في الجلسة الثانية والتسعين من سلسلة «گفتار و انديشه» في شيراز، جرى تقديم ومناقشة كتاب «الاستشراق والشرقوية» من تأليف كرامت الله راسخ. وقد تناول المؤلف في هذه الجلسة الجذور الاجتماعية والسياسية للاستشراق في إيران، مستندًا إلى التمييز بين «الجماعة» و«المجتمع»، فيما بحث رحيم محمدي التكوين التاريخي لمفهوم الشرق والأسئلة المفهومية التي يثيرها الكتاب.

تقرير جلسة تقديم ومناقشة كتاب «الاستشراق والشرقوية»
في الجلسة الثانية والتسعين من سلسلة «گفتار و انديشه» في شيراز، جرى تقديم ومناقشة كتاب «الاستشراق والشرقوية» من تأليف كرامت الله راسخ. سعى راسخ في هذه الجلسة إلى شرح الإطار النظري للكتاب بالاستناد إلى التمييز بين بنيتين اجتماعيتين هما «الجماعة» و«المجتمع»، وبيان كيفية تحوّل الاستشراق في إيران من نزعة تاريخية إلى بناء أيديولوجي وسياسي. كما تناول رحيم محمدي، مدير مجموعة علم اجتماع إيران في الجمعية الإيرانية لعلم الاجتماع، في مواصلة النقاش، التاريخَ الفكري لنشوء مفهوم الشرق في الوعي الإيراني، ومنجزات الكتاب وبعض أسئلته المفهومية. واختُتمت الجلسة بإجابات المؤلف وأسئلة الحاضرين.
قال مدير الجلسة في البداية إن كتاب «الاستشراق والشرقوية» يمكن اعتباره استمرارًا وتوسيعًا لفكرة صاغها راسخ سابقًا في كتاب «الجماعة والمجتمع». وتتمثل القضية الأساسية في الكتاب الجديد في تحليل الفاعلية السياسية والاجتماعية للبرجوازية الصغيرة في المجتمعات النامية، مع التركيز على إيران. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى التنمية بوصفها انتقالًا من بنية اجتماعية جماعاتية إلى بنية اجتماعية مجتمعية؛ أي انتقالًا من علاقات يغلب عليها الطابع ما قبل الحديث والقائمة على الانتماءات الأولية إلى علاقات تؤدي فيها المواطنة والقانون والحقوق الفردية والمؤسسات الحديثة دورًا محوريًا.
بدأ راسخ حديثه بمفهوم «البنية الاجتماعية». ووفقًا له، فإن علماء الاجتماع الكلاسيكيين، من ماركس وفيبر إلى دوركايم وسبنسر، كانوا يحللون المجتمع بطريقة بنيوية حتى عندما لم يكونوا يستخدمون مصطلح البنية الاجتماعية بمعناه المتأخر. غير أن هيمنة الفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر جعلت الحقائق الاجتماعية تُفهم على غرار الحقائق الفيزيائية والموضوعية؛ إذ إن أوغست كونت كان قد اختار في البداية اسم «الفيزياء الاجتماعية» لعلم الاجتماع.
إلى جانب هذا التقليد، استفاد راسخ من علم اجتماع العلاقات لدى جورج زيمل. فقد جعل زيمل العلاقات بين الأفراد وأشكال التجمع الاجتماعي المختلفة موضوعًا للدراسة بدلًا من النظر إلى المجتمع بوصفه واقعًا مستقلًا وخارجيًا فحسب. ومن هذا المنظور، يمكن دراسة الأسرة وبيئة العمل والأقلية القومية أو الدينية وحتى المجتمع البشري على أساس نوع العلاقات داخلها. ويرى راسخ، اعتمادًا على هذا المنهج، أن الجماعة والمجتمع ليسا مجرد عنوانين تجريديين، بل صورتان مختلفتان للعلاقات الاجتماعية.
كما أشار إلى مفهوم «التشكيل» في أعمال نوربرت إلياس، واستخدم مثال فريق كرة القدم لتوضيحه: فمجموعة من اللاعبين المتميزين لا تصنع بالضرورة فريقًا ناجحًا، لأن جودة الكل تعتمد على كيفية العلاقات بين الأجزاء. وبالقياس نفسه، فإن فهم بنية اجتماعية ما لا يكتمل من دون دراسة نوع العلاقات والاعتماديات وصياغة القوى داخلها.

أول تمييز مهم في إطار راسخ هو الفرق بين «المواطن» في المجتمع و«الساكن» في الجماعة. فالمواطن يتمتع بالفاعلية السياسية والاجتماعية، وحق تقرير المصير، والمساواة أمام القانون. أما في البنية الجماعاتية، فالفرد ليس مواطنًا صاحب حقوق بقدر ما هو ساكن يقيم في إقليم محدد، ولا تُنظم علاقته بالسلطة السياسية على أساس حقوق المواطنة المتساوية.
ويتعلق التمييز الثاني بـ«المجال العام». وأشار راسخ إلى أهمية هذا المفهوم في علم الاجتماع وأعمال يورغن هابرماس، وقال إن المجال العام قد يكون أكثر تعبيرًا عن معرفة الجماعات الاجتماعية من بعض التقسيمات الطبقية أو الفئوية. فعلى سبيل المثال، يمكن الحديث عن المجال العام لرجال الدين أو المجال العام للمثقفين، رغم أن أعضاء كل من هذه الجماعات قد لا يكونون متجانسين اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
ويرى راسخ أن المجال العام الإيراني قبل الثورة، ولا سيما منذ عقد 1340، كان واقعًا إلى حد كبير تحت تأثير البرجوازية الصغيرة، وكان المثقفون يتولون تمثيلها الاجتماعي. وفي الوقت نفسه يعتقد أن هذه الطبقة، رغم تراجعها الاقتصادي، اكتسبت حضورًا أكثر بروزًا تدريجيًا في المجال العام الإيراني خلال العقود الأخيرة. واعتبر راسخ بعض الأحداث السياسية والاجتماعية في العقود الماضية علامات على فاعلية هذه الطبقة، وقال إن السؤال الحاسم لمستقبل إيران هو ما إذا كانت الطبقة الوسطى ستتمكن من جعل مطالبها مؤثرة في المجال العام بطريقة سلمية ومن خلال التعاون الاجتماعي أم لا.
من وجهة نظر راسخ، فإن مكانة الهويات الأولية تميز كذلك بين الجماعة والمجتمع. وقد وضع خمس هويات ضمن هذه الفئة: العرقية والقومية واللغوية والدينية والمذهبية. ففي البنية الجماعاتية، يعرّف الفرد نفسه غالبًا أولًا من خلال إحدى هذه الانتماءات، ثم يصل بعد ذلك إلى الهوية المواطنية؛ بينما تحتل المواطنة في المجتمع الحديث المرتبة الأولى، وتُعاد صياغة الانتماءات الأولية ضمن إطارها.
ويمتد هذا الاختلاف إلى البنية السياسية أيضًا. فالدولة الوطنية تقوم على وجود إقليم محدد ومواطنين يتمتعون بحق تقرير المصير، ويمكن للأحزاب الحرة أن تتنافس حول البرامج والمصالح الاجتماعية وأن تتحالف عند الضرورة لإدارة البلاد. أما في البنية الجماعاتية، فإن هيمنة الولاءات القومية والدينية واللغوية أو الشخصية تجعل تشكيل الدولة الوطنية والأحزاب المستقلة أمرًا صعبًا. وقد تكون التنظيمات التي تحمل اسم الأحزاب في خدمة السلطة المركزة أو شبكات الولاء أكثر من كونها تعبيرًا عن مطالب المواطنين المنظمة.
كما أشار راسخ إلى مكانة الملكية الخاصة وحقوق الإنسان بوصفهما فرقين آخرين. ففي رأيه، تتمتع الملكية في المجتمع الحديث بأساس قانوني وثقافي محدد، كما أن حقوق الإنسان نتاج تصور خاص للإنسان تشكل عبر التحولات الفكرية والعلمية والسياسية في الغرب. وفي البنية الجماعاتية، يؤدي غياب هذه الأسس أو ضعفها إلى أن حياة الفرد وحقوقه لا تحظى بالحماية نفسها التي يحظى بها موقع المواطن في مجتمع تحكمه سيادة القانون.
بعد شرح هذه المقدمات، انتقل راسخ إلى التمييز الأساسي في الكتاب. وقال إن «الاستشراق» و«الشرقوية» مفهومان منفصلان لكنهما مرتبطان. فالاستشراق في إيران له تاريخ طويل، وقد نشأ من مواجهة التفوق العسكري والتقني والسياسي للغرب. وتابع بدايات هذا الاتجاه الواضحة إلى عهد محمد شاه القاجاري ورئاسة حاجي ميرزا آقاسي للحكومة. ويمكن اعتبار برامج مثل الاهتمام بالزراعة وحفر القنوات ومحاولة صناعة الأسلحة جزءًا من البحث عن طريق محلي لتقليل الاعتماد على القوى الغربية. وأكد راسخ أن الروايات التاريخية الشائعة كثيرًا ما سخرت من محمد شاه وميرزا آقاسي من دون دراسة المنطق الكامن وراء هذه البرامج بصورة نقدية.
وبحسب روايته، تجاوز الاستشراق في العهد الناصري صورته الطبيعية والدفاعية وأصبح ذا طابع سياسي. وفي هذه المرحلة ظهر التقابل بين «نحن» و«الغرب» بصورة أوضح. وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت قوتان جديدتان في المجال العام: «المثقف العام» الذي يعد راسخ ميرزا ملكم خان شخصيته البارزة، و«رجل الدين العام» الذي كان جمال الدين الأسدآبادي ممثله البارز. وقد انخرط هذان التياران في السياسة رغم اختلافاتهما الفكرية، واقتربا من بعضهما على أرضية اجتماعية قائمة على البرجوازية الصغيرة. واعتبر راسخ حركة التنباك والثورة الدستورية من نتائج هذا التقارب، ويرى أن ارتباط المثقفين العامين ورجال الدين العامين استمر في التحولات اللاحقة في إيران.
أما «الشرقوية» في صياغة راسخ فهي مرحلة مختلفة. ففي هذه المرحلة يتحول الميل إلى الشرق ومقاومة الغرب إلى بناء أيديولوجي ومذهبي وجزمي. وقد اعتبر أعمال جلال آل أحمد وإحسان نراقي وداريوش شايغان، رغم الاختلافات الكبيرة في لغتهم وأسسهم الفكرية، أمثلة على هذه الصياغة. ويرى راسخ أن كتبًا مثل «غربزدگی» و«في خدمة وخيانة المثقفين» و«ما كان لديه» و«آسيا في مواجهة الغرب» أسهمت في تشكيل المجال العام للبرجوازية الصغيرة. وفي هذا الفهم، تجاوزت العودة إلى الذات وإبراز الأصالة الشرقية أحيانًا النقد المحدد للغرب وتحولت إلى معارضة عامة لإنجازات الحداثة.
وعلى هذا الأساس، لا يرى راسخ الشرقوية مجرد ذوق ثقافي أو اهتمام بالشرق؛ بل يعدها نوعًا من الفاعلية السياسية والاجتماعية التي أثرت في القرارات والتحولات المعاصرة في إيران. وردًا على نقد نقص الأمثلة العينية في الكتاب، قال إن قيود النشر حالت دون طرح بعض النماذج، ثم ذكر، بوصفه رأيه الخاص، احتلال السفارة الأمريكية واستمرار الحرب الإيرانية العراقية ومسار النزاع النووي بوصفها مجالات ينبغي دراسة تكاليف هذا النمط من التفكير فيها.
علم الاجتماع
الدين
الفلسفة
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.