اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى آرش نراقي ضرورة تجاوز عموميات حقوق الإنسان إلى مصاديقها كحقوق الإثنيات، ويعتبر التنوير الديني ناجحاً في تبيين الأخلاق وعاجزاً عن أخلقة المجتمع. ويعزو تراجع تأثيره إلى هجرة الوجوه وانقطاع الصلة بنسيج المجتمع.

حوار أصغر زارع كهنمويي مع آرش نراقي
يمكن اعتبار الدكتور آرش نراقي أكثر المفكرين جرأةً طوال السنوات التي صار فيها الفكر الحديث والإنساني لـ«حقوق الإنسان» الخطابَ المهيمنَ على الأوساط السياسية والتنويرية؛ خطابٌ لم يبلغه حتى أكثر المثقفين تحديثاً، في بعض جوانبه، إما لعدم وصولهم إلى الإيمان العميق به وانخراطهم في إنكاره، وإما لنظرتهم الكاريكاتورية إلى مضمونه. في أكثر التقديرات تفاؤلاً، ثمّة نوعٌ من النسبية الثقافية الكبرى تسود توجّهات مثقفينا ورواياتهم عن حقوق الإنسان. آرش نراقي من هذه الناحية مفكر يسعى، بشكل صريح، خارج الأطر السائدة على العرف التنويري، إلى تجاوز النقاش حول المفهوم الكلي لحقوق الإنسان والولوج إلى مصاديقه واحداً تلو الآخر. لتقييم حصيلة التنوير الديني، يمكن أن يكون الحوار مع آرش نراقي، بوصفه أنشط ممثلي هذه المدرسة الفكرية في مجال حقوق الإنسان، مفيداً للغاية. في هذا الحوار، ينخرط فيلسوف الدين هذا، إلى جانب دفاعه التحليلي عن حصيلة التنوير الديني في تبيين النظرية الدينية واستساغة الحقوق الأساسية للإنسان، في تناول تحدياتها ونقاط ضعفها في تعريف المصاديق. وفي القسم الأخير من الحوار، يقدّم إجابات عن الأسئلة المتعلقة بأحد أهم مصاديق حقوق الإنسان، أي حقوق الجماعات الإثنية. وهو في هذا الصدد، يتحدث عن نظرية فلاسفة حقوق الإنسان الجدد، ويعتبر الحقوق الجماعية، إلى جانب الحقوق الفردية، مشمولة بحقوق الإنسان، ويصنّف حقوق الجماعات الإثنية في إطار هذه الحقوق، بوصفها لوازم للديمقراطية العادلة. ويقول: إن كان ثمّة من لا يقبل بحقوق الإثنيات، فهو أساساً لا يعتقد بحقوق الإنسان. وحلّه لرفع النزاعات الإثنية هو الحوار النقدي، وقبول الحقوق المتبادلة، والابتعاد عن الأجواء العاطفية وغير المنطقية. كما يتذمّر نراقي بشدّة من عدم اكتراث مؤسسة السلطة والمجتمع التنويري بحقوق الإثنيات.
لقد تحدثتم قبل خمس سنوات عن خمول التنوير الديني، وإلى جانب نقدكم للجوانب السياسية للتنوير الديني، أكدتم على ضرورة إعادة تعريف هذا النمط من التنوير. لقد قلتم: لقد حان الوقت الآن لكي يبذل مثقفونا الدينيون اهتمامهم التنويري في الأخلاق أكثر من السياسة. هل حدث ذلك؟ كيف تقوّمون حصيلة التفكير الأخلاقي للتنوير الديني؟ هل استطاع التنوير الديني أن يتجاوز الجانب السياسي الذي كانت بعض التيارات تؤجّجه، ليشرع في تبيين وتدوين مدرسته الأخلاقية الخاصة؟
- في رأيي أن الوجه السياسي للتنوير الديني لا مفرّ منه إلى حد كبير؛ ففي مجتمعنا، وخاصة بعد الثورة الإسلامية، اختلط الدين بأمر السلطة وأخذ يؤدي دوراً أبرز في ساحة الدولة والحكم. في هذه الظروف، يمكن لأي موقف إصلاحي من الدين أن يكتسب مضموناً وترجمة سياسية، ويدفع البعض إلى المعارضة أو المؤازرة. لذا من الطبيعي أن يتلامس مشروع التنوير الديني، عاجلاً أم آجلاً، مع السياسة. لكن قلقي كان من أن يُختزل مشروع التنوير الديني برمّته إلى جوانبه السياسية؛ لذا لم يكن مقصدي إنكار الجوانب السياسية لهذا المشروع، فهي غير قابلة للإنكار ولا ينبغي إنكارها. لكن في الوقت نفسه، ينبغي ألا ننسى أن الغاية الأساسية لهذا المشروع تتجاوز نطاق السياسة بكثير، وحصره في مجال السياسة يشوّه ماهية المشروع. فعلى سبيل المثال، من جملة مهام المثقفين الدينيين أن يعيدوا فهم العلاقة بين الدين والأخلاق، وأن يُظهروا تأثير هذا الفهم الجديد ونتائجه في مقام فهم المصادر والمعارف الدينية. في رأيي أن التنوير الديني حقق نجاحاً نسبياً في هذه المسألة الأخيرة. بمعنى أن المثقفين الدينيين، إلى جانب سائر مفكري المجتمع، نجحوا في إثارة نوع من الحساسية والاهتمام على الأقل إزاء المسائل النظرية الأخلاقية في المجتمع. حين كنت في إيران، كانت النقاشات المتعلقة بفلسفة الأخلاق مهجورة ومجهولة إلى حد كبير، لكن لحسن الحظ تُدرّس فلسفة الأخلاق اليوم في الجامعات، وتُؤلَّف وتُترجَم كتب في هذه المجالات، وأصبح البحث والتدريس في هذا الحقل مهنةً لبعض أهل العلم.
هل هذا كافٍ؟ وهل هو علامة على نجاح التنوير في مجال الأخلاق؟
- في تقديري، من حيث إن اهتمامنا قد انجذب إلى المباحث النظرية في الأخلاق وصار ذهننا، على الأقل، مطّلعاً على جملة من المسائل والتدقيقات الأخلاقية، فقد حدث تقدم إيجابي. لكنني لست على يقين من أن الإقبال النسبي على هذه المباحث النظرية في الأخلاق قد أفضى بالضرورة إلى جعل المجتمع أكثر أخلاقية. إن تحول المجتمع نحو الأخلاقية رهين بعوامل متعددة، والأعمال الفكرية والنظرية تشكل جزءاً يسيراً، وإن كان مهماً، من تلك العوامل. وإذا ما نظرنا من زاوية أخلاقية المجتمع، فإن قسماً كبيراً من العوامل المؤثرة في أخلاقية المجتمع يقع خارج نطاق اختيار المثقفين (سواء أكانوا دينيين أم غير دينيين). بطبيعة الحال، لا ينبغي أن نغفل عن حقيقة أن تيار التنوير الديني، وإن كان لا يزال تياراً مؤثراً في المجتمع الإيراني المعاصر، إلا أنه يبدو أن وتيرة تأثيره قد تراجعت، ولو بشكل مقطعي، لأسباب عدة. فعلى سبيل المثال، أحد أسباب تراجع هذا التأثير هو أن العديد من الوجوه المؤثرة في التنوير الديني قد اضطروا إلى مغادرة البلاد، وفقدوا بذلك إمكانية التواصل المباشر وجهاً لوجه مع الجيل الشاب ومع التحولات والقضايا التي يعاني منها هذا الجيل. صحيح أن تقنيات الاتصال الحديثة قد زادت كثيراً من إمكانيات التأثير والتأثر؛ إلا أن الاتصال المباشر بالجيل الشاب، والتعلم من تجاربهم والاطلاع على وضعهم الوجودي، وكذلك الكتابة والتعليم والتعلم في صميم المجتمع، وتلقي النقد والآراء مباشرة من قلب المجتمع، هي نقاط مهمة لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال أهميتها ودورها البنّاء والخلاق. ومن جهة أخرى، فإن كثيراً من المثقفين الدينيين الذين قدموا إلى خارج البلاد قد انخرطوا في أعمال أخرى تستنزف قسراً جزءاً من وقتهم وطاقتهم الفكرية والروحية، وتسلبهم أحياناً، إلى حد ما، التركيز النفسي والذهني اللازم للقيام بأعمال علمية جادة ومركزة. وبالطبع، فإن الحياة خارج البلاد قد جلبت معها أيضاً إمكانيات جديدة لأهل النظر يمكن أن تكون مفيدة جداً في موضعها. فعلى سبيل المثال، صار المفكرون المغتربون أكثر اطلاعاً على نمط العمل العلمي في البيئات التعليمية والبحثية ذات المعايير العالمية الرفيعة، واتسع أفق رؤيتهم وتجربتهم الشخصية والعلمية كثيراً وصار أكثر عالمية، كما أن حرية الفكر والتعبير وسهولة الوصول البالغة إلى مصادر المعرفة والفن المتعددة جعلتهم أكثر واقعية ووعياً بقدراتهم ونقاط ضعفهم، وأضافت، بمعنى من المعاني، إلى تواضعهم العلمي والثقافي، كما وفرت لهم أرضية أنسب للتفاعل مع مفكرين من أنحاء العالم الأخرى. ويحدونا الأمل في أن تفرز هذه التجربة على المدى الطويل جيلاً من أهل الفكر أوسع أفقاً وأكثر عالمية في تفكيرهم ومعيشتهم من الأجيال السابقة.
بمعزل عن هذه المسألة، يبدو أن التناقض الكامن في صلب التنوير الديني متدخل في الأمر أيضاً. فالتنوير الديني، كما يُفترض، ينبغي له، من حيث هو تنوير، أن يقترب من المشرب الأخلاقي العلماني، ومن حيث هو ديني، أن يقترب من المشرب الأخلاقي الديني. مع أي مدرسة أخلاقية ينسجم التنوير الديني بشكل أساسي أكثر؟
- لستُ واثقاً من أنني أدرك جيداً ما تعنيه بـ"الأخلاق العلمانية" في مقابل "الأخلاق الدينية". وفقاً للفهم الذي أحملُه عن الأخلاق، فإن الأخلاق في جوهرها أمرٌ مستقل عن الدين، وهي بتعبيركم "علمانية". في نظري، إن النظرية التي تعتقد أن اعتبار الأحكام الأخلاقية رهينٌ بحجية المصادر والمراجع الدينية هي نظرية خاطئة. بهذا المعنى، ليس لدينا ما يُسمى بالأخلاق الدينية. ولكن في إطار الأخلاق الجائزة، يمكن للدين أن يصف لأتباعه نظاماً أخلاقياً خاصاً يتناسب مع هدفه وغايته الخاصة. وهذا أشبه بأن تختار، في إطار النظام الغذائي الصحي، نظاماً غذائياً خاصاً بحسب الهدف الخاص الذي تضعه نصب عينيك. فمثلاً، أن تمتنع عن تناول بعض المواد الغذائية الصحية والجائزة، وتوجب على نفسك بعض المواد الصحية والجائزة. فعلى سبيل المثال، إذا أردت أن تصبح بطلاً في الجمباز، فينبغي أن تتبع نظاماً غذائياً صحياً لا يتطابق بالضرورة مع النظام الغذائي الصحي للمصارع. كلا النظامين صحي، لكن محتواهما يتغير بحسب هدفك. وعلى هذا القياس، فإن الأخلاق بمعناها العام علمانية، واعتبارها مستقل عن المصادر الدينية. ولكن في إطار الأخلاق المُعتبرة والجائزة، يمكن للدين أن ينظم نظامه الخاص الذي يتناسب أكثر مع غايات الدين. وبهذا المعنى يمكن اعتبار هذه الأخلاق "أخلاقاً دينية"، أي أخلاقاً تتناسب مع الغايات الدينية بشكل أعمق وأكبر. بعبارة أخرى، إذا كان أمرٌ ما غير جائز من المنظور الأخلاقي، فينبغي بالضرورة أن يُعتبر غير جائز من المنظور الديني أيضاً. ولكن إذا كان جائزاً من المنظور الأخلاقي، فلا يلزم أن يُعتبر جائزاً من المنظور الديني. شرط أخلاقية الدين هو ألا يُعلن الدين أي واجب أخلاقي مباحاً أو حراماً، وألا يعتبر أي حرام أخلاقي مباحاً أو واجباً. لكن يمكن للدين، بحسب غاياته، أن يُحرّم أو يُوجب بعض الأمور الجائزة أخلاقياً. في نظري، ينبغي على المثقفين الدينيين أولاً أن يوضحوا نوع العلاقات الجائزة بين الدين والأخلاق، وأن يوفروا إطاراً للتبادل الخلاق بين هذين المجالين، مع الحفاظ على هوية واستقلال معقول لكليهما. أما ما إذا كان أمرٌ ما جائزاً أخلاقياً أم لا، أو ما إذا كان القيام بأمر ما جائزاً من المنظور الديني أم لا، وما هو مضمون نظام "الأخلاق الدينية" (بالمعنى الذي أوضحته)، فهذا عمل يقع غالباً في مجال الأخلاق والإلهيات، وعلى المتكلمين المجددين، وليس بالضرورة المثقفين الدينيين، أن يتصدوا للبحث الدقيق في هذه الحالات. في نظري، هناك تمييز مهم بين مشروع "التنوير الديني" و"الإلهيات التجديدية" لم يحظَ للأسف بالاهتمام الكافي. فعمل المثقف الديني هو في الأساس عمل تنويري، وغايته الرئيسية هي بسط مشروع الحداثة وتوسيعه في سياق مجتمع ديني. أما عمل المتكلم المجدد فهو في الأساس عمل إلهياتي، وغايته الرئيسية هي إعادة فهم الدين وتنقيحه وتنسيقه والدفاع المستمر عنه، وفي أيامنا هذه، على المتكلم بالضرورة أن ينظم عمله الديني بملاحظة السياق الخاص لعصرنا الذي هو الحداثة. وبالطبع، فإن هذين المشروعين قد تداخلا كثيراً في الواقع العملي، لكنهما من حيث المفهوم مشروعان مستقلان ومنفصلان عن بعضهما. في سياق ما نحن بصدده، في نظري، أقصى ما يقوم به عمل المثقف الديني هو أن يوضح العلاقة بين الدين والأخلاق بشكل دقيق وقابل للدفاع عنه عقلاً؛ أما مهمة المتكلم المجدد فهي أن ينظم نظاماً أخلاقياً يتناسب أكثر مع غايات الدين، ويكون حساساً لمقتضيات العيش الديني للإنسان الحديث، ويساعد السالك في الطريق بشكل أكثر فعالية على إدراك الحضور الإلهي.
ينبغي أن نناقش موضوع المتكلم المجدد بشكل منفصل؛ ولكن، بالنظر إلى المهمة التي حددتها للتنوير الديني في مجال الأخلاق، في تقييم إجمالي، ما مدى قابلية سجل التنوير الديني للدفاع عنه في هذا المجال؟ بالطبع، ثمة شخصيات كملكيان وفنائي كانت لهم أنشطة بحثية في هذا الخصوص.
- أعتقد أن علينا أن نوضح ما نعنيه بـ«التوفيق». كنت قد قلت مرة في موضع ما إن التنوير الديني بلغ كماله من جهة ما، فظن البعض أنني قصدت أن التنويريين الدينيين قد أنجزوا كل ما ينبغي من أعمال وواجبات، ولم يعد ثمة عمل متبقٍّ عليهم. وهذا الفهم، في ظني، خاطئ. ما قصدته هو أن التنوير الديني استطاع أن يقدم، بنجاح، نموذجًا يمكن في إطاره التوفيق بين العيش الحديث والعيش الديني. لقد أرانا التنويريون الدينيون أن من الممكن للفرد أن يكون حديثًا وملتزمًا بأسس الحداثة، وفي الوقت نفسه ملتزمًا بأسس معتقداته الدينية. فإن كان مقصودكم من «التوفيق» هذا المعنى، فأظن أن هذا التوفيق قد تحقق للتنويريين الدينيين. أي أننا نملك الآن نموذجًا يمكن في إطاره الجمع بين الأمر العرفي (كالأخلاق العرفية والمدنية مثلًا) والأمر الديني. أما إن كان مقصودكم من «التوفيق» أبعد من ذلك، وكان سؤالكم هو: هل استطعنا، بناءً على هذا النموذج المقترح، أن نعيد عمليًا قراءة الفكر والعيش الديني في حوار مع التراث الديني في مجالات التاريخ، والفقه، والتفسير، وعلم الكلام، وغيرها، وأن نعيد على هذا الأساس تعريف بنية العيش الديني ومضمونه على أسس جديدة وننظمه، ففي هذه الحال، أرى أن علينا أن نقر بوجود أعمال كثيرة متبقية. لكني أظن أن آفاق هذا المشروع مفتوحة، وأن إيصال هذا العبء العظيم إلى غايته ليس عمل فرد أو فردين ولا جيل أو جيلين. هذه العملية ماضية قُدمًا، وحركتها وإن كانت بطيئة فإنها تبدو مستمرة. ليس لدي مقدمًا أي دليل لأقيّم مستقبل هذا المشروع بالفشل، بل على العكس، أظن أن آفاقه المستقبلية مفتوحة ومبشرة بالأمل.
وماذا عن مجال حقوق الإنسان؟ كيف يمكن تقييم حصيلة التنوير الديني في هذا الشأن؟ ما نصيب حقوق الإنسان في القراءات المختلفة للتنوير الديني؟ لقد قلتم في موضع ما: إن مسألة حقوق الإنسان تحولت إلى مسألة مهمة ومحورية في جميع الفروع المهمة تقريبًا لتيار التنوير الديني في إيران بعد الثورة. لكن يبدو أن التنوير الديني لم يقدم إجابات أساسية على بعض أبعاد حقوق الإنسان، كحقوق النساء، وفي أقسام أخرى، مثل حقوق الأقليات الإثنية، التزم الصمت أساسًا. فباستثناء سماحتكم، لم يتناول أي من ممثلي التنوير الديني هذه المقولة. فإذا كانوا قد وفقوا في مجال الأخلاق، فإنهم لم يحرزوا مثل هذا التوفيق في بُعد حقوق الإنسان.
- واجه المسلمون مشكلة مع حقوق الإنسان على مستويات مختلفة. كان السؤال الأساسي هو ما إذا كان مفهوم حقوق الإنسان، من حيث المبدأ، قابلاً للتوفيق مع فهم المسلمين للحقوق الإلهية والتكاليف التي فرضها الله على الإنسان أم لا. أي أن مفهوم حقوق الإنسان بدا وكأنه مفهوم غريب وغير منسجم مع الفكر والعيش الديني، وبالتالي، كان السؤال الرئيسي والأولي هو إمكانية التوافق بين هذين المجالين. في رأيي، انصبّ الاهتمام الرئيسي للجسم الرئيسي من المثقفين الدينيين حتى الآن على الإجابة عن هذا السؤال. تمثلت جهودهم في محاولة إظهار أنه بناءً على أي فهم وتصور للدين، لا يمكن للمسلمين فقط تنسيق فكرهم وعيشهم الديني مع مقتضيات حقوق الإنسان، بل وأكثر من ذلك، لماذا وبناءً على أي أدلة يجب اعتبار مراعاة واحترام مصاديق حقوق الإنسان شرطاً ضرورياً للتدين الإنساني والمتوافق مع العقل والأخلاق. إن أحد أهم الجهود، كنظرية القبض والبسط للدكتور سروش، أو كتابات الدكتور شبستري، أو المواقف الموجودة في كتابات الدكتور كديور أو المرحوم السيد قابل، تندرج ضمن هذه المسألة ذاتها، وحتى بعض الجهود التجديدية نسبياً للمرحوم آية الله منتظري أو آية الله صانعي يمكن اعتبارها إلى حد ما في هذا الاتجاه. تُظهر هذه الجهود إلى حد ما أنه في الفضاء الفكري لمجتمعنا، أولاً؛ اكتسب أصل مفهوم حقوق الإنسان، على الأقل بين جزء مهم من نخب المجتمع، احتراماً وقبولاً نسبياً؛ وثانياً؛ يميل الفكر الديني في مجتمعنا إلى تنظيم وإعادة تعريف نفسه بطريقة تفتح المجال لمفهوم حقوق الإنسان. هنا أيضاً، في رأيي، أدى المثقفون الدينيون دوراً مهماً من خلال تقديم نموذج يجعل هذا التوافق ممكناً. لكن النقاش حول حقوق الإنسان لا يقتصر، ولا ينبغي أن يقتصر، على هذا المستوى النظري والتجريدي. المستوى الآخر للنقاش، والذي هو في رأيي أكثر أهمية من بعض النواحي، هو أننا يجب أن ندخل في نقاش المصاديق ونفحص واحدة تلو الأخرى القضايا المبتلى بها والواقعية للحقوق الإنسانية والمواطنية في المجتمع من منظور حقوق الإنسان ونوضح مكانة تلك الأمور في إقليم الدين. في رأيي، إن الجسم الرئيسي لتيار التنوير الديني قد تحاشى، أو على أية حال تجنب، إلى حد كبير الدخول في نقاش مصداقي في مجال حقوق الإنسان لأسباب متعددة. وهذا بالطبع نقص يجب السعي إلى تداركه.
لماذا؟ لماذا اكتفى بالعموميات فحسب؟
- في رأيي أن أحد أسباب ذلك هو أن النقاش حين يتخذ طابعاً مصداقياً فإنه يثير حساسيات اجتماعية أوسع بكثير، سواء من جانب الشرائح التقليدية في المجتمع أو من مراكز السلطة السياسية. وأهم مجال في تقديري حاول فيه المثقفون الدينيون مناقشة مسألة حقوق الإنسان على نحو مصداقي هو النقاش حول الحريات، ومنها حرية التعبير وحرية الفكر. وهذا النقاش بالطبع من النقاشات الجوهرية للغاية، وإذا ما أمكن ضمان حرية التعبير والفكر في المجتمع، فإن الأرضية تنفتح لضمان سائر الحقوق الإنسانية. لعل التصور الاستراتيجي للمثقفين الدينيين كان أنه إذا استطعنا ترسيخ أهمية هذه الحقوق الأساسية وضرورتها في ذهنية المجتمع، فإن مناقشة سائر مصاديق حقوق الإنسان والمطالبة بها ستغدو عندئذ أيسر. وفي الوقت نفسه، سيكون إمكان التوافق الاجتماعي على هذه المصاديق من حقوق الإنسان أسهل، لأن شرائح اجتماعية مختلفة ستستفيد من مزاياها. أما إذا بدأت النقاش مثلاً بطرح حق تقرير المصير للقوميات، فستتورط فجأة في نقاش بالغ التوتر والانفعال، سيكون التوصل إلى اتفاق بشأنه، ولا سيما في غياب حريات مضمونة في مجال الفكر والتعبير، بالغ الصعوبة. لذلك، ينبغي أن تكون استراتيجية النقاش بشأن حقوق الإنسان هي أن ندافع أولاً عن الحقوق التي تحدد في الواقع قواعد اللعبة الديمقراطية والتي يكون إمكان التوافق العام عليها أكبر. وعندما تستقر قواعد اللعبة، فإن الساحة بالطبع ستنفتح لطرح سائر مصاديق حقوق الإنسان ومناقشتها بحرية ونقد. إذن، افتراضي هو أن جيل كبار المثقفين الدينيين كانوا على هذا التصور بأنه قبل الدخول في أي لعبة، من الأجدر بنا أن نسعى أولاً للتوافق في المجتمع حول قواعد لعبة ديمقراطية وعادلة، وأن نرسخ تلك القواعد في أذهان المواطنين وبنى المجتمع، ثم نفتح بعد ذلك ملف سائر مصاديق حقوق الإنسان التي قد تكون أكثر إثارة للجدل ويحتاج التوافق عليها إلى مزيد من النقاش والحوار العام النقدي. وفي الظروف التي تكون فيها قواعد اللعبة العامة قد استقرت إلى حد ما، فإن إمكان التوافق على سائر مصاديق حقوق الإنسان وتحقيقها على نحو فعال يتزايد. افتراضي هو أن المثقفين الدينيين كانوا يعتقدون أننا إذا استطعنا ترسيخ المبادئ الرئيسية وإطار الحوار الحر والعقلاني في المجتمع، وإقناع ذهنية المجتمع (ولا سيما الجماعات النافذة والمحددة لاتجاه المجتمع) بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، فإن الناس أنفسهم سيستنتجون النتائج العملية لتلك المبادئ النظرية، وسيدركون شيئاً فشيئاً حكم المصاديق الجزئية بأنفسهم على أساس تلك المبادئ. لكنني أرى في الظروف الراهنة، حيث توفر نوع من الإجماع على مبادئ حقوق الإنسان وأهمية هذه الحقوق، وحيث صار في حوزتنا نموذج يبين لنا إمكانية التوفيق بين مضمون حقوق الإنسان والمعتقدات الدينية، أن الوقت قد حان لكي ندخل في مناقشة المصاديق على نحو أخص وأوسع.
ألا يمكن أن يكون أحد أسباب عدم الولوج في التعارض والمصاديق، إضافة إلى الأسباب التي عددتها، هو وجود نوع من التعارض العميق بين المتدينين والمؤمنين من المثقفين، وبين الأسس الرئيسية لحقوق الإنسان؟ صحيح أن ثمة محاولات جرت لرفع هذه التعارضات لم تكن ناجحة تماماً. هذا الإحجام عن معالجة المصاديق قد يكون كامناً في هذه التعارضات، ففي مجال حقوق المرأة مثلاً لدينا إشكالية صريحة مع بعض الأسس الدينية الجوهرية. لم يستطيعوا في إطار حقوق الإنسان أن يوفقوا بين الحكم الديني أو حكم حقوق الإنسان أو النص الديني والنص البشري.
- في رأيي أن ملاحظتك ذكية وصائبة من حيث المبدأ. بمعنى أن المثقفين الدينيين الذين انبثقوا غالباً من قلب المجتمع التقليدي، قد أعادوا وبالتدريج فهم وتحديد علاقاتهم بمقولة حقوق الإنسان. وفي بعض الحالات، لم تكن أذهان المثقفين الدينيين أنفسهم واضحة بشأن بعض مصاديق حقوق الإنسان، ولا بد أن هذه الالتباسات أو الشكوك كانت تطفح في أعمالهم العلمية والثقافية. لكني أعتقد أن هناك فرقاً مهماً بين شكوك والتباسات المثقفين الدينيين في أيامنا هذه وتلك التي كانت لدى المتدينين في عصر المشروطة مثلاً. فعلى سبيل المثال، كان شخص مثل الشيخ فضل الله النوري يعتقد أساساً أن المفاهيم الجديدة كالحرية (باعتبارها مصداقاً من مصاديق حقوق الإنسان) تتعارض مع الشريعة الإلهية دون أي شك أو التباس. لذلك، لم يكن يعتبر تلك المصاديق مظهراً للفساد فحسب، بل كان يعتقد أنه لا توجد أساساً طريقة للتوفيق بين الدين وهذه الحقوق. لكن المسألة بالنسبة لعالم ديني متجدد مثل الدكتور كديور ليست كذلك على الإطلاق. فعالم ديني مثل الدكتور كديور لديه نموذج في مجال علم الدين يفتح في إطاره مكاناً لائقاً لحقوق الإنسان بشكل منسجم، وإن كان قد لا يعتبر الأمر الفلاني مصداقاً لحقوق الإنسان من حيث المصداق. لكن إذا اتضح له أن الأمر الفلاني هو مصداق من مصاديق حقوق الإنسان، فإن لديه في إطار نموذجه في علم الدين آليات مضبوطة ومنهجية تخبره كيف يصالح تلك الظاهرة مع نص الشريعة. الفرق الأساسي بين عالم مثل كديور والشيخ فضل الله هو أن الشيخ فضل الله كان ينكر حقوق الإنسان من الأساس ولا يؤمن بإمكانية التوافق بين تلك الحقوق والشريعة الإلهية، بينما يرى كديور أن هذا التوافق ضروري وممكن من حيث المبدأ. وبالطبع، كما أشرت، من الممكن تماماً أن يكون لدى كديور شكوك في بعض الحالات حول ما إذا كان ينبغي اعتبار الأمر الفلاني مصداقاً لحقوق الإنسان أم لا. لكنه إذا اعتبره مصداقاً لحقوق الإنسان، فإن إمكانية التوفيق بين ذلك الحق والشريعة تكون مفتوحة أمامه. دعوني أضرب مثلاً. مسألة حقوق المرأة هي مثال مصداقي جيد وجدير بالتأمل. أتذكر أنه قبل سنوات وفي جلسات كيان، كان بعض أصدقائنا من الأشخاص المتدينين ذوي الفكر المنفتح والمتجدد يعارضون مقولة النسوية وطرح الكثير مما كان يُعتبر "حقوقاً للمرأة"، وكانوا يعتبرونها ظاهرة غربية لا صلة لها بالثقافة الإيرانية-الإسلامية. لكن هؤلاء الأصدقاء أنفسهم أصبحوا اليوم من المدافعين المخلصين والأشداء عن حقوق المرأة، وقبلوا بمعنى من المعاني أهم دعاوى الحركات النسوية بخصوص حقوق المرأة. إذا قرأت كتابات الدكتور كديور الأخيرة فستجدها بليغة وواضحة جداً من هذه الناحية. فعندما توصل بصفته عالماً دينياً إلى نتيجة أن مسألة حقوق المرأة هي مسألة مهمة ومن مصاديق حقوق الإنسان المهمة، أدخل هذه النقطة في فتاواه واستنباطاته الدينية. كان هذا الأمر ممكناً بالنسبة له لأنه كان يمتلك مسبقاً نموذجاً في علم الدين تم فيه تبيين إمكانية التوافق بين حقوق الإنسان والفكر الديني بشكل جيد.
تحدثتم عن منهج تعامل علماء الدين مع المفاهيم الحديثة. من بين هذه المناهج، يقول شبستري: »تم تدوين حقوق الإنسان لتنظيم العلاقات بين البشر ولا تتعارض مع حقوق الله«. لكن فلاسفة علمانيين مثل محمد رضا نيكفر يعتبرون الجمع بينهما مستحيلاً أساساً لأنهم يرون أن ساحة وغاية كل منهما مختلفة تماماً. كيف توفقون بين هذين الرأيين؟ هل منهجكم هو رفض التصالح بينهما، كما عند كديور، وهو منهج داخل-ديني ويعتمد على أساليب الاجتهاد الحديثة، أم هو كما عند المجتهد شبستري خارج-ديني ويعتمد على المباحث التفسيرية الجديدة؟ أم أنكم تسلكون طريقاً آخر أساساً؟
- في رأيي، لا يوجد تعارض من هذه الناحية بين أصول منهج ونهج أشخاص مثل السيدين سروش وشبستري من جهة، والسيد كديور والمرحوم السيد قابل من جهة أخرى. انتبه إلى هذه النقطة، فعلى سبيل المثال، ينتمي شبستري وقابل إلى جيلين مختلفين. كان الدكتور شبستري من الرواد الذين كانوا، بمعنى ما، المبادرين إلى هذا النوع من المباحث، وسعوا إلى توفير إطار مبدئي لهذه المباحث، وبالتالي، كان منطلق بحثهم في الغالب خارجياً على الدين. أي أن المهمة الملحة للجيل الأول كانت تقديم نظرية في الدين حتى يتسنى لهم لاحقاً، بناءً عليها، المضي قدماً في أمر إصلاح وإعادة بناء الفكر الديني. بعد أن قدم هذا الجيل من المفكرين المسلمين نظريتهم الجديدة في الدين المتناسبة مع العقلانية الحديثة، توفر إطار يمكن للباحثين والعلماء الدينيين المجددين أن يراجعوا من خلاله تاريخ الدين ومصادره الدينية، وفي هذا الحوار الخلاق، يقدموا على ابتكارات فقهية أو تفسيرية أو لاهوتية. في رأيي، أحد الفروق المهمة بين الجيل الأول من المجددين المسلمين (مثل سروش وشبستري) والجيل الثاني من المجددين المسلمين (مثل كديور، وقابل، وإيازي) هو أن اهتمام الجيل الأول كان منصباً على المبادئ الأكثر أساسية في معرفة الدين لدى المسلمين، وسعوا من خلال تقرير نظرية أكثر تنقيحاً في الدين (التي تستلزم نظرة شبه خارجية إلى الدين) إلى تغيير نظرة ومنظور المسلم تجاه الدين ومصادره. أما اهتمام الجيل الثاني فكان أكثر انصباباً على أن يسعوا، في إطار نظرية الدين للجيل الأول (التي لم تكن بالطبع مقبولة لديهم بالكامل)، إلى تقديم فهم جديد لتاريخ الدين ومصادره، وقد استلزم هذا النوع من البحث، بالضرورة، نوعاً من النظرة الداخلية على الدين. وهذا يعني توسيعاً علمياً محققاً لمشروع من جيل إلى الجيل التالي. في رأيي، الإصلاح الديني هو في النهاية حصيلة هذين التيارين معاً أو هذين المستويين من النظر إلى الدين. أي أن علينا أن ننقح نظريتنا في الدين، وعلينا أيضاً أن ندخل من نافذة تلك النظرية في حوار تعاطفي، نقدي، وخلاق مع التراث والتاريخ الديني، وأن نظهر ترجمان تلك النظرية الدينية في متن التاريخ والتراث الديني.
لقد تناولتم في بحث بالغ الأهمية، رفض "النسبية الثقافية" في الالتزام العملي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. يبدو أن قسماً كبيراً من تيار التنوير في إيران، والذي يشمل التنوير الديني أيضاً، يقع بالضبط في شرك هذه النسبية الثقافية في تفسير حقوق الإنسان. لماذا؟ بصفتك فيلسوفاً، لماذا يسعى التنوير في إيران أساساً إلى تفسير حقوق الإنسان لصالح التيار الثقافي المهيمن على المناسبات الفكرية واللغوية؟ هل ينبع هذا التفسير من سوء فهم أو قصور في فهم فلسفة حقوق الإنسان، أم من الخوف المتراكم في ذهن وروح هذا الإنسان التقليدي خشية أن يخلق خطراً، أم أنه، في أسوأ التقديرات، متجذر في وهم التفوق لديه؟ لقد حاول هؤلاء تقديم قراءة لحقوق الإنسان ترجح أكثر لصالح مصالحهم الجماعية. لماذا الأمر هكذا؟ لماذا نحب أن نروي حتى حقوق الإنسان لصالحنا؟
- فكرة النسبوية الثقافية للأسف رائجة في العديد من أوساط العلوم الاجتماعية والإنسانية اليوم، وقبولها له في نظري أسباب متعددة. أنا بالطبع، وبالتفصيل الذي أوردته في كتاباتي، أعتبر النسبوية الثقافية موقفاً خاطئاً من الناحية الفلسفية. لكن نفي النسبوية الثقافية لا يعني أن العلماء والباحثين، في مقام فهم وتحليل المسائل التي يتأملونها ويبحثونها، مستقلون تماماً عن منظوماتهم القيمية ومعزولون عن تأثيرها أو يمكنهم أن يكونوا كذلك. فالأفراد مهما حاولوا لا يستطيعون أن يضعوا افتراضاتهم المسبقة وأحكامهم الذهنية المسبقة جانباً بشكل كامل. في الظاهراتية الفلسفية، يُطلق على تعليق هذه الافتراضات المسبقة والأحكام المسبقة اسم "الإيبوخيه" (epoché). إن التنحي المطلق عن الافتراضات المسبقة هو بالطبع أمر مستحيل، وعلى الأرجح غير مرغوب فيه. أقصى ما يمكن لباحث واعٍ ومسؤول أن يفعله، وما ينبغي له، هو أن يُعلن قدر الإمكان عن افتراضاته المسبقة وأحكامه الذهنية المسبقة، وأن يقيمها تقييماً نقدياً، وأن يتخلى عن تلك الافتراضات المسبقة التي لا أساس لها وغير المبررة. لكننا حتى في أفضل الأحوال نحضر في بحثنا بهويتنا الإنسانية الكاملة، ومن الطبيعي أن افتراضاتنا المسبقة وأحكامنا المسبقة، ومن ضمنها مصالحنا، سترافقنا وستؤدي دوراً في تشكيل النتيجة النهائية. لذلك، فإن أفضل طريقة هي أن يكون الفرد واعياً بهذه الافتراضات المسبقة وتأثيراتها وتأثراتها، وأن يعرض حصيلة فكره وبحثه على المجتمع العلمي للنقد. إن ثقافة النقد المؤسسية في المجتمع هي أفضل ضمان لتصحيح التأثيرات المنحرفة للمصالح والافتراضات المسبقة للأفراد في أحكامهم العلمية والبحثية. أستطيع أن أتصور تماماً أن مفكرينا ومثقفينا، بمن فيهم المثقفون الدينيون، في مقام مناقشاتهم وأحكامهم، قد يدفعون، عن قصد أو عن غير قصد، نتائج تأملاتهم ومناقشاتهم نحو اتجاه يكون أكثر توافقاً مع اهتماماتهم ومصالحهم. لكن علاج هذا الأمر، بالإضافة إلى المراقبات الشخصية، هو توسيع ثقافة النقد في الفضاء العام.
أحد أهم أوجه سوء الفهم هذه أو القراءات الخاطئة، هو في مجال حقوق القوميات. التيار الفكري السائد يروي حقوق الإنسان بشكل يخدم مصالح الجماعة الحاكمة وفي اتجاه إضعاف منابع حقوق القوميات. هناك نقاش مهم هنا وهو أنهم يضعون مقابل الحق كلمة أخرى اسمها المصلحة، ويطرحون كلمة المصلحة هذه بثقل كبير حتى لكأن كل ما هنالك هو المصلحة ولا شيء غيرها. في قراءتكم لحقوق الإنسان كمثقف ديني قرأ حقوق الإنسان لا كتوصية أخلاقية بل كحق ملزم، كيف هي نسبة الحق إلى المصلحة؟ هل الصلاح (من أي نوع كان) يغلب الحق (من نوع حقوق الإنسان)؟ أم أن حقوق الإنسان لها الأولوية على أي نوع من المصلحة تحت أي ظرف كان؟
- حتى لو اعتبرنا "المصلحة"، في أفضل تفسير، بمعنى "المصلحة أو المنافع الوطنية"، فإن ترجيح المصلحة على حقوق الإنسان يبقى غير قابل للدفاع عنه. على قدر ما أفهم، فإن أهم دور للحكومات وأهم أساس لمشروعيتها هو أن تكون حامية لمصالح المواطنين، وأهم مصلحة للمواطنين هي حماية حقوقهم. بعبارة أخرى، فلسفة تشكيل الحكومة وأساس مشروعيتها ليسا شيئاً سوى حماية الحقوق الإنسانية والمدنية للمواطنين. إن ضمان حقوق المواطنين هو أهم وأسمى مصلحة تلتزم الحكومات برعايتها. لذلك، فإن الحفاظ على المصالح الوطنية يستلزم رعاية حقوق الإنسان. وبالتالي، فحيثما تُنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين أو لمجموعة منهم بشكل واسع ومنهجي، تكون المصالح الوطنية قد تعرضت للاعتداء. هذا بالطبع لا يعني أن جميع الحقوق الأساسية للمواطنين تتحقق بالضرورة أو قابلة للتحقق تحت أي ظرف. على سبيل المثال، قد يحدث في بعض الحالات تعارض بين الحقوق الأساسية للمواطنين في مقام التحقق، أي أنه بسبب ظروف خاصة لا يكون من الممكن تحقيق جميع تلك الحقوق، أو أن تحقيق بعض الحقوق يستلزم تأجيل تحقيق بعض الحقوق الأساسية الأخرى. في هذه الظروف، من الممكن تماماً ألا يكون أمام الحكومة خيار سوى أن تقوم بشكل مؤقت بتحديد أولويات بين الحقوق الأساسية للمواطنين، وأن تحقق بعض حقوقهم الأساسية على حساب تأجيل (مؤقت) لتحقيق بعض حقوقهم الأساسية الأخرى. لكن هذه وضعية استثنائية تماماً، ولا يمكن تحديد مصاديق هذه الحالات الاستثنائية إلا من خلال العقل الجمعي وفي إطار حوار عقلاني حر وديمقراطي.
ما هي هذه الظروف الخاصة؟ إذ قد يستغل البعض هذا الترخيص.
- على سبيل المثال، افترضوا أنه في ظروف الحرب، تضطر الحكومة في بعض الحالات إلى تقييد بعض الحريات، بما في ذلك حرية التعبير للمواطنين، بشكل مؤقت من أجل الحفاظ على مصالح أكثر أهمية للمواطنين (على سبيل المثال، ضمان حياتهم وبقائهم). في هذه الظروف، يعتبر المواطنون أنفسهم هذا التقييد مشروعًا وفي اتجاه تأمين مصالحهم وحقوقهم. حقوق الإنسان هي حقوق محمية بشدة، ولا يمكن تقييد بعض هذه الحقوق لفترة محددة إلا في ظروف خاصة جدًا ومحددة. ولكن فيما يتعلق بحقوق الجماعات الإثنية، الحقيقة أنني لا أعرف حاليًا أي مصلحة تبرر تعليق حقوقهم. للأسف، إن إهمال حقوق الجماعات الإثنية وعدم الاعتراف بها في مجتمعنا متجذر في ذهنية قومية أبوية غُرست خصوصًا في العهد البهلوي في فكر المجتمع الإيراني، واستمرت للأسف حتى يومنا هذا. بالطبع، أظهر دستور الجمهورية الإسلامية نسبيًا حساسية إيجابية تجاه حقوق الجماعات الإثنية. على سبيل المثال، تنص المادة التاسعة عشرة من الدستور على أن "أبناء الشعب الإيراني من أي قومية أو قبيلة كانوا يتمتعون بحقوق متساوية، ولا يكون اللون أو العرق أو اللغة وما شابه ذلك سببًا للامتياز." وتضيف المادة الخامسة عشرة من الدستور: "استخدام اللغات المحلية والقومية في الصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية وتدريس آدابها في المدارس، إلى جانب اللغة الفارسية، حر." وتقول المادة الثامنة والأربعون: "في استغلال الموارد الطبيعية واستخدام المداخيل الوطنية على مستوى المحافظات وتوزيع الأنشطة الاقتصادية بين محافظات ومناطق البلاد المختلفة، يجب ألا يكون هناك تمييز، بحيث تتوفر لكل منطقة رأس المال والإمكانيات اللازمة حسب احتياجاتها وقابليتها للنمو." وتنص المادة المئة على أنه: "من أجل التقدم السريع للبرامج الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والصحية والثقافية والتعليمية وسائر الأمور الرفاهية عن طريق تعاون الناس مع مراعاة المقتضيات المحلية، تتم إدارة شؤون كل قرية أو ناحية أو مدينة أو محافظة بإشراف مجلس يسمى مجلس القرية أو الناحية أو المدينة أو المحافظة، ينتخب أعضاءه أهالي نفس المحل." وخصوصًا في الأشهر الأخيرة من رئاسة السيد خاتمي، اقترحت منظمة البرنامج والميزانية برنامجًا لإصلاح البنية المركزية للدولة كان أكثر البرامج تقدمًا التي أمكن طرحها في إطار الحكومة، وبرأيي، كان تنفيذه في ظروف سلطة الحكومة المركزية يمكن أن يكون خطوة مفيدة جدًا في إصلاح البنية السياسية المركزية وإحقاق حقوق الجماعات الإثنية وضمان الأمن الوطني للبلاد، لكن للأسف، لم تستطع هذه الاهتمامات والحساسيات في مقام العمل التغلب على النزعات المركزية. ومن المفارقات برأيي، أن عدم الاكتراث بحقوق الجماعات الإثنية هو أحد أهم العوامل التي يمكن أن تعرض الأمن الوطني الإيراني للخطر بشكل جدي في المستقبل. أتذكر أنه قبل سنوات، أعلن السيد علي يونسي بصفته وزيرًا للإعلام بصراحة أن التحديات الأمنية للعقد القادم في إيران ستكون اجتماعية وإثنية أكثر منها سياسية. برأيي، هذا كلام مدروس وخبير للغاية، وبقدر ما أفهم، فإن أفضل طريقة لتأمين الأمن الوطني وتوحيد المطالب المتنوعة للإثنيات والأمم المختلفة التي تعيش تحت مظلة دولة إيران ليست تجاهل مطالبهم المحقة وحقوقهم الفردية والجماعية، بل أفضل طريقة هي أن تُتاح لهم الفرصة للمشاركة الفاعلة في تقرير مصيرهم. عندما ترى الإثنيات الإيرانية المختلفة حقًا أن لها دورًا مؤثرًا في خلق الثقافة الوطنية وأن هويتها تنعكس في الهوية الوطنية، فإنها ستعتبر الهوية الوطنية ملكًا لها. إن شعور الانتماء هذا هو الذي يؤدي إلى قوام الهوية الوطنية ودوامها، لا أن تُصنع هوية مصطنعة من الأعلى وتُفرض على الآخرين، وكل من يسائل هذه الهيمنة غير المبررة يفقد فرصة الكلام وإبداء الرأي. إذا لم تستطع الإثنيات المشاركة بفاعلية في تقرير مصيرها ولم تنبع الهوية الوطنية من الأسفل إلى الأعلى، فحينئذٍ سيجد الأفراد "الهوية الوطنية" أمرًا تصنعيًا وأداة للتغطية على تضييع حقوقهم، ولن يستطيعوا الشعور بالانتماء تجاه تلك الهوية. في هذه الحالة، لا يمكن الحفاظ على قوام البلاد وتماسكها إلا باللجوء إلى القوة والقسر، وبمجرد أن تعتري القدرةَ المركزيةَ للحكومة نقصان، تشتد قوى الطرد المركزي ويتعرض أمن البلاد وسلامتها الإقليمية للخطر. إنني أشك حقيقةً في أن سياسة القمع الأبوية والترابط القسري هي طريقة يمكن الدفاع عنها من منظور أخلاقي، أو طريقة فعالة من منظور المصلحة للحفاظ على أمن البلاد وسلامتها الإقليمية.
الطريق الأكثر فاعلية وأخلاقية هو أن تُعترف الحقوق الجماعية للمجموعات الإثنية (إلى جانب حقوقهم الفردية بصفتهم مواطنين في مجتمع مدني) وأن يُنتقل، من جملة أمور، من مركزية البنية السياسية نحو نوع من تقاسم السلطة وفدرالية مدروسة. هذه الخطوة، في ظروف تسيطر فيها الحكومة المركزية على زمام الأمور، تؤمّن مصالح جميع الإثنيات، وبالتالي المصالح الوطنية، على نحو أكثر فاعلية.
أولئك الذين يعارضون وجهة نظركم هذه ولا يؤمنون بالاعتراف بحقوق القوميات، يقولون إن تحقيق هذه الحقوق سيضر بالموارد الوطنية ويعرض الأمن القومي للخطر ويؤدي إلى التقسيم. هل حقاً تعرض هذه الحقوق، كالتعليم باللغة الأم مثلاً، أمن البلاد للخطر؟
- من الواضح أنني أعارض هذا التحليل تماماً. أولئك الذين يعتقدون أن الاعتراف بحقوق القوميات يعرض الأمن القومي للخطر، لديهم تصور خاطئ تماماً عن الأمن والمصالح الوطنية. وكما أسلفت، فإن الموضوع برأيي عكس ذلك تماماً. إن أفضل وسيلة لضمان المصالح والأمن الوطنيين هي ضمان الحقوق الفردية والجماعية للشعب. بمعنى أن على الناس أن يروا أنفسهم جزءاً من المجتمع الأكبر لكي يشعروا بالانتماء وينهضوا للدفاع عن الكل. ينبغي تأمين الأمن القومي المستدام من هذا الطريق. الأمن الذي يتحقق عبر إهدار حقوق القوميات، إن تحقق، سيكون هشاً للغاية وغير مستدام، وسيتزعزع بمجرد تراجع قوة الحكومة المركزية. يجب أن يبدأ إصلاح هيكل السلطة والاعتراف بالحقوق الجماعية للقوميات الإيرانية في ظروف تمتلك فيها الحكومة المركزية القوة الكافية لتنفيذ هذه العملية بشكل مضبوط وتدريجي، وتستطيع أن تهيئ الظروف رويداً رويداً لكي تتولى القوميات، ضمن إطار واضح ومحدد، تقرير مصيرها ومقدراتها بنفسها. عندها ستكون الحصيلة الكلية لهذه العملية وحدة سياسية تتشكل من المشاركة الواعية والحرة لأفرادها، ويستطيع كل فرد أن يجد انعكاساً لذاته في ذلك الكل، ويعتبر نفسه من ذلك الكل ويعتبر ذلك الكل ملكاً له. على سبيل التشبيه، يشبه الأمر أن ترغب في تقوية أواصر أسرتك ومنع انهيارها. إحدى الطرق هي أن يحترم أفراد الأسرة حقوق بعضهم البعض ويبقوا معاً في علاقة قائمة على الحب والاحترام المتبادل، ومع مراعاة حقوق وحدود بعضهم البعض، ويسعوا لرفعة الأسرة. هنا يعتبر الأبناء والوالدون أنفسهم من الأسرة ويعتبرون الأسرة ملكاً لهم. لكن في النموذج الآخر، يسعى رب الأسرة، خوفاً من أن يتمرد زوجه أو أبناؤه ويتحدوا سلطته، إلى إرغام أفراد الأسرة على الإذعان عبر أنواع الضغوط (كالقوة الجسدية أو الاقتصادية). إن مؤسسة الأسرة المبنية على القوة والخوف لن تدوم طويلاً، وبمجرد أن يشيخ رب الأسرة أو تضعف قوة أدوات ضغطه، سيبحث كل فرد عن طريقه للخروج من كنف الأسرة.
إن معارضة حقوق القوميات هذه لها بعدان، أشرتم بصراحة إلى أحدهما وهو المتعلق بمؤسسة السلطة، لكن هناك بعداً خفياً لكنه قوي يتمثل في المجتمع المدني. أي أن هناك مثقفين وصحفيين وغيرهم لديهم خوف رهيب جداً من طرح هذه النقاشات. مثلاً، في اليوم العالمي للغة الأم، تستغل القوميات هذا اليوم لطرح حقوقها؛ لكن في المقابل، يتخذ المجتمع المدني الذي يسيطر على الصحف ودور النشر موقفاً دفاعياً حاداً. وهؤلاء يعترفون بأنهم يؤمنون بحقوق الإنسان وينادون بالديمقراطية؛ لكنهم يتخذون موقفاً دفاعياً حاداً بشأن حقوق القوميات. أنتم تتحدثون عن حقين كبيرين في مجال الجماعات القومية؛ أحدهما "حق تقرير المصير" والآخر "حق الطلاق السياسي". هذان الحقان، وخاصة الثاني منهما، لقيَا من جهة إقبالاً كبيراً من الأقليات (سواء كانت دينية أو عددية) ومن جهة أخرى، تعرضا لانتقادات وتحذيرات كثيرة من النخب القومية. على أي نص قانوني تستندون في طرح حق الطلاق السياسي، وما هو أساساً الجذر الفلسفي القانوني لهذا القول؟ لقد قال البعض إن نراقي بهذا الكلام قد نظّر لتقسيم البلاد!
- حينما تكتبون قانون الزواج (مثلاً) في مجتمع ما وتحددون شروطه، فلا بد لكم بالضرورة أن تحددوا إلى جانب ذلك شروط الطلاق العادلة. لكن حينما تكتبون شروط الطلاق في متن القانون، فليس معنى ذلك أنكم بصدد التشجيع على الطلاق. فالمرأة التي تطالب المشرِّع بحق الطلاق، ليس قصدها بالضرورة أن تطلّق زوجها. لكنها تريد أن تطمئن إلى أن مؤسسة أسرتها قد بُنيت على أساس عادل قائم على مراعاة حقوق الطرفين، وأنها إن خرج شريك حياتها في ظرف ما عن جادة العدل والإنصاف، فلن تكون مضطرة بدافع الذل إلى الرضوخ للمهانة والتفريط في كرامتها الإنسانية. إنكم بتعريف حقوق الطرفين في الزواج والطلاق تعريفاً منصفاً، تسعون إلى تنظيم العلاقات الأسرية في قالب من العلاقات العادلة والمحترمة التي تُصان فيها حقوق الطرفين وكرامتهما. وعليه، فليس معنى الاعتراف بحق الطلاق أننا نريد تفكيك الأسرة، بل معناه أننا نريد تعريف هذه المؤسسة في إطار تكون فيه حقوق وكرامة جميع أعضاء هذا العقد مصونة ومحترمة. والذين يعترضون على حق الطلاق هم غالباً رجال يريدون، في غياب حق الطلاق، أن ينزلوا ما يشاءون من بلاء برؤوس زوجاتهم وأبنائهم. وقياساً على ذلك، فإن القلقين من الاعتراف بحق الطلاق السياسي يخشون غالباً من أن تتعرض سلطتهم الأحادية للخلل. ليس الاعتراف بحق الطلاق السياسي معناه أن يهيم كل أحد في وادي الانفصال؛ بل معناه أن علاقات القوميات والأمم ينبغي أن تُعرَّف في إطار تُضمن فيه حقوق وكرامة طرفي العقد بشكل منصف. إن النظرة الأبوية التي نراها في مؤسسة الأسرة، تعيد إنتاج نفسها بنحو آخر في البنية السياسية الاستبدادية والهيمنية. حق الطلاق السياسي هو من الحقوق المسلّمة التي تكتسب موضوعيتها في ظروف خاصة ومحددة، ويصبح أصحابها مكلفين تجاه تحقق ذلك الحق. وفي الوثائق الدولية لحقوق الإنسان أيضاً، تم الاعتراف بهذا الحق في ثلاث حالات على الأقل. فعلى سبيل المثال، في الظروف التي تُنتهك فيها الحقوق الأساسية لمجموعة قومية بشكل منهجي وواسع النطاق، يصبح هذا الحق مسلَّماً للقوم الواقع عليه الظلم. لكن أفضل وسيلة لجعل حق الطلاق السياسي بلا موضوع، هي الاعتراف بحق تقرير المصير. إن حق تقرير المصير هو من مصاديق حقوق الإنسان الأساسية، وهو في مرتبة الحق في الأمن والحق في العيش، وانتهاكه هو انتهاك صريح لحقوق الإنسان. وعليه، فإن أكثر الوسائل تبريراً لمواجهة النزعات الانفصالية هي الاعتراف بحق تقرير المصير للقوميات والأمم الإيرانية. وفي رأيي، في الظروف الراهنة، فإن الخطة التي كانت قد اقترحتها منظمة البرنامج والموازنة في حكومة خاتمي بهذا الشأن، هي أفضل نقطة انطلاق عملية لهذه العملية.
يقول البعض إنكم إذا اعترفتم بالحق الفردي للأفراد في المجتمع، فإن الحق الجمعي يتحقق تبعاً لذلك، ولم تعد هناك حاجة لمتابعة قضايا مثل حقوق القوميات التي تدل على الجمع.
- في رأيي، هذا الاستدلال غير صحيح. صحيح أن الرواية الكلاسيكية لحقوق الإنسان كانت تُفهم غالباً على أنها تشمل الحقوق الفردية فقط. وقد نظر التقليد القانوني الليبرالي طويلاً إلى مقولة الحقوق الجماعية بعين الريبة، أو افترض في أحسن الأحوال أن تأمين الحقوق الفردية يؤدي تلقائياً إلى تأمين الحقوق الجماعية للأفراد. لكن الواقع أن العديد من الحقوقيين الليبراليين اليوم يقرّون أيضاً، بمعنى ما، بالهوية المستقلة وغير القابلة للاختزال للحقوق الجماعية، ويعتقدون أن مذهب الاختزال (أي المذهب القائل بأن الحقوق الجماعية قابلة للاختزال إلى الحقوق الفردية، وأن تأمين الثانية هو عين تأمين الأولى) لا يمكن الدفاع عنه. ولهذا السبب نحن أمام رواية أحدث لحقوق الإنسان تشمل الحقوق الجماعية أيضاً. وللأسف، فإن هذه الرواية الجديدة لحقوق الإنسان أقل شهرة لدينا. وفي هذه الرواية الجديدة، فإن أوضح ترجمان للحقوق الجماعية هو الاعتراف بحقوق الجماعات الإثنية، بما في ذلك حقها في تقرير المصير. وعليه، فإن احترام بعض الحقوق الجماعية، كحق تقرير المصير وكذلك حق الطلاق السياسي، هو من مصاديق احترام حقوق الإنسان (والأول، أي "حق تقرير المصير"، هو من مصاديق "الحقوق الأساسية" للبشر). وبهذا الاعتبار، أعتقد أن على المدافعين عن الديمقراطية العادلة أن يعترفوا بالحقوق الجماعية للمواطنين في الوقت الذي يدافعون فيه عن حقوقهم الفردية. إن الوجه المميز للديمقراطية العادلة هو احترام الحقوق الأساسية للمواطنين (وخصوصاً الأقليات). فالديمقراطية التي لا تلتزم بركن العدالة هذا تنفي الديكتاتورية الفردية، ولكنها تُحل محلها الديكتاتورية الجماعية. وأضيف هنا، أنه في الديمقراطية العادلة، معيار النجاح هو ضمان حقوق الأقلية، وبهذا الاعتبار، فإن أهم رمز للديمقراطية والمؤسسة الضامنة لها هو السلطة القضائية المستقلة. فوظيفة السلطة القضائية هي ألا تسمح للحكومة بانتهاك حقوق الأقليات تحت عنوان المصلحة العامة، وهذا هو جوهر الديمقراطية العادلة. أما في الديمقراطيات التي تقوم فقط على أساس رأي الأكثرية (وليس احترام حقوق الأقليات)، فإن رمز الديمقراطية ومؤسستها الضامنة هو الانتخابات الحرة وخصوصاً السلطة التنفيذية.
النقطة الموجودة هي أن البعض قد يؤمن بهذه المفاهيم نظرياً، لكنهم لا يذعنون عملياً لمثل هذه القيم المساواتية. كيف يمكن متابعة المسألة عملياً؟
- من الناحية العملية، توجد مشكلات جدية. النقاش حول الوطن نقاش حاد ومحتدم. حين يتحدث الناس عن هذا الأمر، فإنهم يتخذون موقفًا عاطفيًا بشدة، وفي فضاء العواطف المتأججة تقل إمكانية النقاش المتزن والعقلاني. برأيي، أول ما ينبغي فعله هو أن نسعى لإخراج النقاش المتعلق بحقوق المجموعات الإثنية من الأجواء الانفعالية والعاطفية، كي لا ننزلق سريعًا إلى هاوية المواقف المتطرفة، أي القومية الأبوية من جهة، والنزعة الانفصالية الإثنية الراديكالية من جهة أخرى. القومية الأبوية والنزعة الانفصالية الإثنية الراديكالية وجهان لعملة واحدة، والانزلاق إلى هذين الحدّين من الإفراط والتفريط يحدّ من إمكانية الحوار المنطقي والبنّاء. من جهة، يرى القوميون الأبويون أن التعايش الوطني يعني خضوع جميع المجموعات تحت الهيمنة المطلقة للحكومة المركزية، ويعتبرون أي مطالبة بحق تقرير المصير مصداقًا للنزعة الانفصالية ومحاولة لتجزئة السيادة الإقليمية للبلاد. ومن جهة أخرى، يستبعد الانفصاليون الإثنيون الراديكاليون فكرة التعايش من أساسها، ولا يعتبرونها قابلة للحوار. كلا الخطابين متشكك في إمكانية التعايش السلمي القائم على الاحترام المتبادل لحقوق وكرامة بعضهم البعض. لكن برأيي، على أولئك الحساسين تجاه الأمن القومي والحقوق الجماعية للإثنيات معًا، أن يدعموا خطابًا وسطيًا يتجنب الانفعال واتخاذ مواقف غير عادلة أو راديكالية، ويسعى بالتدريج، على أساس حوار عقلاني وحر في الفضاء العام، لإيجاد نموذج للتعايش العادل والقائم على الاحترام المتبادل، ويجعله أساسًا للتوافق والتعاطف والتعاون على المستوى الوطني. على أي حال، برأيي، أن نموذج المشاركة العامة والتعايش الوطني هذا، أيًا كان، لا بد أن يحترم الحقوق الفردية والجماعية لمختلف الملل، وأن يوفر مجالًا حقيقيًا لتشارك جميع الإثنيات بفاعلية في تقرير مصيرها، وأن تكون الهوية الوطنية انعكاسًا لهويتهم الإثنية أيضًا. التعايش السلمي لا يتحقق إلا عبر حوار جاد وصريح، لكنه ملتزم بالعقل والإنصاف، وأولئك الذين يغلقون فضاء الحوار في الساحة العامة باتخاذ الأساليب الأبوية أو النزاعات الراديكالية، يهيئون في النهاية ظروفًا تُحدد فيها مقدرات الناس بمعادلات خارج الحدود، وستكون النتيجة بالطبع مؤسفة.
يقسم الأستاذ ملكيان القضايا البشرية إلى قسمين: موضوعية وذاتية، ويعتبر الحقوق الطبيعية للإثنيات من جملة القضايا الموضوعية بالفعل، ويقول: إن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان الطبيعية هي موضوعية بالفعل، وعليه لا ينبغي أن تُطرح للتصويت العام. أنتم تقولون: ينبغي تقييد قاعدة الأكثرية بقيد مهم: مراعاة حقوق الأقلية. بتعبير آخر، لا تستطيع/لا ينبغي للأكثرية أن تسن قوانين ملزمة في الساحة العامة تنتهك الحقوق الأساسية للأقلية (بما في ذلك حقهم في أن يصبحوا أكثرية). الإشكال هو: في مجال "الحقوق الجماعية للأقلية"، كيف يمكن تبيين حقوق الإنسان الطبيعية دون قياس رأي الأكثرية التي تمتلك هي الأخرى حقًا جماعيًا، بحيث لا يحدث تزاحم في الحقوق ولا يؤدي هذا الأمر إلى سلب حقوق الأكثرية؟ يقول البعض إن تأمين حقوق الأقلية دون الالتفات لرأي الأكثرية، قد يؤدي إلى الإضرار بحقوق الأكثرية. بمعنى أنه من الممكن أن يتضرر الفرس من رغبة الأكراد في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
- برأيي، ينبغي التمييز بين مستويات مختلفة من صنع القرار السياسي والاجتماعي. فبعض القرارات تتعلق أساسًا بمسائل إقليمية. على سبيل المثال، ينبغي إسناد تعيين المحافظ أو غيره من المسؤولين التنفيذيين والقضائيين في منطقة ما، إلى حد كبير جدًا، إلى سكان تلك المحافظة أو المنطقة أنفسهم. فعلى سبيل المثال، يجب أن يُختار محافظ منطقة كردية سنية من بين الأكراد السنة في تلك المنطقة نفسها. لكن بعض القرارات تتعلق بمسائل تمس مصير جميع أبناء البلد. وفي هذه الحالات، يجب أن يشارك جميع أبناء البلد في صنع القرار. على سبيل المثال، في أمريكا، لكل ولاية حاكمها وبرلمانها ومحاكمها الخاصة. وهي تدير شؤونها الداخلية بشكل مستقل إلى حد كبير. لكن في الوقت نفسه، يشارك جميع المواطنين في المسائل الوطنية. ويمكن أن تكون المشاركة في المسائل الوطنية مباشرة (مثل انتخاب رئيس الجمهورية) أو غير مباشرة، أي من خلال إرسال ممثلين إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ. لدينا أمثلة عملية كثيرة تظهر أنه يمكن أن تكون هناك نماذج ناجحة لنظام صنع القرار على المستويين الإقليمي والوطني، تكون فعالة وعادلة في آنٍ معًا. وكما أشرت سابقًا، فإن مشروع منظمة البرنامج والميزانية في حكومة خاتمي هو نموذج محلي جيد للتطبيق العملي لنموذج التعايش السلمي والعادل للقوميات الإيرانية، وبقدر ما أرى، لا يوجد أي دليل قبلي يدعونا للظن بأن هذا الأسلوب في إدارة البلاد لن يكون ناجحًا.
أود أن أطرح مشكلة أكثر تطبيقية. لقد أجرينا هذا الحوار، وسأضطر للتشاور كثيرًا، وسيتعين على أصدقائي في المجلة التحلي بالكثير من الجرأة حتى نتمكن من نشر النص الكامل لهذا الحوار. لقد سمم القوميون المتطرفون، المتواجدون في جميع وسائل الإعلام الرسمية، الأجواء لدرجة أن طرح أي مفاهيم للحقوق القومية ومباحث من هذا القبيل، بما في ذلك هذا الحوار، يبدو مستحيلًا. كثير من المثقفين والنخب السياسية والثقافية والأكاديمية لا يتحملون هذه المباحث. نحن نتحدث في هذا الفضاء. في هذا الفضاء الوهمي، ماذا ينبغي أن نفعل؟ هناك حراسة مشددة ضد مذكرة من ألف كلمة حول اللغة الأم. والآن تتحدث أنت عن النظام الفيدرالي. أشخاص مثلي يريدون تشكيل خطاب متوازن، ماذا ينبغي أن يفعلوا؟
- إني أشاركك قلقك. لكن يجب ألا ننسى أن الاهتمام بمسألة حقوق الأقليات، بما في ذلك الحقوق الجماعية للمجموعات القومية، قد أصبح أكثر جدية تدريجيًا على المستويين العالمي والوطني. وبرأيي، فإن هذا الموضوع سيفتح لنفسه مكانًا أهم بكثير وبسرعة في الخطاب السياسي والاجتماعي لمجتمعنا. فعلى سبيل المثال، تلاحظون أنه في الحملات الانتخابية، خصوصًا انتخابات رئاسة الجمهورية، تحظى المطالب القومية باهتمام متزايد شيئًا فشيئًا، ويسعى مرشحو الرئاسة إلى تضمين المطالب القومية في برامجهم الانتخابية أكثر فأكثر. ومن ناحية أخرى، فإن مجرد قيام مجموعة من رجال الدولة في الجمهورية الإسلامية في عهد السيد خاتمي باقتراح مشروع تقدمي وذكي لإصلاح البنية السياسية المركزية، يُظهر أنه توجد بين رجال الدولة والسياسيين أيضًا عروق من هذا الوعي والبصيرة. على أي حال، يجب العمل على طرح هذه المباحث في فضاء علمي وعقلاني مع مراعاة قدرة المجتمع المدني والسياسي. فالحوار الحر والعقلاني هو الخطوة الأولى للتوافق على أي حل فعال ومنصف. وبرأيي، ورغم كل المشاكل التي أشرت إليها بحق، فإنه لا يزال من المبكر جدًا لليأس!
أرجو أن تقدم توضيحًا أكثر قليلًا حول هذه الوثيقة، فمن المحتمل أن كثيرين ليست لديهم معلومات عن هذا المشروع.
- في الولاية الثانية للسيد خاتمي، أعدت منظمة التخطيط والميزانية مشروعاً كان شديد القرب من نموذج النظام الفيدرالي، وكان هدفه الأساسي تقليل تمركز سلطة الدولة في المركز وإسناد جزء مهم من صلاحيات وقوة الحكومة المركزية إلى المحافظات وسكان تلك المناطق أنفسهم. ووفقاً لهذا المشروع، كانت محافظات البلاد ستُقسم إلى تسع مناطق جغرافية، وتُصنف شؤون البلاد في ثلاث مجموعات: شؤون وطنية، وشؤون محافظات، وشؤون مناطقية. وكان الهدف أن يُرفع تدبير الشؤون المحافظاتية والمناطقية إلى حد كبير عن كاهل الحكومة المركزية ويُحال إلى مجال تدبير سكان تلك المناطق. في الواقع، كان هذا النموذج يسعى إلى اقتراح طريق وسط بين نظام مركزي كامل ونظام فيدرالي كامل. على أية حال، في رأيي أن هذا المشروع كان قد اقتُرح بناءً على هاجس ذكي إزاء الأمن الوطني، ومع الأسف لم تُتح له فرصة التنفيذ قط. ومما يبعث على الأسف أكثر، أنه يبدو أن الحكومات اللاحقة لم تتجاهل التوصيات الذكية لذلك البرنامج فحسب، بل انتهجت سلوكاً مناقضاً له تماماً، وبدلاً من الاهتمام والحساسية إزاء المطالب القومية والمناطقية، مضت قُدُماً نحو تقييد حريات وحقوق المجموعات القومية، وبالطبع يمكننا الآن أن نرى شيئاً فشيئاً عواقب هذه السياسات غير المدروسة في نمو تيارات وجماعات راديكالية وعنيفة في المناطق الهامشية من البلاد، وفضلاً عن ذلك، يبدو أن إحدى سياسات القوى الخارجية للضغط على الحكومة المركزية هي تأجيج المطالب القومية وتحريك ودعم الجماعات الراديكالية والانفصالية، وهذا الأمر بالطبع يضر بدوره بإحساس الحكومة المركزية بالثقة بالنفس، كما يفاقم شعور الريبة لدى رجال الدولة في المركز. وهذه المسألة بالذات تدفع الحكومة المركزية إلى زيادة ضغطها، خصوصاً على القوميات المحيطية. وفي هذا المناخ، بطبيعة الحال، تكون المطالب المحقة لهذه القوميات هي الضحية، دون أن يتحقق أمن مستدام من هذه الأساليب.
سيدي الدكتور، ما هو قولكم في هذا الشأن للمثقفين، وخصوصاً المثقفين الدينيين، بخصوص تجاهل حقوق القوميات من جانب هؤلاء أنفسهم؟ أنا كصحفي، عندما أتواصل مع أطياف مختلفة من النخب الثقافية، أرى أنهم يقاومون حقوق المجموعات القومية بشدة، وربما أشد من مؤسسة السلطة، بل ويقومون بإجراءات عملية ضد حقوق القوميات. يمكن تحليل الفضاء السياسي بسهولة أكبر، لكن هذه المسألة أصعب بكثير من النقاش حول سلوك السلطة الحاكمة.
- اقتراحي هو أن نطرح مسألة حقوق القوميات في إطار مسألة حقوق الإنسان، وبدلاً من أن نقلق على مثقفي الجيل الماضي، نستثمر في الجيل الجديد من مثقفي المجتمع. وبخاصة أنتم الذين تتعاملون مع وسائل الإعلام، يمكنكم أن توفروا تدريجياً فضاءً للحوار العلمي الهادئ والرصين حول هذه المقولات المهمة بين المتخصصين وأصحاب الرأي من أهل الفن والغيورين. دعونا لا ننس أن تقنيات الاتصال الجديدة قد أوجدت فضاءات جديدة للحوار العام هي خارجة إلى حد كبير عن سيطرة الرقابات والضوابط المقيدة، ولعل هذه الفضاءات تتيح مجالاً أفضل للنقاش وتبادل الآراء حول هذه المقولات الحساسة. وفي الوقت نفسه، أرى أن من المفروض على المفكرين وأصحاب الرأي الذين ينتمون هم أنفسهم إلى مجموعات قومية، أن يدخلوا إلى الحوار العام بوصفهم القومي وأن يمنحوا صوتاً للمطالب القومية لشعوبهم. نحن لا نفتقر إلى المفكرين الأكراد والترك واللر والبلوش والتركمان والعرب وغيرهم. هؤلاء المفكرون هم أفضل من يستطيع أن يمنح صوتاً لهموم شعوبهم ومطالبهم المحقة وأن يلفت الانتباه الوطني إلى هذه الأمور. مع الأسف، ليس المثقفون المتمركزون في المركز وحدهم هم من كانوا مقصرين وقليلي الاهتمام في مجال المسائل المتعلقة بحقوق المجموعات القومية. النخب القومية أيضاً مقصرة جداً في هذه المجالات. يبدو أحياناً أن أهم صوت يصل إلى الأسماع من القوميات هو صوت النزعة الانفصالية. أنا بالطبع أعتبر النزعة الانفصالية، في ظل ظروف معينة، حقاً للقوميات؛ لكن النزعة الانفصالية هي الحل الأخير وتتعلق بظروف خاصة واستثنائية للغاية. قبل ذلك وأكثر منه، من الأفضل أن نتحاور حول شروط التعايش السلمي والعادل. أعتقد أن المتطرفين المتمركزين حول المركز قد يكونون راضين عن تصعيد خطابات النزعة الانفصالية، لأنهم يظنون أن قمع المطالب القومية تحت لواء الدفاع عن وحدة أراضي البلاد سيكون بهذه الطريقة أسهل بكثير. أنا بالطبع على اطلاع، إلى حد ما، على مشكلات ومضايقات النخب القومية في مقام طرح المطالب القومية المحقة. لكن مع الأسف، نرى التقصير في صياغة نموذج معقول وواقعي وعادل للتعايش السلمي للقوميات الإيرانية حتى بين أصحاب الرأي والخبراء المقيمين في الخارج. نحن لا نفتقر إلى خبراء بارزين أكراد وترك وبلوش وعرب وغيرهم في خارج البلاد، ممن درسوا أو يدرّسون في أفضل المراكز العلمية في العالم. هؤلاء الأشخاص الذين لا يعانون من مضايقات النخب القومية داخل البلاد، لماذا لا يسعون إلى اقتراح نموذج مدروس وعادل لإحقاق حقوق المجموعات القومية وتهيئة الأرضية لحوار وطني في هذا الشأن؟ على أي حال، إن المثقفين المتمركزين في المركز والنخب القومية كلاهما مكلفان بأن يتعاملوا مع هذه المسائل بجدية وأن يفكروا في حلول لها.
الدكتور سعيد معيدفر، يرى جذور الأزمات الأخلاقية في الظهور المصطنع للدولة الحديثة إبان الحرب العالمية الثانية ويقول؛ إن الدولة الحديثة، من خلال تدميرها للهوية الثقافية واللغوية والاقتصادية والسياسية المستقلة للمجموعات القومية والدينية والعشائرية، تسببت في انهيار النظام الأخلاقي للمجتمع. وحلّه هو العودة إلى عصر استقلال الهويات الجماعية في إطار الدولة-الأمة. بالعودة إلى المباحث المطروحة في حوارنا، كيف تقيمون هذا التحليل للدكتور معيدفر؟ هل يمكن أن تكون للأزمات الأخلاقية جذور في تجاهل الحقوق الإنسانية للمجموعات القومية والدينية؟ وهل يمكن أن يساعد رفع هذه التحديات في حل هذه الأزمة؟ إلى أي مدى يمكن أن يساعد تناول حقوق القوميات، التي تفاقمت بشكل كبير في رقعة المجتمع الإيراني، في الحد من الأزمات الأخلاقية؟ مؤخراً قرأت مقالاً للدكتور أصغرزاده قال فيه؛ إنه بدون تناول حقوق المجموعات القومية، لا يمكننا الحديث عن رفاه وحرية المجتمع الإيراني.
- أنا متفق تماماً مع ما نقلتموه عن السيد أصغر زاده. من المؤكد أن أحد أسباب الأزمة الأخلاقية في مجتمعنا هو الانتهاك الصريح والواسع النطاق لحقوق القوميات من قبل الدولة الحديثة في إيران. كان تصور مؤسسي الدولة الحديثة، وخصوصاً البهلوي الأول، أن استحكام سلطة الدولة المركزية رهن بإضعاف القوميات وتجاهل حقوقها الجماعية، وفي رأيي، للتغلب على هذه المعضلة ينبغي أن ننتقل إلى حقبة ما بعد الإيديولوجيات القومية والأبوية. أي بدلاً من اعتبار تنوع الهويات القومية والثقافية "معضلة"، أن نعتبره "فرصة"، وبدلاً من نفيه، أن نسعى إلى تقبله كعنصر خلاق ومبدع في الهوية الوطنية، ومن خلال ذلك نضيف إلى تنوع مجتمعنا وغناه الثقافي. إن الاعتراف الرسمي بالتنوع القومي سيساعد قطعاً في تعزيز هويتنا الوطنية. إن انتهاك الحقوق الجماعية للقوميات أمر غير أخلاقي، والاعتراف بهذه الحقوق خطوة ضرورية ومؤثرة نحو ديمقراطية عادلة. ينبغي للديمقراطية العادلة أن تعترف بحقوق المواطنين بصفتهم الفردية وبصفتهم أعضاء في مجموعة قومية معينة. في رأيي، إن أحد أهم العوامل التي ستعرض أمننا الوطني للخطر في المستقبل هي النزاعات القومية، وللأسف، ليس ساستنا فحسب، بل بالإضافة إليهم، مثقفونا أيضاً يغضون الطرف إلى حد كبير عن أهمية هذا الموضوع وحساسيته. لكن على الرغم من هذه المشكلات والمخاطر، أفضل شخصياً أن أبقى متفائلاً، وأملي الأكبر معلق على الجيل الإيراني الشاب الذي يفكر بشكل أكثر عالمية مقارنة بالأجيال السابقة، ولديه وعي وحساسية أكبر تجاه الحقوق الفردية والجماعية للبشر، ويعتبر منطق الحوار أهم بديل للعنف.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.