اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى حسن محدثي أن إثبات المعتقدات الميتافيزيقية أمر مستحيل وأن الاعتقادات الدينية مسألة فرعية؛ فالتديّن لا يقوم على البرهان، بل على التجربة الحضورية للإله والعمل الصالح، وقد تجاوز تنقية المعتقدات الموروثة.

الحوار التالي مختار من كتاب "تجاوز الدفاعيات؛ نحو فينومينولوجيا النص" بتحرير فرامرز معتمد دزفولي. هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الأسئلة والأجوبة مع نخبة من أبرز المفكرين الدينيين الإيرانيين المعاصرين حول طبيعة وماهية مقولات مثل "التحدث إلى الله" و"الوحي" و"النصوص المقدسة". (في النهاية توجد توضيحات حول هذا الكتاب)
حوار فرامرز معتمد دزفولي مع حسن محدثي
بالنسبة لي، في هذه المرحلة من حياتي ونموّي الفكري، لم يعد إثبات معتقداتي الدينية للآخرين ذا معنى؛ أي أن قيمة الاعتقادات قد تدنت لديّ بشكل ملحوظ؛ سواء أكانت دينية أم غير دينية. لذلك، أنا في مرحلة من تديني فقد فيها ترسيخ أي اعتقاد من المعتقدات الدينية لدى الآخرين أهميته عندي. في شبابي لم أكن هكذا على الإطلاق. أتذكر أنني في فترة الخدمة العسكرية تعرفت لأول مرة على صديق من أهل السنة، وأجرينا معًا مناقشات طويلة. كنت في ذلك الوقت راغبًا في أن أُظهر له أن التشيع هو المذهب الإسلامي الحق وأن التسنن ليس كذلك. كنت أحاول إثبات ذلك له عبر إهدائه كتبًا لبعض المؤلفين الشيعة مثل بعض أعمال علي شريعتي. وكان هو أيضًا يحاول أن يفعل الشيء نفسه عبر إهدائي كتبًا حول علم الكلام والفقه عند أهل السنة. ما زلت أحتفظ بهدايا هذا الصديق السني. أما اليوم فقد وصلت إلى نقطة في تديني صارت فيها المعتقدات الدينية أمرًا ثانويًا. أنا الآن متعلق بالسلام في العالم مقرونًا بالنمو العقلاني، والالتزام الأخلاقي، وتحسين جودة حياة البشر على الأرض، والسمو الروحي. لقد أدركت اليوم أن الاعتقادات والجمود والتعصب عليها كانت عوامل لحروب ونزاعات كثيرة على مستويات وأبعاد مختلفة. عبادة المعتقدات صارت الآن في نظري من الآفات الكبرى للأديان والمذاهب. بالنسبة لشخص يؤمن بالتعددية الدينية ويؤمن أيضًا بأن الأعمال هي المحددة في النهاية (سواء دنيويًا أو أخرويًا) وليست المعتقدات والعبادات، فإن تأييد المعتقدات الدينية وتثبيتها يُعتبر أمرًا ثانويًا. بالنسبة لي الآن، صار لأسلمة العالم معنى عام: الأسلمة الآن بالنسبة لي تعني أن ندعو الناس في العالم من خلال السلوك والقول (العمل مقدم في الأسلمة) إلى العمل الصالح؛ لا أن نكتفي بالدعاية للمعتقدات الإسلامية.
أما إذا خرجنا من النقاش الشخصي وأخذنا بعين الاعتبار فردًا مفترضًا يريد أن يؤكد للآخرين أحد المعتقدات الإسلامية المهمة، ألا وهو الإيمان بالله، فماذا يمكنه أن يفعل؟ حسب ظني، لم يعد بالإمكان تأييد المعتقدات الميتافيزيقية بشكل مقنع؛ أما "الإثبات" فذلك أمر آخر. في رأيي، لا يمكننا سوى أن نبين للآخرين، بناءً على العقل النقدي، أن الإيمان بالله أو الإيمان بالمعاد أو معتقدات من هذا القبيل هي معتقدات موجَّهة؛ بمعنى أن الإيمان بهذه المعتقدات لا يتعارض مع العقلانية. إذن، بالنسبة لشخص لا يؤمن بالله أو بأي إله (مثل حوالي مليار ملحد يعيشون الآن في العالم)، لا يمكن التحدث إليهم بطريقة تجعلهم يعتنقون هذا الاعتقاد. يبدو أنه لا يوجد أي برهان يمكن أن يكون بمثابة القول الفصل في هذا النوع من الاعتقادات.
لكن لنفترض أننا نريد أن نشرح للآخر اعتقادنا بالله؛ لا لإقناعه بل لمجرد الإجابة عن فضوله بشأن اعتقادنا. في نظري، لا مكان للاستدلال والبرهان هنا أيضاً. لا بد لي أن أقول إنني ولدت في أسرة مسلمة، وفي هذه الأسرة تقبلت بعض المعتقدات دون أي استدلال، عبر عملية التربية الدينية أو (بتعبير علماء الاجتماع) التنشئة الاجتماعية الدينية. ولم أدرك إلا بعد سنوات، أي بعد بلوغ نضج فكري نسبي، أنني قبلت هذه المعتقدات دون وجود براهين واستدلالات معتبرة. هذا أمر يحدث في جميع الأديان ولجميع المتدينين في العالم. جميع المتدينين في العالم، بالطريقة نفسها التي ذكرتها، يقبلون بعض الاعتقادات الميتافيزيقية، ويُقنَعون في وقت القبول بأن هذه المعتقدات هي أرسخ المعتقدات وأكثرها اعتباراً.
ماذا فعلت أنا شخصياً في هذا الشأن؟ لقد بدأت من نقطة معينة بتنقية المعتقدات المأخوذة من التربية الدينية، ولا تزال عملية التنقية الطويلة هذه مستمرة. أنا أؤمن بتنقية المعتقد وتهذيبه، وبشكل عام باقتصاد الاعتقاد (أي التقتير في المعتقدات). ما أعنيه باقتصاد الاعتقاد هو تقليص الكم الهائل من المعتقدات إلى معتقدات قليلة قابلة للدفاع عنها عقلانياً، وإنسانية شمولية وأخلاقية. وخلال هذه العملية ذاتها قمت ببحوث مختلفة وتحريات متنوعة. وكان أحد دوافعي لاختيار تخصص علم اجتماع الدين هو هذا الاهتمام الشديد لدي بمتابعة أسئلتي الدينية. لذلك، لم يعد تديني قائماً على التدين الجمعي والتدين الموجود في المجتمع والأسرة. بعد التعرف على أفكار علي شريعتي، تخليت تدريجياً (وبالطبع عبر عملية طويلة وجذابة، لكنها مرة حلوة ومرة مثيرة للقلق) عن مذهب الآباء، وكان هذا أول تحول كبير في تديني. من هذه النقطة فصاعداً، عبر تديني (بما في ذلك معتقداتي الدينية) ولا يزال يعبر من خلال تيار طويل من التشخصن التأملي النقدي. ما يتبقى من هذا التدين قد يشترك من بعض الوجوه مع تدين الآخرين، وقد تكون له من وجوه أخرى اختلافات وفروق جوهرية أو فرعية. كان بلوغ هذا الاعتقاد بأن المعتقدات الدينية والعبادات ليست هي المحدِّدة في نهاية المطاف، بل إن العمل هو المحدِّد في النهاية، آخر تحول كبير في مسار تديني حتى هذه اللحظة من الحياة.
اعتقادي بالله هو أيضًا من هذا القبيل، وقد مرّ بعملية التحوّل هذه. الله هو إلهٌ تربطني به علاقة. لقد أخذتُ الصورة والتصوّر العام عن هذا الإله من العائلة ثم من بعض النصوص الدينية، وخاصة القرآن، لكنّ فهمي وإدراكي له تغيّر تدريجيًا وأصبح أكثر فأكثر شخصيًا وذاتيًا. النقطة المهمة بالنسبة لي في الحديث عن الله ليست أن أقدّم عنه أدلة وبراهين، بل أن أختبر وجوده وحضوره في حياتي وعالمي. لقد أدركتُ منذ زمن بعيد، أي منذ مراهقتي، أن الله ليس شيئًا يمكن الاعتقاد به عن طريق البرهان. يجب اختبار الله من الداخل وكذلك من الخارج. كيف يمكنني أن أختبره؟ لأجل اختبار الله (أو بلغة الإسلام، الله) أعرف طريقين. أحدهما طريق تزكية النفس وتهيئة الذات لرؤيته وقراءة رسائله وسماعها، والآخر، هو تجلّي الله لي وفرض حضوره عليّ. من الناحية الدينية، لطالما فكّرتُ أن آثاره وعلاماته في كل مكان، ورسائله قابلة للسماع، ورموزه قابلة للقراءة والفهم، لكنني إن كنتُ لا أراه ولا أسمعه ولا أقرأه ولا أفهمه، فذلك لأنني لستُ جديرًا وصالحًا بالقدر الكافي. وكما يقول حافظ، لطالما قلتُ لنفسي: "تا نباشی آشنا زین پرده رمزی نشنوی". لطالما عزّيتُ نفسي بأنني لستُ "منسيًا من الله". لطالما منحتُ نفسي هذا القوة القلبية بأن الله أرحم من أن ينسى أحدًا. لطالما همستُ لنفسي بأن لازم "النسيان من الله" هو "نسيان الذات". إن كنتَ قد أصبحتَ منسيًا من الله، فليس ذلك لأن الله قد نسيك، بل لأنك نسيتَ نفسك، ونتيجة لذلك، أصبحتَ منسيًا من الله. لكنني مرارًا، في حواري مع الله، ذكّرتُه بأنه إن كان يريد أن يكون حاضرًا في حياتي، فعليه بين الحين والآخر أن يُظهر لي نفسه بأي نحو يعرفه ويستطيعه! لا تعتمد كثيرًا على مساعيّ! أنا أضعف وأعجز من أن أستطيع، عبر مساعيّ وجهودي وتزكياتي لنفسي، أن أجدك وأدركك وأختبرك. بين الفينة والأخرى، عليك أنت أن تتجلّى لي لأبقى مؤمنًا بك وأحيا متكئًا عليك. هناك أماكن ولحظات كثيرة أعجز فيها أو لا أستطيع فيها أبدًا رؤية حضورك واختبار وجودك. إذًا، عليك أنت أيضًا أن تكون ملتزمًا بعلاقتك بي! انتبه، فقد أنساك. يا إلهي، عليك أنت أيضًا أن تخطو خطوة من أجل هذه العلاقة! لأي سبب عليّ أن أؤمن بوجودك؟ عليك أن تُظهر ذاتك لعبد صعب التصديق أو كثير النسيان وغارق في انشغالاته اليومية. أحيانًا يتحوّل حديثي معك إلى ثرثرة فارغة. أرجوك، احضر في تجربتي كي تمتلئ كلماتي منك، ولا تتحوّل صلاتي إلى استعراض أجوف وسلوك اعتيادي. كم من مرة، أصبحت كلماتي الموجّهة إليك خالية منك. كم من مرة، جلستُ أمامك وقصدتُ الحوار معك، لكنك لم تكن حاضرًا في أي أفق. حين كنتُ أطوف حول بيتك، كنتُ أبحث عنك قائلاً: هيهات، يا صاحب البيت، أين أنت؟ حين أعجز في ممرّات الحياة الصعبة، أناديك: لماذا لا تحلّي مرارة فمي بحضورك؟ ذريعة حضورك أثقلت كاهل وجودي بهذا القدر، فلماذا لا تخفف حملي بتجلّيك؟ حقًا، يا إلهي، حين قال عيسى: "إيلي إيلي لما شبقتني" ("إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟")، أين كنتَ؟ ماذا فعلتَ لذاك الذي آمن بوجودك وحضورك ذاك الإيمان، وحمل صليبه لأجل هذا الإيمان زمنًا طويلاً نسبيًا، وأخيرًا صُلب عليه؟ كم شاركتَه في تلك اللحظة في ألمه؟
وهكذا، من منطلق الفقر الذي يعاني منه عبد، أستجوبه وأؤاخذه أحيانًا؛ كما ألوم نفسي أحيانًا لأنني لا أختبر الله في لحظاتي. لذلك، أنا لا أقبل علاقة أحادية الجانب مع الله. إن لم يتجلَّ لي، فقد أنساه كليًا، وفي هذا النسيان من الله، يكون الله، من وجهة نظري، هو المستحق للّوم والمؤاخذة؛ لأنني فقير ومحتاج للمساعدة. نعم، علاقتي بالله جريئة، وفي هذه الجرأة، برأيي، يكمن الالتماس الوجودي لإنسان متدين حديث.
حتى الآن، شرحت في الغالب حالي الداخلي فيما يتصل بما تلقيته من تربية وميراث ديني وما مررت به من تحولات. وفي شرح هذه الأحوال، وباعتبارها جزءًا معرفيًا ملازمًا لها، أقول للمخاطب الافتراضي الفضولي إني أؤمن بأن العالم روحاني وأن الحياة ذات معنى. فالعالم والحياة بالنسبة لي شيء يتجاوز عالم المحسوسات والأحداث المحسوسة. أنا أؤمن، بالمعنى القرآني للكلمة، بغيبٍ هو عالم وراء المشهودات والمحسوسات. وبالتأكيد، لا أعرف شيئًا عن هندسة عالم الغيب وعناصره وتركيباته وموجوداته، وما وصل من الميراث الديني أراه مشبعًا بتصورات وأفكار أسطورية، وأرى أن إزالة الأسطرة عن الدين ضرورة للعيش والتفكير الديني في العالم الحديث، لكن من وجهة نظري (وحسب اعتقادي حتى هذه اللحظة) فإن فيما هو غيبي توقًا لأن يصير مشهودًا، وفيّ أنا الإنسان الفقير، توقٌ مندرج نحو ما هو غيبي: من ذلك الجانب، توقٍ لأن يصير مشهودًا، ومن هذا الجانب، توقٍ لجعله مشهودًا. أعتقد أن هذين التوقين ينطبقان أحيانًا في لحظة خاصة ويعملان بشكل متآزر. في هذه اللحظات الخاصة ينجح الإنسان الفقير في إدراك أمر غيبي ويصطاد معاني غنية. من هذا المنظور، الله صياد وصيد في آنٍ معًا. يصطاد ويُصطاد. أنا الإنسان الفقير، في حياتي الدينية، متعلق القلب بلحظات الصيد ثنائية الاتجاه هذه. تارةً يكون حالُ الوقوع في الصيد والوله، وتارةً حالُ الصيد والاقتناص. في كلتا الحالتين تُختبر أحوال من الاستغناء. ومع ذلك، ثمة دائمًا شك وارتياب، تارةً في صميم هذه اللحظات وتارةً بعدها بقليل، يمنع من الاستسلام الخام والزائف ويزيل الطابع الأفيوني لهذه التجارب والأحوال ويجلب اليقظة والصحوة ويمنع العبد الفقير من نشوة منوّمة وغرور جاهل يدعي الوصول إلى الحقيقة؛ وهذا التشكك والارتياب، وإن لم يكن في ذاته نتاجًا للتفكير النقدي في العصر الحديث (لأنه يمكن العثور على أشكال منه في عصر ما قبل الحداثة وحتى في تجربة مؤسسي الدين)، إلا أن التفكير النقدي المندرج في العيش والتفكير الحديثين مقوٍ ومقوٍّ لهذا التشكك والارتياب. لذلك، أذكّر الله في حواري معه بأنني وإن كنت قد آمنت بتجليك في تجربة مؤسسي التقاليد الدينية وتعلقت قلبي بتعبير كل منهم عن تجربته، إلا أنني، رغم ذلك، محتاج أيضًا إلى تجليك أنت؛ لأنك تعلم يا إلهي أن كل تعلق بالقلب إن لم يتجدد فهو زائل؛ لا سيما في العالم الحديث. إلهي، أيها الرحيم! أرجوك لا تتوقع مني فوق طاقتي!
ما قلته كان كله عن إلهي الشخصي[1] وعلاقتي به. أما إذا سألتموني عن الله في القرآن وإسلام الصدر الأول، فعندئذٍ ينبغي أن أحكي قصة أخرى وأرسم صورة الله في القرآن وإسلام الصدر الأول (كما أفهمه أنا). في هذا الشأن، تحدثت بالتفصيل في مقالات كتبتها عن الإله المحرر، وفي كتابات نقدت فيها آراء المفكرين المعاصرين السيدين أكبر كنجي ومحمد رضا نيكفر، وكذلك في إعادة بناء صورة الله في آراء المهندس مهدي بازركان وآية الله محمد تقي مصباح يزدي، وقد نُشر معظمها وقليل منها لم يُنشر بعد (وآمل أن تُنشر جميعًا في كتاب واحد عن الله).
كان معظم ما قلته حديثًا عن الله في التجربة الذاتية (الأنفسية) وبطريقة ذاتية. كيف يمكن الحديث عن الله (وليس فقط عن الله في الإسلام) بطريقة موضوعية؟ إذا تحدثنا عن الله بطريقة ذاتية فقط، فإن صلابة الحديث عن الله ونفوذه يضيعان إلى حد كبير. في مثل هذا الحديث، يصبح النقاش عن الله مرهونًا ومتوقفًا على التجربة الأنفسية للناس. هل ثمة قرائن موضوعية يمكن العثور عليها وراء التجربة الأنفسية للأفراد؟ في رأيي أن هناك حقيقة يمكن بلوغها بطريقة موضوعية عن الله، والانتباه إليها مهم جدًا، وسأحاول فيما يلي شرحها وطرح منطق يجعل طرح النقاش عن الله (وليس إثباته) قابلًا للدفاع عنه بطريقة موضوعية أيضًا. لننتبه أني أقول قابلًا للدفاع ولا أقول قابلًا للإثبات.
نظرًا لاهتمامي بدراسة الأديان، حاولت جمع نسخ من الكتب المقدسة لمختلف الأديان ودراستها قدر ما يتسنى لي. بعضها درسته مرارًا وبعضها الآخر بشكل محدود جدًا. إن دراسة آيات الكتب المقدسة لخمسة أديان مختلفة ظهرت في فترات زمنية متباينة وفي أراضٍ متفرقة، وكُتبت كتبها بلغات مختلفة أيضًا، تكشف عن حقيقة مهمة. هذه الأديان الخمسة والأنبياء الخمسة والكتب المقدسة الخمسة هي: الديانة الزرادشتية ونبيها زرادشت وكتابها الأبستاق (وخصوصًا قسم الغاثات أو الكاثا الذي يُقال إنها بلا شك آيات أوحيت إلى زرادشت)، واليهودية وموسى وكتاب التوراة، والديانة الصابئية والنبي يحيى وكتاب كنزا ربا، والمسيحية وعيسى المسيح والإنجيل، وأخيرًا دين الإسلام ومحمد بن عبد الله (ص) والقرآن. لقد ظهر هؤلاء الأنبياء الخمسة في قرون مختلفة. وكانت أراضيهم متباعدة عن بعضها البعض، وكانت لغتهم - إن لم أقل غريبة كليًا - فعلى الأقل غريبة إلى حد كبير عن بعضها. لقد قُرئ الأبستاق باللغة الأبستاقية (القريبة من الفارسية القديمة)، والتوراة باللغة العبرية، وكنزا ربا باللغة الآرامية، والإنجيل باللغة الآرامية (كان عيسى يتكلم الآرامية)، والقرآن باللغة العربية ثم دُوّنت. وإذا كان بعضها يتقارب من حيث الإرث التاريخي واللغوي، فإن بعضها الآخر كان غريبًا عن بعضه كليًا. وبسبب الاختلاف في زمن الظهور، والاختلاف في سياق الظهور، والاختلاف في اللغة (باختصار، الاختلاف في الأزمنة الثلاثة) لم يكن بمقدور هؤلاء أن يأخذوا كلام بعضهم البعض وينقلوه. علاوة على ذلك، فإن هذه الأديان الخمسة والنصوص المقدسة الخمسة ظهرت جميعها في عصر كانت لا تزال فيه الثقافة الشفاهية هي الثقافة السائدة، ولم يكن البشر قد دخلوا بعد عصر الثقافة المكتوبة. في كل تلك العصور، كانت معرفة القراءة والكتابة حكرًا على قلة من النبلاء ورجال الدين، وكانت غالبية الناس أميين. بعبارة أخرى، ظهرت كل هذه الأديان والكتب في عصر كانت تتوفر فيه أقل الإمكانيات للانتقال والتبادل الثقافي والترجمة. إذن، وبناءً على هذه الأسباب (الاختلاف في الزمان والسياق واللغة، وكذلك الاشتراك في العصر الشفاهي من تاريخ البشر) لا يمكننا القول إن رسالتهم هي نسخ من كلام بعضهم البعض. لذلك يمكننا الادعاء بأننا أمام خمس تجارب وحيانية، وخمس رسائل أصيلة من قِبل خمسة مؤسسين للأديان. وينبغي أن أضيف أن سيرة وممارسة هؤلاء المؤسسين الخمسة تُظهر أنهم كانوا في دعاواهم أناسًا في غاية الصدق والوله، وكانوا متعلقين برسالتهم حتى النخاع. لذا لا يمكن البتة اعتبارهم رجالًا محتالين ودجالين قاموا، دون امتلاك تجربة أصيلة وانخراط وجودي وشامل، بأخذ كلام من هنا وهناك وادعوا المعرفة والقدرة. كل شيء يدل على أنهم سخّروا كل طاقاتهم وإمكاناتهم بإخلاص في سبيل تحقيق دلالات رسالتهم.
الآن، إذا كانت الادعاءات المذكورة أعلاه قابلة للدفاع ومعتبرة، ونالت حظاً من الحقيقة، فيمكن بناءً عليها طرح ادعاء مهم: بدراسة هذه الكتب المقدسة الخمسة نكتشف أن ثمة آيات عديدة مشتركة فيما بينها. وعندما نمعن النظر نكتشف أنها جميعاً تقدم رؤية كونية مشتركة وموحدة، ولديها بنية خطابية مشتركة. فعلى سبيل المثال، تتحدث جميعها عن التوحيد، والبعث، والوحي والرسالة من قِبَل الله للإنسان، والعمل الصالح كمعيار للحساب، واختيار الإنسان وإرادته، وأمور مشتركة أخرى. وفي حالات كثيرة تكون الأسماء والمفردات فقط هي المختلفة، لكن جوهر الرسالة واحد. يخلص المرء إلى أن رسالة واحدة أُعطيت للإنسان من الله في أزمنة وسياقات ولغات مختلفة. ومع أن أسماء الله تختلف في كل منها (مثلاً أهورا مزدا، يهوه، الله)، إلا أن الرسالة واحدة والمخاطَب واحد. من هنا يخلص المرء إلى أن مصدر الرسالة واحد أيضاً، وهو الذي خاطب الإنسان في كل مرة في زمان وسياق معينين بلغة محددة، وبشّره وأنذره برسالة واحدة. من هذا المنظور، فإن 'الله' هو أحد أسماء هذا الإله الذي خاطب الإنسان مراراً وبلغات مختلفة. وهكذا، في رأيي، يمكن الحديث عن الله بشكل موضوعي وما وراء تجربة باطنية شخصية، ومثل هذا الحديث هو في نظري معتبَر ومثير للدهشة في آنٍ معاً. فعلى سبيل المثال، عندما نفتح نحن كمسلمين، بإرثنا الروحي الإسلامي، أياً من هذه الكتب ونقرؤها (خصوصاً لأول مرة)، نتأثر بشدة ونصاب بالدهشة من كل هذا القرب من إرثنا الروحي. هناك يكتشف المرء بعمق أن هذه الكتب متطابقة، وتعلن رسالة واحدة من مصدر واحد. فجأة تشعر أن المسلم والمسيحي واليهودي والزرادشتي والصابئي يقفون داخل حقل إيماني كبير، ويجلسون على إرث واحد. ثم يستولي عليك هذا الفكر بأن مؤسسي أديان من أراضٍ أخرى ربما تكون لهم أيضاً صلة وقرابة مع هذه التقاليد الدينية الخمسة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، ويلزمنا المزيد من البحث. الآن، مرة أخرى، عندما تدرس الآية القرآنية التالية تشعر أنك تفهم القضية بشكل أفضل:
"قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (الآية 84 من سورة آل عمران، القرآن المجيد).
ثم نرى أن الله في القرآن يؤكد على الأديان الخمسة قيد البحث جميعاً، وفي الوقت نفسه يضع أتباع كل دين من الأديان الخمسة تحت حكمه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. "كساني كه ايمان آوردند [يعني مسلمانها] و كساني كه يهودي شدند و صابئيها و مسيحيان و زرتشتيان و كساني كه شرك ورزيدند، البته خدا روز قيامت ميانشان داوري خواهد كرد، زيرا خدا بر هر چيزي گواه است" (الآية 17 من سورة الحج، المصدر نفسه؛ القوسان مني). تكررت كلمة 'الذين' ثلاث مرات في هذه الآية لتفصل بين المجموعات الثلاث: المسلمين، وأهل الكتاب، والمشركين. في هذه الآية فقط يُذكر الزرادشتيون كأهل كتاب، ويُذكر الدين الزرادشتي كدين توحيدي. هذا في الوقت الذي لا يزال بعض العلماء المسلمين الإيرانيين يقدمون الزرادشتيين على أنهم عبدة نار، ولا يزال الكثير من العرب، بعد كل هذه التحولات، يصفون الإيرانيين بدافع العداء ليسوا بعباد لله ومسلمين، بل بالمجوس وعبدة النار.
وهكذا، فإن رأيي، من منظور دراسة الأديان والنظرة الخارجية للدين، بأن الله هو أحد أسماء الإله الواحد الذي يخاطب الإنسان في هذه الأديان الخمسة، يجد تأييداً داخلياً دينياً في آخر كتاب مقدس (الكتاب الذي ظهر بعد البقية وفيه الله هو المتكلم). على أية حال، يمكن الحديث عن الله بشكل موضوعي وما وراء التجربة الذاتية. وهذا يعني أنني منخرط في هذه الرسالة وتاريخها ومصيرها، ومتعلق بها. في رأيي، إن تاريخ البشر يتأثر إلى حد كبير بهذه الرسالة. لذا فإن البقاء بمنأى عن تأثيراتها وعدم التأثر بها يتطلب قدراً كبيراً من اللامبالاة وآذاناً شديدة الصمم؛ أو آذاناً تعلقت وانخرطت في رسائل أخرى.
كما هو واضح من جوابي، عندما أطلب من الله أن يخرج يده من وراء حجاب الغيب بين الحين والآخر ويريني شيئاً من ذاته، فكيف يمكنني أن أتحدث عن "إثبات" الله للآخرين. في مثل هذه الحالات، أعتقد أنه ينبغي على المرء أن يتحدث بتواضع أكبر بكثير. الشيء الوحيد الذي يمكنني الدفاع عنه بشكل مقبول عقلياً هو أن اعتقادات مثل الإيمان بالله أو المعاد هي، من منظور العقلانية النقدية (وليس العقلانية القصوى)، اعتقادات معقولة، ولكن كما يقول بيترسون وزملاؤه في كتابهم "العقل والاعتقاد الديني" (بيترسون وآخرون، 1379) فإن "إثباتها القاطع" غير ممكن. وبالمثل، فإن من يريد الحديث عن غياب الله أو عدم تجربة البعث سيكون في وضع مماثل. ولهذا السبب أيضاً أعتقد أن على المتدينين في العالم الحديث أن يتحدثوا بتواضع. إن الحديث بجرأة في هذه الأمور ناتج عن أن المفكر الديني أو الإنسان المتدين لم يدرك بعد فهماً صحيحاً للعقلانية النقدية. بعض علمائنا الدينيين يتحدثون من جهة عن عقلانية الدين، ومن جهة أخرى يعلنون ارتداد منتقدي ومنكري المعتقدات الدينية الأساسية. هذا أحد التناقضات الفكرية الموجودة في فكرنا الديني التقليدي. لكننا في مناقشة المعتقدات والدفاع عنها أو رفضها، نحتاج على أية حال إلى استدلالات؛ ما لم نتخل عن العقلانية ونتجه مثلاً إلى الإيمانية (الفيدية). إن العقلانية النقدية في مثل هذه الحالات، مع اهتمامها بالتجارب الوجودية وإحالتها إليها، تسعى إلى صياغة فهم وإدراك لهذه التجارب بشكل مقبول عقلياً. وأنا أؤمن بهذا المنهج الفكري. ولهذا السبب أيضاً تحدثت قبل سنوات في مجلة كيان (محدثي، 1379) عن "الدين بوصفه إمكانية". قلت في ذلك النقاش إن التجربة الدينية والحياة الدينية هما إمكانية من بين الإمكانيات المختلفة التي يمكن أن يمتلكها البشر في العالم الحديث. وبهذا المعنى أتحدث عن التدين والحياة الدينية بوصفهما إمكانية. وأعتبر نوعاً خاصاً من التدين (الدين الأخضر) إمكانية مرغوبة جداً للإنسان في العصر الحديث. لذلك، لم يعد الدفاع الهجومي عن المعتقدات الدينية الأساسية (الحديث عن المعتقدات الدينية للتشكيك في أي معتقدات غير دينية ومعادية للدين) ذا موضوعية بالنسبة لي، بل إنني أتحدث اليوم عن الفكر الديني والحياة الدينية في كليتهما بوصفهما نمط حياة ممكناً ومرغوباً، وأضع هذا النمط من التفكير والحياة في مقابل أنماط التفكير والحياة الأخرى مثل النمط العرفاني، والأسطوري، أو العلماني. إضافة إلى ذلك، ونظراً للأهمية الضئيلة التي تحتلها المعتقدات (سواء كانت دينية أو غير دينية) مقارنة بالعمل في نظري، فإن الدعوة والترويج للمعتقدات الدينية تصبح قليلة الأهمية تماماً بالنسبة لي. على العكس من ذلك، فإن ترويج والدعوة للحياة الدينية المرغوبة (وليس أي حياة دينية) أو أنماط الحياة غير الدينية الأكثر قرباً من نمط الحياة الدينية، تكتسب الأهمية القصوى بالنسبة لي.
قطعاً لفهم كيف كان مخاطبو النبي يدركون الله وكيف كانت علاقتهم به، ينبغي لنا أن نكوّن فهماً للعالم الذي عاش فيه العرب. لا يمكننا الحديث عن إدراكهم له دون فهم عالم العرب ما قبل الإسلام. علينا أولاً أن نرى كيف كان العربي ما قبل الإسلام ينظر إلى العالم، والأهم من ذلك، كيف كان يختبره. وإلا، فبالرجوع إلى النصوص الدينية كالقرآن وغيره من النصوص الإسلامية، سنحصل على فهم متحيز لهم وللعالم وفهمهم لأمور الوجود؛ كما أن كثيراً من العلماء المسلمين، بقولهم إن العرب مخاطبي النبي كانوا يعيشون في جاهلية وكانوا جهّالاً، يقدمون فهماً متحيزاً لهم ويتنصلون من مسؤولية فهم العرب مخاطبي النبي وفهم عالمهم. ولهذا السبب، يعجز العلماء المسلمون إلى حد كبير عن فهم القرآن نفسه. فإلى أن نفهم في أي عالم ظهر القرآن وتكوّن، لا يمكننا أن نفهم هذا النص نفسه فهماً صحيحاً، لأن هذا النص تكوّن في تناغم مع ثقافة وسياق اجتماعي معين، وكان جواباً على ظروف ومسائل وأسئلة كانت مطروحة في ذلك العصر، وفتح طريقاً جديداً لأولئك الناس. لذا لا يكفي أن نرجع إلى القرآن، ولأن القرآن وصف القوة المقابلة له بالجهل، نصفهم نحن أيضاً بالجاهلية. علينا أولاً أن ندرك ما معنى الجاهلية هنا؟ لذا فنحن مضطرون، قدر استطاعتنا، إلى معرفة ثقافة العرب وعالمهم الاجتماعي كما كان (أقول طبعاً بشكل نسبي) حسب الإمكانات المتاحة لنا. معنى كلامي هو أنه ينبغي أولاً أن تكون لدينا نظرية علمية عن العالم الاجتماعي والثقافي للعرب ما قبل الإسلام، حتى نتمكن بعد ذلك من الحديث عن الله في هذه الأمور (مثل إدراك الناس العرب ما قبل الإسلام). لكن العلماء المسلمين، بمن فيهم المتكلمون والمفسرون والمحدثون، يفتقرون إلى نظرية علمية في هذا الشأن. طبعاً، لقد أدرك المتنورون الدينيون لدينا بشكل جدي الحاجة إلى وجود مثل هذه النظرية، ولكن بسبب مشاغل أخرى كانت لديهم، لم يتناولوها عملياً. النظرية التي أدافع عنها هي نظرية المجتمع غير الكاتب[2] . ووفقاً لتحليل سوسيولوجي، فإن المجتمع غير الكاتب هو نوع من المجتمع[3] ، بالإضافة إلى أنه لم يصل بعد إلى الخط والكتابة والكتاب، يتمتع بالخصائص الاجتماعية والثقافية التالية:
1) العزلة الثقافية؛
2) انعدام الحراك الذهني؛
3) العقم الاجتماعي والمعارضة الشديدة للتغيير؛
4) التقديس الاجتماعي والنزوع إلى الماضي؛
5) الشيخوخية؛
6) حتمية الجماعات القائمة على القرابة كالقبيلة؛
7) فقدان الهوية الفردية؛
8) هيمنة التابوهات والقوانين البسيطة؛
9) كراهية الأجانب؛
10) الإثنية؛
11) تقسيم العمل على أساس السن والجنس؛
12) قتل الأبناء للتحكم في السكان؛
13) الملكية الشخصية بدلاً من الملكية الخاصة والأخلاق الاقتصادية المتجهة نحو العطاء؛
14) الاعتقاد بأبطال ثقافيين ذوي طبيعة إلهية بشرية؛
15) لغة ناظرة إلى الأمور الجزئية والعينية؛
16) السحر وعبادة الآلهة في الوجه العملي للدين؛
17) الأرواحية وعبادة الأسلاف في الوجه العاطفي للدين؛
18) الاعتقاد بالآلهة، لكن مع ضآلة اللاهوت في الوجه الإدراكي للدين؛
لذا، يمكننا الحديث عن نمط مثالي (تيب إيديال) من الاجتماع يُدعى الاجتماع غير الكاتب، يتسم بالخصائص المذكورة أعلاه. عندما نبحث في تاريخ العرب قبل الإسلام، نجد تقريباً جميع هذه الخصائص في الاجتماع العربي ما قبل الإسلامي بشكل ملحوظ وبارز. بعبارة أخرى، أستطيع أن أستخرج من المصادر التاريخية المتنوعة المتاحة شواهد متعددة لكل واحدة من هذه الخصائص. لا يتسع المجال هنا لشرح كل واحدة من هذه الخصائص. لقد خصصت فصلاً من كتاب كنت أرغب في تأليفه تحت عنوان الإسلام والأسطورة، وقد كُتب جزء كبير منه بالفعل، لكنه تُرك غير مكتمل بسبب مشاغل الحياة، لشرح الاجتماع غير الكاتب. وفقاً لهذه الخصائص، في مثل هذا الاجتماع، تكون الثقافة السائدة هي الثقافة الأسطورية، ولا يلعب التفكير العقلاني دوراً يُذكر في تفسير أمور العالم –سواء العالم الطبيعي أو العالم الإنساني والاجتماعي. جميع التفسيرات لها جذور وأسس في التفكير الأسطوري، ولا يوجد شيء اسمه القانون (أي قواعد عقلانية) في مثل هذه الاجتماعات، بل إن التابوهات هي التي تحدد الحقوق والعرف وتصنعهما في مثل هذا المجتمع والثقافة.
وكما تُظهر الخاصية 18، في مثل هذه الثقافة، يؤمن الناس بآلهة متعددة، لكن عالم الألوهية لم ينفصل عن عالم الطبيعة والإنسانية. يوجد امتزاج شامل بين اللاهوت (عالم الآلهة) والناسوت (العالم الأرضي)، وغالباً ما تكون الآلهة آلهة متجسدة في أشياء وظواهر طبيعية كالحجر والصخر والشجر والخشب والعين والبحر وغيرها. في مثل هذه الثقافة وهذا الاجتماع، يعتقد غالبية الناس بإله خالق خلق العالم ذات مرة، لكنه الآن يقيم في السماوات ولا يتدخل كثيراً في العالم وشؤون البشر. هذا الإله إله بعيد المنال لا شأن للناس به في الأحوال العادية. إنهم في حياتهم اليومية يتعاملون دائماً مع الآلهة القريبة ويلجؤون إليها ويستمدون منها العون. هؤلاء هم الآلهة الذين يصفهم القرآن بأنهم "أرباب متفرقون" ويقابلهم بـ "الله الواحد". لذا، فإن الله عند عرب ما قبل الإسلام إله بعيد لا يُلجأ إليه إلا حين تعجز الآلهة القريبة عن فعل شيء. وفي غير هذه الحال، يُنسى الله. لذلك، من هذا المنظور، فإن النزاع بين النبي والمسلمين من جهة والمشركين من جهة أخرى هو نزاع بين وكلاء نظامين ثقافيين تامين، هما الأسطورة والدين. والمقصود بالنظام الثقافي التام هو النظام الثقافي الذي يستجيب للساحات الإنسانية الثلاث في آن واحد ويسعى لتلبية احتياجات الإنسان في هذه الساحات الثلاث: الساحة المعرفية[4]، والساحة التعبيرية[5]، والساحة المعيارية[6]. لذا، أنا أعتبر النزاع بين الإسلام والشرك نزاعاً بين الأسطورة والدين. في الواقع، الشرك بالمعنى الذي يصارعه الإسلام الباكر هو نتاج التفكير الأسطوري في مرحلة من تاريخ هذا النوع من التفكير.
عندما نقرأ مثلاً سورة الأنعام في القرآن، ندرك تماماً أن النزاع بين الطرفين هو نزاع بين نوعين من الأنظمة المعرفية المختلفة، يريد كل فريق أن يقوم على أساسها بعملية بناء العالم[7]: البناء الاجتماعي المشركي في مقابل البناء الاجتماعي المسلم. إنهم يقولون للنبي إن ما تقوله هو "أساطير الأولين"، والنبي بدوره يقول لهم إنكم تتبعون "آباء الأولين". أليس لكم وعي؟ في سورة الأنعام نرى إنكاراً ونفياً متبادلاً. كل طرف يريد أن يكون له عالمه الاجتماعي الخاص: العرب يريدون الحفاظ على العالم الاجتماعي الذي بنوه، والنبي وأتباعه يريدون بناء عالمهم الاجتماعي الخاص، ولأجل بنائه كان لا بد لهم من تدمير العالم الاجتماعي القائم وعلاقاته. لذا يقول القرآن: "أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" (جزء من الآية 50 من سورة الأنعام، القرآن المجيد، ترجمة محمد مهدي فولادوند).
هذا هو الفهم الذي كان العرب المخاطَبون بالرسالة يحملونه عن الله: الله بوصفه إلهاً بعيد المنال. ولهذا السبب يقول القرآن: "قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ" (الآيتان 63 و64 من سورة الأنعام، المرجع نفسه).
هذا ليس سوى بُعدٍ واحدٍ من فهم العرب قبل الإسلام لله. فقد كانوا يعتقدون أيضاً أن الأمر الإلهي حالٌّ في الأشياء؛ أي يحلُّ في الصخور والينابيع والأشجار والأجسام الأخرى كالأصنام. أما الإسلام فيُصوِّر ألوهيةً منفصلةً عن الطبيعة والإنسانية، ومتعاليةً على كل شيءٍ وموجود، حيث أن جميع موجودات العالم هي آياتٌ ترشدنا إليه وتُسبِّح بحمده. لذا، ففي مقابل القوة الإلهية الحالَّة والمتكثرة باستمرار، يُقام الإله المتعالي المُشخْصَن الذي لم يعد ساكناً في الأشياء، بل ينبغي إدراكه واختباره أنفُسياً وآفاقياً؛ عبر آيات الأنفس وآيات الآفاق وبواسطتها. أهم صفة لله في القرآن من وجهة نظري هي الغَيور. فهو لا يحتمل توجُّه الإنسان إلى أي غيرٍ آخر. لذلك أعتقد أنه على الرغم من كل الاشتراكات الموجودة في المفردات بين الرؤيتين التوحيدية والشركية للعالم، فإن لكلٍّ منهما بنيةً فكريةً ومعياريةً مختلفةً تماماً عن الأخرى.
إن البحث في معرفة شخصية الله لا يقتصر بالطبع على ما ذُكر، ولكن الحديث عن الجوانب الأخرى لشخصية الله في القرآن، مثل كونه مُحرِّراً، وكونه منحازاً، وتدخُّله في التاريخ، أو البحث في وعوده وعذاباته، وكذلك تتبُّع جذور نسب الله بوصفه إلهاً سامياً وعلاقته بيهوه إله التوراة، سيكون بحثاً طويلاً جداً. لذا سأكتفي بهذا القدر، وآمل أن أتمكن من نشر وجهة نظري بشكل مستقل حول شخصية الله وأهم خصائصه في القرآن.
أولاً، ينبغي أن أقول إنه من وجهة نظري يجب تصوّر مرحلتين للقرآن: 1) القرآن في مرحلة ما قبل الكتاب؛ 2) القرآن في مرحلة ما بعد الكتاب. من وجهة نظري، القرآن في البداية نصّ ليس كتاباً بالمعنى الذي نفهمه الآن. أي أنه ليس نصّاً له بداية ونهاية ومُبوَّب، ومكتوب بطريقة خاصة من قبل مؤلف بغاية محددة ومُعيّنة سلفاً، لم يكن كذلك وليس كذلك. القرآن في البداية هو مجموعة من القطع المنفصلة والمتفردة التي ظهرت وتجلّت متناسبة مع الأحداث الباطنية للنبي وكذلك الأحداث الخارجية والاجتماعية التي وقعت في المجتمع العربي في عصر النبي. من هنا، من وجهة نظري، كل قطعة قرآنية لها صلة بحدث أو أحداث باطنية أو خارجية. هذه القطع، من وجهة نظري، هي أقوال في قلب أحداث لا تُفهم دون فهم تلك الأحداث. لذلك، فإن أهم خاصية لهذه القطع القرآنية هي خصوصيتها وسياقيتها. لكن مع تبويب القرآن وجعله كتاباً وتنظيمه بالصورة التي نملكه عليها الآن، ضُحّي بخصوصية القرآن وسياقيته لصالح إضفاء العمومية على النص. هذا أحد أهم حُجُبنا في فهم القرآن، وهو حجاب للجميع. طبعاً، نحن غير الناطقين بالعربية لدينا حجابان رئيسيان لفهم القرآن يمنعان من فهمه فهماً صحيحاً: اللغة والزمان (العصر والأفق المعيش). بالطبع، الناطق بالعربية لديه مشاكل أيضاً بخصوص حجاب اللغة، لكن مشكلته أقل مقارنة بغير الناطقين بالعربية. هم في هذا الشأن عليهم أن يتعرفوا على تغيرات وتحولات اللغة العربية، وأن يتعرفوا على استعمال مفردات ومفاهيم اللغة العربية في صدر الإسلام ليتمكنوا من التغلب على هذا المانع. علينا أيضاً أن نتغلب على مانع الترجمة. الترجمات غالباً ما تؤدي إلى تحريف القرآن. مثلاً، يقول القرآن: "يتوفى" ومعناه أنه يستوفي الحياة أو يتسلمها بالتمام. مثلاً، يقول القرآن: الله يتوفى الأنفس حين موتها و... (الآية 42 من سورة الزمر). الله يستوفي الأنفس وقت الموت (يتسلمها بالتمام). المترجم الفارسي يترجم: يقبض الروح. لكن في هذه الآية لم يُذكر شيء اسمه الروح أصلاً. على أية حال، في مرحلة ما بعد صيرورته كتاباً، فقدت هذه القطع القرآنية خاصية خصوصيتها، وضُحّي بخصوصية القطع القرآنية لصالح عمومية الكتاب. إضفاء العمومية على النص القرآني ربما كان مفيداً لبناء الحضارة الإسلامية الباكرة، لكنه الآن جعلنا نواجه كتاباً "مُشَتَّتاً[8] " تبدو كثير من مواده غير مترابطة ظاهرياً. سبب هذا اللا ترابط وهذا ما يُسمى بـ "التشتت" هو أن هذه القطع لم تكن أصلاً موحدة ومتصلة، بل كل قطعة ظهرت في قلب سياق وظروف وحدث خاص. مثلاً، أول قطعة قرآنية كانت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. لكن الآن هذه السورة تحوي 19 آية؛ أي أن قطعة أخرى ظهرت في زمان وسياق آخرين أُضيفت إلى هذه القطعة الأولى. نتيجة لذلك، الآن يُجبر مخاطب القرآن على أن يربط بين هذين الجزأين. عندما ننظر إلى هاتين القطعتين نرى أن القطعة الأولى ذات شحنة إيجابية وتتحدث عن تعليم الرب للإنسان، أما القطعة التي أُضيفت إليها فتتحدث عن طغيان الإنسان وتكذيبه والعذاب، ولها شحنة سلبية تماماً. هاتان القطعتان لا رابط معنوياً بينهما، إلا أنهما تتحدثان بشكل ما عن الإنسان. عندما نواجه، كمخاطبين للقرآن، نص هذه السورة، نحاول أن نقيم رابطاً بين الجزأين بشكل ما، وربما لا نجد رابطاً. هذا يتسبب في أن نبتعد عن النص أو نلوم أنفسنا. على أية حال، سينتاب المخاطب شعور غير سار. لماذا ينبغي أن نُخرج النص وننظمه بشكل مزعج؟ لذلك، أنا أعتقد أن تفكيك النص مجدداً إلى قطعه المنفردة والمنفصلة الباكرة سيكون تجربة تحريرية. الآن الوضع من النوع الذي يجب علينا فيه بجهود كبيرة أن نكتشف خصوصية كل قطعة لكي ندرك المعنى الصحيح لكل قطعة ونتمكن من فهم النص فهماً صحيحاً. العمومية المستفادة من كل قطعة ربما تسبب استنباطات منفّرة للعقل من النص القرآني، يُرفع جزء منها على الأقل باكتشاف خصوصية كل قطعة وفهم الحدث والسياق المرتبطين بها.
بنابراین، تفسیر معتبر قرآن تفسیری است که بر اساس زمان و زمینهی نزول صورت بگیرد و الّا تفسیر قرآن بر اساس اندیشههای فلسفی یونانی و اندیشههای عرفانی متقدّم و متأخّر التقاط قرآن با معارف دیگر است و متأسفانه بسیاری از تفاسیر جدید و قدیم دچار چنین التقاطی هستند. عموم اینگونه تفاسیر دچار مشکل زمینهزدایی هستند. بنابراین، من شخصاً تدوینی از قرآن را که منعکس کنندهی منحصر به فرد بودن هر قطعه است و بر اساس زمان نزول تنظیم شده باشد را بر تدوین و تنظیم موجود ترجیح میدهم زیرا آنچه اکنون تحت عنوان قرآن در اختیار ما قرار دارد یک نوع تنظیم و تدوین از قرآن است که در یکی دو دهه پس از وفات پیامبر اسلام انجام گرفته است و تدوینها وتنظیمهای دیگر نیز ممکن است و تنظیم آغازین قداست ندارد. بهعلاوه، میدانیم که قرآنپژوهان در مورد ترتیب و تنظیم سور با هم اختلاف دارند. در تدوین آغازین، این قطعات را به هم متّصل کردهاند و باببندیاش کردهاند و به هر باب نام یک سوره را دادهاند. بنابراین، قرآن نهضت (قرآن قبل از کتاب) در طی روند نهادینه شدن اسلام، به قرآن پسانهضت (قرآن بعد از کتاب) تبدیل شده است. تدوین کتاب در تمام ادیان جزئی از فرآیند نهادینه شدن دین است و در تمام ادیان، تدوین و تنظیم کتاب مقدّس دین بعد از عبور از مرحلهی نهضت و در مرحلهی نهادسازی و نهادینه شدن دین[9] رخ داده است. بنابراین، بسیاری از تفسیرها و تأویلهای قرآنی موجود در واقع متّکی بر قرآن پسانهضت است نه متکّی بر قرآن نهضت.مثلاً فهم فقهی از قرآن مرتبط با قرآن پسانهضت است. فقه اسلامی در مرحلهی پسانهضت برای رتق و فتق دینی امور زمانه پدید آمده است و بر قرآن پسانهضت متّکی است. با شناخت مخاطب آغازین و فرهنگ و جامعهای که او در آن زیست میکند، قطعاً فهم ما از قرآن به کلّی دگرگون میشود و ما میتوانیم به آن دوران نهضت برگردیم. مثلاً این همه تأکید که در قرآن وجود دارد مبنی بر اینکه در انجام هر کاری نام الله را ببرید، برای مبارزه با جهانبینی مشرکانه است. وقتی که ما میفهمیم مردمی وجود داشتهاند که مثلاً وقت ذبح حیوانات نام بتان را یاد میکردهاند، تأکید قرآن را بر ذکر نام الله در زمان ذبح میفهمیم. حالا تصوّر کنید ما در جهان مدرن میخواهیم حیوانات را بهنحو صنعتی ذبح کنیم و مشکل شرعی پیش میآید؛ چونکه دستگاه یا "تیغ ذابح" نمیتواند نام خدا را ذکر کند! حالا شما توجّه بفرمایید و ببینید که در میان ما مسلمانان موضوعی که در اصل جزئی از مبارزهی عملی بین جهانبینی توحیدی و جهانبینی مشرکانه بوده است، اکنون چهگونه ضدّمدرن فهمیده میشود و خوردن گوشت مرغ یا گوشت گاو و گوسفندی که ذبح صنعتی شده، به همین بهانه حرام اعلام میشود.
بهعبارت دیگر، آیاتی که ناظر به مبارزهی فکری و عملی بین دو جهانبینی مشرکانه و توحیدی و حاملان و کارگزاران آنها بوده است، به همهی زمانها تعمیم داده میشود و یا بهنحو مناسکی و ظاهربینانه فهم میشود. من میتوانم دهها مثال از این گونه درک و فهم نادرست از آیات قرآن ذکر کنم.
به نظراَم شخصیت الله در قرآن را میتوان با توجّه به چند ویژهگیاش بهتر شناخت. دستکم در نظر اوّل میتوان بر چهار صفت الله در قرآن انگشت تأکید نهاد. بهنظراَم یکی از مهمترین صفاتی که الله در قرآن با آن قابل وصف و تعریف است، صفت غیور است. الله بسیار غیرتمند است و هیچ قدرتی در جهان نمیتواند و نمیباید در چشم بنده مهمتر از او بهنظر برسد و دیده شود. هم در برابر خدایان شرک و هم در برابر خدایان زمینی (طاغوتها)، غیرت شدید الله نمایان است. در همین معنا است که وجه ایجابی توحید (تکیهی صرف بر الله و توکّل محض به او) و وجه سلبی توحید (دل کندن از غیر الله) آشکار میشود. در این معنا غیرت الله غیرتی عامگرایانه است. تمامی بشریت را شامل میشود و الناس عیال الله هستند. بنابراین، غیرت و انحصارطلبی الاهیاش عامگرایانه است. او ظلم به عیال خود را بر نمیتابد. لذا دشمن جدّی و بیگذشت مستکبران و طاغوتهای زمینی و اجتماعی است.
از همین رو، صفت مهم دوّم الله مداخلهگر است. او "فیالارض" مداخلهگری میکند. الله در جامعه و تاریخ بشر مداخله میکند و بیطرف نیست. الله میکوشد نگاه انسان را نیز به مداخلهگری و حضوراَش معطوف سازد. او خدایی جانبدار است که به نفع صالحان و مستضعفین در تاریخ مداخله میکند و وعدهی مداخله میدهد. بنابراین، الله خدای وعده است و با تحقّق وعدهاش کنشگری میکند و با کنشگریاَش هویّت خود را میسازد. الله در قرآن اصلاً خود را با کنشهایش تعریف میکند. دائماً میگوید الله آن است که چنین و چنان کرده است. به همین معنا او خدایی انضمامی است. او را میتوان در هر کجا جست و جو کرد؛ نه فقط در آسمانها و یا در خلوت دلها. این را هم باید همینجا بیفزایم که مداخلهگری خدا مداخلهگری بالهوسانهی خدایی جبّار نست بلکه وابسته است به کنشگری آدمیان در درون اجتماع انسانی. از سوی دیگر، چون خدا به نفع صالحان و مستضعفان مداخله میکند، مداخلهگری او رهاییبخش است. بنابراین، خدای قرآن با خدای دئیستی و خدای صلح کل عُرَفا و نیز خدای در خود غنوده و به خود اندیشندهی فلاسفهی مسلمان بسیار متفاوت است.
صفت مهم سوّم الله در قرآن به نظر من صفت داور است. الله داور نهایی اعمال و عملکرد تمامی آدمیان در روز رستاخیز است: داوری سخت حساب و دقیق که میبایست از داوریاَش خوف داشت؛ چنان خوفی که از خوفاش میبایست به بخشندهگیاش پناه برد تا از نهایت کار خویش ناامید نگشت. بخش زیادی از آیات قرآن ناظر به وقوع روز رستاخیز و توصیف صحنهی داوری الله و توصیف حال و احوال آدمیان و دریافت نتایج اعمالشان در این روز است.
صفة مهمة أخرى لله في القرآن يمكن الجمع بينها وبين سائر صفاته وترتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وهي كونه شخصانيًا. فالله، إلا في حالات نادرة جدًا، يُصوَّر في القرآن على نحو شخصاني (personal). فعندما يتكلم مع الإنسان تنشأ علاقة شخص بشخص؛ شخص متعالٍ، غني، عظيم في مقابل شخص ترابي تابع، فقير، وحقير. وهكذا، يدخل الله في فعل تواصلي (communicative) مع الإنسان ولا يبقى ككيان كوني مجهول وغير شخصاني. وبهذه الطريقة، يستطيع الإنسان أن يتكلم معه ويقيم معه علاقة حميمة. فقط في لحظات نادرة في القرآن، يبرز تصور غير شخصاني عن الله؛ مثل الموضع الذي يُشبَّه فيه الله بالنور والمشكاة. الله نور السماوات والأرض. هذه اللمحات غير الشخصانية عن الله تساعد الإنسان المسلم على ألا ينسب الصفات البشرية إلى الله ويسلك طريق التنزيه. النقطة المهمة والأساسية هي أن شخصانية الله في القرآن تتحول بشكل ملحوظ داخل علم الكلام الإسلامي، والفلسفة المسماة إسلامية، والعرفان الإسلامي. ودراسة مسار هذا التحول تتطلب بدورها أبحاثًا منفصلة ونقاشًا مستفيضًا.
الوحي نوع من التجربة الباطنية. لدينا أنواع من التجارب الباطنية؛ مثل التجربة العرفانية، والتجربة الشعرية، والتجربة العاشقية، والتجربة الدينية، والتجارب الاستبطانية الناظرة إلى الأحوال الشخصية، والتجارب الناتجة عن تعاطي المواد المخدرة. الوحي هو التجربة الباطنية لمؤسس الدين. نسمع أخبار هذه التجارب في وصف أحوال موسى، وزرادشت، ويحيى، وعيسى، ومحمد (ص) وبعض الأنبياء الآخرين. لا يستطيع علم الاجتماع أن يتحدث عن كيفية وماهية هذه التجارب، بل يمكنه أن يخبرنا أن التعبير الذي عبر به هؤلاء الأفراد عن تجاربهم والنشاط الذي قاموا به بناءً عليها، ما هي الآثار الاجتماعية التي ترتبت عليه. بناءً على هذه التجارب، أي نظام معرفي نشأ، وما هو التحول التاريخي والاجتماعي الذي أحدثه، وما هي النهضات التي أطلقها. هذه أمور يمكن لعالم الاجتماع أن يتحدث عنها. كما يمكن لعالم الاجتماع أن يخبرنا عن نوع النمط أو الشخصية الاجتماعية التي كان عليها أولئك الذين مروا بهذه التجارب، وما الفرق بينهم وبين الأنماط الاجتماعية الأخرى. ولكن يمكننا أيضًا أن ننظر إلى الوحي من منظور فينومينولوجي (ظاهراتي). فينومينولوجيا الوحي ليست أن ننمي نظرية قبلية مثل نظرية "الوحي بمنزلة رؤيا". الفينومينولوجي لا يمتلك أبدًا نظرية قبلية؛ إلا إذا كان المقصود معنى آخر للفينومينولوجيا. أن ننمي نظرية قبلية ثم نحاول أن نستخدم كل شيء مرتبط وغير مرتبط كشواهد مؤيدة لنظريتنا (كما يُقال يتشبث بكل حشيش)، فهذا ليس فينومينولوجيا. فينومينولوجي الوحي هو من يجمع كل الأوصاف التي قدمها مجربو الوحي في أي مكان من العالم وفي أي نقطة من التاريخ، ويسعى لاستخراج جميع الخصائص المشتركة لهذه التجارب من هذه الأوصاف، ومن خلال ذلك يكتسب "بصيرة في ماهية" الوحي (الماهية بالمعنى الفينومينولوجي لا الأرسطي). يمكن لعلم الاجتماع الفينومينولوجي أن ينظر من هذا المنظور إلى تجربة الوحي وآثارها الاجتماعية.
مراد من این است که ادیان بهویژه ادیان توحیدی در تاریخ، نقش مهمی در انتقال فرهنگ از عصر اسطورهای به عصر غیراسطورهای داشتهاند. ادیان نقش مهمی در اسطورهزدایی از فرهنگ داشتهاند. لذا من فکر میکنم پیامبران از نظر اخلاقیسازی و عقلانیسازی تاریخ بشریّت نقش بسیار مهمّی داشتهاند. در تفکّر اسطورهای آدمی اسیر اشیاء و نیروهای ناشناخته بوده است. اما ادیان تصوّری قاعدهمند از جهان بهدست دادهاند و تأکید فوقالعادی بر نقش تاریخی انسانها و مسؤولیت اخلاقی انسان داشتهاند. بهعنوان مثال، در قرآن، جهانی بهتصویر کشیده میشود که بر آن سنّتهای الاهی حاکم است. دیگر از آن جهان پر از هرج و مرجی که خدایان بوالهوس به اشکال مختلف نظم امور را به هم میریختند و نوعی بیقاعدهگی بر عالم حاکم بود و هر پدیدهای خدای خاص خود را داشت و قلمرو و ویژهگیهای بهخصوصی داشت، در تفکّر قرآنی خبری نیست. برای اولین بار با ادیان توحیدی، انسان بهعنوان فرد مطرح شد. تا پیش از آن آدمی واجد هویّتی فردی نبود بلکه هویتاش همان هویت قبیله بود. به همین دلیل، وقتی کسی مرتکب قتل میشد، قبیلهی مقتول میبایست یکی از قبیلهی قاتل را بکشد؛ و نه الزاماً خود فرد قاتل را. لذا اصل قصاص یک قاعدهی حقوقی بر اساس اصل فردیّت اخلاقی است. در نتیجه، اصل قصاص انقلابی حقوقی در این جوامع و اصلاً در تاریخ بوده است. با ادیان توحیدی این قاعدهی اخلاقی مطرح شد که هر کسی میبایست به تنهایی در پیشگاه خدا قرار گیرد و پاسخگوی اعمال و رفتار خود باشد. حالا در فرهنگ دینی تابوها کنار میروند و کمرنگ میشوند و به جای آن قواعد دینی و شریعت قرار میگیرد. بدین ترتیب، برخلاف فرهنگ اسطورهای که فردیت را نفی میکند و تقدیر آسمانی در آن تعیین کننده است، در فرهنگ دینی انسان مسؤول اعمال و رفتارهای خود است. با شکلگیری فردیت اخلاقی، نوآوری نیز به رسمیّت شناخته شد و امکان بروز و ظهور یافت. برخلاف فرهنگ اسطورهای که ازلگرا است، فرهنگ دینی به آینده توجّه دارد و آدمی را متوجه ابد و آینده میکند: روز رستاخیز معیار نهایی داوری خواهد بود. در فرهنگ اسطورهای الگوی آغازین یا کهن الگو (سرنمون) تعیین کننده است و همه میبایست مطابق با الگوی آغازین رفتار کنند و الّا مرتکب بدعت شدهاند. امّا در تفکر دینی، آباء الاولین نفی میشود و انسان میتواند دست به نوآوری بزند. اصلاً خداوند هر روز در کار خلق جدید است و انسان نیز میبایست در جهت تحقّق وعدهی الاهی بکوشد؛ تحقق فردایی که اکنون در فراتر از افق دید آدمی قرار دارد اما هر لحظه ممکن است در افق دید قرار گیرد و چندی بعد تحقّق یابد. لذا آنچه بوده و آنچه هست، پایان امور نیست. حتّا عذاب الاهی نیز محصول نهایی رفتارهای انسانها و اجتماع انسانی است. عذاب خدا وقتی نازل میشود که آدمها وعدهی الاهی را فراموش کنند و سنتهای الاهی را نادیده بگیرند. پس به یک معنا این آنها هستند که نازلکنندهی عذاباند. عذاب چیزی جز نتیجهی اعمال آنان نیست. خدا در تفکّر دینی دیگر حالِّ در اشیاء نیست بلکه متعال است و اشیاء تسبیحگوی او هستند و چیزی بیش از آیهای از آیات خدا نیستند. لذا آدمی از چنبرهی اسارت اشیاء آزاد میشود. با ادیان توحیدی، بهنحوی ویژه، آدمی از جهانبینی اسطورهای بهدرون جهانبینی دینی گام میگذارد. با این تحوّل، جهان آدمی به کلّی دگرگون میشود. داستان ابراهیم در متون دینی از جمله در قرآن بیان دینی این تحوّل است. حتّا مراسم قربانی نیز دگرگون میشود و معنایی نمادین مییابد و قربانی انسانی، به قربانی حیوانی بدل میشود. به جای اسماعیل یا اسحاق قوچ و گوسفندی قربانی میشود و این قربانی دیگر برای مهار خشم خدایان نیست بل که نمادی از دل بریدن از تعلّقات انسانی و اخلاص در راه خدا است. نحوهای تذّکر اخلاقی و وجودی و نوعی خودسازی و تذکّر است. در تمام ادیان این گونه بوده است. مثلاً در دین زردشت ما تحولّی را در دو دسته نیروی اهورایی و اهریمنی میبینیم: زمانی این نیروها واجد وجودی خارجی تصوّر میشدند و ابعادی کیهانشناختی داشتند و سپس با نهضت دینی زرتشت، انقلابی در تفکّر اسطورهای رخ میدهد و این دو دسته نیرو به دو دسته نیرو در درون انسان بدل میشوند. در واقع، امر کیهانشناختی در تفکّر زرتشتی بدل به امری انسانشناختی میشود و این البته انقلاب فکری بسیار بزرگی است که تمامی ادیان توحیدی در جهان فرهنگ و در تاریخ بشر پدید آوردند. قطعاً این انقلاب فکری انقلابی اجتماعی را در پی داشته است و منجر به جهانسازیهای جدیدی شده است.
في هذا الصدد، لا يختلف الإسلام كثيرًا عن الديانة الزرادشتية والمسيحية واليهودية والصابئية. والنصوص الدينية هي جزء من هذه العملية وتؤدي دورًا في هذا التحوّل.
ينبغي لي أن أوضح هنا أنني أميز بين ثلاثة أنواع من النصوص الأسطورية وثلاثة أنواع من الروايات الأسطورية: الأسطورة التامة، والأسطورة المكسورة، وشبه الأسطورة. الأسطورة التامة ناظرة إلى الرؤية الكونية الأسطورية ومعتمدة عليها. الأسطورة المكسورة هي رواية ونص أسطوريان يقعان داخل سياق ورؤية كونية غير أسطورية؛ مثل قصة آدم في القرآن. هذه النصوص والروايات لديها القابلية لأن تُفهم وتُفسر على نحو رمزي. وأخيراً، الرواية والنص شبه الأسطوري هما رواية ونص ينتميان إلى العصر الحديث، لكنهما يعكسان، على نحو منقلب ومتحول[10]، ظلاً من خصائص التفكير الأسطوري.
يبدو أن نقاشي يشبه نقاش بولتمان من بعض الجهات، لكن إزالة الأسطرة التي يناقشها بولتمان تختلف عن نقاشي بفروق جوهرية. أولاً، هناك اختلاف في نقطة الانطلاق: نقطة الانطلاق في اللاهوت الليبرالي هي عصرنة اللاهوت والفكر الديني وجعلهما منسجمين مع الفكر الحديث. هذا الهم همٌّ محترم، لكنه إن لم يكن منهجياً يمكن أن يؤدي إلى مصادرة على المطلوب. لقد أنجز بولتمان عصرنة الفكر الديني هذه على أساس فلسفة الوجودية، ولذا قام بتأويل وتفسير النص الديني بناءً على هذا الفكر، ونتيجة لذلك، فإن بولتمان لم يقم بإزالة الأسطرة، بل قام في رأيي بإزالة الدين. من الناحية المنهجية، لا يمكننا أن نتجاهل خصائص الرؤية الكونية الدينية ونفسر الدين بحيث يصبح متوافقاً مع نسقنا الفكري. دين كهذا يصبح ديناً شخصياً، وليس المسيحية أو الإسلام بوصفهما حاملين لخصائص تاريخية معروفة، وبنصوص محددة وإنتاجات معينة. للرؤية الكونية الدينية خصائص، إذا ما نزعتها منها تكون قد أخرجته من كونه ديناً. لقد شرحت سابقاً بالتفصيل في مقالة
"إزالة الأسطرة عن الدين في العالم الحديث" (مجلة جشمانداز إيران، تير ومرداد 1394، العدد 92، صص 102-107) الفرق بين مقاربتي ومقاربة بولتمان، وعرضت نقدي لآرائه.
نقطة انطلاق نقاشي ليست همّ عصرنة الدين ومطابقة الفكر الديني مع الفكر الحديث، بل المعرفة الدقيقة للدين التاريخي بناءً على السياق الذي ظهر فيه. وجهة نظر بولتمان تتعلق بـ"رفض الرؤية الكونية للكتاب المقدس". أما وجهة نظري في إزالة الأسطرة فتتعلق بمعرفة الرؤية الكونية للكتاب المقدس، لا رفضها. رفض تلك الرؤية الكونية أمر ثانوي ويعتمد على الاختيار الشخصي للأفراد. يرى بولتمان أن الرؤية الكونية للكتاب المقدس (الإنجيل) أسطورية، بينما أعتقد أن الرؤية الكونية للكتاب المقدس (القرآن) قد تكونت في تقابل مع الرؤية الكونية الأسطورية للمجتمع العربي في عصر النبي، وهذه الرؤية الكونية مضادة للأسطورة، وهي في الواقع رؤية كونية دينية؛ وإن كانت مضادتها للرؤية الكونية الأسطورية غير تامة، ويمكن للمتدينين في القرون اللاحقة داخل التقليد الديني أن يواصلوا ويكملوا إزالة الأسطرة الموجودة في النص المقدس.
ثانيًا، مقاربة بولتمان وجودية، وبالتالي فإن لاهوته شخصاني، وبمعنىً ما، غير تاريخي. أما مقاربتي في إزالة الأسطرة عن الدين فهي مقاربة تاريخية، وتشير إلى التحول الكبير الذي حدث في الثقافة البشرية: الانتقال من داخل نظام ثقافي كلي إلى داخل نظام ثقافي كلي آخر؛ الانتقال من الأسطورة إلى الدين، ومن الدين إلى العرفان، ومن هذه الثلاثة، بوصفها مكونات التقليد، إلى الإيديولوجيا في السياق الذي هيأه العلم. في مثل هذا التحول، يدين كل نظام ثقافي كلي جديد للنظام الثقافي الكلي السابق. فبدون الأسطورة، ما كان للدين أن يتحقق، وبدون الدين، ما كان للعرفان أن يتحقق، أو على الأقل ما كان ليصبح بهذا القدر من الخصب والنضج. في هذا الصدد، تُستثنى الإيديولوجيا بالطبع. فالإيديولوجيات، وإن كانت مدينة بشكل ما للأسطورة والدين والعرفان، وقد استعارت منها عناصر، إلا أنها مدينة للعلم أكثر. فالعلم هو الذي هيأ الأرضية المواتية لتكوّن الإيديولوجيات؛ رغم أنها ليست علمية. إن اللاهوت الليبرالي، من حيث المبدأ، لاهوت لا يكترث بالتاريخ. أما اللاهوت النقدي (بالمعنى الإبراهيمي للكلمة وبالمعنى الماركسي الهيغلي للكلمة) فيولي التاريخ اهتمامًا تامًا وكاملًا.
المسألة الأساسية في نظري تعود إلى نوع نظرتنا إلى النص. أولاً، هل نعتبر النص المقدس مجموعة من الحقائق المتعالية عن الزمان والمكان والأبدية، أم نعتبر النص أمراً سياقياً لم تكن قضاياه لتظهر منفصلة عن سياقها أصلاً؟ من وجهة نظري، إن مجرد التفكير بإمكانية وجود نص منفصل كلياً عن سياقه هو نظرة أسطورية تتعارض مع منجزات علم اللغة؛ لأن علم اللغة علّمنا أن استعمال اللغة أمر سياقي. لكننا تعلمنا أيضاً أن المفاهيم يمكن أن تحمل أحياناً دلالات متعالية عن السياق. النقطة الثانية هي أننا ننظر إلى النص المقدس بمقاربة عقائدية ونعتبره مجموعة من التعاليم المعبّرة عن الحقائق، أم نعتبر النص المقدس بمثابة مقدم لأسلوب من أساليب الحياة؟ أولئك الذين يختزلون الكتاب المقدس إلى مجموعة من العقائد يقلقون من نزع الأسطرة ونقد النص المقدس؛ لأن حلقة وصلهم الوحيدة بالنص المقدس هي أنهم يعتبرونه معبراً عن مجموعة من الحقائق. عندما تبيّن أن في هذا النص تناقضات، أو كما يقول بعض النقاد إن بعض قضاياه غير عقلانية، يشعرون أن اعتبار النص قد ضاع كلياً. أما في المقاربة التي ترى النص المقدس ليس كمجموعة من القضايا، بل أكثر من ذلك وبمنزلة مقدم لأسلوب حياة ومروّج لنوع من البراكسيس الخاص في سياق اجتماعي معين، فإن مثل هذا النص، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، يظل ملهماً للإنسان المتدين. لقد مرت الآن بضعة آلاف من السنين على كلمات إرميا وأشعيا وحزقيال وسائر أنبياء بني إسرائيل. لكن لماذا لا تزال رسالتهم ملهمة لنا نحن المتدينين؟ لأن رسالتهم تروج وتقدم أسلوباً من أساليب الحياة. لذا فإن مثل هذا النص، رغم كل الانتقادات التي وجهت إلى التوراة، لا يزال ملهماً ويدفعنا إلى فعل الخير. في مقاربة اللاهوت الليبرالي واللاهوت المدرسي في الحوزات العلمية بوصفه نموذجاً فكرياً، يكون للنص المقدس مدخلية معرفية في الغالب، أما في اللاهوت النقدي، فالنص المقدس، إضافة إلى مدخليته المعرفية، له مدخلية نفسية وجودية ومدخلية معيارية، ومن قبيل الصدف أن هذين النوعين من مدخلية النص المقدس يغلبان على مدخليته المعرفية. لذا إذا أصبحت المدخلية المعرفية للنص غير فعالة لعصرنا (مثلاً إذا كانت طبيعيات النص المقدس غير منسجمة مع منجزات العلوم الحديثة حول الطبيعة ولم نعد نستطيع قبول علم الطبيعة في النص المقدس) فلن نقلق كثيراً، لأن علم الطبيعة وعلم الكون في النص المقدس في هذه المقاربة أمر فرعي ومتفرع عن أسلوب الحياة. في هذه النظرة، إذا تحدث النص المقدس عن الجبل والجمل والسهل والصحراء والبحر والسماء، فإن هذا النوع من الحديث كان تمهيداً لتقديم أسلوب الحياة المنشود. لذا فإن علم الكون وعلم الإنسان في الكتاب المقدس (القضايا الناظرة إلى بنية الإنسان الوجودية وعملياته وآلياته البدنية والنفسية) لا يُعتبر أصلاً وأساساً للكتاب، بل إن أسلوب الحياة الذي يطرحه الكتاب المقدس لبناء المجتمع المنشود هو الذي يُعرف بأنه أصل الكتاب وأساسه. وفقاً لهذا التلقي في اللاهوت النقدي، فإن هذا الكتاب هو كتاب بناء وعمل أكثر منه كتاب معرفة؛ بناء الإنسان والمجتمع على أساس الرؤية الكونية والأنثروبولوجيا الدينية. وكما يقول تشارلز ديفيس، المتكلم في اللاهوت النقدي: "ينبغي للفكر النظري الذي يثيره الوحي أن يبقى اختبارياً وتابعاً إلى حد كبير للسياق الفكري الدنيوي الذي يكون الوحي مؤثراً فيه. إن مركز الإحالة الذي يمنح التماثل والاستمرار لتقليد وحياني هو البراكسيس الذي يتجسد فيه الوحي. الوحي هو أساساً أسلوب حياة. كلمة الله ليست مجرد مجموعة جمل عبرت عن حقائق في قالب قضايا. كلمة الله هي كلام لسان الوعد والغفران والسخط والإقناع". إذن، عندما نعتبر النص المقدس نصاً سياقياً ونعتبره ليس بمنزلة مجموعة من القضايا والحقائق، بل مقدماً لأسلوب من أساليب الحياة، فأي مجال يبقى للقلق من نزع الأسطرة أو حتى نقد الكتاب المقدس؟ لذلك، عندما يقول القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، فإن هذا الكلام بالنسبة لي هو من جنس تقديم أسلوب الحياة، وأنا كمسلم أعتبر نفسي ملزماً بالانتباه إليه، وإلا فسأعتبر نفسي مذنباً أو مقصراً على أقل تقدير.
والآن إذا قال قائل إن علم الجبال القرآني لا يتوافق مع منجزات علم الجيولوجيا (كما قال بعض النقاد المسلمين الإيرانيين وغير الإيرانيين)، فسأسأله: هل كنت تتوقع أن يتطابق علم الجبال القرآني مع علم الجبال في علم الجيولوجيا الحديث؟ هل مثل هذا التوقع، من الناحية النصية ومن ناحية تاريخ تطور المعرفة (أي من الناحية الإبستمولوجية)، توقع وجيه؟ وبنفس الطريقة، سأتعامل مع القصص التاريخية والروايات الأخرى في النص المقدس.برأيي، إن أعظم إنجاز حققته الحداثة الدينية في هذا المجال هو أنها هيأت الأرضية لنقد النص والنظرة الحديثة إليه، وقدمت نموذجًا جديدًا في دراسة النصوص – بتعبيركم – وأقصت النظرة الاعتقادية والأسطورية للنص إلى الهامش، أو على الأقل جردتها من مصداقيتها، وفتحت أبوابًا مهمة في مجال دراسة النصوص. كما أنها طرحت متطلبات أساسية مهمة لدراسة النصوص. ومن هذا المنطلق، فإن هذه الإنجازات بالغة الأهمية. لكن برأيي، إن أهم نقطة ضعف قائمة هي الضعف المنهجي. إذ ينبغي لكل مقاربة من مقاربات دراسة النصوص أن تقدم منهجيتها الخاصة. أعتقد أن الحداثة الدينية في العالم العربي كانت أكثر نجاحًا في هذا المجال، وللأسف لم يقدم الحداثيون الإيرانيون مناهجهم الخاصة لدراسة النصوص. فرغم أنني شاهدت رؤى قيّمة للغاية في أعمال المفكرين الإيرانيين وتعلمت الكثير من مؤلفاتهم، إلا أنني أرى في الغالب – من الناحية المنهجية – مواجهات شخصية واعتباطية أكثر مما أرى مقاربة منضبطة قائمة على منهج خاص. فعلى سبيل المثال، عندما تدرس البحث القرآني لدى عابد الجابري أو نصر حامد أبو زيد، تكتشف أنهما يسعيان إلى تطوير منهج بحثي خاص بهما والبقاء أوفياء لقواعده المنهجية. للمنهج أهمية بالغة في العمل، لا سيما في دراسة النصوص، وهو أمر جوهري وأساسي. الإشكال الذي أراه في أغلب التفاسير الموجودة للقرآن، من "پرتوی از قرآن" لطالقاني إلى "الميزان" للعلامة الطباطبائي، هو هذا الافتقار إلى منهج خاص. أن أفتح القرآن وأدون كل ما أفهمه منه على الورق، ليس عملًا معتبرًا. ينبغي عليّ بالتأكيد أن أوضح على أساس أي منهج فهمت هكذا وفسرت هكذا. ولهذا أرى المفسر في السنة الأولى من التفسير يواجه آية فيفسرها بطريقة معينة، ثم في السنة العشرين من التفسير – مثلاً – وفي أواخر النص، يواجه الآية نفسها مجددًا فيفهمها ويفسرها بطريقة جديدة. ويسمون هذا تحولًا في الفهم! أما أنا فأسميه انعدام الضوابط والافتقار إلى منهج محدد في فهم النص وتفسيره. والآن، مهما فسرت النص المقدس بشكل حداثي وعصري أكثر، فهو بنظري أكثر افتقارًا للمصداقية بنفس المقدار! لأن المصادرة على المطلوب هي أسهل ما يمكن، ولها تاريخ طويل في تفسير القرآن. ولهذا السبب، أعرف كتاب "الله والإنسان في القرآن" لإيزوتسو بأنه أفضل نص في دراسة القرآن؛ لأن إيزوتسو من البداية إلى النهاية شرح آيات القرآن وفسرها بمنهج محدد ومعتبر (المنهج الدلالي).
بالنسبة لي، لطالما حملت نقاشات شريعتي القرآنية دلالة مزدوجة في نظري. فمن جهة، هناك ومضات قيّمة في نظرته وتوجهه إلى القرآن وتفسيراته لآياته، وهي ومضات مبتكرة وتفتح الآفاق لأنه لم يظل حبيس الخطاب الديني التقليدي وتحرر من قيوده المفروضة. وهذا يمنح المتلقي بلا شك الجرأة على التطلع إلى آفاق تفسيرية جديدة وألا يبقى أسير الجهاز الديني المدرسي (السكولاستي) المثقل بديونه للفلسفة اليونانية. هذا هو الجانب الفاتح للآفاق في نظرة وكتابات شريعتي تجاه آيات القرآن، وهو ما كان دائماً جذاباً ومعلماً بالنسبة لي. وإلى جانب هذا الوجه الإيجابي، هناك الوجه السلبي لنظرته وتوجهه، وهو أن شريعتي في مواجهته لآيات القرآن لا يحمل هماً منهجياً جاداً بالقدر الكافي، وهذا في رأيي نقص وقصور كبير لا يوجد فقط في عمل شريعتي، بل في عمل العديد من المتنورين الدينيين وحتى رجال الدين في تعاملهم مع آيات القرآن. ولهذا السبب، أعتقد أن شريعتي وكثيراً من المفكرين المسلمين الآخرين، بسبب افتقادهم للاعتماد على مناهج معتبرة، يقدمون على نوع من التفسير والفهم للآيات يبدو لي أن قسماً كبيراً منه هو تفسيرات ونقاشات قرآنية اعتباطية، وبالتالي تفتقر إلى المصداقية. دعوني أضرب مثلاً. في إحدى نقاشاته حول أسماء السور، ومن خلال دراسته لأسماء سور القرآن التي غالباً ما تكون أسماء ظواهر طبيعية (مثل البقرة، العنكبوت، النمل)، يستنتج أن نظرة القرآن هي نظرة تجريبية. وبهذه الطريقة، يقيم شريعتي صلة معرفية بين نص قديم والفكر التجريبي للعصر الحديث، ويخلص إلى أن القرآن يحمل رؤية تجريبية. خطؤه الكبير هنا هو أنه اعتبر اللغة الناظرة إلى الأمور الجزئية والعينية للمجتمعات غير المتعلمة، والتي تجلت أيضاً في النص الديني، بمثابة علامة على تجريبية هذا النص. لو كان الأمر كذلك، لوجب أن نستنتج أن المعلقات السبع (وهي أثر متبقٍ من أشعار العرب في العصور القديمة) المليئة بالمفاهيم العينية والجزئية، هي علامة على تجريبية ذهن عرب ذلك الزمان! إن أخطاء كهذه هي أخطاء فادحة جداً، نراها للأسف بكثرة في أعمال بعض المتنورين الدينيين ورجال الدين، وتشير في المقام الأول إلى فقدان المنهجية في التفسير والتعامل مع النص المقدس. إن دراسة قدرات وإمكانات ومنتجات "العقل العربي" في صدر الإسلام أو في العصر ما قبل الإسلامي، والتي تناولها بالتفصيل أشخاص مثل أحمد أمين (في الجزء الأول من كتاب فجر الإسلام، ترجمة عباس خليلي)، توضح كيف كان مستوى ذهن ولغة العرب في العصر قيد البحث، ومدى خطأ تصور أنهم امتلكوا منتجات فكرية مشابهة للمنتجات الفكرية للإنسان الحديث.
.
.
[1] . private God
[2] . illiterate society
[3] . type of society
[4] . cognitive
[5] . expressive
[6] . normative
[7] . world-making
[8] . تحدث بعض دارسي القرآن الإيرانيين عن النظام المضطرب للقرآن.
[9] . institutionalization of religion
[10] . transposition
.
.
إعداد: بجهود فرامرز معتمد دزفولي
الناشر: نقد فرهنگ
تاريخ الطبع: ۱۳۹۷
ردمك: 8ـ52ـ8405ـ600ـ978
عدد الصفحات: ۳۶۷
.
۶۶۹۶۷۰۰۷ | ۶۶۴۶۰۰۹۹
متوفر في المتاجر الإلكترونية (۳۰ بوک، توزيع ققنوس، كتاب فرهنگ وغيرها)
.
تصدير
مقدمة وشكر
الله، أمر إيماني لا إثباتي (عبد العلي بازركان)
الله، بحث إنساني (حبيب الله بيمان)
فينومينولوجيا الوحي (تقي رحماني)
مكانة الله في الإبستمولوجيا الحديثة (علي زاهد)
من فينومينولوجيا اسم الله نحو معنى الوجود (إحسان شريعتي)
مقاربة سوسيولوجية جديدة للدين (سارا شريعتي)
بحث جديد حول اسم الله (علي طهماسبي)
تجاوز الثيولوجيا (بيجن عبد الكريمي)
في تفسير الوحي ومعنى الوجود (رضا عليجاني)
البحث عن الله كبحث عن المعنى في الوجود (مقصود فراستخواه)
كيف تفهمون القرآن؟ (محمد مجتهد شبستري)
كيفية الحديث عن الله في العالم الحديث (حسن محدثي كيلوايي)
الله، لا قابل للإثبات ولا قابل للإنكار (لطف الله ميثمي)
الحجية، الوحي وإعجاز النص (حسن يوسفي أشكوري)
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
چه گفتگوی پیراسته و روشنگری