اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تناولت ندوة تقديم ومناقشة كتاب «المشاعر الأخلاقية، الواقع الأخلاقي والتقدم الأخلاقي» لتوماس نيغل، بمشاركة عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان وياسر ميردامادي وجواد حيدري، أحدَ أكثر الأسئلة جوهريةً في فلسفة الأخلاق: هل للقيم الأخلاقية واقعٌ مستقل أم أنها تستند إلى المشاعر والتوافق وأحكام البشر؟ ناقش الحوارُ رؤيةَ نيغل الواقعية إلى جانب نقدٍ إبستمولوجي وتأملاتٍ حول موقع الفضيلة والتحول الداخلي للإنسان.

نشست معرفی و بررسی کتاب «المشاعر الأخلاقية، الواقع الأخلاقي والتقدم الأخلاقي» تأليف توماس نيغل، بترجمة جواد حيدري، يوم السبت ۲۱ شهريور ۱۴۰۵ برعاية «حلقة ديدكاه نو» انعقدت. تحدث في هذه الندوة كل من عبد الكريم سروش، ومصطفى ملكيان، وياسر ميردامادي، وجواد حيدري، وحسين كمالي حول ثلاث مسائل رئيسية في الكتاب: ما علاقة الشعور الأخلاقي بالواقع؟ هل الأحكام الأخلاقية صادقة أو كاذبة بصرف النظر عن رغبات البشر وتوافقاتهم؟ وإذا كانت المعرفة الأخلاقية تتغير عبر التاريخ، فبأي معيار يمكن الحديث عن «تقدم أخلاقي»؟
وما رفع النقاش عن مستوى مجرد تقديم كتاب، هو الخلاف الذي ظهر تدريجياً بين ثلاثة مقاربات: الواقعية الأخلاقية عند نيغل التي شرحها حيدري وملكيان؛ ورؤية سروش التي ربطت اعتبار الدليل في نهاية المطاف بإقناع العقلاء؛ ونقد ميردامادي الذي رأى أن الواقعية المستغنية عن الله غير كافية، واعتبر أن اختزال الصدق إلى الإجماع أو الإقناع موضع إشكال. وإلى جانب هذا الجدل المعرفي، تحدث ملكيان عن غياب أخلاق الفضيلة والتحول الداخلي للإنسان في الأخلاق الحديثة.
أوضح جواد حيدري في البداية أنه أهدى الكتاب إلى عبد الكريم سروش: «تقديراً لعمر من الجهاد الفكري الغريب في زمن العُسر». وقد رأى بين سروش ونيغل شبهين: الثبات على القناعات الفكرية في وجه هجمات المخالفين، والاستمرار لعقود في متابعة هاجس واحد. فنيغل – بحسب قوله – فكّر وكتب في الأخلاق لأكثر من ستة عقود، كما انشغل سروش طوال عقود بشرح وتفسير مولانا.
ولخص حيدري أهمية الكتاب في خمس نقاط. أولاً، أن الكتاب ينطلق من مسألة ملموسة وعسيرة، لا من تعريف تجريدي. ثانياً، أنه حصيلة تأملات فيلسوف قضى جلّ عمره الفكري مع فلسفة الأخلاق. ثالثاً، أنه يعارض في آنٍ واحد نزعتين رائجتين: اختزال الأخلاق إلى آليات بيولوجية وتطورية، واختزالها إلى حساب المنفعة وتعظيم الخير. رابعاً، أنه يسعى لتجاوز ثنائية المطلقية والنسبية. خامساً، أنه يقدم معياراً لتمييز التقدم الأخلاقي الحقيقي عن دعاوى التقدم الإيديولوجية.
نقطة انطلاق نيغل هي واقعة حقيقية لستيوارت هامبشاير عام ۱۹۴۴. كان هامبشاير يعمل لصالح استخبارات الجيش البريطاني، وكُلف باستجواب سجين كانت معلوماته قادرة على إنقاذ حياة عدة أشخاص. قال السجين إنه لن يتكلم إلا إذا وعده هامبشاير بنقله إلى بريطانيا؛ بينما كان مقرراً إعدامه في اليوم التالي. من منظور حساب العواقب، كان وعد كاذب كفيلاً بإنقاذ أرواح، لكن هامبشاير لم يستطع أن يمنح إنساناً على أعتاب الموت وعداً كهذا.
برواية حيدري، لا يسوق نيغل هذه القصة ليصدر حكماً نهائياً على صواب قرار هامبشاير أو خطئه. مسألته هي تلك التجربة المألوفة التي تظهر أحياناً في مواجهة حساب الربح والخسارة: الإحساس بأن «هذا الفعل لا يمكن القيام به». سؤال الكتاب هو: هل هذا المنع الداخلي مجرد عادة نفسية ونتاج للتطور، أم أنه ينبئ بواقع أخلاقي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان التجاوز التاريخي لمثل هذه الموانع يُعد تقدماً أم سقوطاً.
أكد حيدري أن ما يعنيه نيغل بـ «المشاعر الأخلاقية» ليس العاطفية أو مجرد الشفقة. الشعور الأخلاقي هنا نوع من الإدراك المباشر الذي يشبه الرؤية أكثر مما يشبه الاستنتاج. فالإنسان، قبل أن يجري أي حساب، قد يدرك أن التعذيب، وقتل البريء، وخيانة الأمانة، أو الوعد الكاذب أفعال باطلة.
يميز نيغل في التجربة الأخلاقية صوتين. الصوت الأول، «صوت الميزان»، يزن العواقب: الألم سيئ، واللذة حسنة، والموت سيئ والحياة حسنة؛ لذا ينبغي جمع الخير والشر الناتجين عن الخيارات واختيار الطريق الذي يحقق نتيجة أفضل لأكبر عدد من الناس. هذا الصوت هو الصورة البسيطة للعواقبية أو النفعية.
الصوت الثاني، «صوت الخط الأحمر»، يقول إن بعض الأفعال خاطئة بصرف النظر عن نتائجها النهائية. في هذا التصور، الإنسان ليس مجرد وعاء لاستقبال مقدار معين من اللذة والألم بحيث يمكن إدخاله في حساب كلي؛ فكل فرد له حرمة لا يحق للآخرين تجاوز حدودها. وبحسب حيدري، فإن نيغل يبحث عن مساواة البشر في هذه الحرمة والحصانة المتبادلة. وإذا أزيل هذا السياج، فلا يقتصر الأمر على نقصان مقدار المساواة، بل يتغير معناها.
لا يلغي نيغل أياً من هذين الصوتين. فمن جهة، لآلام البشر وموتهم أهمية حقيقية في الحكم الأخلاقي؛ ومن جهة أخرى، لا يمكن تجويز كل اعتداء على الفرد استناداً إلى الخير الجمعي. إن صعوبة الأخلاق تكمن تحديداً في التعارض الحاصل أحياناً بين هذين المطلبين، لا في انتصار أحدهما الدائم على الآخر.
لشرح واقعية نيغل الأخلاقية، وضع حيدري ثلاث قضايا جنباً إلى جنب: «الملح هو كلوريد الصوديوم»، و«طبق القورمة سبزي لذيذ»، و«التعذيب خاطئ». القضية الأولى صادقة بصرف النظر عن وعي البشر؛ فحتى لو لم تُكتشف أبداً، لما تغير التركيب الكيميائي للملح. القضية الثانية مرتبطة بالذائقة، ولا موضوع لها دون كائن يختبر الطعم. أما القضية الثالثة فلا تنتمي بسهولة إلى المجموعة الأولى ولا إلى الثانية. إن خطأ التعذيب ليس موجوداً في مكان ما من العالم كالتركيب الكيميائي ليُكتشف بأدوات تجريبية، لكن الاختلاف في الرأي حوله ليس مجرد اختلاف في الذائقة أيضاً.
يستبعد نيغل ثلاثة أجوبة: وضع الحقائق الأخلاقية في عالم مفارق والوصول إليها عبر التأمل أو الوحي؛ ومساواة الحكم الأخلاقي بالاستحسان والاستهجان الشخصيين؛ وربط الصواب والخطأ بأعراف كل مجتمع. يقوم جوابه على مفهوم «الدليل». فالأخلاق، أكثر من كونها متعلقة بالأشياء، تتعلق بأدلة الفعل: لأنني وعدت، ولأن آخر في خطر، ولأن المال ليس ملكي. الدليل الأخلاقي ليس شيئاً مادياً، لكنه ليس مرتبطاً بالميل الشخصي أيضاً.
ومع ذلك، فالدليل، بخلاف الواقع الكيميائي، هو دوماً دليلُ شخصٍ ما لفعل شيء أو تركه، ولا يكون ذا موضوعية إلا لكائن قادر على فهمه. هذا الارتباط بـ«الفاعل القادر على الفهم» لا يعني النسبية. فهناك فرق بين من لا يستطيع فهم دليل، ومن لا يريد قبوله بسبب المنفعة أو العناد أو خداع الذات. وقد ضرب حيدري مثال الدين لتوضيح هذا التمييز: نسيان الدين أو إنكاره لا يلغيه؛ لكن تحقق الدين يستلزم فاعلاً يفهم معنى القرض والالتزام والزمن.
في هذا الإطار، تعني الموضوعية الأخلاقية أن صحة الأحكام أو خطأها ليست تابعة لرأي الفرد أو توافق المجتمع. فقد يخطئ الجميع في حكم ما. وفي الوقت نفسه، فالحقيقة الأخلاقية ليست من جنس الواقع الطبيعي المنفصل عن الفاعل الإنساني؛ إنها حقيقة حول الأدلة التي تكون معتبرة للكائنات التي تمتلك الفهم والقدرة على الفعل.
من وجهة نظر نيغل، لا يعني تغير المعتقدات الأخلاقية تقدماً دائماً. وللحكم على الماضي، يجب الفصل بين سؤالين: هل كان الفعل خاطئاً في حد ذاته؟ وهل كان بوسع البشر في تلك الفترة إدراك خطئه؟ إن الخلط بين هذين السؤالين يجعل النقاش حائراً بين إدانة الماضين بشكل مطلق، ونسبية الأخلاق الكاملة.
استخلص حيدري نتيجتين متكاملتين من هذه الرؤية. النتيجة الأولى هي «التواضع الأخلاقي»: فربما يُعرف جزء من بديهياتنا الأخلاقية اليوم على أنه خطأ في المستقبل، ونحن الآن لا نعرف حتى أي جزء. إن وجودنا في مرحلة من التاريخ يقتضي ألا نعتبر يقينياتنا الأخلاقية نهاية الفهم البشري. النتيجة الثانية هي «المسؤولية الأخلاقية»: لا يمكن للمحدودية التاريخية أن تكون ذريعة لإنكار الحقائق المتاحة لفهمنا الآن. فالإنسان مسؤول عما يمكنه فهمه لكنه ينكره بدافع المنفعة أو العناد أو خداع الذات.
وعليه، فالتقدم الأخلاقي عند نيغل ليس مجرد تغير في السلوك أو شيوع معيار ما؛ بل يمكن أن يكون تقدماً في المعرفة الأخلاقية: أي زوال مانع كان يحجب حقيقة، أو ظهور إمكانية فهم دليل لم يكن متاحاً من قبل. يحافظ هذا التصور على إمكانية نقد أخلاق الماضي، ويربط في الوقت نفسه الحكم على الفاعلين التاريخيين بقدرتهم على الفهم.
استهل عبد الكريم سروش حديثه بالإشارة إلى أن نسخة الكتاب لم تصله بعد، وأن حكمه يستند بالضرورة إلى شروحات حيدري. ووصف نيغل بأنه فيلسوف دقيق النظر ومخالف للمألوف، وتحدث عن معرفته السابقة بكتاب «العقل والكون»؛ وهو أثر قام بتدريسه بعد قراءته، ووجد في استدلالاته نوعاً من التوافق الفكري مع نيغل. وذكّر سروش بأن نيغل، على الرغم من إلحاده ورفضه لثنائية النفس والبدن، لا يرى الطبيعة خالية تماماً من الحياة والشعور، ويقول بنوع من التواصل بين الطبيعة وظهور الوعي والإرادة الإنسانية. كما اعتبر ترجمة آثار نيغل خدمةً للتعريف بإمكانات الفلسفة التحليلية في الفضاء الفكري الناطق بالفارسية.
تمحور حديث سروش الأساسي حول نقد استقلال الحقيقة الأخلاقية عن «إجماع العقلاء». ووفقاً لروايته للنقاش، يقول نيغل إنه من الممكن أن يقبل جميع العقلاء حكماً ما، ومع ذلك يكون ذلك الحكم خاطئاً، أو أن يعتبر الجميع شيئاً قبيحاً وهو في حد ذاته حسن. وفي مواجهة هذا الموقف، قال سروش إنه يقلب السعي لتشبيه الأخلاق بالعلوم الطبيعية رأساً على عقب: فبدلاً من أن ينظر إلى الأخلاق كالطبيعة، فهو ينظر إلى العلوم الطبيعية أيضاً من حيث الاعتبار المعرفي على أنها شبيهة بالأخلاق. فقضية مثل «الماء H2O» عندما تُطرح في حقل المعرفة الإنسانية، يجب أن تصبح مقبولة بالدليل لدى العقلاء.
من وجهة نظر سروش، لا معنى ولا اعتبار عملي لـ«الدليل» بمعزل عن وظيفته الإقناعية؛ فالدليل يُساق لإقناع العقلاء. وعندما يُنطق بقضية ما، فإن تقييمها يعود في نهاية المطاف إلى رد فعل جماعة العاقلين وقدرة الأدلة على الإقناع. وعليه، فحتى نيغل لإثبات أن الحقيقة الأخلاقية مستقلة عن الإجماع، مضطر إلى تقديم استدلال يقنع العقلاء.
سعى مصطفى ملكيان إلى توضيح مسار استدلال الكتاب من خلال تفكيكات مفاهيمية. بدأ من الشعور الذي ينشأ في الإنسان مباشرة في الموقف الأخلاقي؛ كالقلق مثلاً بعد قول الكذب. ثمة إجابتان بخصوص علاقة هذا الشعور بالحكم الأخلاقي. تقول العاطفية إن جملة «الظلم خاطئ» ليست سوى تعبير عن الغضب من الظالم أو التعاطف مع المظلوم. في المقابل، تقول الواقعية الأخلاقية إن الإنسان يواجه واقعاً، وهذا الواقع، بما يتناسب مع بنيته النفسية والجسمانية، يثير شعوراً؛ لكن مضمون الحكم الأخلاقي هو تقرير عن ذلك الواقع، وليس تقريراً عن شعور المتكلم.
بعد قبول الواقعية، السؤال التالي هو عن أداة إدراك الواقع الأخلاقي. ميز ملكيان بين إمكانيتين: العقل والحدس. العقل يتوصل من مقدمات إلى نتيجة، أما الحدس فهو تصديق مباشر ولا ينبغي الخلط بينه وبين الشعور. ثم تساءل: ما هو متعلق هذا الإدراك؟ هل هو غايات وقيم مثل اللذة والسعادة والأمن، أم واجبات وأفعال مثل الصدق واجتناب التكبر؟ التركيز على الغايات يؤدي إلى العواقبية، والتركيز على الأفعال والواجبات ذاتها يؤدي إلى الواجبية.
بتعبير ملكيان، نيغل تعددي من جهتین: فهو يرى كلاً من العقل والحدس مشاركاً في المعرفة الأخلاقية، ويعتبر كلاً من القيم والعواقب ومن الواجبات والأفعال ذات اعتبار. وهو لا يريد إزالة تعقيد التجربة الأخلاقية برد جميع الأحكام إلى مبدأ واحد.
ثم فرق ملكيان بين التقدم في الممارسة الأخلاقية والتقدم في المعرفة الأخلاقية. ووفقاً لقوله، فإن نيغل، بإلهام من والتر ستيس، يركز على تقدم الأخلاق كمبحث نظري وبوصفها فرعاً معرفياً، أكثر من تركيزه على تحسن سلوك البشر.
توجه نقد ملكيان الرئيسي إلى حدود هذا المشروع. فقد صور الأخلاق في ثلاثة مستويات: الأول، «أي إنسان أكون؟» وهو ما يتعلق بالمعتقدات والمشاعر والرغبات والفضائل الباطنية؛ الثاني، «كيف أتصرف مع الآخرين؟» وهو ما ينظر إلى العلاقات بين الأشخاص؛ والثالث، «أي مجتمع نبني؟» وهو ما يشمل الأخلاق السياسية والمؤسسية. من وجهة نظره، حققت الأخلاق الحديثة تقدماً نظرياً كبيراً في المستوى الثالث، وكان تقدمها محدوداً أكثر في المستوى الثاني، وفي المستوى الأول لم تقدم تقريباً أي إنجاز نظري جديد.
قال ملكيان إن الأخلاق الجديدة تسأل غالبًا: ماذا يفعل الفاعل الأخلاقي لتخفيف ألم ومعاناة الآخرين، لكنها قلما تسأل: ماذا تفعل الأخلاقية بالفاعل نفسه؟ إن إضعاف حب المال والجاه والسلطة، وكبح الغضب، والتحرر من الأنانية، والتحول الباطني، هي مسائل أكدت عليها التقاليد العرفانية، لكنها باهتة في التنظير الأخلاقي الجديد وكذلك في أعمال نيغل. وبهذا، لم يكن نقده رفضًا لواقعية نيغل أو تعدديته، بل كان إظهارًا للمكان الخالي لـ«الأخلاق الأولى» والفضيلة الباطنية في هذا الجهاز.
نظم ياسر ميردامادي كلمته في ثلاثة أقسام. أولاً، اعتبر حيدري نموذجًا لـ«المفكر بوصفه مترجمًا»؛ مترجم لا يكون اختياره للأعمال عشوائيًا ولغويًا فحسب، بل يقع ضمن مشروع فكري. من وجهة نظره، يفكر هذا المشروع على المستوى الفردي في إمكانية الجمع بين العقلانية والمعنوية، وعلى المستوى الجمعي في المجتمع المنظم والتعايش السلمي، وهو في الآن ذاته ناقد للعلموية والنسبوية والأصولية. وترجمة أعمال رولز ونيغل ورونالد دوركين وكوينتن سكنر هي أيضًا أجزاء من هذا المشروع ذاته.
خصص القسم الثاني من كلمته للغة الترجمة. اقترح ميردامادي تقليل استخدام «يک» غير الضروري، وتكسير الجمل الإنجليزية الطويلة والمتداخلة في الفارسية، وتجنب تتابع الأفعال، ووضع مكونات الأفعال المركبة بشكل طبيعي في الجملة. قبل حيدري هذه الملاحظات في نهاية الندوة ووعد بتطبيقها في الطبعات اللاحقة لجعل النص أكثر سلاسة.
طرح ميردامادي في القسم الفلسفي ثلاثة نقدات. الأول أن نيغل يوازن بين الحدوس النفعية والواجبية، لكن مكانة أخلاق الفضيلة في نظريته غامضة أو خالية. كان هذا النقد متجهًا مع ملاحظة ملكيان حول غياب التحول الباطني في الأخلاق الحديثة.
تعلق النقد الثاني بإمكانية الدفاع عن الواقعية الأخلاقية بدون إله. لا يرى نيغل حاجة إلى عقل إلهي أو صادق سازی قبل نشوء الإنسان لصدق القضايا الأخلاقية. اعتبر ميردامادي هذا التفسير غير كاف لواقعية تامة، وقال إن الواقع الأخلاقي بدون منشأ أو عقل متعال يواجه صعوبة من الناحية الميتافيزيقية.
النقد الثالث كان موجهًا مباشرة إلى كلام سروش. قال ميردامادي إننا إذا اختزلنا الصدق إلى الإقناع أو إجماع العقلاء، يمكننا بإلهام من «السؤال المفتوح» لجورج إدوارد مور أن نسأل: هل ما قبله العقلاء صادق حقًا؟ بعبارة أخرى، لا يمكن مساواة القبول الجمعي والصدق بلا استدلال؛ لأن إمكانية السؤال عن صحة الإجماع نفسه تبقى مفتوحة. أضاف في خلاصته أن النظرية التي تبني الاعتبار على الإقناع، يجب أن تمتلك هي نفسها قوة إقناع وقدرة كافية على التفسير الميتافيزيقي.
في رده، قبل حيدري نقدات ميردامادي اللغوية وشرح مرة أخرى الهدف الفلسفي من الترجمة: إظهار كيف يسعى فيلسوف تحليلي معاصر للدفاع عن العقلانية والموضوعية الأخلاقية دون الوقوع في النسبوية أو الدوغمائية المطلقة.
قال سروش أيضًا في رده على ميردامادي إن طلب الدليل لنظرية الإقناع لا ينقضها؛ لأن ذلك الدليل نفسه يجب أن يُوزن ويُقبل لدى العقلاء. لم يعتبر إشكال السؤال المفتوح خاصًا بنظرية الإقناع، وقال إن نظرية المطابقة مع الواقع ليست محصنة هي الأخرى من أسئلة مماثلة. من وجهة نظره، لا يوجد في مقام الحكم البشري طريق خارج تقديم الدليل ووزن قوته الإقناعية أمام محكمة العقلانية الكونية.
لم يفض النقاش الختامي إلى حل قاطع للخلاف، لكنه أوضح موضع النزاع. نيغل، كما شُرح في الندوة، يريد الحفاظ على الموضوعية الأخلاقية دون تحويل القيم إلى أشياء طبيعية أو إحالتها إلى عالم ميتافيزيقي. يربط سروش الاعتبار المعرفي للأحكام في النهاية بإقناع العقلاء. يسأل ميردامادي هل يمكن للإقناع أن يحل محل الصدق، وهل الواقعية الأخلاقية كاملة بدون سند متعال. ويذكر ملكيان أنه حتى النظرية الناجحة عن الواقع والمعرفة الأخلاقية، إذا غفلت عن بناء الشخصية وتحول باطن الإنسان، فإنها لا تغطي سوى جزء من مملكة الأخلاق.
لم يكن حصاد الندوة تقديم إجابة نهائية، بقدر ما كان رسمًا دقيقًا لمفترق الطرق هذا: فالأخلاق لا يمكن اختزالها بسهولة إلى مجرد شعور شخصي، وليست مجرد نسخة عن العلوم الطبيعية، ولا يمكن وصف كل تغيير تاريخي بأنه تقدم، كما أن توافق عقلاء عصر ما ليس معيارًا للحقيقة بلا منازع. إن كتاب نيغل والنقد الذي طُرح في الندوة يتركان القارئ أمام سؤال مفتوح: كيف يمكن للمرء أن يظل وفيًا للواقع الأخلاقي، وأن يعترف في الوقت ذاته بمحدودية فهمه التاريخية، وألا يتهرب من مسؤولية الحكم والفعل الأخلاقي؟
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.