اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يطرح فرهاد شفتي في جلسات صدانت ثلاثة أسئلة حول القرآن: مَن هو المخاطَب، هل هو إقصائي أم تعددي، وما وظيفته اليوم. ويُمهّد القسم الأول للإجابة عن السؤال الرئيسي عبر تصنيف المخاطَبين إلى خاص مباشر، وغير مباشر، وعام.

للحصول على ملف PDF يُرجى مراجعة نهاية الصفحة
ملاحظة من فرهاد شفتي: أتوجه بالشكر لموقع صدانت والصديق العزيز مهدي إيرانمنش الذي تكرّم وأعدّ تقريرًا عن الندوات الخمس "القرآن والأسئلة الأساسية الثلاثة" التي عُقدت في صدانت، وصاغه في وقت قصير جدًا على هيئة النص المكتوب أدناه. كما أشكره على إتاحة الفرصة لي لتنقيحه قبل النشر، وإن كان هذا قد تسبب في تأخير نشر هذه الكتابة. في المراجعة التي أجريتها، حاولت مع الحفاظ على طابعه الشفاهي، أن أضيف إلى تماسك هذا النص ووضوحه -الذي كان في الأصل حديثًا وحوارًا- من خلال قليل من التحرير وفي بعض المواضع إعادة الترتيب وإضافة بعض الشروحات بشكل نادر.
كما ورد في النص، فإن السؤال الرئيسي في الواقع هو: ما فائدة القرآن لنا اليوم؟ لكن لتبيين إجابتي عن هذا السؤال، كان عليّ أن أعبر مَضِيق سؤالين أساسيين آخرين، أولهما: مَن هو مخاطَب القرآن؟ وثانيهما: هل ينظر القرآن إلى الدين نظرة تعددية أم نظرة حصرية؟ بعد الإجابة عن هذين السؤالين، يمكن التطرق إلى سؤال القرآن واليوم ونحن بنظرة أكثر تبصرًا.
أود في هذه الملاحظة أن أوضح نقطتين. الأولى أن مباحث هذه الأسئلة الثلاثة مترابطة. فالإجابة عن السؤال الثالث تقوم على أساس الإجابات عن السؤالين الأول والثاني. ولهذا السبب، فإن قراءة الأجزاء الأخيرة من هذه الكتابة دون مراجعة الأجزاء الأولى والوسطى على الأقل، قد يوقع أساس الكلام ومنطقه في الغموض. النقطة الثانية هي أنني في الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة، وبحسب مقتضى الموضوع، يسير تيار الفكر تدريجيًا نحو المقصد المنشود. وحسب ظني، فإن الإيمان والفهم اللذين طرحتهما حول موضوعات مختلفة لا يتضحان إلا بالاقتراب من المباحث النهائية.
مقدمة
حاولت في هذه السلسلة من المقالات أن أجمع أفكار فرهاد شفتي -أحد الباحثين في الدراسات القرآنية- والتي طُرحت مؤخرًا خلال خمس ندوات مع موقع صدانت، دون أي تصرف في المحتوى أو إبداء رأي شخصي، وذلك لعرضها على دراسة الباحثين الآخرين والمهتمين. تُقدم هذه السلسلة من المقالات في أربعة أقسام. تتناول الأقسام الثلاثة الأولى أحد الأسئلة الثلاثة المطروحة للنقاش، والقسم الرابع هو مجموعة الأسئلة والأجوبة المطروحة في نهاية الجلسات. الملفات المرئية والصوتية لهذه السلسلة من الأحاديث، والتي استضافها محمد كاظم برزغر، متاحة عبر هذا الموقع الإلكتروني. ولغرض تبيين المطالب بشكل أفضل، أُرسل النص الأولي المُعد إلى السيد فرهاد شفتي وقام بتنقيحه، وإن كان الطابع الشفاهي للنص لا يزال محفوظًا.
قبل كل شيء، من الضروري أن أقدمه بإيجاز:
«فرهاد شفتي حاصل على دكتوراه في الدراسات الإسلامية من كلية اللاهوت بجامعة إدنبرة في اسكتلندا، وله أيضًا تحصيل حوزوي في طهران حتى منتصف مرحلة السطوح. لإكمال الدكتوراه في مجال المقاربات المعاصرة داخل الدين في فهم القرآن، ركّز على أفكار حميد الدين الفراهي وأمين أحسن إصلاحي وتلامذته في مجال نظم القرآن وتفسير القرآن بالقرآن. الكثير من هذه الأعمال متاحة عبر الإنترنت، وكذلك يمكن الوصول إليها من خلال قناة التلغرام «فرهاد شفتي». موضوع معظم هذه الأعمال يدور حول النظم المفهومي للقرآن، وتطبيق القرآن لليوم، والتعددية الدينية، والروحانية والأخلاق.
من آخر كتاباته باللغة الفارسية يمكن ذكر «القرآن، حصري أم تعددي»، و«نحن وإله القرآن السرّي»، و"سؤال سهل وصعب حول الدين والروحانية (فصلية نگاه آفتاب، العدد 4)". بعض آخر الأحاديث والحوارات: "لاهوت الحزن (دين آنلاين)"، و«القرآن وإنسان اليوم (مجلة خيمه الشهرية، العدد 140)» وحوار حول الدين والروحانية في سلسلة البودكاست «نرسيده به درخت».
وهو بناءً على دكتوراه أخرى له في مجال البحث العملياتي (operational research) أستاذ مشارك في جامعة غلاسكو في اسكتلندا.»
وهو يصف ما يدّعيه ويقدّم عليه شواهد متعددة من داخل النص بأنه مجرد ملاحظته الشخصية للقرآن. والأسئلة الأساسية الثلاثة التي قام بدراستها هي:
. مَن هو مخاطَب القرآن؟
. هل القرآن إقصائي أم تعددي؟
. ما فائدة القرآن لنا اليوم؟
في الحقيقة، السؤال الرئيسي هو: «ما فائدة القرآن لنا اليوم؟» لكن الإجابة عن السؤالين الأولين تهيئ، على نحو صحيح، أرضيةً يمكن في سياقها معالجة السؤال الرئيسي على نحو أفضل. لذا نحتاج أن نعرف مَن هم مخاطبو القرآن؟ وما رواية القرآن في هذا الشأن؟ وبعبارة أخرى، ماذا يقول القرآن عن نفسه؟ لهذا الغرض، تحظى مفاهيم وموضوعات مثل الدين، وغاية الدين، والخلاص، والله، والأديان المختلفة بالاهتمام في القرآن.
ثم ينبغي أن نناقش ما إذا كان القرآن أقرب إلى الإقصائية الدينية أم إلى التعددية الدينية. وبتعبيره، فإن السؤال الأول هو في الحقيقة نوع من حرث مرعى الفكر. والسؤال الثاني هو بذر حبة في هذا المرعى، والسؤال الثالث هو جني المحصول. وهو يستخدم تعبير الحرث لأن السؤال الأول ليس نقاشاً جديداً جداً، بل هو في الغالب تذكير وانتباه إلى نقاط سبق أن نوقشت من قبل.
١ـ مَن هو مخاطَب القرآن؟
تتم الإجابة عن هذا السؤال ضمن الأقسام الأربعة الرئيسية التالية:
۰ شرح السؤال
۰ أمثلة قليلة من آيات القرآن لإدراك الأهمية والاقتراب من الموضوع
۰ شرح الإجابة بناءً على محلية الخطابات
۰ شرح الإجابة بناءً على الهدف الأولي للقرآن
١-١ـ شرح السؤال
على الرغم من أن الالتفات إلى الآيات التي تحمل لفظ خطاب مثل «يا أيها الذين آمنوا» و«يا أيها الناس» ضروري لشرح هذه المسألة وفهم مَن هو مخاطَب القرآن، إلا أننا هنا نوسّع النقاش ونتناول على نحو أعم هذا السؤال: على أي مخاطَب يقوم العبء الأكبر من خطاب القرآن؟ للقرآن مخاطَبون مختلفون، والنقاش ليس حول حصر مخاطَبي القرآن، بل المقصود هو معرفة أنواعهم والانتفاع بنتائج الفصل بينهم. يمكن تصنيف أنواع مخاطَبي القرآن على النحو التالي:
- المخاطَب الخاص المباشر
- المخاطَب الخاص غير المباشر
- المخاطَب العام
المقصود بالمخاطَب الخاص المباشر هم المسلمون وغير المسلمين الذين كانوا في عصر حياة النبي وفي شبه الجزيرة العربية، وخصوصاً في أماكن محددة (مثل مكة والمدينة). فمثلاً، الآيات التي تتعلق بغزوة أُحد تخص المخاطَب الخاص المباشر من المسلمين، أولئك الذين عاشوا زمن غزوة أحد. والآيات التي تتناول رد فعل اليهود والنصارى تجاه النبي تخص المخاطَب الخاص المباشر من أهل الكتاب، أولئك الذين عاشوا زمن النبي في شبه الجزيرة العربية، وخصوصاً في المدينة وما حولها. والآيات التي تحذّر المشركين من العناد والعداء تخص المخاطَب الخاص المباشر من مشركي زمن النبي في الجزيرة العربية، وخصوصاً في مكة وما حولها. يمكن تسمية هذه الفئة من المخاطَبين اختصاراً بالمخاطَب المباشر، لأن جميع مخاطَبي القرآن المباشرين كانوا مقصودين بنظر هذا الكتاب الخاص للهداية.
الفئة الثانية هم المخاطَبون الخاصون غير المباشرين. المؤمنون أو المسلمون بعد عصر النبي يندرجون في هذه الفئة. هم خاصون لأنهم مسلمون ومقصودون بنظر القرآن على نحو خاص، وهم غير مباشرين لأنهم لم يكونوا في زمن الوحي ولا بالضرورة في مكانه. آيات مثل «قد أفلح المؤمنون» تشمل المخاطَبين الخاصين غير المباشرين، وبالطبع المخاطَبين الخاصين المباشرين من المسلمين.
المخاطبون العامّون هم جميع بني البشر في العالم. فمثلاً في آيات مثل "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ" و"وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ" نرى خطاباً عاماً لعموم الناس يشمل المخاطب الخاص المباشر وغير المباشر والمخاطب العام. يبدو في هذه الآيات أن القرآن يتحدث إلى جميع الناس. مع أنه حتى في هذه الحالات، ورد رأي تفسيري أقل شهرة مفاده أن المقصود بـ"الإنسان" في بعض هذه الآيات هم قبيلة قريش تحديداً. لكننا هنا ننظر فقط إلى لفظ الآيات ومحتواها ونقول إنه يمكن القول بأن المقصود هو المخاطب العام. في الحقيقة، نحاول من خلال التدقيق في لفظ الآية وقرائنها أن نرى إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق مخاطبها. ثمة آيات لا يمكننا توسيع نطاق مخاطبها، كالآية المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن مثلاً عندما تُستخدم كلمة "مؤمنون"، يمكن أن يكون المخاطب هنا أوسع من المخاطب الخاص المباشر ما لم تمنع من ذلك قرينة أو محتوى. وكذلك كلمة "إنسان" يمكننا تعميمها على عموم البشر ما لم تمنع من ذلك القرائن السابقة واللاحقة للآية. والآيات التي تخاطب أهل الكتاب بشكل عام تندرج أيضاً ضمن هذه الفئة، لأن أهل الكتاب - لأسباب سيأتي شرحها في الإجابة عن سؤال التعددية - لم يكونوا مقصودين بالذات في نظر القرآن.
والآن، في هذا البحث، الذي هو في الحقيقة بحث داخل-ديني وداخل-نصي، المغزى الأساسي هو أن نتبين على أساس أيٍّ من هؤلاء المخاطبين الثلاثة بُني الخطاب الرئيسي للقرآن. بعبارة أخرى، المغزى الأساسي هو معرفة أي مخاطب يغلب في رواية القرآن.
دعواه هي أن خطاب القرآن قائم على أساس "المخاطب الخاص المباشر". أي المخاطب الذي كان يعيش في عصر النبي وفي نفس مكان النبي (شبه الجزيرة العربية). لكن هذا لا يعني أن الآخرين ليسوا مخاطَبين بالقرآن، أو أنهم لا يستطيعون الاستفادة من القرآن البتة، ففي الواقع، إن إدراك كون خطاب القرآن موجهاً إلى المخاطب الخاص المباشر سيساعدنا في الوصول إلى فهم أوضح لخطاب القرآن واستخدامه للمخاطبين الآخرين. هذا البحث يسير في هذا الاتجاه ولبلوغ هذه الفائدة.
تُفحص هذه الدعوى من منظورين: "محلية خطاب القرآن" و"محلية الهدف الأولي للقرآن"
٢-١ـ بضعة أمثلة من آيات القرآن لإدراك أهمية الموضوع والاقتراب منه
قبل أن نقدم، استناداً إلى الشواهد القرآنية، أدلةً تُظهر أن خطاب القرآن قائم على أساس التوجه إلى "المخاطب الخاص المباشر"، لنر أولاً ما هي الآثار والنتائج المدمرة التي يمكن أن تترتب على عدم قبول هذا الادعاء.
كثيراً ما سمعنا ونُصحنا بأن نقرأ القرآن وكأنه يتحدث إلينا الآن. من وجهة نظره، هذه النصيحة حسنة جداً إذا كان قصدنا اكتساب نوع من التجربة المعنوية والروحانية وتلقي تذوق من قراءة القرآن. لكنها نصيحة سيئة جداً إذا كان هدفنا فهم القرآن. أي إذا ظننا أن جميع الآيات تتحدث إلينا، فقد نصل عندئذ إلى فهم أن الجماعات مثل الكافرين والمشركين الذين يذكرهم القرآن هم أولئك الذين نعتقد في زماننا هذا أنهم كفار أو مشركون. حينها تكون هذه نصيحة سيئة جداً وتؤدي إلى نتائج عجيبة وغريبة ومحزنة وخطيرة أحياناً، وهذا هو أحد أسباب الأصولية (الجماعات التكفيرية) أيضاً. يمكن طرح أمثلة متعددة من آيات القرآن تُظهر هذه النتائج العجيبة والخطيرة أحياناً:
انظر مثلاً إلى الآية ١١٦ من سورة النساء ومثيلتها الآية ٤٨ من السورة نفسها:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا"
مضمون الآية هو أن الله لا يغفر الشرك، وما دون ذلك يغفره لمن يشاء. فإذا اعتبر مسلمٌ اليوم شخصًا مشركًا (كهندوسي مثلًا) وأسقط عليه هذه الآية، فسيُصوّر مصيره جهنم حتمًا. ولنفترض أن ذلك الهندوسي مشرك حقًا، وهو افتراض قابل للنقاش بالطبع تبعًا للفرقة والعقيدة. فإذا ما وجد ذلك الهندوسي الذي وُلد في أسرة هندوسية فرصةً في الآخرة وقال: "ربّ، أنا مشرك للسبب ذاته الذي صار به مسلمٌ موحّدًا فكان في الجنة، وهذا السبب هو أني وُلدت بين المشركين ووُلد هو بين الموحدين. مَن الذي قدّر هذا ليكون هو هناك وأنا هنا؟ ألستَ أنت الذي قدّرت هذا؟ فكيف تقول في القرآن من جهة: «لَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا»، لا يُظلمون مقدار فتيل، ومن جهة أخرى تأخذني إلى جهنم استنادًا إلى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»؟!"
كيف يتسق هذا التصور مع عدالة الله؟ كان هذا مثالًا يُظهر إلى أي نتائج ننتهي إن لم نقبل بأن مقصد القرآن وخطابه الغالب والأساسي هو مخاطَب خاص مباشر، وإن عمّمنا مقصد القرآن ليشمل مخاطَبًا عامًا.
مثال آخر: سورة المائدة، الآية 82:
"لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ"
(لتجدنّ أشد الناس عداوة لكم اليهود والمشركين، ولتجدنّ أقربهم مودة لكم الذين قالوا إنا نصارى).
إذا قلنا إن المقصود بالآية هم مشركو ويهود ونصارى زمن النبي، وإن المقصود بـ"كم" هو النبي ومسلمو صدر الإسلام، فإن هذا يتسق مع المستندات التاريخية، لكن ماذا يحدث لو عمّمناها؟ الآية لا تقول إن أشد الناس عداوة لكم هي دولة اليهود، إسرائيل مثلًا، بل تقول عامة اليهود. هل يمكن حقًا القول إنه اليوم، أو كمبدأ أبدي، أن الأقليات الدينية اليهودية مثلًا وأولئك الهندوس الذين نعتبرهم مشركين، هم أشد الناس عداوة لعموم المجتمع المسلم، وأن أقربهم مودة لهم هم المسيحيون مثلًا؟ هذا الافتراض المسبق لا يطابق الواقع، ويُسفر عن نتائج مدمّرة كثيرة.
بعض الروايات التي اختُلقت في معاداة اليهود قد تكون نابعة من هذا الفهم للقرآن، كالرواية التي تقول إن اليهودي في آخر الزمان سيختبئ خلف شجرة، فتنادي الشجرة: يا مسلم، هذا يهودي مختبئ خلفي، تعالَ فاقتله!
مثال آخر:
سورة المائدة، الآية 49: "وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ"، (وإن كثيرًا من الناس لفاسقون).
لو قالت الآية إن أكثرهم ضالون أو ليس لديهم إيمان صحيح، لربما أمكننا تصورها عامة، لكن يصعب القول إن القرآن قال إن جميع الناس في العالم وإلى الأبد أكثرهم فاسقون. "فاسق" كلمة ثقيلة. لذا، إذا اعتبرنا أن المقصود بـ"الناس" هنا هم المخاطَب الخاص، فإنها تتسق مع بقية القرآن.
مثال آخر:
في الآيات الأولى من سورة التوبة نجد: اقتلوا المشركين وقاتلوا أهل الكتاب. بعض الأصوليين يستدلون بهذه الآية بالذات ليقولوا: نعم، في هذا الزمان أيضًا يجب قتل المشركين وقتال أهل الكتاب. هذا هو الاستنتاج الذي يخرج به داعش، وعمليًا، بين تلك الصور المرعبة لجرائمهم، كنا نراهم أحيانًا يرفعون هذه الآيات أمام الكاميرا ليقولوا إن عملنا مستند إلى القرآن.
هنا تتضح أهمية التدقيق في هذه المسألة. فهذه الجماعات وهذه التعبيرات غالبًا ما تكون محلية جدًا، حتى كلمة «الناس» في كثير من الآيات استُعملت بصورة محلية والمقصود بها أناس ذلك المكان وذلك الزمان. حتى كلمة «الأرض» في بعض المواضع محلية. وعناوين مثل «أهل الكتاب»، و«الذين آمنوا»، و«الذين كفروا» أو «المشركين» هي في كثير من الحالات محلية. بل إنه في كثير من الحالات التي يُطرح فيها «أهل الكتاب» ظاهريًا بشكل عام، يبقى المقصود هو بيان أمر لأهل الكتاب المحليين.
٣-١ـ تبيين الجواب بناءً على محلية الخطابات
نرى في ثنايا القرآن خطابات لفظية أو معنوية محلية، ولو افترضنا أنها عامة لوصلنا إلى تناقض في القرآن نفسه. فضلًا عن أننا سنواجه مشكلة مع التجربة والعقل اليوم. وهذه النقطة ليست جديدة على الإطلاق. فقد ذهب بعض المفسرين التقليديين في تفاسير مثل الطبري والرازي ومجمع البيان في مواضع كثيرة إلى أسباب النزول لتوضيحها. ونعلم أنه قد نُقل سبب النزول لحوالي ربع الآيات، وكثير من الأرباع الثلاثة الباقية متصل بذلك الربع.
في تفسير الميزان، في شرح أول آية في القرآن بالترتيب الحالي ورد فيها تعبير «الذين كفروا»، أي الآية ٦ من سورة البقرة، يكتب العلامة الطباطبائي:
«حيثما وقع في القرآن تعبير «الذين كفروا» فالمراد به كفار مكة، الذين كانوا في أوائل البعثة يخالفون الدعوة الدينية، إلا أن تقوم قرينة في الكلام على خلاف ذلك، نظير تعبير «الذين آمنوا» الذي سنقول فيه قريبًا: حيثما وقع في القرآن مطلقًا وبلا قرينة فالمراد به مسلمو مكة، أي الدفعة الأولى من المسلمين، الذين اختصوا بهذا الخطاب التشريفي، إلا أن تقوم قرينة في الكلام تثبت خلافه. (ترجمة)»
ليس لدينا في القرآن أي إشارة إلى جماعة دينية خارج الجزيرة العربية في ذلك الزمان. لدينا اليهود والنصارى، ولدينا إشارة قصيرة إلى المجوس، وذلك لأنهم كانوا جيرانًا أو لأن بعضهم كانوا يسكنون في الجزيرة العربية. ولم ترد إشارة إلى سائر الجماعات الدينية. حتى فيما يتعلق باليهود والمسيحية نفسها، فالإشارة وردت إلى الفرق التي كانت موجودة في الجزيرة العربية.
كذلك لم يكن للقرآن مخاطب ملحد أو منكر لوجود الله. فكل مخاطبي القرآن بمن فيهم المشركون كانوا مؤمنين بالله «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ» - ٣٩:٣. ومن هنا فإن خطاب القرآن لا يشمل إنكار وجود الله. وعليه فحتى الإيمان الذي يتحدث عنه القرآن لا يعني أن تؤمنوا بوجود الله. فأولئك المخاطبون كانوا مؤمنين بالله. الإيمان في القرآن يعني ترسيخ هذا الاعتقاد وأداء حقه، ليجنب هذا الإيمانُ الشركَ (في حالة المشركين) ومعصيةَ الأوامر الإلهية (في حالة بعض أهل الكتاب في مكان الوحي). وإذا قبلنا أن جميع المخاطبين المباشرين للقرآن كانوا مؤمنين بالله، نصل إلى أن جميع قضايا القرآن حول شروط النجاة كانت أيضًا بافتراض الإيمان بالله، إلا أن يثبت خلافه بقرينة. فمثلًا، شرط الإيمان للنجاة لمن يعمل صالحًا (كما في النساء ١٢٤) لا يعني اشتراط الإيمان بوجود الله، بل يعني اشتراط أداء حق هذا الاعتقاد بالبقاء على التوحيد وطاعة الأوامر الإلهية.
وعلى هذا النحو، ليس لدينا في القرآن أي إشارة إلى أمم وأراضٍ أخرى في عصر النبي. وفي الحالة الوحيدة التي وردت فيها الحرب بين الروم والفرس، كانت هذه الحرب مهمة للعرب. كان مشركو قريش يحبون أن ينتصر الفرس، وكان من صالح المسلمين سياسيًا أن تنتصر الروم.
إن الانتباه إلى أن المقصود بالجماعات التي يتحدث عنها القرآن - كما يقول العلامة الطباطبائي - هي الجماعات المحلية في ذلك الزمان (إذا لم توجد قرينة على خلاف ذلك)، أمر مهم من وجوه مختلفة. فمثلاً إذا قبلنا بأن الخطاب الغالب في القرآن موجَّه إلى مخاطَب خاص مباشر، فإننا إذا أردنا بعد ذلك أن نعتبر الشريعة التي نزلت لهم أبدية، وأن نعممها على سائر البلدان والأمكنة، فإن أقل ما يمكننا قوله هو إن أصل هذا العمل يحتاج في ذاته إلى اجتهاد، أي الاجتهاد في مسألة: هل يمكن أو ينبغي توسيع نطاق الشريعة إلى ما وراء حدود المخاطبين المباشرين للقرآن أم لا؟ وليس المقصود أنه لا ينبغي فعل ذلك، بل التأكيد على الانتباه إلى عملية تعميم خطابات القرآن عند تأسيس الشريعة. وهذا بالطبع لا يتصل بموضوع هذه السلسلة من المحادثات.
والخلاصة أن خطابات القرآن هي في الغالب خطابات محلية، وقد أشير إلى أن المقصود بالخطاب ليس فقط الخطاب اللفظي، مثل "يا أيها الذين آمنوا"، بل المقصود هو مراد القرآن وخطاب القرآن.
كان بوسع خطاب القرآن أن يقوم على أساس المخاطَب العام، وكان يمكن أن تكون الخطابات مثل "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"، أو "إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ" أكثر عدداً. وكان يمكن أن تكون القضايا أكثر كلية وعمومية. بمعنى أنه لو كان القرآن في خطابه العام شبيهاً بجزء كبير من الأناجيل الحالية، وكانت إلى جانب ذلك إشاراته واهتماماته المحلية، لربما أمكننا القول إن خطاب القرآن قائم على أساس المخاطب العام، لكن الأمر ليس كذلك.
كان بوسع خطاب القرآن أن يقوم على أساس المخاطب الخاص غير المباشر. كان بإمكان الله العليم الحكيم، إلى جانب معالجته لما كان المباشرون يعانون منه، أن يتناول على نحو أوسع الاهتمامات الجمعية الأقل ارتباطاً بزمن معين للمسلمين، وأن يخصص لها قسماً أكبر من مباحث الكتاب، بل وحتى أن يطرح على نحو أوسع بعض الاهتمامات الزمنية البالغة الأهمية في المستقبل. لكن القرآن لم يفعل هذا أيضاً.
إن القرآن وإن كان قد خاطب الفئات الثلاث، إلا أن تأكيد خطاب القرآن وغلبته إنما هي على المخاطبين الخاصين المباشرين. أما لماذا كان الأمر كذلك وما سببه، فجزء منه في رأيي يعود إلى مسألة ماهية الوحي، وهو خارج عن نطاق هذا البحث. وأما الجزء الآخر فيتصل بالمبحث التالي، أي الهدف الأولي للقرآن.
حتى هنا تم الالتفات إلى محلية القرآن من حيث خطاباته. والآن نلتفت إلى محلية الهدف الأولي للقرآن. وللدخول في هذا البحث نطرح ثلاث مجموعات من الأسئلة لتكون نقطة انطلاق فكرية مناسبة لمواصلة البحث في خطابات القرآن:
- أولاً، لماذا ينبغي أن يكون خطاب القرآن على أساس المخاطب الخاص المباشر؟ ولماذا لم يجعل القرآن الأساس هو المخاطب الخاص غير المباشر أو المخاطب العام، مع تناوله لاحتياجات هذه الفئة من المخاطبين؟
- ثانياً، قد يُطرح هذا الأمر: إنه وإن كانت آية ما خاصة بمخاطب خاص، لكن إذا أمكن تعميم مكونات تلك الآية، فإنه يمكن القول حينئذ إن هذه الآية تنطبق أيضاً على أزمنة أخرى ومخاطبين آخرين. فمثلاً في سورة التوبة، الآية الرابعة، بعد الأمر بالبراءة، ورد: "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا". ألا يمكن استنباط هذه القاعدة الكلية من هذه الآية، وهي أن العهد والميثاق مهمان إلى درجة يجب رعايتهما تحت جميع الظروف، حتى لو كانا مع المشركين والأعداء؟ في هذا المورد يمكن القول: نعم، يمكن إعطاء مثل هذا التعميم. ولكن هل العكس صحيح أيضاً؟ بمعنى أنه إذا كان هناك مشركون نقضوا عهدهم مع المسلمين، فهل يمكن، بناءً على تعميم آيات سورة التوبة، القول إن القرآن طلب من المسلمين إهلاك هؤلاء المشركين؟ لنضرب مثلاً آخر: الآية 29 من السورة نفسها التي تقول: قاتلوا الذين لا يؤمنون إيماناً صحيحاً من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. هل يمكن تعميم هذا أيضاً؟ إننا في هذه التعميمات نصطدم بمشكلات أخلاقية.
- ثالثاً، حتى بالنسبة للمخاطب المباشر نفسه، وخاصة أولئك الذين لم يؤمنوا، لماذا تحدث القرآن إليهم بهذه القسوة في كثير من الآيات، ولماذا يتوعدهم بعذابات رهيبة وأبدية؟ كثيرون من جيل اليوم يطرحون هذا السؤال: لماذا يرون وجه القرآن قاسياً، ولماذا وردت آيات كثيرة عن العذاب وجهنم، ورغم أن آيات الجنة جاءت إلى جانبها، إلا أن الصورة الغالبة للقرآن، بحسب رأي هؤلاء الأصدقاء، لا تزال تتمثل في هذه الآيات البالغة القسوة. لماذا وردت كل هذه القصص عن عذاب الأقوام السابقة؟
في بحث محلية الهدف الأولي للقرآن، ستُبذل محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة.
٤-١ـ محلية الهدف الأولي للقرآن
يُقدّم هذا القسم في أربعة أجزاء:
٠ نظرة على قصة الخلق
٠ ست ملاحظات في القرآن
٠ صياغة الهدف الأولي للقرآن
٠ خلاص المخاطبين غير المباشرين للقرآن
الجزءان الأولان يوصلاننا إلى صياغة الهدف الأولي للقرآن في الجزء الثالث.
١-٤-١ـ نظرة على قصة الخلق
ليس المقصود هنا ادعاء سمة خاصة للقرآن، فنحن نسلّم بأن الإيمان بكثير من هذه السمات مرهون بمنظور الإنسان. ويؤكد الأستاذ أنه هنا يشرح ملاحظته فحسب، وهي أن في آيات القرآن نظاماً عميقاً من الناحية المفهومية. ومن جملة المفاهيم التي تساعد في فهم القرآن قصة الخلق ومشاهدها المختلفة. فالمفاهيم التي يمكن استخلاصها من قصة الخلق تساعد في إدراك بعض المفاهيم القرآنية الأخرى. وهنا تُذكر الإشارة إلى مشهد واحد فقط من مشاهد قصة الخلق. في سورة ص، الآية ٧٥، بعد أن يمتنع إبليس عن السجود لآدم، يسأله الله: "يا إِبْليسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالين"، ما الذي منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ؟ ثم يقول: أاستكبرت أم كنت حقاً من العالين؟ ثمة آية شبيهة بهذه في البقرة ٣٤، حيث لم يسجد إبليس فتقول الآية: "أَبى وَ اسْتَكْبَر"، أبى أن يسجد واستكبر، وتقول بعدها مباشرة: "وَ كانَ مِنَ الْكافِرين"، أي بمجرد أن استكبر تقول الآية إنه صار من الكافرين.
النقطة التي يمكن استقاؤها من هذه الرواية القرآنية هي أن موضوع الاستكبار موضوع مهم في القرآن، وهو ما يثير الرغبة في البحث عن إشارات القرآن إلى الاستكبار والكفر والعذاب الإلهي. هنا يقتصر هذا البحث على متن القرآن، وفي الأبحاث اللاحقة سنتبنى نظرة خارج النص أيضاً.
في الآيات التي أشير إليها، ورد أن إبليس استكبر وكان من الكافرين. وفي سورة الزمر، الآية ٥٩، عن أهل جهنم: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتي فَكَذَّبْتَ بِها وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكافِرين"، تتكرر هنا أيضاً صيغة الاستكبار والكفر. في الآيات السابقة تحدثت عن إبليس، وهنا تتحدث عن أهل جهنم بشكل عام. وفي سورة نوح، الآية ٧، يقول نوح: اللهم إن هؤلاء لا يهتدون، ولا جدوى من مواصلة تبليغي: "وَ إِنّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً"، يقول: إني كلما دعوتهم لتغفر لهم، جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً. وفي سورة المدثر، الآية ٢٣، عن الكافر: "ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ"، أدبر واستكبر.
بمراجعة هذه الآيات وغيرها من الآيات المشابهة نجد صلة بين التكبّر والكفر والعذاب الإلهي. سورة النحل، الآية 29، "فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ"، تقول إن جهنم مثوى سيئ للمتكبرين. وفي آية واحدة فقط لم يرد هذا الربط بين التكبر ودخول جهنم. سورة الأعراف، الآية 7 "وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". سورة الزمر الآية 60 "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ"، الزمر، 72 "قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ"، غافر الآية 60 "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"، في جميع هذه الآيات والآيات المشابهة ثمة ارتباط وثيق بين التكبر وجهنم. ليس المقصود بالتكبر في هذه الآيات ذلك التكبر الذي يمكن نسبته بسهولة للأفراد، كعدم رد السلام أو التعالي على الناس مثلاً. المقصود شيء أكثر جوهرية. المقصود هو أن لا يقبل الإنسان الحق، لا لأنه لم يصادفه أو لم يقتنع به، بل بدافع التكبر. وكون التكبر مانعاً من قبول الحق، استناداً إلى القرآن، له صورتان: إما أن يعرف الإنسان الحق وينكره تكبراً، أو أن يبلغ به التكبر حداً لا يسمح معه لنفسه حتى بمجرد سماع كلمة الحق كما ينبغي (كما في الآية التي أشير إليها بشأن قوم نوح). لا يتسع نطاق هذا البحث لذلك، لكن يمكن الاستدلال بمعونة آيات القرآن على أنه يبدو أن أهل الكتاب المقيمين في المدينة وما حولها، والذين كانوا موضع خطاب النبي المباشر، كانوا في الغالب مبتلين بالصورة الأولى من التكبر (انظر مثلاً "وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" - وأنتم تعلمون- في البقرة 42 وآل عمران 71) بينما كان المشركون الذين وجه إليهم النبي والأنبياء خطابهم مبتلين في الغالب بالصورة الثانية (كما في الآية 7 من سورة نوح التي أشير إليها).
وتعريف الكافر يرتبط بهذا أيضاً. الكافر لفظاً يعني الذي يستر ويغطي، واستناداً إلى الآيات التي أشير إليها والآيات المشابهة ندرك أن الكافر في خطاب القرآن يعني الذي يستر الحق. ومن المهم الانتباه إلى أنه، بناءً على ما ورد في القسم الأول وبناءً على ما سيأتي لاحقاً بمزيد من التفصيل، لا يمكن ولا ينبغي وصف أي أحد بلقب كافر بعد عصر النبي.
من هذا الجزء من قصة الخلق ثم الآيات التي تشير إلى رد فعل المخاطبين من أقوام الأنبياء يمكن أن نفهم ما يلي: لقد جاء القرآن بقاعدة مفادها أن ما يوجب الكفر ويستوجب العذاب، سواء لإبليس أو لمخاطبي الأنبياء، ليس عدم قبول الحق بحد ذاته، بل عدم قبول الحق بدافع التكبر. وسنعود إلى هذه القاعدة لاحقاً في سياق البحث.
٢-٤-١ـ نحو صياغة الهدف الأولي للقرآن
هنا نريد، من خلال ملاحظة مجموعات متنوعة من آيات القرآن، أن نرى ما الذي يمكن أن يكون عليه هذا الموضوع المهم، أي الهدف الأولي للقرآن؟ ونحن نؤكد بالطبع على كلمة «أولي». ولهذا الغرض يمكن طرح ست ملاحظات، بحيث أينما تفتح المصحف فعادة ما تصادف مضمون إحدى هذه الملاحظات الست. ويجب التأكيد أيضاً على أننا في هذه الملاحظات ننظر فقط إلى رواية القرآن، ولسنا معنيين بمدى مطابقة هذه الرواية للتاريخ:
الملاحظة الأولى:
يقول القرآن إن النبي جاء منذراً. .... إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.(33:45) ورد مرتين في القرآن أننا أرسلناك لتنذر أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (6:92، 42:7)، أي مكة وما حولها. كانت مهمة النبي إنذار أهل تلك الأرض، ولا سيما المشركين. ومن آيات قرآنية أخرى مثل "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ" ندرك أن مهمة سائر الأنبياء كانت أيضاً الإنذار.
الملاحظة الثانية:
يتحدث القرآن في مواضع متفرقة عن أقوام الأديان الإبراهيمية السابقة، وفي جميع الحالات تقريبًا كان العذاب قد نزل بهم. هذه القصة التي مفادها أن نبيًا جاءهم ثم كذبوه فنزل بهم العذاب تتكرر مرارًا. عن قوم هود، سورة الأحقاف آية 27: "وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"، (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون). أو إشارة أعم، سورة غافر آية 21، "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ"، (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق). وقد وردت آيات كثيرة في القرآن بهذا الشأن، ففي سورة الأعراف من الآية 59 حتى ما يزيد على ثلاثين آية تالية تصب في هذا الملاحظة عينها.
الملاحظة الثالثة:
إن العذاب الذي يشير إليه القرآن بشأن المخاطبين المباشرين للأنبياء ليس عذابًا أخرويًا فحسب، بل يشمل العذاب الدنيوي أيضًا. ومن الآيات نفسها المتعلقة بالملاحظة الثانية تُستخلص هذه الملاحظة الثالثة. بعض الأمثلة الأكثر وضوحًا: سورة الرعد، آية 34، "لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ" (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق). سورة التوبة، آية 74، "يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ"، (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير). سورة فصلت، آية 16: "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ"، (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون). هذا هو العذاب نفسه الذي، وفقًا لرواية القرآن، لا يصيب قومًا إلا بعد إرسال نبي منذر: "وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ" (26:208، وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون). ويرى بعض المفسرين، في تفسير بعض الآيات التي تقول إن العذاب قريب، أن المقصود في هذه الآيات ليس العذاب الأخروي بل العذاب الدنيوي.
الملاحظة الرابعة:
في القرآن، حسب إحصائي، قيل للنبي 18 مرة أن يصبر في مهمته الرسالية. في بعض هذه الآيات، لا تقتصر التوصية بالصبر على تحمل المشاق والأذى فحسب. ففي هذه الآيات، التوصية بالصبر هي لتحقق الوعد الإلهي في هذه الدنيا، أي انتصار النبي وأصحابه والعذاب الدنيوي للذين وقفوا في وجه رسالته:
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (68:48)
(فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم).
تصوّر يونس أن القوم الذين كانوا في دائرة رسالته قد بلغوا تلك المرحلة من التكبّر، بالمعنى الذي ذُكر، حيث صاروا في منزل الكفر واستحقّوا العذاب. لذا ترك قومه قبل الأمر الإلهي فوقع في المحنة.
أو كما يقول في سورة الأحقاف:
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ یوْمَ یرَوْنَ مَا یوعَدُونَ لَمْ یلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ... (46:35)
(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار...)
ليس المقصود فقط أننا نعلم أنك تتأذى ولكن اصبر. لأنه يقول "ولا تستعجل لهم".
- توقّف للعودة إلى قصة الخلق:
إلامَ تشير العجلة؟ أي لا تستعجل لهم العذاب الدنيوي. لماذا؟ لأن الفرصة ما زالت متاحة لهم للعودة، وما زال هناك مجال للمزيد من تبليغ الحقيقة والإنذار. العذاب الدنيوي يأتيهم حين لا يبقى كلام يُقال، وتكون الحقيقة جليّة أمام المخاطب إلى حدّ أن رفضها لا يكون عن جهل أو عدم اقتناع، بل عن تكبّر. وفيما يخص المخاطبين المباشرين للنبي خصوصاً، تشير آيات عديدة من القرآن إلى أن أهل الكتاب الذين خاطبهم النبي كانوا يعلمون أحقية رسالته، وإلى أن المشركين كانوا يعاندون النبي عن غرض.
وهنا ترتبط هذه المشاهدات بقصة الخلق التي أشرت إليها في البداية. فقد قيل هناك إن التكبّر هو ما يجعل المرء يُحكم عليه بالكفر ويستوجب العذاب. وفي المشاهدات من الأولى إلى الرابعة نرى هذا المفهوم نفسه يجري في رسالة الأنبياء. هذه هي القاعدة نفسها التي أشرنا إليها في بحث قصة الخلق. فبحسب رواية القرآن، ما جعل إبليس يكفر، أي التكبّر، يمكنه أن يجعل المخاطبين المباشرين للأنبياء يكفرون أيضاً. يستمر الأنبياء في تبليغهم وإنذارهم حتى لا يبقى للمخاطبين المباشرين أي عذر أو حجة، ويكون وقوفهم في وجه الحق نابعاً من التكبّر فحسب. "رُسُلاً مُبَشِّرینَ وَ مُنْذِرینَ لِئَلاَّ یكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل" 4:165، (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). بهذا الشكل تكتمل قصة الخلق مع رواية القرآن لمهمة الأنبياء في حلقة ودائرة كاملة.
المشاهدة الخامسة:
قد يُسأل الآن: هل نزل العذاب الدنيوي بقوم النبي فعلاً؟ الجواب نعم، أو لنقل بدقة أكثر، إن عملية العذاب الإلهي بدأت لهم وإن لم تكتمل بإيمانهم. في سورة التوبة أُمر المؤمنون ليس فقط بالقتال، بل بالقتل:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِینَ حَیثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِیلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ (9:5)
(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم.)
ثم يأتي بعدها:
قَاتِلُوهُمْ یعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَیدِیكُمْ وَیخْزِهِمْ ...(9:14)
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ...)
وكذلك في الآية 52 من سورة التوبة يقول:
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَیینِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ یصِیبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَیدِینَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
(بگو آیا براى ما جز یكى از این دو نیكى را انتظار مىبرید در حالى كه ما انتظار میكشیم كه خدا از جانب خود یا به دست ما عذابى به شما برساند پس انتظار بكشید كه ما هم با شما در انتظاریم.)
یعنی شما منتظرید برای ما اتفاقی بیفتد؟ برای ما هر اتفاقی بیفتد احدی الحسنیین است. یا پیروز میشویم و یا اگر ما را بکشید شهید میشویم. اما آنچه ما منتظرش هستیم این است که شما عذاب بشوید. چگونه؟ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَیدِینَا. به دست خود او یا به دست ما.
البته باید توجه کرد که این دستور بروید و بکشید هیچوقت به عمل نرسید. هنگامی که مسلمانان به قصد جنگ وارد مکه شدند ایشان ایمان آوردند، یعنی این انذارها به نتیجه رسید.
آنچه تاکنون گفته شد ذهن ما را باید نزدیک کند به بحث «اتمام حجت».
از کسانی که در این زمینه خوب کار کردهاند، یکی از مفسران قرآن است که اصلا هندی است به نام «امین احسن اصلاحی». وی از معاصران علامه طباطبائی بوده است. علامه نیز این بحث را مطرح کرده است اما نه به تفصیل امین احسن اصلاحی. او میگوید این عذاب دنیوی به دو گونه بوده است یا عذابهای طبیعی (سماوی) و یا به دست یاران پیامبران. بنا بر تفسیر امین احسن اصلاحی آنگاه که تعداد یاران پیامبر زیاد باشد آنوقت این عذاب میتواند به دست یاران پیامبر هم انجام شود. بر مبنای این تفسیر، علت بسیاری روایت حضرت موسی در قرآن مشخص میشود. او نیز مانند پیامبر یاران زیادی داشت و بنا بر روایت قرآن و تورات مانند پیامبر مامور به جنگ با اقوامی بود تا عذاب الهی را بر ایشان جاری کند.
مشاهده ششم:
در قرآن آمده که خداوند میخواهد مؤمنین حقیقی و مجاهدین و صابرین از دیگران جدا شوند:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِینَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِینَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (47:31)
(و قطعاً شما را مى آزماییم تا از میان شما کسانى که در راه خدا جهاد مى کنند و بر دشوارى هاى اوامر الهى شکیبایند، را مشخص کنیم.)
در سوره نور به پیامبر و یارانش میگوید شما به پیروزی میرسید:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَیمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا یعْبُدُونَنِی لَا یشْرِكُونَ بِی شَیئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(24:55)
(خدا به كسانى از شما كه ایمان آورده و كارهاى شایسته كردهاند وعده داده است كه حتما آنان را در این سرزمین جانشین قرار دهد همان گونه كه كسانى را كه پیش از آنان بودند جانشین قرار داد و آن دینى را كه برایشان پسندیده است برای ایشان مستقر كند و بیمشان را به ایمنى مبدل گرداند – تا - مرا عبادت كنند و چیزى را با من شریك نگردانند و هر كس پس از آن به كفر گراید آناناند كه نافرماناند.)
در این آیه آنگونه که من میفهمم منظور از "لَیسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ" عربستان آن زمان است، به خصوص همان محدودهای که در مشاهدهی اول دیدیم یعنی "ام القری و من حولها".
۳-۴-۱ـ صورتبندی هدف اولیهی قرآن:
در مجموع این شش مشاهدهای که در قرآن به خوبی یافت و تکرار میشود، یک صورتبندی از هدف اولیهی قرآن مشخص میشود که خلاصهی آن را در دو آیهی زیر میبینیم:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِی بَینَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا یظْلَمُونَ(10:47)
(و هر امتى را پیامبرى است پس چون پیامبرشان بیاید میانشان به عدالت داورى شود و بر آنان ستم نرود.)
اینکه آیا همهی امتها پیامبر داشتهاند یا خیر در پاسخ به پرسش اساسی دوم، بحث کثرتگرایی خواهد آمد.
ذَلِكَ أَنْ لَمْ یكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (6:131)
(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ۗ وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون)
والآن، لننظر بعد تجميع هذه الملاحظات الست إلى الهدف الأولي للقرآن. إن الصياغة التي نقدمها انطلاقاً من هذه الملاحظات تتفق ضمنياً مع فهم كثير من المفسرين. للقرآن رواية عن سنة الله في الأديان الإبراهيمية. وبناءً على هذه الرواية، أرسل الله رسلاً إلى أممهم. وكان دور هؤلاء الرسل هو إنذار مخاطبيهم المباشرين وتحذيرهم من العذاب. ولم يكن هذا العذاب أخروياً فحسب، بل كان دنيوياً أيضاً. وما كان يفعله هؤلاء الأنبياء، وفقاً لرواية القرآن، هو أنهم كانوا يداومون على التبليغ حتى يتضح الحق لمخاطبيهم تماماً وتقوم عليهم الحجة. وبناءً على هذه الرواية، ومع اتضاح الحق تماماً، كان المخاطبون المباشرون للأنبياء ينقسمون إلى فئتين:
أبيض وأسود (أو أسود وأبيض حتى لا يكون التعبير عنصرياً)، مؤمن وكافر. ويسمي القرآن هذه الفئة الثانية بالكافرين لأنهم لم يقبلوا الحق عن استكبار. فهم إما سمعوا وعرفوا ولم يقبلوا، وإما لشدة استكبارهم لم يشاءوا حتى أن يسمعوا.
وبناءً على رواية القرآن، فإن هذا الإنذار يكتمل بدور النبي والأنبياء في الشهادة. والمقصود هو أن النبي، بمعونة الوحي، يوضح الحق إلى درجة تمكنه من الشهادة بأنه قد أوضح الحق ولكنهم أبوا قبوله استكباراً.
انظر إلى الآيات المتعددة في القرآن التي تشير إلى دور الأنبياء كشهداء، ومنها الآية 8 من سورة الفتح والآية 15 من سورة المزمل. وبناءً على رواية القرآن، ينزل العذاب الدنيوي بالكفار (المستكبرين في زمن الأنبياء). وهذا العذاب إما أن ينزل بهم على أيدي أتباع الأنبياء أو بشكل طبيعي (سماوي). وكذلك بناءً على رواية القرآن، فإن المؤمنين الذين يبقون يرثون أرض أولئك الكفار ويعيشون في الأرض التي هم فيها بخير وهناء.
إذن، فالهدف الأولي للقرآن بالنسبة للمخاطبين المباشرين هو إتمام الحجة[1].
إن فهم هذه النقطة مهم جداً لأنها تقدم إجابة عن كثير من التساؤلات حول آيات الإنذار والعذاب.
في نهاية مناقشة محلية خطاب القرآن، القسم 1-3، طُرحت ثلاثة أسئلة:
- أولاً، لماذا ينبغي أن يكون خطاب القرآن مبنياً على المخاطب الخاص المباشر.
- ثانياً، هل يمكن تعميم مكونات الآية التي لها مخاطب خاص بحيث ينطبق مضمون الآية على أزمنة أخرى ومخاطبين آخرين.
- ثالثاً، حتى بالنسبة لنفس ذلك المخاطب المباشر، وبخاصة أولئك الذين لم يؤمنوا، لماذا خاطبهم القرآن بهذه القسوة في آيات كثيرة، ولماذا يتوعدهم بعذابات أبدية مروعة؟
الجواب المختصر عن السؤالين الأول والثالث يتضح بمعرفة الهدف الأولي للقرآن بالنسبة للمخاطب المباشر.
خطاب القرآن مبني على المخاطب المباشر للقرآن لأنه بناءً على سنة الأديان الإبراهيمية كان هدف القرآن هو الإنذار وإتمام الحجة عليهم. وكانت النبرة القاسية ظاهرياً لبعض آيات القرآن لهذا الغرض أيضاً.
أما بخصوص السؤال الثاني، وهو السؤال الأهم عملياً، فالجواب سيكون أنه حيثما يكون هذا الهدف الأولي مؤثراً، لا يمكن تعميم المكونات القرآنية الموجهة لمخاطبين خاصين. مثلاً، جميع الأحكام التي وردت في القرآن بشأن أهل الكتاب، وحتى بعض الأحكام الفقهية التي تقرؤونها بشكل تقليدي بخصوص غير المسلمين، هي جميعاً أحكام تتعلق بموقف الانقسام الحاد إلى أبيض وأسود في زمن النبي. فمثلاً، لدينا في بعض الأحكام الفقهية أن الكافر لا يرث، أو لا ينبغي للكافر أن يشهد. أو لا تدعوا للكافر أو المشرك.
وكيفية هذه الأحكام تعتمد على المذهب الفقهي، لكن بعض المذاهب الفقهية عممتها، وحين يقولون كافر، يظنون أن أي غير مسلم هو كافر، وحين يقولون أهل الكتاب، يظنون أن المقصود هو مسيحيو ويهود هذا الزمان. كل هذه الأحكام تتعلق بزمن حالة الانقسام الحاد ذاك المشهد في زمن النبي.
حتى قول القرآن "لا تتخذوا أهل الكتاب أولياء" معناه لا تتخذوا أولئك الأهل الكتاب في تلك الحقبة أولياء، ولا يمكننا تعميم ذلك على هذا الزمان.
إن تعميم هذه الأحكام والأوامر والأحكام القيمية على الزمان التالي لعصر النبي، استناداً إلى مسألة إتمام الحجة كما رُويت عن القرآن، هو أمر خاطئ.
حتى مسألة دار الحرب، التي أطلقها بعض الفقهاء على كل أرض غير أرض المسلمين، نشأت من هذا النوع من التعميمات. وكذلك الأحكام الفقهية التي يبدو أنها توصي بسلوك شديد القسوة مع غير المسلمين، تنبع من هنا. كثير من الفتاوى التاريخية العجيبة لها هذه المناشئ. هذه نتائج التعميم الخاطئ لخصوصيات ذلك الفضاء الأبيض والأسود في عصر إتمام الحجة والوحي وحضور النبي، على الزمن الراهن، زمن لا نبيّ فيه في المتناول ولا وحي، والفضاء ليس أبيض وأسود بل هو ظل ونور.
٤-٤-١ـ رواية القرآن عن الخلاص للمخاطب غير المباشر
لاستكمال هذا القسم، نتناول بإيجاز رواية القرآن عن خلاص المخاطب غير المباشر.
في سورة المائدة، الآيات 116 إلى 119، ورد حوار بديع:
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ یا عِیسَى ابْنَ مَرْیمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِی وَأُمِّی إِلَهَینِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا یكُونُ لِی أَنْ أَقُولَ مَا لَیسَ لِی بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِی نَفْسِی وَلَا أَعْلَمُ مَا فِی نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُیوبِ (مائده -116)
يقول الله للسيد المسيح:
(يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب.)
ثم يقول:
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْحَكِیمُ (118)
(إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)
أي أنه يعبّر عن شفاعة ما بأسلوب شديد الاحترام.
في الرد، يقول الله:
قَالَ اللَّهُ هَذَا یوْمُ ینْفَعُ الصَّادِقِینَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا أَبَدًا رَضِی اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ (119)
(قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم.)
أي أنك إن كنتَ مسيحياً وارتكبتَ هذا الخطأ بصدق ودون تكبر، فإن هذا الصدق نفسه يُقبل منك، والحديث هنا عن خلاص عظيم لهم.
في سورة البقرة، الآية 81:
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَیئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِیئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ
(بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
من يرتكب السوء وتغلبه الخطيئة، أي لا يكون مثلاً مجرد كذاب، بل يصبح رمزاً للكذب. لا أن يظلم فحسب، بل أن يصبح عين الظلم، فمثل هذا الشخص هو من أهل النار.
هذه الآيات والآيات المشابهة لها هي من الآيات العامة في القرآن. وبناءً على هذه الرؤية القرآنية، ففي زمن الظل والنور حيث لا تقوم الحجة - على عكس زمن الأبيض والأسود - فإن ما يحدد مصيرك في الآخرة (بأي معنى تأخذها) ليس هو ما إذا كنت قد قبلت قول الرسول أم لم تقبله. ما يحدد مصيرك هو ما إذا كنت قد عملت بصدق وانطلاقاً من الصدق وبناءً على أفضل فهم أخلاقي وسلوكي، أم أنك اكتسبت السيئة والشر وابتعدت عن الصدق. وهذا أيضاً لا يرتبط بالضرورة باعتقادك.
وفي الوقت نفسه، لا يُكلَّف الإنسان بما لا يطيق.
آية لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا تعبّر عن أصل أساسي، وهو: أن الله لا يتوقع منك أكثر مما في وسعك.
ولننتبه أيضاً إلى أن رؤية القرآن لعقاب المخاطبين غير المباشرين، هي الوجه الآخر لرؤية عقاب المخاطبين المباشرين ولا تتناقض معها. إن عدم قبول الكافر للحق لا يكون عن صدق، بل عن تكبّر، وهذا بحد ذاته، وفقاً للرؤية القرآنية، يجعله مستوجباً للعقاب. في هذه الرؤية يقف الصدق و
التكبّر في مواجهة بعضهما البعض.
خلاصة واستنتاج
تم تبيين محلية الخطابات الأولية للقرآن ومحلية الهدف الأولي للقرآن. ومن خلال ست ملاحظات قرآنية، قمنا بصياغة الهدف الأولي للقرآن وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن تعميم جميع المكونات الواردة في آيات القرآن. بالإضافة إلى ذلك، أدركنا أهمية الصدق والعمل والسلوك القائم على إدراك أفضل فهم أخلاقي، والذي لا يرتبط بالضرورة بالاعتقاد.
الإجابة عن السؤال الأساسي الأول: من هو مخاطب القرآن؟
بناءً على النقاش الذي دار، فإن للقرآن مخاطباً خاصاً مباشراً، ومخاطباً خاصاً غير مباشر، ومخاطباً عاماً، لكن خطاب القرآن يقوم على أساس المخاطبين الخاصين المباشرين. هؤلاء هم الذين كانوا حاضرين في زمان الوحي ومكانه.
تركيز هذا الخطاب على هذه الفئة من المخاطبين كان لأن النبي، بحسب سنة الأديان الإبراهيمية، كان ينبغي أن يتم الحجة عليهم بمعونة الوحي ومن خلال تبيين الحقيقة والإنذار. في هذه العملية، ينفصل المؤمن وغير المؤمن من بين المخاطبين الخاصين المباشرين تدريجياً عن بعضهما البعض، ويتحدد الثواب والعذاب لهم في هذه الدنيا.
إشارة القرآن وخطابه لمختلف الجماعات الدينية والاجتماعية، كانت خاصة بالناس الذين كانوا حاضرين في زمان الوحي ومكانه، ما لم يثبت خلاف ذلك بقرينة. إن قبول هذه الرؤية فعال جداً في فهم أي الأوامر والأحكام والتوصيات في القرآن قابلة للتعميم على ما بعد عصر الوحي، وأيها خاص بذلك العصر.
في الجزء التالي سنتناول موضوع التعددية في القرآن، وسنصل من جملة ما نبحثه إلى سؤال: ما هو مصير بقية الأمم التي لم يكن لها نبي على ما يبدو؟
.
قناة تلغرام للدكتور فرهاد شفتي:
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.