لقد أصبح «العنف» أحد أهم المحرمات في عصرنا. إن تحديد ماهية العنف بدقة، وما هي أنواعه، وأي أصنافه وأشكاله غير مرغوب فيها، ينبغي بحثه من الناحية الأخلاقية. لكن ثمة ثقافة «نفي العنف» أو «اللاعنف» أو «مناهضة العنف» قد نشأت وباتت شائعة نسبياً، وهي تدّعي معارضتها للعنف بكل شكل وهيئة وفي كل حال. يسعى أفراد مختلفون، بالإشارة إلى الطوائف العرفانية، وبعض الأديان القديمة، والنزعات الفلسفية وما إلى ذلك، إلى تفسير أو تبرير مشاركتهم في ثقافة «نفي العنف» هذه. لقد بلغ «نفي العنف» درجة من القبول بحيث إن مجرد تحدي هذا الموقف يُواجه بوصمة «محب للعنف» أو «محب للحرب». بصرف النظر عن أن البعض يسعى فعلاً إلى هذا الهدف، أي يعارضون أي نقد للعنف، فإن الهدف من نقد ثقافة «نفي العنف» لا ينبغي مساواته بـ«حب الحرب» و«حب العنف». ينبغي أن نرى ماذا يقول بالضبط كل من يقدم أي حجة في نفي أو تأييد أي شكل من أشكال العنف، وما هو دليله. كنت قد كتبت نصاً سابقاً حول هذا الموضوع تناولت فيه التعريف بكتاب مارثا نوسباوم. وفي هذا النص أود التعريف بكتاب دومينيكو لوسوردو، وهو كتاب يتناول بالبحث التاريخي تشكل ثقافة «نفي العنف» في العالم الحديث. وهو ينطلق في بحثه التاريخي من العبودية في أمريكا، وغاندي، والدكتور كينغ، وصولاً إلى الدالاي لاما والثورات الملونة في العصر المعاصر.
***
تُعتبر الثورة الفرنسية واستقلال أمريكا منجزين عمليين لعصر التنوير. كان وعد عصر التنوير كالتالي: التحرر من النظام القديم والولوج إلى عالم جديد بعلاقات سياسية واقتصادية قائمة على العقل والعلم، يُمهد الطريق لتحرر المجتمع البشري من شر الجهل والخرافة، وبهذا الشكل يصبح الحرية والسلام متاحين للجميع. رغم أننا شهدنا تقدماً أخلاقياً في العالم الجديد مقارنة بالعالم القديم، وقلّ الجهل والخرافة، وأصبحت بعض أنواع الحرية متاحة، إلا أن تصور أن المهمة قد انتهت وأننا بلغنا نقطة تُدعى «نهاية التاريخ» هو تصور خاطئ. من أجل التحرر من الخرافة والجهل، فإن أحد الأعمال التي يمكننا ويجب علينا القيام بها هي دراسة المسار التاريخي لتشكل القيم التي نحملها حالياً. هذا لا يعني أن الدراسة التاريخية لتشكل القيم هي العمل الوحيد الذي يمكن القيام به في الدراسات «الأخلاقية». كما أن الدراسة التاريخية للقيم وفهم أن قيمة معينة قد تشكلت في فترة وزمن معينين لا يُعتبر دليلاً على عدم اعتبار تلك القيم، بل ينبغي النظر أين تشكلت كل قيمة ولأي غرض، وهل لا تزال تحمل نفس الفاعليات أو فاعليات أخرى أم لا. القيمة التي يدرسها لوزوردو في كتابه هي قيمة مناهضة العنف وحب السلام، التي أصبح شكل خاص منها واسع الانتشار. بينما كان من المقرر أن يسود السلام والحرية في العالم الجديد، فإن عدم تحقق هذه المُثُل للجميع أدى إلى تشكل المقاومة من قبل المُستضعفين. كان أحد أنواع المقاومة ضد اللامساواة والتمييز هو النضال اللاعنفي. يدرس لوزوردو أول حالة من هذه الحركات في العصر الحديث في أمريكا. في زمن كانت العبودية فيه قائمة، وكان بعض السود قد لجأوا إلى النضال اللاعنفي لمحاربة هذا الظلم المنهجي. لكن ما أدى في النهاية إلى إنهاء العبودية كان الحرب الأهلية واستخدام القوة والسلاح. يُشير لوزوردو في عمله إلى تفاصيل هذا النوع من النضال. لن أخوض في تفاصيل هذه الحالة، لكن النقطة التي يجب الانتباه إليها حتى نهاية كتاب لوزوردو هي التأكيد على العوامل المتعددة في نيل الحرية في النضالات اللاعنفية. إحدى خصائص ثقافة اللاعنف التي نحملها حالياً هي أنها، بالإشارة إلى النماذج التاريخية للاعنف، ومجرد التأكيد على أفعال الأفراد الملتزمين بمثل هذه الفلسفة في النضال، تقول لنا إن هذا التكتيك فعال لنيل الحرية.
حالة أخرى يدرسها لوزوردو هي غاندي. يُعرف غاندي بأنه نبي «نفي العنف» ويعرفه الكثيرون كشخص نفى العنف وبهذه الوسيلة استطاع إخراج الهند من سيطرة إنجلترا، ويحاولون إعادة بنائه كنموذج للشعوب الأخرى الخاضعة للقهر والظلم. أي تذكير الشعوب الخاضعة للقهر والظلم بأنه حتى بدون عنف يمكن بلوغ المثل السياسية. لكن القضية أكثر تعقيداً من هذه الصورة الكاريكاتورية. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت إنجلترا والدول الأوروبية الأخرى تستعمر أجزاءً شاسعة من العالم. كان هذا الاستعمار يجد تبريراً عنصرياً واضحاً: كان على الهنود والصينيين وسائر شعوب العالم أن يقبلوا بأنه أينما كانوا وأياً كانوا، فإن البيض هم العرق الأسمى والعرق الوحيد الذي يمتلك القدرة على حكم العالم.
في الواقع، تحول غاندي إلى النباتية عندما كان في إنجلترا، بعد أن قرأ الكتب العرفانية الغربية، وهي آثار سئمت من عنف الرجل الغربي ضد سائر الكائنات الحية ولجأت إلى نفي العنف. رغم أنه تمكن لاحقاً من إيجاد تبرير لهذا النوع من النباتية في الديانة الجاينية الهندية وتقديم «الأهيمسا» كفلسفة لحياته. إن الجذور الغربية لتشكل فكرة نفي العنف لدى غاندي وإيجاد تبرير شرقي لهذه الفكرة تحظى بأهمية بالغة. إضافة إلى ذلك، فإن تصور أن غاندي كان ملتزماً دوماً بنفي العنف هو تصور خاطئ أيضاً. فقد وصف في عام 1905 انتصار اليابان على روسيا في الحرب بأنه مدعاة فخر للآسيويين، وبعد ثلاث سنوات وصف هذا الانتصار بأنه بداية عهد لن تستسلم فيه الشعوب الآسيوية أبداً للبيض. في الواقع، كان غاندي يُفسر الإمبريالية اليابانية كرمز لانتصار الأمم الآسيوية. علاوة على ذلك، لعب غاندي دوراً مباشراً في حربين ومعركة مسلحة. فقد كان له وللهنود الواقعين تحت تأثيره دور نشط في خدمة إنجلترا في الحروب التي نشبت بين المستعمرين الهولنديين والإنجليز من جهة والبوير من جهة أخرى بين عامي 1899 و1902.
كما كان يشجع الهنود الآخرين على المشاركة في هذا النضال، وكان يصف أولئك الذين لا يرغبون في المشاركة بأنهم «نساء». وبعد بضع سنوات، لعب غاندي دوراً في قمع البريطانيين المستعمرين لقبائل «الزولو». وهكذا، فإن غاندي الشاب، بينما يصف الهجوم العسكري الياباني على روسيا بأنه حرب ضد الاستعمار ويعرب عن فرحه بها، فإنه يقدم مساعدة عملية للمستعمرين البريطانيين في حربهم ضد الشعوب الواقعة تحت الاستعمار. ومن الواضح أن أياً من هذه الإجراءات لا يرتبط بـ«نفي العنف».
في عام 1914، عندما بدأت الحرب، كان بعض المسيحيين المسالمين يعارضون أي عمل عسكري حتى بعد أن احتلت ألمانيا بلجيكا. لكن غاندي لا يبدي أي تعاطف مع هؤلاء الأشخاص، بل على العكس، فهو يؤيد الهجوم العسكري البريطاني، بل ويشجع الآخرين على المشاركة في هذه الحرب أو التأييد لها. يقول في سيرته الذاتية إنه على الرغم من علمه بأن هذه الحرب تتعارض مع «الأهيمسا»، إلا أنه، كما في حالة الحرب مع البوير، يضطر المرء أحياناً لفعل ذلك! كما يعلل دفاعه عن إنجلترا في هذه الحرب بالقول إنه إذا كانت مساعدة الإنجليز ستحسن ظروف الهنود، فمن واجبهم التعاون معهم، وكان يعتقد أنه لا ينبغي استغلال ضعف إنجلترا وحاجتها في ذلك الوقت لمطالب الهنود. لم يبقَ في لندن، بل عاد إلى الهند، ولم يكتفِ بالنشاط في تبرير الحرب، بل لعب دوراً فاعلاً في تسجيل نصف مليون هندي للمشاركة في الحرب لصالح إنجلترا المستعمرة، وقد قال في هذا الصدد إن على الهند أن تهدي جميع أبنائها القادرين للتضحية من أجل الإمبراطورية البريطانية في هذه اللحظات التاريخية الحاسمة. حتى أن غاندي أصر على أن يسجل أبناؤه أيضاً في هذه الحرب. وعلى الرغم من المعارضة الكبيرة التي واجهها وتذكيره بمبدأ «الأهيمسا»، كان يلجأ إلى تبرير هذا الإجراء: بقوله أشياء مثل أنه لا يدعو إلى قتل الألمان، بل يروج لعدم الخوف من الموت.
في الواقع، كانت خدمات غاندي تتم على أمل أن يتمكن من فعل شيء لشعب الهند. وعلى الرغم من أنه كان يسمي نفسه داعية لنفي العنف، إلا أنه في جنوب أفريقيا لم يكن يفكر إلا في وضع الهنود، وكان يطالب بتحسين أوضاعهم حتى على حساب المشاركة في قتل وسفك دماء السكان الأصليين. كان يتذمر من أن الإنجليز يعتبرون الهنود على قدم المساواة مع غيرهم من ذوي البشرة الملونة، وكان يعتقد أنه بما أن الهنود آريون أيضاً، فيجب على الإنجليز أن يولوا الهنود اعتباراً خاصاً، لأن الهنود، من وجهة نظر غاندي، كانوا «متحضرين» على عكس السكان الأصليين ذوي البشرة الملونة. كما كان يؤكد على أن الهند تمتلك حضارة عريقة، أقدم بكثير من حضارة الإنجليز. لجأ غاندي، كغيره من مناهضي الاستعمار، إلى نوع من القومية الثقافية أو الدينية. كان المناضلون ضد الاستعمار يصفون العنف بأنه نتاج الثقافة الغربية، ويذكرون بضرورة إحياء ثقافتهم أو دينهم لمواجهة هذا العنف والقضاء عليه. بعد كل الخدمات التي قدمها غاندي للإمبراطورية البريطانية دون أن يحدث أي تغيير في ظروف الهنود، قدم بريطانيا في النهاية كرمز لعنف الحضارة الغربية. واعتبر جميع مظاهر الحداثة، مثل السكك الحديدية والصناعة واستخدام الآلات والتمدن واندثار المجتمعات التقليدية، من مصاديق عنف ووحشية الحضارة الغربية، ووصف الحداثة بأنها أسوأ حقبة في التاريخ. لم تكن هذه الرغبة في العودة إلى الحياة الريفية الخالية من أي أثر للحداثة أو الغابة مقتصرة على غاندي، بل لوحظت بين قادة ومفكرين شرقيين وغربيين آخرين. والأغرب من ذلك كله أن غاندي كان يعتبر الهند، بفضل ثقافة نفي العنف، البلد الوحيد الذي لم يتلوث بالثقافة الغربية المنحطة. كانت ثقافة نفي العنف لدى غاندي غربية أكثر مما هي هندية وشرقية، وكانت تعود، أكثر من أي شيء آخر، إلى تفسير مثير للجدل للمسيحية، ومع ذلك كان عدد كبير جداً من الهنود مقتنعين بأن هذه هي الثقافة الهندية الأصيلة التي يجب العودة إليها. تحول غاندي إلى النباتية بعد قراءة كتاب هنري سالت عن النباتية في إنجلترا، وبعد قراءة أعمال الكتّاب الغربيين المحافظين مثل جون راسكن وتوماس كارلايل، الذين كانوا ينتقدون الثورة الصناعية والحداثة، توصل إلى نتيجة مفادها أن الحضارة الغربية، على عكس الحضارة الشرقية، تقوم على القوة والعنف. أطلق غاندي على النضال ضد إنجلترا من أجل الاستقلال اسم الحرب بين ثقافة الهند الأصيلة التي يقف الله معها، وثقافة إنجلترا الشيطانية الزائفة. وهكذا أدت قومية غاندي الدينية إلى نفي جميع مظاهر الغرب.
كان غاندي أيضًا متمسكًا بنوع من شعار «لا شرقية ولا غربية»، كما كان يعتبر الاشتراكية تجليًا آخر من تجليات العنف الغربي ويدينها.
قبل غاندي في البداية أيديولوجيا التفوق العرقي للبيض، وحاول من خلال التأكيد على أن الهنود هم أيضًا من أصل آري أن يقنع الإمبراطورية البريطانية بأن تعتبرهم متساوين معها وأن تقبل بتفوق الهنود على غيرهم من الملونين. لكن انتصار الثورة الشيوعية في أكتوبر وجه ضربة قاصمة للإيمان العنصري بتفوق البيض الأوروبيين على سائر شعوب العالم. ساعدت ثورة أكتوبر، من خلال ترويج فكرتها المناهضة للإمبريالية، في استقلال العديد من البلدان من الاستعمار الغربي، كما أن الثورة الشيوعية الصينية التي حررت الصين من استعمار اليابان (بلد غير غربي) هي مثال آخر على تأثير هذه الثورة. وبتعبير آخر، كان هناك حزبان رئيسيان في آسيا يعملان على ترويج مناهضة الإمبريالية، حزب غاندي وحزب لينين. كان غاندي، على الرغم من اعترافه بنفي العنف، يروج في نضاله ضد الاستعمار البريطاني لإلحاق الضرر بأملاك وممتلكات المستعمرين، وفي النهاية حظر شراء القماش البريطاني، وكانوا يمارسون ضغوطًا نفسية هائلة على الأشخاص الذين يشترون البضائع البريطانية. كما طبقت الصين الشيوعية مقاطعة المنتجات الأجنبية عندما رفضت شراء المنتجات اليابانية. استخدم كل من لينين وغاندي تكتيك الإضراب. بينما أُغلق الطريق أمام الإضراب في الصين، وكان الخيار الوحيد المتبقي هو النضال المسلح، الذي أعلن غاندي موافقته عليه ضمنيًا.
بفحص كل هذه الحالات، نصل إلى نتيجة مفادها أن غاندي لم يكن في الواقع ملتزمًا بـ«نفي العنف»، لكنه من خلال التأكيد على نفي العنف، حصل على نوع من التفوق الأخلاقي للهنود في نضالهم ضد المستعمرين. فعلى سبيل المثال، في «مسيرة الملح»، قال لأتباعه إنه لا ينبغي عليهم فقط ألا يمتنعوا عن الاشتباك مع الشرطة، بل ينبغي ألا يستخدموا حتى أيديهم للدفاع ضد ضربات الشرطة. في الواقع، عرض غاندي أتباعه للعنف، بحيث يؤدي تجلي عنف الشرطة هذا إلى تفوق أخلاقي لغاندي وأتباعه. من خلال تأكيده على الموت باعتباره الطريق الوحيد للوصول إلى الحياة، كان يقول لأتباعه إنه ينبغي عليهم أن يتدربوا حتى على السحق تحت حوافر الخيل. كان غاندي يعتقد أنه بموت رفاقه وأصحاب فكره يصبحون أقوى، لأنهم يكتسبون تفوقًا أخلاقيًا في أذهان العامة. في الواقع، كان إراقة دماء أصحاب الفكر من أجل إيجاد نوع من التفوق الأخلاقي هو هدف غاندي، وكان هو نفسه والبعض الآخر يعتبرون هذا التكتيك أيضًا نوعًا من نفي العنف. يسمي غاندي مسيرة الملح مراسمًا لفقدان الحياة، بل ويجيز مشاركة الأطفال فيها. وقد ورد أنه في تلك المراسم كانت أم تحمل طفلها الرضيع بين يديها حتى ينفجر رأسه بضربة هراوة الشرطة.
يتحدث غاندي عن ضرورة بذل الروح للوصول إلى الحرية، ويقول إنه حتى لو لزم الأمر تقديم مليون قتيل، فيجب تقديمهم. يصف نفي العنف خاصته في تلك الحقبة على هذا النحو: عدم الخوف من القتل والقتل. في الواقع، كان غاندي قد خلق نوعًا من ثقافة الانتحار والاستشهاد، وربط القتل في هذا السبيل برضا الله. كان قد قال في وصفه لمسيرة الملح إنه يرى يد الله في هذه المسيرة. كان لينين أيضًا يروج للاستعداد للتضحية بالنفس من أجل خلق الحزب الشيوعي. لكن الترويج للحزب الشيوعي لم يكن دينيًا، وبدلًا من ذلك كان لينين يؤكد على المسار التاريخي. لا يمكن بدون نكران الذات والتضحية بالنفس محاربة الاستعمار أو التحليق بأحلام بناء نظام جديد. كانت النظرة الدينية لغاندي لهذه المسألة قوية جدًا، وكان يرى حضور الله في مراسمه بقوة لدرجة أنه كان يعتقد أن الله هو من حدد تفاصيل مسيرة الملح، مثل المدينة التي ستنتهي إليها، وأن هذه المسيرة هي بداية نهاية «الاستعمار الشيطاني» لبريطانيا. كانت هذه الفرقة الانتحارية التي أسسها غاندي ممكنة بسبب المعتقدات الدينية، لكن مثل هذا الخيار لم يكن ممكنًا للينين وحزبه الذين كانوا يعتبرون الموت نهاية الحياة. كان غاندي يُعتبر بين أتباعه نوعًا من النبي أو الوسيط مع عالم المعنى.
في المقابل، لم يؤسس لينين، الذي كان معارضًا للإمبريالية والاستعمار الغربي، هويته الثورية على أساس مناهضة كل ما هو مظهر من مظاهر الغرب، ولم يصف التوجه إلى العرفان الشرقي للتخلص من الحضارة الغربية، وبدلًا من ذلك دعا إلى محاربة البرجوازية الغربية. كان لينين يمتدح بعض مظاهر الغرب مثل حرية التعبير والصحافة والأحزاب السياسية، وكان مدركًا أن مثل هذه المظاهر لم تكن موجودة في الشرق، ولم يكن هناك سوى قمع عموم الناس وإبقائهم في الجهل بتعاون الزعماء الدينيين والملوك.
لينين لم يرَ تحرير الشعوب غير الأوروبية متناقضًا مع تحرير الشعب الأوروبي، بل اعتبرهما مكملين لبعضهما البعض. كما كان مدركًا تمامًا أن أفكارًا مثل الحرية والتحرير وتقرير المصير هي أفكار غربية لجأ إليها الشرقيون للقيام بثورة ضد المستعمرين ونيل الاستقلال. على عكس غاندي الذي رأى تحرير الهند من الاستعمار البريطاني، بتفسيره الديني، تحريرًا للدين الهندي النقي من الاستعمار الشيطاني الغربي. فالثورات في البلدان غير الغربية، بتعبير لينين، كانت ذات روح أوروبية. والصين، مثل الاتحاد السوفيتي، لم تلجأ لتحديد هويتها الثورية إلى حكمتها الدينية القديمة، بل لجأت إلى التكنولوجيا والعلم وحتى النظرة الكونية الغربية (الماركسية). ومن هنا، بينما كان لينين يسعى إلى تقدم الاتحاد السوفيتي وتصنيعه والتطور في العلم والتكنولوجيا، وحقق الاتحاد السوفيتي نجاحات باهرة في هذا المجال، يكتب غاندي لابنه في رسالة أنه توصل إلى نتيجة مفادها أن الفقر والعوز نعمة، ويحذر من الوصول إلى مجتمع تسوده الرفاهية والراحة المفرطة. وفي إطار البساطة في العيش، رفض غاندي الكحول والشاي أيضًا باعتبارهما ظاهرتين أدخلهما المستعمرون لتدمير الثقافة الهندية.
كان الدين والسياسة متشابكين بالنسبة لغاندي لدرجة أنه صرح قائلاً: «لا أعتقد أن الدين لا علاقة له بالسياسة. إذا فصلتم السياسة عن الدين، فستكون كجثة يجب دفنها». وبهذه الطريقة، كان بإمكانه تقديم سياساته المرجوة للشعب الهندي كواجبات دينية، وكان يُنظر إلى مخالفة أوامره السياسية على أنها مخالفة للأوامر الدينية. كان أحد أكبر أخطاء غاندي هو عدم التمييز بين التصنيع والعسكرة، فقد اعتبر كليهما، بنفس الشكل والمقدار، مثالاً على التغرب والعنف. ومن هنا، انبهر غاندي بشعارات موسوليني حول معارضة التصنيع المفرط للمدن، ووصفه بمنقذ إيطاليا. أثارت معارضة موسوليني للتصنيع والحداثة الغربية إعجاب غاندي، ومن وجهة نظره، كان بإمكان الفاشية إعادة الحضارة الغربية إلى الحالة الريفية والقضاء على التصنيع والحداثة اللذين يعتبرهما غاندي جذور عنف الحضارة الغربية. من الواضح أن العنف ليس حكرًا على الغرب أو الحضارة الغربية، وأي شخص يحصر العنف في الغرب أو الشرق يجب النظر في أهدافه ومصالحه السياسية. تستمر مواقف غاندي المتناقضة تجاه العنف في هذه الفترة أيضًا، فعندما احتلت إيطاليا الفاشية إثيوبيا، لم يرفض هذا العنف في البداية فحسب، بل امتنع عن إعلان موقف وأعلن أنه لا يستطيع سوى الدعاء من أجل السلام، لكنه لاحقًا أدان الإثيوبيين بسبب المقاومة المسلحة ضد إيطاليا الفاشية! تمامًا كما أدان سابقًا السكان الأصليين في نضالهم ضد إنجلترا، بل وخدم إنجلترا لقمعهم. إن دراسة مواقف غاندي هذه إلى جانب شعاره لنفي العنف القائم على الاحترام غير المشروط للحياة (لدرجة أنه يروج للنباتية لنفس السبب) تُظهر جيدًا كم أن «نفي العنف» كما يُقدم لنا اليوم كفكرة يختلف عن نفي العنف كموقف لغاندي.
هذا القول العام لغاندي بأن الحضارة الغربية الحديثة تأسست على العنف، بالإضافة إلى أنه يعطي رسالة خاطئة مفادها أنه لم يكن هناك عنف في العالم ما قبل الحديث، فإنه يعجز الإنسان أيضًا عن التمييز بين أنواع العنف، وهذا الموقف خطير جدًا من الناحية السياسية. بمثل هذا الموقف، سنتجاهل الحقائق في النزاعات التي تحدث، لأنه لا يمكن اتخاذ موقف بين الأطراف المتصارعة ويجب إدانة كليهما بتهمة ارتكاب العنف.
في هذا الصدد أيضًا، يمكن مقارنة غاندي ولينين. كانت ثورة أكتوبر من بين أهم أمثلة انتفاضة الشعوب غير الغربية للتحرر من قيودها. وهو إجراء أدى إلى الخوف من استيلاء الشيوعية على السلطة وشعاراتها المساواتية الأولية. كان من بين أسباب نشوء الفاشية والنازية في أوروبا رد الفعل على انتشار الشيوعية. الألمان، الذين كانوا متأخرين قليلاً في المنافسة مع الدول الاستعمارية الغربية الأخرى، أرادوا استعمار أوروبا الشرقية. كانت أيديولوجية النازيين والفاشيين (على الرغم من بعض الاختلافات) هي نفس التفوق العرقي الذي أدى إلى تشكيل استعمار إنجلترا والدول الأوروبية الأخرى. نجح لينين وحزبه في تشخيص أن الفاشية والنازية في تلك الفترة من التاريخ كانتا خطرًا أكثر جدية وكان يجب التصدي لهما بشكل فوري والوقوف ضدهما بالعنف ضد العنف.
إذا أردنا المقارنة مع اليوم، فإن كلام غاندي يشبه القول إن حكومة الأسد تمارس العنف وداعش تمارس العنف أيضاً، وموقف لينين هو أن داعش تشكل خطراً أخطر بكثير والقضاء عليها هو الأولوية. في الواقع، نجح لينين وحزبه في تشخيص أن النازية والفاشية هما أيضاً نوع آخر من الإمبريالية والاستعمار، بينما كان البعض يعتبر هذه القوى بمثابة قوى تحرر من الاستعمار والإمبريالية. كما ينبغي الانتباه إلى أن بعضاً من أهم المدافعين عن غاندي كانوا من المحافظين والمعتدلين الغربيين الذين كانوا يرغبون، من خلال الترويج لـ«نفي العنف» عند غاندي، في منع النضالات المسلحة للشباب الأفارقة الذين تحولوا إلى الماركسية ضد المستعمرين.
مارتن لوثر كينغ هو أيضاً من الوجوه الأخرى التي اشتهرت بالنضال بأسلوب نفي العنف. كانت قوانين أمريكا في العقد الثاني من القرن العشرين، رغم أنها تخلت عن العبودية بأسلوبها السابق، تتضمن تمييزات واسعة ومنهجية ضد السود. فعلى سبيل المثال، كان السود يُفصلون في الحافلات ولم يكن لديهم الحق في الجلوس في مكان واحد مع البيض. لقد عارض الدكتور كينغ السلطات الأمريكية التي كانت تسمي أي خرق للقانون عنفاً، بإعلانه أنه يجب فقط الامتثال للقوانين العادلة. أعلن كينغ، مشيراً إلى النضالات التي تضمنت عنفاً مثل المناضلين المناهضين للشيوعية في المجر، أن النضال من أجل القضاء على العنف القانوني ضد السود لا ينبغي إدانته.
كان أحد أساليب نضال الدكتور كينغ، من أجل مكافحة الفصل العنصري في مدارس أمريكا، هو تشجيع الطالبات والطلاب السود على خرق هذا النظام. كان كينغ يقول للآباء والأمهات السود إنه إذا أراد أطفالهم اللجوء إلى هذا الأسلوب من النضال، فلا ينبغي لهم منعهم. أعرب الدكتور كينغ عن سروره لأن الصحف صورت مشاهد تعامل الشرطة العنيف مع هؤلاء الطلاب، لأن ذلك كان يُظهر التفوق الأخلاقي للمناضلين. يقول الدكتور كينغ في شرح موقفه إنه إذا استخدم شخص ما السلاح دفاعاً عن نفسه فهذا معقول، لكن سؤاله الرئيسي وموقف نفي العنف هو ما إذا كان استخدام السلاح في المسيرات المدنية عقلانياً أم لا، أي أن كينغ كان يميز بين هذين النوعين من العنف، وبشكل محدد لم يكن يدين النوع الأول ولم يكن يعتبر النوع الثاني مفيداً كتكتيك لحركته المدنية. إلى جانب نضالات السود من أجل تحررهم، كان هناك عامل آخر في إنهاء قوانين الفصل العنصري في أمريكا: لقد مال العديد من السود في أمريكا وكذلك شعوب الأراضي المستعمرة في أفريقيا وبلدان أخرى في نضالهم ضد النظام إلى الماركسية، وكان هذا الخطر من نفوذ السوفييت في أمريكا وباقي أنحاء العالم بين المعارضين قد ارتفع بشدة. مع أنه يوجد في أمريكا نصب تذكاري لمحرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لا يوجد لديهم نصب تذكاري لمحرقة السكان الأصليين لأمريكا والسود الذين أُبيدوا جماعياً على يد البيض في فترات تاريخية مختلفة.
رغم كل هذه الحقائق حول «نفي العنف» عند غاندي ووجوه أخرى، فإن «نفي العنف» حالياً يُروَّج له بشكل تجريدي تماماً وغير واقعي من قبل الحكومات الغربية، نوع من السلمية لا يوجد له في الواقع أي مصداق في التاريخ. حالياً، أحد أهم أبطال نفي العنف الذين يُروَّج لهم بهذا العنوان من قبل الغرب هو الدالاي لاما الرابع عشر. يتبع الدالاي لاما في سعيه لاستقلال التبت شعارات نفي العنف عند غاندي القائمة على قدسية الحياة و«الأهيمسا». يقول الدالاي لاما في وصفه لشعب التبت إن سكان تلك المنطقة كانوا تقليدياً مناهضين للعنف وقيمهم متجذرة في التعاطف مع العالمين. ما يُسمى تقليد منطقة ما هو عادةً نتاج إبراز جزء من ثقافة وتهميش أجزاء أخرى أو تجاهلها. هذه الأنواع من الأوصاف لتقليد شعب التبت أو أي شعب آخر لها استخدامات سياسية لكنها لا تتمتع بالمصداقية. كمثال، في عام 1660، أصدر الدالاي لاما الخامس رداً على تمرد أمراً بإبادة ليس فقط المتمردين رجالاً ونساءً بل وأيضاً أبناءهم وأبناء أخواتهم وأبناء إخوتهم، مع شعار أنه يجب سحقهم جميعاً مثل البيض الذي يُكسر على الحجر. كما كانت هناك عقوبات شديدة الوطأة في التبت، ورغم أنه لم تكن لديهم عقوبة الإعدام، إلا أن إحدى عقوباتهم كانت الجلد، أو عندما يسرق شخص من المعابد كانوا يقطعون يديه.ولی آنها بر این باور بودند که تنها در صورتی که نیروی الهی بخواهد شخص مجازات دیده زنده باقی خواهند ماند و در بسیاری از موارد پس از اینکه شخصی را شلاق میزدند او را شب روی سنگها رها میکردند تا بمیرد. به عبارتی اطمینان حاصل میکردند که اراده الهی بر این بوده که آن شخص بمیرد!
قطع عضو و در آوردن چشم بین مردمان تبت به عنوان مجازات رایج بوده است. بردهداری بسیار گسترده و فراگیری در جامعه تبت لامائی وجود داشته است. در این جامعه باور بر این بوده که بردهها از نژادی دیگر هستند و عقاید نژادپرستانه در این جامعه شرقی باعث میشد به بردهها به دید کالا نگریسته شود. همچنین فرامین دینی در این سرزمین به عنوان امری مطلق در نظر گرفته میشوند و هرکس بخواهد آنها را حتی زیر سوال ببرد مجازات میشود. سخنان و سنت بودا به شکل مطلق پذیرفته شدهاند و نافرمانی از آنها ممکن نیست و و جود این ممنوعیت جلوی پیشرفتهای علمی بخصوص در پزشکی را میگیرد. یکی از نزدیکان دالای لاما در توصیف موضع نفی خشونت دالای لاما از زبان خودش گفته که در مبارزه مسلحانه آنها علیه چین باید بین روش و انگیزه تمایز قائل شد. در نفی خشونت از نوع دالای لاما، هرچند روش کشتار لحاظ میشود ولی انگیزه نوعدوستی و مهربانی است و این انگیزه روش را توجیه میکند. همچنین گزارش افرادی که با مقامهای مذهبی تبت رفت و آمد داشتهاند از فساد مالی شدید و همچنین خوردن گوشت در مهمانیهای آنها گزاش میدهند! در واقع دالای لاما و «نفی خشونت» او نیز یک تصویرسازی است که با نفی واقعی خشونت آنچنان که ممکن است افراد در ذهن داشته باشند کاملا متفاوت است. «نفی خشونت» تصویری ایدهآل و جذاب است که برای دل بردن از افراد کارآیی دارد ولی واقعیت نشان میدهد که هیچ یک از مواردی که مبارزه ضدخشونت نامیده میشود با چنین تصویری همخوانی ندارند. در راستای ترویج این تصویر و ارائه این ایدهآل، انقلابهای رنگی – که «دستورالعمل» آن به زبانهای متفاوت توسط انستیتوی آلبرت اینشتین در آمریکا تهیه شده است – نیز در کشورهایی که حکومتهای استبدادی دارند شکل میگیرد. به عنوان مثال، رسانههای غربی با پررنگ کردن خشونت در کشور چین و ارائه تصویری یک طرفه از واقعیت سیاسی چین در برابر تبلیغ فرهنگ «نفی خشونت» تبت و دالای لاما - که این نیز یک تصویر یک طرفه و ساختگی است - زمینه را برای بیثبات کردن این کشورها از طریق انقلابهای رنگی که شکلی از «نفی خشونت» است، فراهم میکنند. در واقع چرخش بزرگی شکل گرفته است، در حالی که سیاست «نفی خشونت» سیاستی برای مبارزه علیه استعمار غرب سفیدپوست بوده است ولی در حال حاضر نپرداختن به تاریخ و جزییات آن، این سیاست خود به ابزاری جدید برای سیطره غرب بر مخالفانش تبدیل شده است.
.
مواصفات الكتاب:
Losurdo, D. (2015). Non-violence: A History Beyond the Myth. Lexington Books
دومينيكو لوسوردو فيلسوف سياسي إيطالي.
.
.
جماليات النضال: ثنائية «المحارب – المسالم»
زهير باقري نوعبرست
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
عالی بود
تصوراتم در مورد گاندی کاملا دگرگون شد. تازه این بنده خدا که مال همین پنجاه سال پیش بوده اینجوری تحریف شده واقعیت گاندی را به ما عرضه میکنند ببینید افرادی که مال چندین قرن پیش هستند چجوری به ما عرضه میشوند. الله اعلم!