رستگارانند
۳-۲-۳ـ فصل سوم: برای به رنگ خدا در آمدن، چه امکانات و تمهیداتی فراهم شده است؟
خداوند امانتی را به ما داده است، عقل یا اختیار و یا هر چه باشد. از آن سو میگوید ما انسان را ضعیف و عجول خلق کردیم. انسان هلوعا و حریص است. آیا واقعا این صفات، صفات بدی هستند برای انسان؟ در قرآن آمده است که او خود ما را اینگونه آفریده است، آیا میتوانیم بگوییم که او صفات بدی در خلقت ما قرار داده است؟
واقعیت اینست که گر چه اگر به طور اطلاق نگاه کنیم، اینها صفات بدی هستند، اما در نظام هستی این صفات به ما کمک میکنند. از یک سو ما از او آمده ایم: نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی. و از سوی دیگر شیطنتهایی در ما هست که محصول حریص بودن، عجول بودن و ضعیف بودن ما هستند. این شیطنتها چشمان ما را برای انجام کارهای متفاوت و مختلف باز میکنند، آن هم در جهانی که پر از رنج و چالش است. الَّذی خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَیاةَ لِیبْلُوَكُمْ أَیكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ... (آنکه مرگ و زندگی را خلق کرد تا شما را به چالش اندازد که کدام خوشرفتارترید ... - 67:2).
این مبتلا کردن را معمولا به امتحان کردن ترجمه کردهاند، که ترجمهی خوبی نیست. امتحان کردن این پرسش را ایجاد میکند که مگر خدا نمیدانست. ترجمهی بهتر به چالش کشاندن است. این چالشها است که در آدمی، بالقوه را به بالفعل تبدیل میکنند و زمینهی بهتر شدن، رشد و به رنگ خدا در آمدن او را فراهم میآورند. منظور از چالش نیز تنها سختیها و دشواریهای زندگی نیست. ما در هر لحظه و در هر حالت، حتی در زمان شادی، دچار چالش نفس خود هستیم.
بر مبنای روایت قرآن امکان به رنگ خدا در آمدن، که از طریق تزکیه است، با سه عنصری که بحث شد فراهم میشود: اول نفخت فیه من روحی، یعنی اینکه ما از او آمدهایم و اصلمان نشان از او دارد، دوم صفات انسانی مانند عجول و ضعیف و حریص بودن، و سوم ورطهای که مملو از چالش است، یعنی این دنیا. این مجموعه به انسان امکان رشد و تعالی میدهد و به او کمک میکند که در مسیر تزکیهی نفس خویش قرار بگیرد.
۴-۲-۳ـ فصل چهارم: بنا به روایت قرآن این چالشها و تلاش برای به رنگ خدا در آمدن برای چیست؟
بنا بر روایت قرآن میتوان گفت که پاسخ این است: چون ... إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیهِ راجِعُون (2:156). اگر قرار است به سوی او برگردیم، باید سنخیتی با او داشته باشیم، در غیر اینصورت دری به روی ما باز نمیشود. با کسی میتوان نشست که هماخلاق با ما باشد و این دربارهی خداوند نیز صادق است. اگر هماخلاق او نباشیم مجال نشستن با او نخواهیم داشت.
إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیهِ راجِعُون، و به خصوص یا أَیهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقیه (84:6)، این را نشان میدهد که هر چه میکنیم و هر دغدغه ای داریم، چه خوب و چه بد در اصل به خاطر این است که چیزی را گم کردهایم و میخواهیم به آن گمشده برسیم. برخی میدانند که گم شدهای دارند و برخی نمیدانند، برخی میدانند آن گمشده چیست و برخی نمیدانند.
هذه الرواية التي وردت كانت رواية القرآن. هذه الرواية قائمة على صورة الأديان الإبراهيمية عن تلك الحقيقة المطلقة والأمر المتعالي. إنها رواية قائمة على صورة إله مشخص لتلك الحقيقة المطلقة. لكن جوهر معنى هذه الرواية هو شبيه بهذا أيضاً بالنسبة لأتباع كثير من الأديان والمسالك الروحية الأخرى، ممن لديهم صورة مختلفة عن تلك الحقيقة المطلقة والأمر المتعالي.
من هذا المنظور، فإن هذه الرواية هي رواية مألوفة لهم أيضاً. إذا ما أزلتم بعض الكلمات مثل الله وآدم وحواء والشيطان من هذه الرواية واستبدلتم بها مفاهيم أخرى، ثم عرضتموها مثلاً على بوذي، لرأيتم أن هذه الرواية مألوفة لديه هو أيضاً.
فهو أيضاً يقول هكذا: إن الإنسان في معاناة، ولكي يتخلص من المعاناة ينبغي ألا يتعلق بشيء، وإذا سعى في طريق التحرر من التعلقات وواصل سعيه فإنه يبلغ نيرفانا، وفي ذلك المقام يتخلص كلياً من المعاناة. وكذلك الحال إذا ما عرضتم هذه القصة على هندوسي أو على متبع لمسلك روحي لا دين رسمي له، فهي رواية مألوفة له أيضاً. لقد صور القرآن هذه الرواية في قوالب مثل قصة آدم وحواء والإله المشخص، لكن جوهر الرواية مشترك بين كثير من الأديان والمسالك الروحية، أو لنقل إن فيها اشتراكاً كبيراً.
في الواقع، إن كون الإنسان يستطيع، بتزكية النفس، أن يصير أكثر انسجاماً مع الوجود، وأن يخفف من معاناته، وأن يعيش على الأقل في هذه الدنيا بقدر أكبر من السكينة، هو أمر قابل للفهم والقبول حتى لدى كثير من منكري وجود الله (أي المنكرين لأي صورة من صوره).
ليست إلا حكاية واحدة، حكاية غم العشق، وهذا عجيب
فإني أسمعها من كل لسان، وهي غير مكررة
٣-٣ـ كيف يؤثر القرآن في تزكية وروحانية متعلقي القلوب به؟
قلنا إن القرآن قد أفزع المخاطبين الأوليين بهدف أولي هو إتمام الحجة، وبلغة الإنذار. والآن نطرح أن القرآن، من أجل ذلك الهدف النهائي الذي ذكرناه، أي التزكية، يتحدث إلى مخاطبيه بلغة الذكر، أي التذكير.
لغة الإنذار في القرآن هي للمخاطب المباشر، ولغة التذكير هي لجميع المخاطبين، سواء المباشرين أو غير المباشرين. إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبیلا (هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً - ٧٦:٢٩).
لذلك، إذا ما نحينا جانباً تلك الطبقة الأولى، أي وعود العذاب الأخروي والدنيوي وتلك الملامات وأوامر الحرب التي تكاد تتعلق جميعها بإنذار المخاطب المباشر، وبالطبع إلى جانب الأحكام الشرعية التي هي بحث آخر، فإن ما يتبقى هو كله تذكير.
تذكير بالرواية القائمة على التزكية والروحانية. في الواقع، حتى ذلك الإنذار نفسه، وحتى بيان تلك الأحكام الشرعية نفسه، هو أيضاً أداة تذكير للمخاطبين المباشرين وغير المباشرين. لنتناول بإيجاز مفهومي التزكية والروحانية:
١-٣-٣ـ نبذة عن مفهوم التزكية:
التزكية من الناحية اللغوية تعني كلاً من التطهير والنماء والنمو. ويمكن القول بتعبير آخر إن التزكية هي نماء تكون نتيجته التطهير. لقد وردت التزكية في المسلك الروحي، وخصوصاً في القرآن، في ثلاثة أبعاد: التواصل مع الذات، والتواصل مع الآخر (من البشر والحيوانات والبيئة المحيطة بنا)، والتواصل مع ما وراء عالم الناسوت هذا، الذي أطلق عليه المسلمون والأديان الإبراهيمية اسم الله أو يهوه في اليهودية، ويطلق عليه البوذيون مثلاً اسماً آخر.
كل آية من القرآن تشير إلى عمل ما لتدعونا من خلاله إلى التزكية، فهي ترتبط بأحد هذه الأضلاع الثلاثة للمثلث: أقم الصلاة، هذا لتقوية التواصل مع الله. صم لتتقى، هذا لتقوية تواصلك مع ذاتك. أعن المحتاج، لا تغتب؛ هذا لتقوية التواصل مع الآخر.
٢-٣-٣ـ نبذة عن مفهوم الروحانية:
الروحانية (Spirituality) بالطبع ليس لها تعريف محدد تمامًا، لكن الذين بحثوا في الروحانية، خصوصًا أولئك الذين لا يقتصرون على المنظور الديني، وبحثوا فيها مثلًا من زاوية علم النفس والعلاج النفسي وحتى التمريض، يشيرون إلى أمور جديرة بالاهتمام. إنهم يشيرون إلى حالات وسلوكيات ويسمون مجموعها روحانية، منها: امتلاك الأمل، الشعور بالاتصال والانسجام مع الوجود، الشعور بالقوة، إيجاد المعنى، تجنب العبثية، الحياة الأصيلة، الاستقلالية (ألا يكون المرء تحت تأثير الآخرين)، حب البشر، الإيمان بسر في الوجود، والسعي نحو التحسن. ترون أن كثيرًا من هذه الأمور يعتبرها المفكرون الدينيون أيضًا من مخرجات الروحانية. في مقالة بمجلة «نگاه آفتاب» الفصلية، مع الإحالة إلى مصادر في هذا المجال، تمت الإشارة أيضًا إلى آيات من القرآن ترتبط فيها الروحانية بهذه الحالات والسلوكيات.
كل حالة وسلوك من هذه الحالات والسلوكيات يندرج أيضًا في واحدة من تلك العلاقات الثلاث المتعلقة بالتزكية، أي العلاقة مع الذات، ومع الآخر، ومع الله أو الصورة التي يحملها الفرد عن الأمر المتعالي. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن مكونات الروحانية جميعها منسجمة مع بعضها البعض، وبالتجربة، فإن من يخطو في مسار الروحانية عادة ما ينمي جميعها كمجموعة واحدة في ذاته، وليس الأمر أنها تتحقق واحدة تلو الأخرى وبصورة مستقلة عن بعضها البعض.
في بداية سورة المؤمنون، وردت حالات وسلوكيات تقع جميعها في هذه العلاقات المثلثية الثلاث ذاتها، وقد ذُكرت باعتبارها صفات المؤمنين. استنتاج الدكتور شفتي هو أنه كلما بدأت أضلاع هذا المثلث بالتأثير إيجابًا على بعضها البعض وتسببت في التآزر، وتحول هذا المثلث شيئًا فشيئًا نحو أن يصير دائرة، كانت هذه بداية الروحانية. بعبارة أخرى، قد يعمل شخص ما على ضلع واحد فقط من هذا المثلث، كالعلاقة مع الآخرين مثلًا. في هذه الحالة، لا يزال يمكن القول إنه في حالة تزكية. أما الروحانية فستبزغ عندما تكون هذه الأضلاع الثلاثة، بالإضافة إلى كونها فاعلة جميعًا، تؤثر أيضًا تأثيرًا إيجابيًا على بعضها البعض. بناءً على هذا، يرى أن أقرب كلمة في القرآن إلى الروحانية هي كلمة «مؤمن»، لأن المؤمن في كلام القرآن يمتلك كل هذه الأمور معًا، وهي تتآزر فيه. مثلًا: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي أن العلاقة مع الله تتآزر مع العلاقة مع الذات والعلاقة مع الآخرين، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، «إطعام المحتاج» الذي هو علاقة مع الآخرين هو لأجل المساعدة في العلاقة مع الله تعالى.
بناءً على رواية الخلق التي وردت في الجزء 2-3، نصل إلى أن تحديات الإنسان وابتلاءاته يمكن أن تكون أرضية للتحرك أكثر فأكثر في مسار التزكية، وللتحسن في تلك العلاقات الثلاث، ولبلوغ تلك الروحانية. القرآن تذكرة لإيجاد هذا المسار والجريان فيه. من أفضل الأمثلة التي تُرى في القرآن في هذا المجال، الآيات التي تعاتب النبي أو تنصحه. القرآن ربّى النبي روحيًا وصار له منازل السائرين. كم هو جميل، وثقيل، وغنيّ حين يتلقى النبي من منبع الوحي هذا: إِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (52:48)
إِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا، أي أنك في أعيننا ونحن نراك. أي أننا نرعاك ومنتبهون إليك. هذه هي التربية الروحية للقرآن التي تنتشر، وتستمر، وتصل إلى عظماء أمثال حافظ، وعطار، ومولوي، وابن عربي وغيرهم.
لننظر إلى مثال آخر من التربية القرآنية: في السؤال الثاني، عند مناقشة التعددية، قلنا إن حمد الله ليس بالأمر اليسير. لأن الحمد هو إعلان عن ماهيتك؛ أما التسبيح فهو إعلان عما ليست عليه ماهيتك، وهو أمر يسير. سورة الحمد التي تُسمى مفتاح القرآن تُقرأ في كل صلاة وهي أصل صلاة المسلمين. عندما نقرأ هذه السورة في الصلاة ونقول الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فإننا ندّعي دعوى حمد. وكأن الله يُظهر لنا رؤية كونية حتى نحاول، بتكرارها في الصلاة، أن نرسخ هذه الرؤية في أذهاننا. هكذا يمكن القول إن بداية هذه السورة، في ضوء آيات القرآن الأخرى، تقول اعلم أن الحمد لله، وأنك لا تستطيع أن تؤدي حمده على الوجه الأكمل، ولكن في حمدك المحدود ضع هذه الثلاثة في الاعتبار: رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
يقدم القرآن بهذه العبارات الثلاث صورة خاصة عن الله والوجود. هل يمكننا أن نخرج قليلاً من هذه الصورة وننظر إلى هذه الآيات نظرة أشمل، بحيث لو سمع كلامنا غير مسلم، أو من يؤمن بإله غير مشخص، أو حتى من لا يؤمن بأي إله على الإطلاق، لكان لهذا الكلام معنى عنده وقابل للقبول أو على الأقل للتأمل؟ لهذا الغرض نحاول أن نذهب إلى ما وراء المفهوم الديني والداخل قرآني لهذه العبارات.
من رَبِّ الْعَالَمِينَ يمكن الوصول إلى مفهوم يتجاوز مفهومه الديني الداخلي، وهو أن الوجود له نظام، وليس كل شيء فيه قائماً على الصدفة. الصدفة موجودة، ولكن الصدفة نفسها هي أحد أجزاء ذلك النظام. أي أن الصدفة نفسها قد سُخرت لخدمة النظام، نرى ذلك مثلاً في عملية تطور الكائنات. رَبِّ الْعَالَمِينَ يعني أن هناك نظاماً، وأيضاً أن هذا النظام قائم على أساس. الوجود ليس خيوطاً متفرقة، بل له رأس خيط، ومن هذا المنظور فلسنا وحدنا، ونحن متصلون برأس الخيط ذاك.
أما المفهوم الذي يتجاوز المفهوم الديني الداخلي والذي يمكن استخلاصه من الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أن محور باب الحياة يدور على المحبة (الرحمة). المحبة هي زيت قنديل الوجود. ذلك الإله نفسه الذي أوجب أشياء على البشر يوجب على نفسه الرحمة: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. لقد أوجب الرحمة على نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، وإذا كانت عبادة الله من أجل التشبه به والتلون بلونه (صِبْغَةَ الله)، فإن قنديل وجودنا أيضاً يضيء بالرحمة.
أما المفهوم الذي يتجاوز المفهوم الديني الداخلي والذي يمكن استقاؤه من مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فهو أن تأكيد القرآن على القيامة ونتيجة الأعمال يحكي عن حقيقة جارية في الوجود، وهي أن الوجود ميدان للأسباب والمسببات. كل عمل نقوم به يترك أثراً في مكان ما. لقد اكتشف نيوتن هذا القانون نفسه في الفيزياء، ولعلنا ندرك عمومية هذا القانون في الوجود في خضم الحياة.
نحن في الصلاة التي نقرؤها ونكرر فيها هذه الألفاظ، نرسخ عملياً هذه الرؤية الكونية في أذهاننا لنرى العالم هكذا، عالماً له رأس خيط، ويدور على مدار الرحمة، وكل عمل فيه يترك أثراً في مكان ما. بهذه الرؤية الكونية ربما نستطيع أن نقترب من مقام خالٍ من الخوف والحزن: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الذي هو وعد القرآن.
هذه الرؤية الكونية تجلب الطمأنينة والبهجة. طمأنينة في مواجهة الخوف، وبهجة في مواجهة الحزن والكآبة. الطمأنينة والبهجة هما من علامات الروحانية. الشخص الروحاني حتى لو اختبر غماً أو قلقاً، فإن غمه وقلقه يقعان في هالة وسياق من البهجة والطمأنينة.
كان سعدي يقول:
غم و شادی بر عارف چه تفاوت دارد
ساقیا باده بده شادی آن کاین غم از اوست
۴-۳ـ استنتاج والإجابة على السؤال الرئيسي: بماذا ينفعنا القرآن اليوم؟
للقرآن وجهان، والمقصود بالوجه هنا أنه لا حديث عن سطح وعمق. هذان الوجهان هما هدفان مترابطان للقرآن، وهما في عرض بعضهما لا في طول بعضهما. الوجه الأول، كان هدف القرآن لمخاطبيه المباشرين أي سكان الجزيرة العربية، وبخاصة المشركون، وإلى جانبهم اليهود والنصارى الذين كانوا في تلك الأرض. بالنسبة لهذه الفئة الخاصة، كان هدف القرآن ومهمة النبي إتمام الحجة. وقد ترتبت على إتمام الحجة هذا للمخاطبين المباشرين للقرآن عواقب دنيوية وأخروية. في الوجه الأول، منهج القرآن هو الإنذار. لسنا، ولا أحد منا، بمخاطَبين بهذا الوجه الأول، ولا أيٌّ من البشر الذين لم يكونوا في زمن الوحي وأرضه هم بمخاطَبين به.
الوجه الثاني هو الهدف العام للقرآن وهو التزكية، وفي الوجه الثاني تحقق هذا الهدف من خلال الذكر (التذكير). بناءً على ما قيل، فالقرآن تذكرة وتذكير لطريق المعنوية. القرآن، إلى جانب جماله، له خطاب محكم وجاد بحيث لا يمكن تجاوزه بسهولة. حتى لو لم يؤمن المرء بهذا الكتاب ولم يعتبره من مصدر وحياني، أعتقد أنه يمكنه مع ذلك أن يحس بقوة كلام القرآن وتأثيره على ذهن القارئ وقلبه.
يستطيع القارئ أن يدرك جمال الكلام وسموه في شكل لغة القرآن بوضوح حتى لو لم يكن يعرف العربية كثيرًا. نص القرآن هو من ذلك النوع من النصوص المتعددة الطبقات والغامضة، القابلة للتدبر والتفاعل مع القارئ. ولهذا السبب هو كتاب فعال وقوي جدًا للتذكر والتذكير. وهو نفسه يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. آية تكررت أربع مرات في سورة القمر.
فهم البعض خطأً من هذه الآية أن القرآن سهل الفهم. الآية لا تقول هذا، وفهم القرآن ليس سهلًا وإلا لما واجهنا هذا الكم من التفاسير والاختلافات في الرأي. يسرنا القرآن للذكر يعني أن القرآن سهل للتذكير، وكلامه مناسب للتذكر.
تذكير بماذا؟ تذكير لاستعادة الذات المفقودة.
في هذا العالم حيث يقول حافظ: «لا أرى صديقًا في أحد، ماذا حل بالأصدقاء» ويقول عرفي الشيرازي: «من منجنيق الفلك ينهمر حجر الفتنة» ويقول نيما يوشيج: «في أي ركن من أركان هذا الليل الحالك أعلق عباءتي الممزقة» ويقول ابتهاج: «في دار الوحدة هذه، لا يطرق الباب أحد»، لدينا ضالة ونبحث عن تلك الضالة. ضالتنا هي منبع الكمال نفسه الذي نحن بعيدون عنه، وطريق الوصول إليه هو التزكية نفسها.
إذا كانت صورتنا عن الحقيقة هي الصورة التي يقدمها لنا الإسلام، وكنا متعلقين بهذه الصورة وهذا الدين، فيجب أن ننتبه إلى أن القرآن تذكير لكي نستعيد أنفسنا في دار الوحدة هذه، وأن نصقل أنفسنا لكي نعود بقصد اللقاء إلى ذلك الإله الذي قال نفخت فيه من روحي. المتعلقون بصور أخرى عن الحقيقة لديهم أيضًا كتاب أو أقوال تساعدهم على السير في هذا الطريق نفسه، طريق التزكية والمعنوية بالصياغة التي مرت.
من المهم الانتباه إلى أن هذا التذكير أمر مهم وثقيل، ولا ينبغي أن نعتبره بمستوى تذكر خاطرة مثلًا. هذا ليس تذكرًا ذهنيًا بل هو تذكر قلبي وعملي.
إنه تذكير نتصل خلاله بمنبع الوجود ونتفاعل معه، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، اذكروني أذكركم. هذا تذكير يأتي معه بالشفاء والرحمة، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تذكير بدايته اللجوء إلى الله، فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، يقول القرآن إن هذه الكلمات نفسها لو أُنزلت على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
بصفتك مؤمنًا بالقرآن، عندما تقرأ آيات هذا الكتاب وتستمر في القراءة، وتتعمق في معانيه، ينبعث في قلبك ذكرٌ حيٌّ يساعدك على بلوغ حياةٍ روحيّة. وهذا بالطبع لا يعني أننا نصل إلى الروحانيّة بالقرآن وحده ولا نحتاج إلى أي شيء آخر. فالإنسان كائنٌ معقّد. نحن بحاجة إلى أن نتلقّى التذكير بهذا المعنى من مصادر متعدّدة. نحتاج إلى الاستفادة من أعمالٍ وكتبٍ كثيرة، وإلى الانتفاع من البشر المتعالي الذين نستطيع الوصول إليهم أو إلى آثارهم. إنّ الاستفادة من القرآن لا تعني الاستغناء عن المصادر الأخرى.
خلاصة الإجابة على السؤال الثالث:
بماذا ينفعنا القرآن اليوم؟ بالنسبة لكلّ من يميل إلى السلوك الروحي ويتعلّق قلبه بالقرآن، فإنّ هذا الكتاب هو تذكيرٌ لا نظير له للوقوع في مسار الروحانيّة والجريان فيه. هذا التذكير ليس للذهن بل للقلب. هذا التذكير ييسّر له سبيل تعامله مع منبع الوجود، الله، ويساعده على شفاء قلبه من الظلمات. إنّ تجاوز جانب الإنذار في القرآن، الذي كان موجّهًا للمخاطبين المباشرين، يمكن أن يسهّل على الكثيرين تمييز جانب التذكير في القرآن والاستفادة منه.
قناة تلغرام للدكتور فرهاد شفتي:
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
حروف مقطعه حم هم ه م.
اگر منظور شما از سور حم است باید عرض کنم سور حم (شامل سوره فصلت) در بازه چهل از سور قرآن و در بردارنده نظرات اصلی قرآن هستند... همگی بر غرور بعضی از مردم بر دیگران اشاره میکنند اینان کسانی هستند که به قیامت باور ندارند و آنرا مسخره میکنند...با داشتن مال و منال و اولاد بیشتر خود به دیگران فخر میفروشند و آنرا مایه برتری خود به دیگران میدانند... در میان این سور ، سوره شورا با حروف مقطعه بیشتر از حم یعنی "حم عسق " ، در مقابل به مشخصات مومنین از جمله برادری بین مومنین و احترام به نظرات یکدیگر ، تاکید میکند.... میتوانید با کلیک روی نام نویسنده یادداشت به سایت نویسنده یادداشت مراجعه کنید...
در ادیان قبلی تاکید بر قیام بالقسط (بهره مندی همگانی) کمتر است ، بسادگی بجهت کم بودن جمعیت و سادگی ابزار..... با رسیدن به اوایل دورانی که انسانها در کنار تولید ابزار قدرت و کشتار بیشتر در جنگ ها ، با درک قوانین بهداشت و طب میتوانند جمعیت زیاد داشته باشند اسلام ظهور میکند.... بعنوان دین پایانی بر قیام بالقسط و رضایت اجتماعی تاکید بسیار میکند (مبادا کسانی فراموش شوند)... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿۲۹﴾ حال پیروان ادیان قبلی یا هر قوم و قبیله دیگر ، به این اقامه قسط تن بدهند و مخالفت نکنند میتوانند بر آداب خویش باشند و امید تزکیه برای آنها هم هست....والا باید با آنها مبارزه بی امان کرد....اجازه رشد ناپاکان نباید داده میشد....عدم مبارزه با ناپاکان امکان پاک زیستن را از همه میگیرد... این به گوش ارباب ثروت و ستایندگان رقابت (رقابت هایی که خود در آن پیروزند) و ... سنگین می آید... حقوق بشر و دموکراسی و تکثر گرایی و... بهانه است.... با سفارش ایشان ، میخواهند آخرین دین هم تحریف یشود....این بار کتاب دین را نمی توانند تحریف کنند سازمان های عریض و طویل برای تفاسیر سفارشی تاسیس ، و با طبل و نقاره در اذهان جاسازی میشود... وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿۲۶﴾ فصلت