اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حافظ ليس ناقلاً للثقافة الإيرانية، بل ناقداً جاداً لها؛ إنه مرآة نقدية لمعرفة الذات وبعثنا الثقافي. إيران الحافظية هي إيران تُقدَّر فيها فردانية المواطنين وفكرهم المغاير.

أي الفكرتين أجدر بأن تكون مصدر فخر واعتزاز للإيرانيين: «حافظ إيراني» أم «إيران حافظية»؟ من المناسب، أولاً، أن نعرّض حقيقة «إيرانية حافظ» التي هي بالنسبة لنا عقيدة بديهية ومسلّمة للتحدي والتساؤل، ثم نقوم بقياس وتقييم قيمتها مقارنة بقيمة فكرة «حافظية إيران».
هل حافظ إيراني حقاً؟ إذا اعتبرنا الإيرانية مقولة «إقليمية وجغرافية»، فبالتأكيد حافظ كذلك، لا سيما أنه وفقاً للروايات التاريخية، لم يقم حافظ في مدينة غير شيراز، وفيها وافته المنية. ولكن إذا لم تكن لدينا مثل هذه المعايير والفرضيات، ولم يكن إدراكنا للإيرانية مجرد مقولة إقليمية وجغرافية، فعندئذ لن يكون جوابنا على هذا السؤال بهذه البساطة والاستقامة.
على سبيل المثال، ألا ينبغي لنا، بتعبير «قيمي وثقافي» عن «الإيرانية»، أن نقول: «إذا كنا نحن إيرانيين، فحافظ ليس إيرانياً؛ وإذا كان حافظ إيرانياً، فلن نكون نحن إيرانيين»؟ أليس بديهياً ومسلّماً لدينا أن أنماطنا الفكرية والقيمية «نحن» تختلف اختلافاً جذرياً مقارنة بمنظومة حافظ الفكرية والقيمية؟ أليس حافظ هو الذي لم يعد يفخر بشيراز التي، رغم طبيعتها التي لا مثيل لها، أصابها الانحطاط الثقافي وابتعدت عن وضعها المثالي، بل صار يئن منها؟
من هذا المنظور وبهذا المعيار، يمكن القول إن حافظ ليس إيرانياً، إنه ناقد للإيرانية؛ ناقد للرياء والازدواجية والكذب الكامن والساري في الثقافة الإيرانية. إيران بالنسبة لحافظ «سجن»؛ تماماً كما كان هاملت يرى الدنمارك سجنه. يقول حافظ بصراحة إنه ينبغي الرحيل من المدينة التي رحل عنها «حسن الحديث» و«حسن القراءة».
«حسن الحديث وحسن القراءة لا يُمارسان في شيراز تعال يا حافظ لنلقي بأنفسنا إلى ملك آخر» «لقد جربنا حظنا في هذه المدينة ينبغي أن نخرج رحالنا من هذه الورطة» «ليس في هذا القوم معرفة، فابحث يا رب عن سبب لأحمل جوهرتي إلى مشترٍ آخر»
وصف البعض حافظ بأنه «ذاكرتنا» والبعض الآخر بأنه «ناطقتنا»، ولكن الأجدر أن نقول إن حافظ هو «مرآتنا». حافظ هو انعكاسنا وارتدادنا الفكري والثقافي؛ وهو بالطبع ليس مجرد «انعكاس سلبي»، بل هو «انعكاس نقدي».
حافظ ليس للتسلية والتطير والقال والقيل. حافظ ضرورة لـ«معرفة الذات»، وبدون التأمل فيه وفي تأملاته، لا يمكننا أبداً أن نعرف «الذات»، كما لا يمكن لأي «آخر» أن يعرفنا بدون هذا التأمل. «الذات»، دوماً، في جذرها، هي «تقليد»؛ هي نتاج ثقافي وظاهرة تاريخية، وبالتالي، فإن مشكلات ومعضلات هذه «الذات» لا يمكن تشخيص أمراضها، وتقصي جذورها، ومداواتها إلا بمعونة أفكار النقاد الثقافيين المتأملين والمتعمقين في هذا التقليد، أمثال حافظ؛ تُشخّص آلامها وتُحلّل، وتُوصف لها الأدوية لعلاجها إن أمكن.
نظرة حافظ النقدية للتقليد والثقافة الإيرانية والمعتقدات والقيم السائدة فيها، عميقة وجذرية إلى أقصى حد. حافظ، بكل وضوح، يكشف عيوبنا ولا ينظر نظرة تغاضٍ عن أخطائنا الفكرية المعادية للحياة والمدمّرة للبيوت. والطريف أن أحد الأخطاء والانحرافات الفكرية التي يراها حافظ في تقليدنا الفكري والثقافي هو أننا، على عكس «شيخه» (الإنسان المثالي الحافظي)، لا نغض الطرف عن العيوب. البحث عن العيوب هو العيب الكبير للإيرانيين. بالنسبة لحافظ، البحث عن العيوب هو إثبات للسفاهة وبرهان على انعدام الفن. (كل من يخلو من الفن يوجه نظره إلى العيب) لذلك، من الواضح إلى أي حد يكون الأفراد المبتلون بهذه البلية والذين يدّعون في الوقت نفسه أن «الفن عندهم وحدهم» على رأي باطل وطريق ضلال! لو لم تكن بلية البحث عن العيوب عند حافظ بلوى عامة في زمانه، لما كان هناك معنى لافتخاره وتباهيه بخلوّه منها، إلى جانب شهرته بالعشق.
«أنا الذي اشتهرت في المدينة بالعشق أنا الذي لم أدنّس عيني بالنظر السيئ»
الافتخار بالعشق أيضاً هو مدعاة فخر لحافظ لأنه في زمانه فن نادر وعزيز جداً. حافظ ليس في مدينة يفيض فيها العشق ويكثر، بل في مدينة هي مثال دمشق في قحط العشق، اشتهر بالعشق. حافظ في شعره، باستمرار، من جهة، يحذّر وينذر من الغرور بالنفس، ومن جهة أخرى، بالتشجيع والتحذير، يدعو إلى العشق:
«عاشق شو ار نه روزی کار جهان سر آید ناخوانده نقش مقصود در کارگاه هستی» «ای دل به کوی عشق گذاری نمیکنی اسباب جمع داری و کاری نمیکنی»
إن تتبّع العيوب، والرياء، والجزمية (الادعاء)، والغرور، وحب الراحة، هي من أبرز العيوب الثقافية التي رآها حافظ في إيرانيي زمانه. عيوبٌ للأسف لم تبقَ فحسب على قوتها حتى يومنا هذا، بل ازدادت حدةً وشدة.
من هنا، ينبغي لحافظ أن يكون لمجتمعنا، أبعد من شتى أنواع التسلية النظرية والعملية أو التفنن الأدبي والعلمي، ضرورةً لوعي ذاتي تاريخي وبعثٍ ثقافي.
عظمة حافظ ليست لأنه كان «ناقلاً» لثقافة الإيرانيين، بل عظمته تكمن في أنه كان «ناقداً» جاداً لهذه الثقافة. كما أن عظمة حافظ ليست لأنه وارث لثقافة عامة، بل عظمته تكمن في أنه يخلق عالمه الثقافي من باطن فرديته المتفتحة.
بشكل عام، يمكن القول إنه فقط إذا كان مرادنا من كلمة «ثقافة» هو «ثقافة فردية ونقدية»، حينها فقط تستحق هذه الكلمة مفهوماً إيجابياً وتحمل معنى إنسانياً قيّماً، وإلا فإن «الثقافة الجمعية والسلبية» هي ذاتها ثقافة القطيع ـ بتعبير نيتشه ـ التي هي في الواقع عين اللا ثقافة. بعبارة أخرى، كل إنسان لديه ثقافة، لكن الإنسان يُعتبر، بالمعنى الأخص للكلمة، فرداً مثقفاً فقط عندما لا تكون تلك الثقافة صفة موروثة وغير مكتسبة. الثقافة تكون قيّمة وجليلة فقط عندما تكون ثمرة كدح ناتج عن تفكر الإنسان وتفرّده. يمكن القول إن كون المرء مخلوقاً لثقافةٍ ما هو قدرٌ مشترك بين جميع البشر؛ ثقافة يمكن أن تكون ظلالها وجوانبها المظلمة أكثر من جوانبها المضيئة، وأبعادها المدمرة والمستهلكة والمناهضة للفردية أكثر من أبعادها الإيجابية والمزدهرة. أما أن يكون المرء خالقاً لثقافة ما، أو أن تكون له ثقافته الخاصة، فهو تدبير وقدرة خارقة هي فن نوابغ أمثال حافظ.
لا شك بالطبع أنه يمكن للمرء ألا يتفق مع بعض نقد حافظ وآرائه، شأنه في ذلك شأن أي ناقد ومفكر آخر. أساساً، يمكن بل ينبغي النظر إلى بعض أفكار الوجوه صانعة الثقافة مثل حافظ بوصفها آفات ثقافية، ناشئة عن محدودياتهم الفردية والتاريخية، وتقييمها. بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون الاشتغال على حافظ بمقاربة ومنهج نقدي، كما يجب تقييم نقوده هو أيضاً ونقدها بثاقب نظر واستنارة. ثقافتنا لا ينقصها الصنم وبيت الأصنام، لذا يجب الحذر من أن نصنع من أي محطم أصنام صنماً جديداً.
بهذه التفاصيل، يمكن القول إن «إيران الحافظية» هي إيران تُقدَّر فيها، في المقام الأول، فردانية المواطنين واختلافهم في الرأي، بصرف النظر عن أي وجهة أو مضمون. «إيران الحافظية» هي إيران يكون فيها التفكير الحر، والتسامح، واحترام الآخر، والفردانية قيمة ثقافية شاملة. «إيران الحافظية» هي إيران يشيع فيها حسن القراءة وفصاحة القول ويغزران إلى حد لا يضطر معه أحد، لأن تفكره وتفرّده لا يُحتملان، إلى أن يلقي بنفسه إلى مملكة أخرى.
على كل حال، فكرة «حافظ الإيراني» في غياب «إيران الحافظية» لا يمكن أن تكون مدعاة لأي بهجة أو فخر للإيرانيين. لأنها أولاً، لا تنال قسطاً من الحقيقة إلا بمعيار إقليمي وجغرافي، وثانياً، فالوطنية الواحدة والإقليم الواحد، كاللغة الواحدة والعرق الواحد، ليست فضيلة وإنجازاً إنسانياً بهياً، بل هي من جملة الأمور «المعطاة» و«غير المكتسبة» الناشئة عن الحظ والمصادفة. فكرة «حافظ الإيراني» في غياب «إيران الحافظية» هي علامة على «النرجسية الجمعية» التي يمكن أن تتحول إلى أيديولوجيا قومية مدمرة، ومن ثم، فهي ليست مدعاة فخر ثقافي، بل إثبات للفقر الثقافي. لقد أدرك شوبنهاور بحق أن القومية تتحول، عادة، إلى قيمة عليا باعثة على الفخر والاعتزاز في المجتمعات التي يفتقر أفرادها إلى الفردانية والقيم الناشئة عنها. من هذا المنظور، القومية هي فخر واعتزاز البشر الذين لا فخر لهم ولا اعتزاز.
لذا، ليس المهم أن يكون حافظ إيرانيًا أم لا، المهم أن تكون إيران حافظية؛ كما يمكن القول إنه ليس المهم أن يكون الخيّام إيرانيًا أم لا، المهم أن تكون إيران خيّامية؛ ليس المهم أن يكون مولانا إيرانيًا أم لا، المهم أن تكون إيران مولانوية. على أمل ذلك اليوم الذي لا يكون فيه همّ الإيرانيين وفخرهم أن حافظ إيراني ويحمل جنسية إيرانية، بل أن تكون إيران حافظية وأن يمتلك الإيرانيون ثقافة حافظية.
اقتفاءً بقول نيتشه عن هرقليطس يمكن القول "إن إيران ستحتاج دائمًا إلى حافظ، لأن إيران ستحتاج دائمًا إلى الحقيقة"، كما يمكن القول اقتباسًا من قول أدورنو عن هيغل "ليس الكلام عمّا يقوله حافظ لنا ولزماننا، بل الكلام عمّا يقوله زماننا لحافظ."
هامش: الشخصية أهم بكثير من القومية وتستحق أن تحظى باهتمام يفوقها ألف مرة... أكثر أنواع الغرور ابتذالاً هو الغرور القومي، لأن من يفتخر بقوميته لا يمتلك في ذاته صفة قيّمة تدعو للفخر، وإلا لما توسّل بشيء يشترك فيه مع آلاف مؤلفة من الناس. على العكس من ذلك، من يمتلك امتيازات فردية مهمة في شخصيته يرى نقائص أمته وأخطاءها أوضح من غيره، لأنه يصطدم بها باستمرار. أما كل جاهل وضيع لا فخر له في العالم، فيتوسّل كملاذ أخير بأمة هو جزء منها. مثل هذا الشخص مستعد وسعيد بأن يدافع عن كل خطأ وحماقة في أمته بأظافره وأسنانه. (آرثر شوبنهاور، في حكمة الحياة، ترجمة محمد مبشّري)
.
.
.
.
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
الفلسفة
الفن
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.