اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تؤسّس زاغزبسكي الأخلاق على دوافع الله، وتتناول من خلال هذه القراءة معضلة الشرّ. وهي ترى القدرة على ارتكاب المعصية نقصاً في حقّ الله وقدرةً في حقّ الإنسان، وتُفسّر الشرّ انطلاقاً من الدوافع الإلهية.

ليندا زاغزبسكي، بصفتها فيلسوفة مسيحية أمضت سنين طويلة في التفكير والتأليف في مجال الأخلاق والدين، أشارت أيضًا إلى موضوع الشر في كتابها «نظرية الدافع الإلهي». ليس من غير المناسب أن نستعرض معًا تصورها لهذا الموضوع في إطار نظرية الدافع الإلهي. وقبل الخوض في موضوع الشر، سأشير، على سبيل التمهيد، إلى عموم نظرية الدافع الإلهي كي يتضح سياق كلام زاغزبسكي واستدلالها بشكل أفضل.
نظرية الدافع الإلهي هي في أساسها نظرية تندرج ضمن أخلاق الفضيلة بقراءة أرسطية محدثة ومتمحورة حول العاطفة، تسعى إلى إرساء نوع من الصلة الجديدة بين الله والأخلاق. تحاول زاغزبسكي في نظريتها، مع التزامها بالأخلاق الدينية، أن تقدم نوعًا جديدًا من الصلة بين الله والأخلاق تتحرر فيه الأخلاق من الجمود والصلابة وتقوم على الجاذبية والتشوق. وبرأيها، فإن منبع الأخلاق هو دافع الله، لا أمره ونهيه. وبناءً على هذا التصور، فإن أفضل سبيل لفهم الأخلاق هو اتباع الدوافع الإلهية.
من جملة المباحث التاريخية في الميتا-أخلاق مبحث الشر وعلاقته بالخير المطلق. ويزداد هذا المبحث تعقيدًا عندما نعتبر الخيرية المطلقة هي عين القدرة المطلقة. تنطلق المسألة من أن البعض يعتقدون بوجود كائن هو الخير المطلق، وهذا الكائن الخير المطلق هو أيضًا قادر مطلق. وقد تساءل النقاد: إذا كان الخير المطلق قادرًا مطلقًا أيضًا، فهل هو قادر على فعل الشر، بصفته أمرًا ممكن الوقوع؟ إن كان الجواب نعم، فهو إذن ليس خيرًا مطلقًا، وإن كان لا، فهو ليس قادرًا مطلقًا. ذلك أن الشر أمر ممكن الوقوع. وقد صاغ الكاتب الصورة المنطقية لهذه المعضلة على النحو التالي:
أ) يمكن لكائن خيّر بالكامل أن يُستحث لإزالة جميع الشرور،
ب) سيكون الكائن القادر المطلق قادرًا على إفناء جميع الشرور،
ج) يوجد كائن هو خير مطلق وقادر مطلق معًا،
د) الشر موجود.
يعتقد الكاتب أن مفهوم الخيرية المطلقة متناقض ذاتيًا. وأن نظرية الدافع الإلهي، بمعالجتها المختلفة لموضوع القيم، تحل معضلة الشر وعلاقته بالخير المطلق.
موضوع الشر وعلاقته بالأخلاق ناشئ عن مفهوم القادر المطلق. هل القادر المطلق هو من يستطيع فعل الشرور أيضًا؟ إذا كان ثمة من لا يستطيع فعل الشر، فهل يظل مع ذلك قادرًا مطلقًا؟ يعتقد توما الأكويني أن القدرة على فعل الشر ليست قوة. بيد أن «المسألة الصعبة المذكورة آنفًا لا تحتاج إلى أن تستند إلى شرح لماهية القادر المطلق، بل تستند فحسب إلى فكرة أن القدرة على ارتكاب الخطيئة هي قوة يكفي غيابها لدحض القدرة المطلقة.»
ما تعنيه زاغزبسكي هو أن مشكلتنا ليست في تعريف القادر المطلق، بل تكمن صعوبتنا في أن غياب القدرة على فعل الشر يُعد، حدسيًا، عجزًا. وبالطبع، خلال نقاشنا لهذه المعضلات، قُدم جواب مفاده أن كون المرء قادرًا مطلقًا يُحلل ويُقبل في سياق الدرجة القصوى من الخيرية. بعبارة أخرى، يظل معنى القادر المطلق قائمًا ما لم يخل بمفهوم الخيرية المطلقة. وإذا كانت القدرة على فعل الشرور تخل بالخيرية المطلقة، وهو ما تفعله، فإن القدرة المطلقة لا تشمله ويخرج عن نطاق القدرة.
من الواضح أن هناك مجموعتين من المجيبين على هذا السؤال. فئة من الفلاسفة تعتقد أن فعل الشر هو نوع من العيب، وفئة أخرى تعتقد أنه قوة. يرى أمثال توما الأكويني أن القدرة على ارتكاب الخطيئة ليست قوة. لسنا هنا بصدد عرض تاريخ هذه المعضلة، وقد أشرنا فقط إلى إجابتين قُدِّمتا. ما نحن مكلفون به هنا هو بيان وجهة نظر زاغزبسكي ونظرية الدافع الإلهي تجاه هذا الموضوع. ترى زاغزبسكي أن الاعتماد على العرف العام والحدسية للإجابة عن هذا السؤال غير مجدٍ، وتعتقد أن هذين الموقفين حدسيًا يمتلكان مستندات. أي أن حدسنا يرى أن ارتكاب الخطيئة قوة ولا يراها كذلك في آنٍ واحد. ما تقوم به زاغزبسكي هو أولاً فصل هذه المسألة عن تقديم حل واحد لكل من الإنسان والله، ثم التركيز على مفهوم الدافع. بعبارة أخرى، تعتقد زاغزبسكي أن لهذا الموضوع حكمًا بالنسبة للإنسان وحكمًا آخر بالنسبة لله، ولا يمكن من خلال النظر إلى طبيعة هذا الموضوع في الإنسان أن نجد جوابًا لله. من ناحية أخرى، ترى أن القدرة على ارتكاب الخطيئة مرتبطة بالدافع الإلهي، وتناولها لهذا الموضوع، شأنه شأن معضلات اللاهوت الطبيعي الأخرى، قائم على محورية الدافع. «ما أريد قوله هو أن القدرة على ارتكاب الخطيئة في حد ذاتها ليست قوة ولا عيبًا، هي عيب بالنسبة لله وقوة بالنسبة لنا. إذا كانت ستكون عيبًا لله، فهذا يفسر كيف أن الله قادر على كل شيء ومعصوم في آنٍ واحد. وإذا كانت خيرًا لنا، فهذا يفسر كيف استُخدمت في الدفاع عن الإرادة الحرة – وإن كان هذا لا يعني القول بأن خيرية الإرادة الحرة كافية لوصف الشر... القدرة على فعل الشر في حد ذاتها لا يلزم أن تكون قوة أو عيبًا. إذا كان الله قد اندفع [بدافع إلهي] ليجعلنا نمتلكها، فهي إذن خير لنا. وإذا كان قد اندفع [بدافع إلهي] لئلا يمتلكها هو نفسه، بافتراض احتمال كون الله خيرًا كاملاً، فهي إذن ليست شيئًا خيرًا لله. إن نظرية الدافع الإلهي هي التي يمكنها تفسير هذا الفصل.»
يستند منهج زاغزبسكي إلى هذا الإدراك بأن القدرة على ارتكاب الخطيئة ليست تلقائيًا عيبًا ولا قوة. أي أن هذه القدرة خالية من أي تقييم. ما يتيح لنا تقييم هذه القدرة هو أولاً التمييز بين حامليها، ثم التركيز والانتباه إلى عنصر الدافع المهم. إذا كان الدافع الإلهي قد قضى بأن تكون القدرة على ارتكاب الخطيئة خيرًا لنا، فهي إذن خير لنا، والعكس صحيح. بالطبع، ينبغي أن نسأل: من أين لنا أن نعرف إلى أي منهما تعلّق دافع الله؟ حل نظرية الدافع الإلهي هو الحكم المعياري والاقتداء بالدوافع الإلهية. إذا كشف الحكم المعياري أن ارتكاب الخطيئة هو اقتداء بالدافع الإلهي وكاشف عن دافع الرب، فهذه القدرة بالنسبة لنا خير وقوة. وإلا فلا.
من أهم الموضوعات التي تطرح أمام كل نظرية أخلاقية بشكل عام، ونظرية الدافع الإلهي بشكل خاص، والتي يُعد حل كل نظرية لهذا الموضوع محكًا جيدًا لتقدير مدى عمقها النظري، هو موضوع الشر ووجود الشر في العالم. ما هو موقع الشر في عالم الخلق؟ وهل هذا الشر في أذهاننا أم هو موضوعي؟ وهل يشكل وجوده معضلة لوجود موجود خيِّر أخلاقيًا وكامل الخيرية أم لا؟ هذه من بين أهم الأسئلة المطروحة بشأن مسألة الشر. إن نظرية الدافع الإلهي متنبهة لهذا الموضوع وقد حاولت أن تجد له إجابة لائقة بناءً على أسسها. صياغة استدلال وجود الشر والخلل الذي يحدثه لوجود الله مذكورة في صفحة 306 من الكتاب، وقد اتخذ المؤلف هذه المقدمة الصغرى والكبرى والنتيجة أساسًا لبحثه.
(1) سيندفع موجود كامل الخيرية [بدافع إلهي] لمنع كل شر.
(2) سيكون موجود قادر على كل شيء قادرًا على منع كل شر.
(3) إذن، لو كان هناك موجود كامل الخيرية وقادر على كل شيء، لاندفع هذا الموجود [بدافع إلهي] لمنع كل شر ولكان قادرًا على فعل ذلك. [لديه الدافع والقدرة معًا]
(4) لو كان هناك موجود اندفع [بدافع إلهي] لمنع كل شر وكان قادرًا على فعل ذلك، لما كان هناك شر.
(5) لكن الشر موجود.
(6) إذن، لا يوجد موجود كامل الخيرية وقادر على كل شيء. الإله المسيحي غير موجود.
ثمّة إشكالان يردان على المقدّمة الصغرى لهذا الاستدلال. الأوّل أنّه اعتبر الشرّ أمراً موضوعياً، والثاني أنّه جعل الغاية والنتيجة عنصراً أصيلاً ودخيلاً في تقييم حسن الشيء أو قبحه. في حين أنّ الشيء، وفقاً لنظرية الدافع الإلهي وعلى غرار سائر نظريات أخلاق الفضيلة، يكون حسناً إذا اعتبره الإنسان الفاضل أو النموذج الأمثل للخيرية حسناً، وقام به بوصفه فعلاً حسناً. هذه هي المعضلة الميتافيزيقية لأولئك الذين سلكوا درب الإلحاد استناداً إلى هذا الاستدلال. بينما بالابتعاد عن هذا الموقف، يمكن التحرّر بسهولة من معضلة الشرّ. «في نظرية الدافع الإلهي، الشخص النموذجي الخيّر هو الله. إنّ النتائج الحسنة والسيئة تتحدّد من خلال الدوافع الإلهية لقبول هذه النتائج بوصفها غايته. الأفعال الصائبة والخاطئة لأفراد البشر في ظروفهم الإنسانية تتحدّد من خلال خيرية الدوافع البشرية، تلك الدوافع التي تحدّدت واحدةً تلو الأخرى عبر الاقتداء بالدوافع الإلهية.»
لذا، فالشرّ هو ما اندفع الله إلى تقليله أو إفنائه. إنّ شرّية الشيء رهنٌ بالدافع الإلهي، ولا يوجد شيء من منظور ميتافيزيقي أسمى وأسبق من الدافع الربّاني.
واستناداً إلى نظرية الدافع الإلهي، يصبح استدلال الشرّ سالف الذكر على النحو التالي:
« (۱) الشرّ هو ما يندفع كائن كامل الخيرية إلى منعه.
(۲) الكائن القادر على كلّ شيء سيكون قادراً على منع أيّ شيء اندفع إلى منعه. [اجتماع الدافع والقدرة]
(۳) إذن، لو وُجد كائن كامل الخيرية وقادر على كلّ شيء، لاندفع هذا الكائن إلى منع كلّ ما اندفع إلى منعه، ولكان قادراً على ذلك.
(٤) لو وُجد كائن اندفع إلى منع كلّ ما اندفع إلى منعه، وكان قادراً على ذلك، فلن يبقى شيء يندفع كائن كهذا إلى منعه.
(٥) توجد أشياء يندفع كائن كامل الخيرية وقادر على كلّ شيء إلى منعها.»
في هذه المقاربة للشرّ، الشرّ هو شيء ناشئ ومنبثق من الدافع الإلهي، وليس شيئاً سابقاً ومتقدّماً على الدافع الربّاني، كما ظنّ الملحدون. إنّ المؤمنين بنظرية الأمر الإلهي، في تبريرهم لوجود الشرّ، يعتبرونه ناشئاً عن إرادة الله، ويصرّحون بأنّ تصوّرنا لإرادة الله هو الذي يحدّد شرّية الأمر. فالإرادة الإلهية عندهم هي الخير والحسن، ولن يكون لإدراكنا وفهمنا أو حكمنا على موضوع ما أيّة أصالة أو دخل في طبيعة ذلك الشيء. إنّهم يعتبرون الشرّ وهماً من أوهامنا، لا صفة من صفات طبيعة الشيء. في نظرية الدافع الإلهي، أُعطيت سلطة التحديد هذه للدافع الربّاني، وهي تعتبر الدافع الذي يتّجه نحو منع شيء ما أو إضعافه، معياراً لشرّية ذلك الشيء. تعبّر زاغزبسكي عن حصيلة هذه المقاربة لمعضلة الشرّ على النحو التالي: «النقطة المهمّة في هذه المقاربة لمعضلة الشرّ هي أنّ الله لا يغضّ الطرف عن الشرّ من أجل خيرات – خيرات الإرادة الحرّة، أو خيرات عالم الخلق، أو خيراته الإلهية هو. ليس الأمر أنّ خيرات مستقلّة توجد بفضل تجاهل الشرّ. الشرّ هو نتاج البنية الدافعية لله، وهي بنية لا تتضمّن شيئاً من قبيل إحداث توازن بين الخير والشرّ أو تجاهل أحدهما لصالح الآخر. هذه البنية هي بنية دافعية خيّرة، فهي البنية الدافعية لكائن كامل.»
يُعدّ موضوع العدالة الإلهية (الثيوديسيا) من الموضوعات المهمّة في الفلسفة الغربية. وممّا يوضّح هذا النقاش رسالة لليبنتز تُعرف بـ الثيوديسيه، والتي عالجت التناقض سالف الذكر. أصل هذه الرسالة يقوم على إثبات أنّ العالَم الذي خُلق هو أفضل العوالم الممكنة، ولا يمكن أن يكون أفضل منه. وقد انتقده أمثال فولتير ووصفوه بالمتفائل ساذج العقل. وهو يقسّم الشرّ إلى ثلاثة أنواع:
أ) الشرور الميتافيزيقية: وهي عبارة عن النقص الجسدي والروحي والأخلاقي للمخلوقات. إن تجنب هذا الشر في عالم الخلق ممنوع ومستحيل مطلقاً، لأن معنى كون الشيء مخلوقاً هو أنه ليس الله، ولو لم يكن المخلوق ناقصاً لصار هو الله. وعليه فإن هذا النوع من الشر من اللوازم الحتمية للخلق، وبالتالي لا يجوز لنا أن نلوم الله على إيجاد مثل هذا الشر.
ب) الشر الفيزيائي والطبيعي: وهو عبارة عن الألم بكل أشكاله، وهذا النوع من الشر وإن لم يكن مراداً لله بشكل مباشر، إلا أنه نظراً لكون بعض هذه الشرور شرطاً لازماً لتحقيق خير أسمى، فقد سمح الله بوجودها. فمثلاً كيف يمكن بلوغ النتائج المفيدة للعمل دون تحمل مشقته؟ علاوة على ذلك، فإن بعض الشرور الطبيعية قد جُعلت عقاباً على الذنوب، وهذا الأمر هو أيضاً من لوازم العدالة الإلهية.
ج) الشر الأخلاقي: وهو عبارة عن الذنب بكل أنواعه ودرجاته، وهذا النوع من الشرور ليس مراداً لله ولا مطلوباً له، ولا يسمح به الله. إن وقوع هذا النوع من الشر هو من لوازم الاختيار. لقد كان الله بين خيارين: أحدهما خلق عالم بمخلوقات مختارة، يكون بطبيعة الحال مسرحاً لظهور الشر الأخلاقي أيضاً، والآخر الامتناع عن خلق مثل هذا العالم. إن مقدار سوء الخيار الثاني هو أكثر من الشر الموجود في الخيار الأول.
لقد أوضحنا مقاربة نظرية الدافع الإلهي في مشكلة الشر الذهنية. وبناءً على هذه النظرية، فإن شرّية الشيء ناشئة ومنبثقة من الدافع الإلهي الذي انبعث ليزيله أو يضعفه. فكل ما يتعلق به الدافع الإلهي للإزالة والإضعاف فهو شر.
وبالطبع، تفرق زاغزبسكي بين الشر الطبيعي والشر الأخلاقي. «الشر الأخلاقي هو شر، ولكن من خلال التعريف. أما الشر الطبيعي فليس كذلك. إن ما نعنيه بالشر الأخلاقي هو أن يكون المرء رذيلاً، أو أن يخطئ في السلوك، أو أن يخل بالواجبات. فإذا اعتبرنا شخصاً لا يريد أن يكون رذيلاً أو يخطئ في السلوك شريراً، فإن ذلك يُعد خطأً مفاهيمياً. ليس هناك سلوك جوهري، أو حالة، أو سمات شخصية تدخل في مفهوم الشر الأخلاقي. لكن الشر الطبيعي مختلف. إن ما يعنيه الناس بالشر الطبيعي هو المعاناة، والمعاناة هي حالة تُعرّف فينومينولوجياً.»
المعاناة من منظور زاغزبسكي هي الشر الطبيعي الذي ينبغي الالتفات إليه. ما هي مشكلة هذا النقاش؟ المشكلة هي أننا إذا اعتبرنا أن الدافع الأساسي للإله هو حب مخلوقاته، وهو ما نعلمه، وقبلنا بسيادة الإله على عالم الخلق، وهو ما قبلناه، فلماذا يعاني الناس، ولا سيما محبو الله وأولياؤه في الحياة؟ هل هناك شيء خارج نطاق أمر الله؟ وهل يمكن للحب، وهو الدافع الإلهي الأساسي، أن يقبل بأن يعاني أحباء الله؟ هذه المسألة هي أيضاً ذريعة بيد الملحدين لإنكار الله. إن صياغة زاغزبسكي لهذا الاستدلال جديرة بالاستماع:
«(١) إن كائناً كامل الخير (أي مُحِبّاً) سيكون مدفوعاً لإزالة كل الآلام التي تتحملها مخلوقاته.
(٢) إن كائناً قادراً على كل شيء سيكون بمقدوره أن يمنع كل الآلام التي تعانيها مخلوقاته.
(٣) إذن، لو كان هناك كائن كامل الخير وقادر على كل شيء، لكان مدفوعاً لمنع آلام مخلوقاته وقادراً على فعل ذلك.
(٤) لو كان هناك كائن مدفوع لمنع معاناة مخلوقاته وقادر على فعل ذلك، لما وُجدت المعاناة.
(٥) لكن المعاناة موجودة.
(٦) إذن، لا يوجد كائن كامل الخير وقادر على كل شيء. الإله المسيحي غير موجود.»
ترى زاغزبسكي أن الطريق نفسه الذي سلكته لحل معضلة الشر يصلح لهذا النزاع الفكري أيضاً. أي أن كل ما يدفع الله إلى جعله مؤلماً للبشر هو مؤلم. وهي تتخذ موقفاً وسطاً بالطبع، فتقبل الشر الطبيعي الذي هو المعاناة ذاتها، لكنها لا تتخذ موقفاً من مسألة لماذا يُدفع الإله العاشق لمخلوقاته إلى جعل البشر يعانون، وتصف ذلك صراحةً بأنه سر مكتوم. «إن الإله الخيّر الأسمى هو منبع كل القيم في العالم. كل الخيرات التي نعرفها خيّرة لأن الله خيّر، وهذه الخيرات تنبثق منه. كل الآلام والمعاناة التي نعرفها سيئة لأنها تتعارض وتتناقض مع الخيرية الإلهية. إذن، فسوء الآلام والمعاناة وخيرية الخيرات كلها خير وشر نسبيان. السبب في أن الله يسمح بالألم والمعاناة هو سر، لكن مفردات هذه المسألة تختلف عند الملحدين عنها عند المؤمنين بالله، لأن خير الاتحاد بالله لا نهائي... المعاناة لا تُبرر عبر الخير، سواء أكان خيراً أسمى أم خيراً غامضاً لا يقاس.»
وكنتيجة يمكن القول إن مسعى زاغزبسكي ينصب على دفع شبهة الملحدين في تمسكهم ببرهان الشر لتبرير الإلحاد. بعبارة أخرى، هي على وفاق مع شتى قراءات الإيمان بالله، وتسعى من خلال الاستدلال أعلاه إلى إضعاف موقف الملحدين.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الأدب
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.