اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعدّد مصطفى ملكيان ثلاث آفاتٍ للمجتمع الديني: حصر الدين في العبادات والغفلة عن الأخلاق، وتمدّد التعبّد بلا نقاش حتى بلوغ حدّ تقديس رجال الدين، والنظر إلى الدين بوصفه سلعةً حكراً على فئةٍ خاصّة بدلاً من كونه رحلةً روحيّةً للجميع.

● يمكن الإشارة فقط إلى أهمّ آفات المجتمع الديني وإلا فإن الآفات التي قد تعرض مجتمعًا دينيًّا، من حيث كونه دينيًّا، كثيرة جدًّا.
.
.
من آفات المجتمع الديني أن الدين، وهو في الواقع يشمل ثلاثة أقسام: العقائد والأخلاقيات والعبادات، ينحصر في العبادات مثل الصلاة والصيام والحج. وهذا أمر لم يقل به أحد نظرياً، لكن عملياً كثير من المتدينين يبتلون به. بمعنى أنهم يحصرون التدين في الالتزام بأحكام العبادات فقط. هذا الفهم للدين، علاوة على أنه يُنسي قسمين مهمين من الدين وهما: العقائد والأخلاقيات خصوصاً، إلا أنه يشوبه وهم عظيم فيما يتعلق بالعبادات ذاتها، ولا يدرك أن العبادات لا تكون ذات قيمة إلا إذا كانت لها وظيفتان: إحداهما أن تكون في خدمة تأخلق الإنسان والبقاء على أخلاقيته، أي أن تكون مقدمة ووسيلة للعيش الأخلاقي. يقول القرآن عن الصلاة: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ»، فخاصية الصلاة أنها تمنع المصلي عن الأعمال السيئة والمنكرة؛ فإذا كنت مرتكباً للعمل السيئ فأنت في الحقيقة لم تؤدِّ الصلاة، بل قمت بدور تمثيلي فقط، لا أكثر. وعن الصيام يقول: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، أي أن الصيام فرض عليكم لعل الامتناع عن الطعام والشراب يؤدي إلى التقوى، وإلا فما الفائدة من الجوع والعطش؟ قال علي عليه السلام: كم من صائم لا يجني من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم الليل لا يجني من قيامه إلا الأرق والتعب. وبعد أن يشرح القرآن مناسك الحج يقول: «لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ»، أي أن لحوم الغنم والبقر والإبل التي تذبح في مناسك الحج لن تصل إلى ساحة الألوهية؛ فإن ما يصل إليه سبحانه هو التقوى التي تحدث فيكم من خلال هذه الأعمال. الغرض من هذا القول هو التنبيه إلى أن العبادات يجب أن تكون في خدمة تأخلق الإنسان والبقاء على أخلاقيته. أما الوظيفة الثانية للعبادات فهي وظيفتها الرمزية (Symbolic). أي أن الإنسان في العبادات يعتبر أعماله الظاهرة وحركات جوارحه رموزاً تشير إلى حالة باطنية يكنها تجاه الله، ولا يستطيع أن يظهرها وأن يعبر عنها إلا بأعمال جسدية. فإذا لم تكن هذه الحالة الباطنية موجودة أصلاً فلماذا ندى العمل الظاهر والجسدي؟ دعني أضرب لك مثالاً. إذا التقيت بك في الطريق وخلعت قبعتي عن رأسي فهذا خلع القبعة عمل رمزي، ومعنى كونه رمزياً أنني بهذا الفعل أريد أن أظهر وأعبر عن الاحترام الذي أكنه لك في الباطن ولا أستطيع إظهاره بأي طريقة إلا بهذا العمل الظاهر والجسدي. أما إذا لم أكن أكن احتراماً لك في الباطن فإن خلع القبعة سيفقد وظيفته الرمزية وسيكون بلا فائدة. بلى، في العلاقة بين إنسانين يمكن القول إن خلع القبعة، وإن فقد قيمته الرمزية، قد يكون له نفع آخر وهو أنني بهذا الفعل قد أستطيع أن أخدعك وأكسب ودك وأحقق منك مراداً. لكن في علاقة الإنسان بالله، وبما أنه لا يمكن خداع الله، فإن هذه الحالة تنتفي أيضاً؛ وبالتالي فإذا لم تكن أكن الاحترام والخوف والمحبة والتسبيح وأمثالها تجاه الله فإن الوضوء والصلاة والصيام والحج لن يكون لها أي وظيفة. الخلاصة أننا، بالإضافة إلى أننا قد نبتلى بآفة حصر الدين في العبادات، قد نقع أيضاً في خطأ آخر وهو أن ننسى الوظيفتين للعبادات، وبالتالي بدلاً من أن نعتبرها وسيلة نعتبرها غاية، فننزلق إلى نوع من السطحية والشكليات (Formalism).
آفة أخرى وهي أننا نسحب حالة التعبد وعدم التساؤل والاستقصاء إلى ميادين لا يجب أن تُسحب إليها. بلا ريب، الدين عموماً لا يخلو من التعبد، وكل من يتمسك بدين أو مذهب فهو متعبد إزاء قول شخص أو أشخاص. لكن آفة المجتمع الديني أن هذا التعبد الحتمي يتسع تدريجياً فتبتلى الجماعة بالتعبد إزاء أشخاص عديدين، وتنصرف عن الاستدلال والبرهان والنقد والنظر والبحث والفحص والتساؤل. ومثلاً: قد ينشأ نوع من عبادة الروحانيين، وهي نوع من أنواع عبادة الأصنام البارزة. استعرت تعبير «عبادة الروحانيين» من القرآن، حيث يقول عن اليهود والنصارى في جزيرة العرب قبل أربعة عشر قرناً: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ» أي أنهم يعبدون روحانييهم، وبهذا الطريق يبتلون بنوع من الشرك. وقال بعض مفسري القرآن، منهم الشيخ الطباطبائي رحمه الله، إنه لما كان اليهود والنصارى يتعاملون مع علماء دينهم بالحالة التي يجب أن يتعاملوا بها فقط مع الله، أي أنهم كانوا يقبلون أقوالهم بلا تساؤل ولا طلب للدليل والبرهان، اعتبرهم القرآن مشركين وعابدي روحانيين. لأكون أكثر صراحة: عدم التساؤل وقبول قول بلا طلب للدليل والبرهان يخالف الفطرة السليمة للإنسان، وبالتالي يجب أن يُخفّف إلى الحد الأدنى الممكن واللازم. وليس أن نكون في حال دائمة من توسيع أبعاده وميدانه.
آفة أخرى وهي أننا بدلاً من أن نتقبل الدين كعملية تقتضي السير والسلوك الروحي والباطني، نتقبله كمنتج يملكه قوم ويحرم منه آخرون. الدين في الواقع نوع من الرحلة الروحية والسير والسلوك الباطني من التراب والحضيض إلى الأفلاك الطاهرة، وبالتالي فإن المتدينين فحسب هم الذين هم في حالة هذا الجهد والحركة والاضطراب. الدين ليس هدية يحضرها قوم لآخرين يحرمون منها. تقبل الدين كهدية يحول الدين إلى وسيلة للفخر والمباهاة والغرور والاستهانة بالآخرين، بينما تقبل الدين كسير وسفر يبقي المتدين في قلق دائم من أن لا يحول النوم العميق في فجر الرحيل، أي الغوص في السطوح والظواهر، دون أن يحول دوني عن الطريق. الدين ليس هداية سعادة تحط على سطح بيتي دون بيت آخر؛ بل هو طائر العنقاء الذي يجب على الجميع أن يبحثوا عنه ويتفتشوا عنه حتى جبل قاف. المتدين ليس من يظن نفسه مالك الحقيقة والحقيقة ملكه الخاص، بل من يرى نفسه طالباً للحقيقة.
.
.
المصدر: جريدة خردد، العدد 253 – الخميس 29 مهر 1378
.
.
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.