اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتضامن سروش دباغ مع نقد مصطفى ملكيان لمجلة مهرنامه، لكنه يرى أن مقاربته الأخيرة في علم الأديان جوهرانية وغير تاريخية، ويعتبر اختزال الحداثة إلى عقلنة استدلالية مغالطة.

احسان ابراهیمی: لم يسلم التنوير الديني طوال مسيرته من طعن الطاعنين ونفي النافين. وقد عبّر النقاد المخلصون والواعون عن نقدهم وما زالوا، من باب إثراء المعرفة الدينية. وفي هذا السياق، غيّرت مجلة «مهرنامه» مؤخراً، في الحقبة التي تلت سنوات بروز و ظهور الحركة الخضراء، مسارها بشكل واضح، وهي التي لم تكن في بداياتها في مواجهة مع تيار التنوير الديني، حتى أنها باتت تعتبر داعش من نتاجات التنوير الديني! إن العثور على الأسباب السياسية لهذا التغيير في النهج، قد تمّ وسيتم تناوله في مجال آخر. لكن مؤخراً، أجرى بعض الأصدقاء المتعاطفين مع الأستاذ مصطفى ملكيان حواراً لدراسة توجهات هذه المجلة. وبمناسبة النقاش، شارك الأستاذ ملكيان القراء بآرائه التي سبق أن عبّر عنها حول التنوير الديني. وقد أجريت حواراً حول هذه الآراء مع الدكتور سروش دباغ، وهو نفسه من المنتمين إلى تيار التنوير الديني وباحث في الإلهيات والفلسفة والعرفان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقي التحية عليكم وعلى القراء الكرام. في البداية يجب أن أقول إنني شخصياً أكنّ احتراماً كبيراً للأستاذ ملكيان، وقد تشرفت بمعرفته عن قرب منذ سنوات. في الأيام التي كنت فيها في إيران، كنت ألتقي به مراراً، وكان يحضر إلى «مؤسسة معرفت پژوهش» لإلقاء المحاضرات والمشاركة في جلسات متعددة. ذكرت هذه النقطة لأقول إن ما سيُطرح لاحقاً ويحمل صبغة نقدية، هو نقاش معرفي لا غير.
النقطة الثانية؛ لقد قرأت المقابلة التي أشرت إليها بدقة. وفيما يتعلق بالنقاط التي أثارها حول مجلة «مهرنامه»، فأنا أتعاطف معه تمامًا. أعتقد أن انتقاداته لنهج مجلة «مهرنامه» والمجال الواسع الذي أُتيح لمهاجمة هذا وذاك، والذي مُنح لسيد جواد طباطبائي، صحيحة؛ وكما يقول صديق ذو ذوق رفيع، ينبغي تسمية «مهرنامه» بـ«مدفعية سيد جواد»!! خلال العامين الماضيين، نشرت مقالتين في نقد نهج مهرنامه: «إلى أين هذا الإسراع؟» و«في طريقتنا الكفر هو التألم». في تلك المقالات أيضًا، تم نقد النهج التخريبي لـ«مهرنامه»؛ بالإضافة إلى ذلك، نشرت مقال «فرديد الثاني؟» في نقد نهج مواجهة سيد جواد طباطبائي لمنتقديه الفكريين، مما عرضني لهجوم عنيف من بعض حوارييه الذين يفتقرون للأسف إلى الأدب، وهم بتعبير الجناب آشوري من زمرة «الجهلة الثقافيين». أورد هذه النقاط لأقول إنني من حيث المبدأ متعاطف مع انتقادات الجناب ملكيان لمهرنامه. فالجوانب السياسية وغير المعرفية تطغى على أنشطة القائمين على «مهرنامه». أتذكر في ندوة شارك فيها السيد قوجاني إلى جانب السيد إبراهيم فياض، قال قوجاني إن هناك قرابة بين نهج المجددين الدينيين وداعش. حينها أدركت أن الأمر قد بلغ منتهاه. ناهيك عن السيد فياض الذي كانت جمله المنشورة، بإنصاف، وبتعبير الفلاسفة التحليليين nonsense ولا تؤدي معنى. بصراحة، قلبي يحترق على طلابه؛ لا أدري مع هذا الذهن والتعبير المشوش للسيد فياض، أي فائدة يجنيها الطلاب من دروسه، من المؤسف أن يكون لمثل هؤلاء الأشخاص دور ومشاركة في التخطيط للعلوم الإنسانية في البلاد. السيد قوجاني أذكى من أن لا يعلم ما للنقاط التي أثارها من آثار ونتائج. لكن حسنًا، ينبغي أن يُحمل ذلك على الحسابات السياسية وغير المعرفية، وإلا فبتعبير مولانا: «من قياسه ضحك القوم». أهناك كلام أكثر لا معقولية وغرابة من مقارنة التجديد الديني بداعش، بحجة أن الدواعش لا يؤمنون بالقراءة الرسمية[1] للدين، والمجددون الدينيون كذلك، إذن فهذا الأمر يدل على القرابة بين هذين التيارين؟!! وكأن أصحاب داعش، مثل المجددين الدينيين، على وفاق مع العالم الجديد ويؤمنون بتعاليم مثل «الأمة-الدولة»، و«فصل السلطات»، و«الاستقلال الذاتي»، وينطلقون من إعادة قراءة نقدية للتراث الديني، هذه الأقوال هي المصداق الواضح للقياس مع الفارق. يعلم قوجاني جيدًا أن عبد الكريم سروش رفع منذ سنوات راية معارضة «النقاووية» و«السلفية»، ومن خلال كتابته لمقالات «القبض والبسط النظري للشريعة»، نقد مفهوم «الإسلام النقي» وتحدث عن تعدد الفهوم للنص المقدس. كما يعلم جيدًا أنه يتم اليوم التأكيد من على منابر الحكم الرسمية على وجاهة «الإسلام النقي»، لكنه يعطي عنوانًا خاطئًا، وبدلًا من نقد النقاوويين الحقيقيين، يشن هجومًا على المجددين الدينيين ذوي اللباس الواحد ويتهمهم بالنقاووية والفكر السلفي. ما سيأتي لاحقًا، وهو في نقد كلام الجناب ملكيان، لا علاقة له البتة بنقده الصحيح لنهج مجلة «مهرنامه».
بعد هذه المقدمات، برزت في أعمال السيد ملكيان منذ مدة النظرة الجوهرية[2]، رغم أنه صرّح بعدم تعاطفه مع الجوهرية الأرسطية. وأظن أن أحكامه حول مقولات كالدين والحداثة والعلاقة بينهما قد شابها بعض النقائص. فنظرته غير تاريخية. ينشغل السيد ملكيان عادة بتشقيق الشقوق وتفريع الفروع ويقوم بتقسيمات جيدة، لكن هذا الأمر شديد التجريد ويفتقر إلى الرؤية التاريخية؛ سواء عندما يناقش المعرفة الدينية أو تاريخ الفقه، أو عندما يتحدث عن الحداثة. إن نقاشاته في هذه المقابلة، وعلى نحو أوسع نقاشاته حول العلاقة بين العقلانية والحداثة، تستدعي رواية عن الحداثة والتنوير كان ظهورها وبروزها أكبر في فرنسا في القرن الثامن عشر، نوعاً من التحرر[3] من الميتافيزيقا الثقيلة، تحرراً يقترن بالعقلانية والاستدلالية بروايته هو. لكن اختزال الحداثة إلى الاستدلالية هو مصداق من مصاديق «مغالطة الكنه والوجه». لقد تجلت الحداثة والعصرنة بتجليات مختلفة على مر التاريخ. وكما أشرت سابقاً، فإن مفاهيم كالحداثة هي من قبيل المفاهيم «المبنية اجتماعياً» [4]، وبتعبير فتغنشتاين فإن الشبه بين مصاديق هذه المفاهيم هو من سنخ «الشبه العائلي». لدينا حداثات، وتنويرات، وديمقراطيات، وليبراليات، وعلمانيات... وقوله إن الاستدلالية هي جوهر الحداثة ومقومها ليس رأي جميع المفكرين والفلاسفة في القرون الأخيرة؛ إنه نوع من «القرينوية»[5] التي لا يتعاطف معها بالضرورة جميع الفلاسفة في التقليد الفلسفي التحليلي، فمثلاً فتغنشتاين المتأخر، في كتابه «في اليقين»، يتحدث عن بعض «الاعتقادات المبررة» التي لا نملك دليلاً لصالحها، لكن هذا لا يمنع من اعتبارها مبررة ومولدة للمعرفة؛ ومفهوم «صورة العالم» في هذا الكتاب يتكفل بتبيين هذا الأمر؛ وكذلك كيفية اتباع القواعد التي نوقشت بالتفصيل في مبحث «استدلال اتباع القاعدة» في «تحقيقات فلسفية» لفتغنشتاين. لذا، إذا اختزل أحدهم كل الحداثة في رواية السيد ملكيان، ثم تحدث عن التباين بين الدين والحداثة وبحث عنه، فإنه لم يقل كلاماً مبرراً. ومن جهة أخرى، فإن اعتبار التدين مقترناً بالتعبد هو، في نظري، حكم غير مبرر ومصداق لمغالطة الكنه والوجه، وينطوي على تبني نظرة جوهرية. صحيح أنه لا يذكر لفظ الجوهر (essence)، لكن عندما يُقال جوهر التدين أو جوهر الحداثة أو المقوم الأساسي للحداثة والدين، أظن أنه يمكن صياغة مباحثه على هذا النحو. لقد كتبت هذه النقاط قبل حوالي 8.5 سنوات في مقال «التعبد والحداثة» الذي نُشر في مجلة «مدرسة». وأتصور أن تلك النقاط التي وردت في نقدي له في ذلك المقال لا تزال واردة، وما لم يجب عليها، لا يمكن قبول لماذا تكون العلاقة بين الحداثة والتدين عنده كأبواب ونوافذ لا طريق بينها. ثمة نظرة جوهرية غير تاريخية بارزة في مباحثه حول «الدين» و«الحداثة». يمكن تاريخياً إقامة أدلة على أن تاريخ الحداثة أشد تلوناً بكثير من الصياغة التي قدمها؛ وتاريخ التدين في ظل الأديان الإبراهيمية، وتحديداً الإسلام، شديد التلون. لدينا أنواع من الإسلامات، وبتعبير فتغنشتاين أنواع من «أنماط الحياة» الإسلامية. في نظرة السيد ملكيان، يُختزل هذا التعدد والتنوع كلياً إلى ذلك النمط من التدين المتعارف، وبتعبير عبد الكريم سروش «التدين المعاشي التفكير»، وتُغفل أنماط التدين الأخرى بالكلية. وأحسب أن مشروعه الموسوم بـ«المعنوية والعقلانية» يعاني من إشكال مماثل. فعندما يُتحدث عن المعنوية فوق الدينية ويُؤكد على الأبعاد السيكولوجية لـ«المعنوية»، يمكن فهم هذه التوصيات النفسانية وتطبيقها؛ لكن من الناحية الإبستمولوجية والفلسفية، ما لم تُحل هذه المشكلات، لا أظن أنه يمكن الدفاع عنها معرفياً.
بخصوص النقطة الأولى. نعلم أنه على دراية جيدة بالإبستمولوجيا ما بعد الكانطية، وقد درّس هذه المضامين والمباحث لعدة فصول دراسية. وأنا أيضاً، ما أفهمه من أعماله، وخصوصاً تلك المقابلة التي هي محط نظركم، لا مقابلته الأخيرة حول مهرنامه وسيد جواد طباطبائي؛ تحمل في طياتها نزعات تفكيكية قوية، كما تنطوي، من الناحية الإبستمولوجية، على نوع من «الواقعية الساذجة»[6]. تفضلتم بأن «ساذجة» هنا لا تحمل معنى قيمياً[7]. إنها في الواقع مدرسة تقابل «الواقعية المعقدة»[8]. إذا أردنا أن نتحدث بلغة الفكر الديني التجديدي المعاصر، فإن إبستمولوجيته هي ما قبل القبض والبسط؛ أي ما قبل المناقشات التي طرحها عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. سروش من خلال «القبض والبسط النظري للشريعة»، وشبستري من خلال «هرمينوطيقا النص المقدس». لقد دهشت عندما رأيت أن مباحثه، بتعبيركم، تفكيكية وكذلك ما قبل قبض وبسطية. والآن، إذا كان الكلام ما قبل قبض وبسطي أو ما قبل هرمينوطيقي، فهذا لا يجعله في حد ذاته وجيهاً ولا غير وجيه؛ وبما أن هاتين النظريتين كانتا نقطة تحول[9] في تاريخ الفكر الديني المعاصر، وطُرحت فيهما مضامين وجيهة وملهمة، وصاغتا بشكل وجيه الانتقال من الإبستمولوجيا الساذجة إلى الإبستمولوجيا المعقدة، فقد ذكرتهما. نحن لا نفهم النص بلا وسيط، ولا نتوصل إلى حكم وجيه على النص. أتفق معكم، هذه المناقشات للأستاذ ملكيان تحمل أصداء تفكيكية وما قبل قبض وبسطية كهذه، وهي في نظري غير وجيهة.
فيما يتعلق بنقطتكم الثانية. أتفق مع نقد السيد ملكيان للسيد قوتشاني. فذلك الكلام الذي قاله قوتشاني كلام غريب، وفقًا للتوضيح الذي سأعرضه. في تقسيم كلي، لدينا خطابان: أحدهما «ما قبل الحداثة» [10] والآخر «الحداثي» [11]. الخطأ الذي يقع فيه البعض في مجال الدراسات الإسلامية، وعلى نحو أوسع في مجال مواجهة التاريخ الماضي، هو أنهم بادئ ذي بدء يسعون إلى فهم ما حدث في ذلك الزمان بمعايير ومقاييس اليوم، ومن ثم تقييمه؛ خطأ «المفارقة التاريخية» [12]. أي أن تنطلق من المعايير والمحكات المعاصرة لفهم والحكم على ما جرى داخل خطاب آخر. صلح الحديبية الذي يذكره قوتشاني يعود إلى السنوات التي كان فيها النبي في المدينة قبل فتح مكة. ينبغي فهم جميع تلك العلاقات والمناسبات السياسية والاجتماعية داخل سياقها [13]. بمعنى أن ذلك الصلح لم يكن صلحًا بالمعنى المعاصر. بل كان من قبيل العقود والمواثيق التي كانت القبائل تبرمها فيما بينها، وكانت له خصائص معينة؛ فإذا ما نقض أحدهم الميثاق، تعرض للهجوم... وهكذا، يجب فهمها بخصائص ذلك الزمان. حينها لم تكن هناك دولة-أمة، ولم تكن هناك حدود، ولم يكن هناك فصل بين السلطات، ولم تكن هناك حكومة مركزية... تلك العلاقات والمناسبات تبعد أميالاً عما نطلق عليه اليوم اسم المعاهدات الدولية. يمكن القول من الناحية الأخلاقية، وكما ذكر بعض المؤرخين والمستشرقين، ومنهم فريدريك ديني في «مدخل إلى الإسلام» وكارين أرمسترونغ في «محمد: سيرة النبي»، [14] إن ما فعله النبي بعد فتح مكة أمر يستحق الثناء. كان بإمكانه، وفقًا للخصائص الثقافية-السياسية لذلك الزمان، أن يحارب كفار مكة وعبدة الأوثان، لا سيما وأنه كان مسيطرًا من الناحية العسكرية. لقد كتبوا أنه عاد إلى مكة بعشرة آلاف مقاتل؛ وعندما رأى أبو سفيان هذا المشهد في مكة قال لأحد أقرباء النبي: تعال وانظر بأي بهاء عاد محمد إلى مكة. داخل ذلك السياق القبلي يمكن فهم هذا السلوك وتقييمه. أما إذا أردنا تحليل هذا الموضوع كما أورده السيد قوتشاني، فإنه في نظري قياس مع الفارق ومصداق لخطأ «المفارقة التاريخية». فهذان خطابان، لكل منهما خصائصه المميزة. وبالطبع يمكن فهم الروح السائدة على تلك العلاقات واتخاذها أساسًا، لكن هذا الأمر يختلف اختلافًا كبيرًا عن المقاربة الآلية والحرفية واللاتاريخية.
علاوة على ذلك، وكما أشرتم، فإن مناقشات السيد ملكيان نفسها لاتاريخية، وهي بالمناسبة من مقتضيات النظرة الجوهرية؛ أي أنها غير تجريبية. فمن منظور ما، نقده لقوتشاني صحيح. ومن جهة أخرى، فإن نظرته الجوهرية اللاتاريخية تبدو لي أيضًا قابلة للنقد.
أوافقكم إجمالاً، مع التوضيح الذي أُورده. إذا نظرنا إلى الفقه نظرة تاريخية، فالفقه ليس سوى مجموع الفتاوى، لا فتاوى الشيعة فحسب بل أهل السنة أيضاً. فتاوى تنبثق من تقليدٍ سيال. لدينا بالطبع أرثوذكسية في الفقه؛ أقوال أُقرّت في الأغلب على مدى قرون متطاولة. يمكن صياغة كلام السيد ملكيان على هذا النحو: إن الفقهاء في كثير من المسائل تتشابه آراؤهم في الأغلب قليلاً أو كثيراً؛ لكن هذا الأمر يختلف عن القول بأن لدينا مسلّمات غير قابلة للتغيير في الفقه. أنا لست فقيهاً بالطبع، أقول هذا بوصفي باحثاً في مجال الفلسفة والتنوير الديني، إن الأمر لم يكن كذلك. آية الله المنتظري الذي ذكرتموه، أصدر قبل وفاته فتوى بشأن البهائيين. قال إن البهائيين يتمتعون بحقوق المواطنة. هذه الفتوى لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفقه الشيعي، لكني لا أعتقد أن أعداءه وخصومه يشكّون للحظة في مراتب فقاهة آية الله المنتظري ومبلغه منها. كون هذا القول بديعاً ولم يُبدِ أحد مثل هذا الرأي من قبل، صحيح، لكن لا ينبغي ألا نعتبر كلام آية الله المنتظري هذا، الذي لم يسبق له مثيل، فتوى، أو نقول إن هذا القول ينبغي إخراجه من تاريخ الفقاهة[15]. النظرة البعدية – التجريبية – التاريخية تؤيد هذه المسألة. مثال آخر المرحوم السيد قابل، الذي كان تلميذاً لآية الله المنتظري وحائزاً على درجة الاجتهاد. على حد علمي، كان أول فقيه يفتي صراحةً بأن عدم تغطية المرأة لشعر رأسها وعنقها لا إشكال فيه شرعاً. لقد استدل بأن تغطية شعر الرأس والعنق في عصر النبي كان لها بعدٌ هوياتي. فلو كان الأمر يتعلق بإطفاء شهوة الرجال، فلماذا لم تكن الإماء في زمن حكم النبي في المدينة يغطين شعور رؤوسهن وأعناقهن؟ نعم، إذا قلنا إن أحداً لم يصدر هذه الفتوى من قبل، فهذا صحيح. أما أن نقول إن المرحوم قابل لم يكن فقيهاً بسبب هذه الفتوى، فهو قول غير وجيه. أعلم طبعاً أن السيد ملكيان لم يقل مثل هذا الكلام، لكن هذا هو اللازم المنطقي لكلامه. أن نعتقد بوجود هيكل وإطار متصلب ونطرد من يخرج عن هذا الإطار ولا نعتد به، أمر غير وجيه. برأيي ينبغي في هذه المواضع تبني نظرة بعدية – تاريخية – تجريبية تماماً. مثال آخر فتوى آية الله الخميني بشأن الشطرنج. كثير من الفقهاء قبله لم يكن لهم مثل هذا الرأي، وكذلك الأمر بشأن ولاية الفقيه. رأيه في الحكومة الإسلامية وكون الحكم حقاً للفقيه الجامع للشرائط، كان مخالفاً لرأي جمهور فقهاء الشيعة. مرادي أن النظرة البعدية – التاريخية التي تُطبَّق على جميع التخصصات والعلوم، من الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، تنطبق وتجري على علم الفقه أيضاً. يمكن بالطبع القول إن فلاناً لا يقبل هذا الموقف الفقهي لسبب كذا. هذا كلام آخر؛ هنا نكون قد دخلنا معترك الآراء. أشبه بأن ينقد عالمٌ في الكيمياء رأي عالم آخر، لكن هذا العمل لا ينتقص شيئاً من كون العالم السابق واللاحق كيميائياً. المسلّمات، إن أمكن تعدادها، فهي من قبيل أن يقطع المرء مقدمات ويعرف المباني والمبادئ ويأخذ أهل ذلك الفن كلامه على محمل الجد، هذا فحسب لا أكثر. ليس ثمة ما يسمى أصولاً مسلّمة قبلية يمكن على أساسها طرد أحد من دائرة الفقاهة؛ وهنا أيضاً يساعدنا مفهوم «التشابه العائلي» عند فتغنشتاين. علاوة على ذلك، الأمر نفسه ينطبق على تفسير النص المقدس. شخص كالزمخشري الذي كتب تفسير الكشاف وهو معتزلي المذهب، لا يقبل تفسير متكلم أشعري كالفخر الرازي للقرآن. ومع ذلك، فهذا لا يمنع من أن نعتبر كليهما مفسِّرين كتبا وألّفا في التفسير وأسهما فيه تحت مظلة تاريخ التفسير الإسلامي.
يمكنه القول إن تأثير الثقافة العربية في تكوّن الكلام الوحياني له شأن تبييني، وهو في مقام الوصف حين يُقال إن الكلام الوحي تشكل في أي سياق وزمان، لكن العلاقة بين الدين والحداثة، في الوقت نفسه، هي علاقة التعقل والتعبد، وهي تركيبة يراها متنافية الأجزاء.
بخصوص ما ذكرتم، ينبغي أن أورد نقطتين. الأولى أن الجملة التي قرأتموها عنه هي نقطة قال بها المتنورون الدينيون أيضاً ويؤمنون بها. تحت عنوان «أسلمة العرب»[16] بمعنى كون النص المقدس رهين الزمان والمكان وتأثره الشديد بتصورات وتصديقات عصره. قبل سنوات، تناول عبد الكريم سروش هذا الأمر في مقالته «الذاتي والعرضي في الأديان»؛ كما تحدث عنها بإسهاب السيد مجتهد شبستري في كتابه «نقد القراءة الرسمية للدين». لا أعتقد أن ثمة اختلافاً بين رأيه ورأي المتنورين الدينيين من هذه الناحية. لكن نقده لهذه المدرسة، والذي ورد في هذا الحوار أيضاً، يقوم على نوع من الجوهرية؛ إنه حديث عن تقابل بين التعبد والتعقل.
كلما تقدمنا في الزمن، تكشفت لي التجربة الحياتية عن مدى ما نواجهه في مقام العمل من فضاء زاخر بتفسيرات مختلفة للدين، وعن وجود أنماط متكثرة ومتنوعة من العيش الإسلامي عبر التاريخ، وهو أمر يبدو أنه غاب عن نظر السيد ملكيان. ينبغي الانتباه إلى أن عالم الواقع لا يخضع بالضرورة لتفكيكاتنا الذهنية وانقساماتنا المنطقية، فنحن نواجه في العالم الخارجي طيفاً زاخراً بالألوان. إن البسط التاريخي للإسلام يدل على وجود أنماط وأساليب مختلفة ومتنوعة للعيش الإسلامي. ولنتجاوز العالم الإسلامي ونمط العيش الإسلامي، لا أعلم ما هو موقف السيد ملكيان وأمثاله من بعض الفلاسفة الجدد الذين يعملون في الأكاديميات الغربية ويعتبرون أنفسهم متدينين؟ هل ينبغي أن نقول لهؤلاء الفلاسفة إنكم لا تملكون عقلاً كافياً أو إنكم لستم محدثين؟! فعلى سبيل المثال، ريتشارد سوينبرن، وألفين بلانتينغا، ووليم ألستون، وجون هيك، وروبرت أودي... كلهم من طائفة الفلاسفة من الطراز الأول الذين يعملون في الأكاديميات. ووفقاً لتفسير السيد ملكيان، هؤلاء محدثون. إنهم أهل استدلال، وهم فلاسفة، وعملهم في اللاهوت والفلسفة، ومن قبيل الصدف أنهم متدينون أيضاً. يمكن القول إن استدلالاتهم غير موجّهة، لكن القول إنهم يخرجون من دائرة الحداثة والتأكيد على أن نسبة التدين إلى التعقل هي تباين، ليس قولاً موجهاً. بعبارة أخرى، حدث هنا خلط بين العملية[17] والناتج[18]. يمكن القول إن دليلاً ما عليل من وجهة نظري ولا يؤدي إلى نتيجة ما. أما إذا قلنا إن شخصاً ما بعيد عن الاستدلال لأنه متدين، أو إن شخصاً متعقلاً ومحدثاً ليس متديناً، فهذا في نظري تقسيم غير موجّه. هناك أشخاص هم، بحسب رأي السيد ملكيان، محدثون، لكن رأيهم هو أن تقديم تفسير عقلاني للساحة القدسية للعالم أمر موجّه. أنا أعترف للسيد ملكيان أو لأي شخص آخر بحق نقد هذه الاستدلالات ونفيها، لكن هذا الأمر ناظر إلى مقام «الناتج» لا مقام «العملية». القول إن شخصاً ما بخلفيته التربوية والمعرفية لا يمكنه أن يكون متديناً أو محدثاً، ليس موجهاً في نظري.
لقد تكرّم السيد ملكيان حتى الآن بالمشاركة في نقد ومراجعة ثلاثة من كتبي. وقد حالفني الحظ أن أكون حاضراً في إيران في مناسبتين منها: «اللغة وصورة العالم» و«في شأن التنوير الديني والأخلاق». أما كتاب «في فضاء سبهري» فقد نُشر في طهران في غيابي، وألقى السيد ملكيان كلمة في حفل توقيعه؛ وهذا النقاش المعرفي، أو ما يمكن تسميته بالحوزوي، بمعزل عن الاحترام الذي أكنّه له. ما عرضته كان متواضعاً بصفتي شخصاً منشغلاً بهذه الأمور منذ سنوات، وقد رصد وقرأ وتعلّم من أعمال المفكرين المعاصرين، ومن بينهم السيد ملكيان. في رأيي أن النظرة التاريخية والتفكير التاريخي غائبان في فكر ملكيان؛ بعض أقواله تذكّرني بمباحث القرن الثامن عشر، بالمباحث التي كان يطرحها أصحاب دائرة المعارف في ذلك الزمان. ومن المصادفات أنني في هذه الأيام، وبمناسبة تدريس «التنوير وفلسفة كانط»، أعيد قراءة كتاب «فلسفة التنوير» لإرنست كاسيرر، فأجد أن بعض أقوال السيد ملكيان، مع قليل من التصرف، كان يمكن أن يقولها أصحاب دائرة المعارف أيضاً. فمنذ القرن الثامن عشر وحتى الآن، صار العقل أكثر تواضعاً، وبرزت قراءات أخرى للحداثة واعتُبرت مشروعة. لو تسرّبت هذه النقاط إلى رؤيته، لأخذت المباحث التي يطرحها، في رأيي، اتجاهاً ولوناً ورائحة أخرى.
علاوة على ذلك، أود أن أنقد بإيجاز، من الناحية المعرفية، مسلك مجلة «مهرنامه». «مهرنامه» تدافع اقتصادياً عن رواية من الليبرالية تسير جنباً إلى جنب مع «الرأسمالية المتوحشة»، وهي رواية تنطوي في رأيي على إشكالات جدية وتغفل عن مقولة «العدالة الاجتماعية» المهمة[19]. وكما أوردت في مقابلة «إعادة قراءة الليبرالية الإيرانية»[20]، من الأفضل الاستعانة برواية رولز المتأخر وبعض المفكرين الليبراليين الآخرين الذين تظهر في أعمالهم جوانب اجتماعية بارزة، والذين أخذوا مقولة العدالة على محمل الجد ونظّروا حولها، وفي الوقت نفسه يعترفون بـ«الحق في الخطأ» والحقوق الأساسية الأولية للبشر. من ناحية أخرى، القائمون على «مهرنامه» محافظون سياسياً ومعرفياً ويدافعون عن نوع من المحافظة؛ لا أدري كيف يمكن اعتبار معجون «المحافظة الدينية» و«المحافظة السياسية» و«الليبرالية الاقتصادية» الذي يشبه اللبن بلا ذيل ولا أذن ولا ضرع، رواية ليبرالية وتقديمه كبضاعة معرفية؟! الليبرالية المعرفية والليبرالية السياسية غائبتان في رواية أهل «مهرنامه» ولا مكان لهما من الإعراب. التفكيكات غير المبررة وغير المجدية مثل «المثقف داخل الديني» و«المثقف خارج الديني» هي نتاج هذه المحافظة ذاتها. «التنوير» هو من المنتجات المعرفية للعالم الجديد. تسميات مثل «التنوير الديني» و«الإصلاح الديني» ليس لها إلا مسمى ومدلول واحد، وهو إعادة القراءة النقدية للتراث مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات المعرفية للعالم الجديد، وهو عمل يُعبّر عنه أيضاً بالحوار بين التراث والحداثة. أعمال أشخاص كالمرحوم مطهري والمرحوم قابل هي من لون آخر وتندرج ضمن الأعمال الإحيائية القيّمة؛ في أعمال مطهري يبرز الجانب اللاهوتي والكلامي، وفي أعمال قابل الجانب الفقهي. على أية حال، ليس لها صبغة تنويرية؛ وهذا التفكيك له صبغة وصفية وتفسيرية، وليس توصية وقيمية بحيث نأخذ بواحد ونترك الآخر ونقلل من شأنه. لذلك، وبدون تكلف واستخدام وصياغة تعابير مثل «التنوير داخل الديني» التي لا تحمل معنى محصّلاً كثيراً، يمكن تبيين أنساب التحولات الفكرية وشرحها.
.
.
Frederick Mathewson Denny. An Introduction to Islam. third Edition, Pearson, 2005, chapters 3&4.
كارن آرمسترونغ، محمد: سيرة نبي الإسلام، ترجمة كيانوش حشمتي، طهران، حكمت، الطبعة الثالثة، 1389، الفصلان 8 و9.
[19] social justice
[20] انظر إلى:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/335.pdf
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.