اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أسّس الملا صدرا الحكمة المتعالية بمزجه بين الفلسفة والعرفان وعلم الكلام والمعارف القرآنية، تاركاً إرثاً يمتلك القدرة على مواجهة المسائل الجديدة. حوار مع موسى أكرمي يحلل هذا المنجز ويناقش الانتقادات الموجهة إلى منهجيته.

الإرث الحكمي لملّا صدرا: نقدات وإمكانات معروفة ومجهولة
في حوار مع موسى أكرمي (نص منقح)
لقد ترك ملّا صدرا، من خلال استفادته من الآراء الفلسفية والكلامية والتعاليم العرفانية والمعارف القرآنية والحديثية للمفكرين السابقين وتأمله فيها، وبهدف إقامة صلة بينها في قالب موحد أطلق عليه اسم «الحكمة المتعالية»، إرثاً فكرياً يمكننا من منظوره الكلي، ومع كل الانتقادات الموجهة إلى منهجيته ونظريته في المعرفة، أن نذكره بوصفه مؤسساً ومنشئاً لتيار فلسفي أو حكمي جديد في العالم الإسلامي، ذي قدرات كبيرة على حل بعض المسائل الأنطولوجية والإبستمولوجية، حتى إن إرثه يمتلك القدرة على مواجهة بعض المسائل الجديدة والتفاعل مع بعض التيارات الفلسفية الغربية.
إيلنا. مع حلول الأول من خرداد، يوم تكريم «محمد بن إبراهيم قوامي الشيرازي» الملقب بـ«صدر المتألهين» أو «ملّا صدرا»، عاد مرة أخرى هو وأنشطته وإبداعاته في مجال الحكمة والفلسفة، ليكون محط نقاش ومناظرة أصحاب الرأي والباحثين في مجال الفلسفة والحكمة الإسلامية. لا شك أن ملّا صدرا، بسنوات نشاطه العلمي في مجالات الفلسفة والعرفان الإسلامي وتأسيسه لمدرسة «الحكمة المتعالية» واستفادته من مجلس أساتذة أمثال الشيخ البهائي والمير فندرسكي والمير داماد، وتقديمه لأفكار لافتة وذات شأن كأصالة الوجود وتشكيك الوجود والحركة الجوهرية، يحتل مكانة مرموقة في مجال الفلسفة والحكمة الإسلامية، وهذه المسألة بالذات توفر مجالات واسعة لنقد وتحليل أفكاره وأطروحاته. في هذا السياق، تناولت إيلنا في حوار مع «موسى أكرمي»، الأستاذ الجامعي، بعضاً من أهم المسائل المطروحة والمرتبطة بملّا صدرا وفلسفته. تابعوا نص الحوار المفصل مع موسى أكرمي فيما يلي.
سؤال. بالنظر إلى ما قيل من أن ملّا صدرا استخدم مصادر متنوعة لحكمته المتعالية، لو تفضلتم في بداية الحوار بالإشارة إلى تلك المصادر.
جواب. نعم. بالتأكيد. دون أن أضطر للإشارة إلى كم وكيف تحصيلات ملّا صدرا وأساتذته، أستطيع القول إنه، شأنه شأن كثير من دارسي الفلسفة والباحثين فيها من الفضوليين والنقّاد، ممن كان همهم الوصول إلى الحقائق من منظور فلسفي، قد درس في التقليد الفلسفي الموجود في مجتمعه بشكل حرفي وتخصصي، وأولى أكبر قدر من الاهتمام لمجالات أخرى كالتيارات العرفانية والمعارف الدينية، ودرس بعناية أهم المؤلفات المكتوبة في هذه المجالات.
من الواضح تماماً من آثاره أن
1) في مجال الفلسفة، كان ملمّاً بأهم آثار ما قبل السقراطيين وأفلاطون وأرسطو والأفلاطونيين المحدثين باللغة العربية، وكذلك بمصادر وتعاليم ما اشتهر من إيران ما قبل الإسلام باسم «الحكمة الخسروانية»، وآثار إخوان الصفا وابن سينا والسهروردي وأهم شرّاحهم، وكذلك آثار أستاذه المير داماد، وقد استفاد منها مع ذكر المصدر أو بدونه؛
2) في العرفان، وخاصة العرفان النظري والعرفان الفلسفي والتجارب والمشاهدات العرفانية، استفاد من آثار ابن عربي، ولا سيما فصوص الحكم والفتوحات المكية، وكذلك من آثار أتباع ابن عربي الآخرين مثل صدر الدين القونوي وداود القيصري وحمزة الفناري، وكذلك آثار عين القضاة الهمداني؛ ومن الجلي تماماً أنه كان متمكناً من آثار مولانا أيضاً؛
3) في علم الكلام، بالإضافة إلى آثار الغزالي، وخصوصاً إحياء علوم الدين، استفاد من منازل السائرين لخواجه عبد الله الأنصاري وعوارف المعارف للسهروردي المتكلم الشافعي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وكذلك آثار متكلمين مثل أبي علي الجبائي والجاحظ والنظام والإمام فخر الرازي وسعد الدين التفتازاني والقاضي عضد الدين الإيجي. وهكذا فقد أولى اهتماماً بالتقاليد القوية في علم الكلام: الأشعرية والاعتزالية؛
4) في تفسير القرآن كان ينظر غالباً إلى التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي، وتفسير الكشاف لجار الله الزمخشري، وتفسير مجمع البيان للطبرسي، وقد أخذ منها مباحث كلامية وعرفانية وأدبية كثيرة، بل واقتبس منها روايات أيضاً. غير أن أنسه بالقرآن والحديث، وتأمله في أجواء الكشف والشهود وضروب من التجارب العرفانية، جعلته يرتقي بتلقياته للآيات إلى ما هو أبعد كثيراً من ظواهرها، ويخلّفها في آثار مثل مفاتيح الغيب وشرح أصول الكافي، وهي آثار جذابة بذاتها، وتُظهر مع غيرها من النكات اللاهوتية في سائر مؤلفاته أنه بعد الخواجه نصير الدين الطوسي يُعد أهم متكلم شيعي أيضاً.
لذا فإن ملّا صدرا، الذي كان قد عقد العزم، بكثرة المطالعة والكدح المتواصل والمثابرة المدهشة، على فهم الفلسفة وسائر المعارف، كي يتحول إلى فيلسوف محترف تساوره هواجس جمّة لتجاوز ما انتهى إليه، وجد نفسه وريثاً للفلسفة التي سبقته، والمشكّلة من تقليدين قويين بارزين: المشائي والإشراقي، واللذين كان بينهما وبين علم الكلام والعرفان أخذ وردّ قلّ أو كثر. وقد عمد في صوغ نسقه الفكري إلى الاقتراض من هذا الميراث الثقيل من الفلسفات والتعاليم الإيرانية واليونانية والإسكندرانية قبل الإسلامية، فضلاً عن المعارف العرفانية والقرآنية والحديثية. وبالطبع فإن مسألة كيفية قراءة الفلاسفة السابقين للفلسفة اليونانية والتعاليم الإيرانية مهمة هنا أيضاً. فالفارابي مثلاً كان يعد كتاب «أثولوجيا»، الذي هو في التقليد الأفلاطوني المحدث اقتباس حر من تاسوعات أفلوطين، من تأليف أرسطو، وسعى بناءً على ذلك أن يُظهر أنه لا يوجد خلاف كبير بين أفكار أفلاطون وأرسطو. وعلى الرغم من الشكوك اللاحقة لابن سينا والسهروردي في نسبة الأثولوجيا إلى أرسطو، فإن هذا الأثر الأفلاطوني المحدث ظل على أية حال أساس التوفيق بين أفكار أفلاطون وأرسطو في العالم الإسلامي، وهو أمر بدا جلياً لدى ملّا صدرا أيضاً. كان توظيف هذا الكتاب وأفكار إخوان الصفا وكل تيار يميل إلى التوفيق بين التيارين الأفلاطوني والأرسطي عموماً، والنزعتين المشائية السينوية والإشراقية خصوصاً، ذا جاذبية لملّا صدرا. لقد مضى خطوة إلى الأمام لصوغ فلسفته الخاصة، التي دُعيت لاحقاً «الحكمة المتعالية» - وإن كان ابن سينا والخواجه نصير الدين الطوسي قد استعملا هذا المصطلح من قبل - ساعياً إلى التوفيق لا بين أفلاطون وأرسطو فحسب، أو بين فلسفة المشاء لابن سينا وحكمة الإشراق للسهروردي، بل ارتأى من الأفضل أن يستفيد من تعاليم عرفانية مهمة كتعاليم ابن عربي - التي كانت حتى ذلك الحين ذروة العرفان العقلي أو العرفان الفلسفي - وكذلك المعارف القرآنية والأحاديث في المنظور الشيعي، وبافتراض مسبق للتلاؤم بينها وبين الاستدلال العقلي، كيما يكون النظام الفلسفي الضخم المتين الذي يشيده جامعاً لشتات المعارف حتى عصره.
سؤال. بالنظر إلى ما تفضلتم به، يعتقد بعض الباحثين وأصحاب الرأي في حقل الفلسفة أن الحكمة المتعالية التي قدمها ملّا صدرا هي تركيب من أصول ومسائل حصل عليها من نفس الحكماء والفلاسفة السابقين الذين أشرتم إليهم، وحتى من أمثال الدواني والدشتكي وغيرهم. هل تعتبرون هذا التفسير معتبراً؟
جواب. بالطبع، في النظرة الأولى السطحية لمجموع آثار ملّا صدرا، يتبادر إلى الذهن ما ذكرتم. وبشكل عام، من الطبيعي أنه وقع تحت تأثير أهم التعاليم التي قرأها وسمعها وتعلمها في تلك المجالات التي كان مهتماً بها..
كان ملّا صدرا، لبناء النسق الفلسفي البالغ الضخامة الذي كان يصبو إليه، قد تبنى ثلاثة افتراضات مسبقة:
1) وحدة المعرفة بشأن الله والعالم والإنسان،
2) التلاؤم والتكامل بين مصادر المعرفة الثلاثة المدّعية للمعرفة، أي العقل والكشف والوحي، أو فلسفة المشاء وفلسفة الإشراق والعرفان والقرآن والحديث، و
3) التناغم والتكامل بين المناهج والتعاليم الناشئة عنها في تلك المصادر الفلسفية والعرفانية والدينية الثلاثة نفسها.
لقد استفاد، بإحاطة استثنائية بمصادره في هذه المجالات، والتي كانت أهم المصادر المتاحة في زمانه، من كل واحد منها، ليشيّد صرحه الفلسفي أو الحكمي، لبنةً لبنة، في تصميمه المدهش، ولا سيما لكتابه العظيم «الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة». للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الكتاب العظيم، بل وكل ما يُسمى بفلسفة ملّا صدرا أو الحكمة المتعالية، تلفيقياً أو حصيلة مزج لمواد من الفلسفات المشّائية والإشراقية والعرفان والقرآن والحديث.
أود أن أقول إن النقل المطوّل أحياناً من بعض المصادر، والامتناع الواعي أو غير الواعي عن ذكر المصدر والمرجع، يعطي ذريعة لهذا الانطباع، بل ويُتّهم من قبل النقاد والخصوم غير المنصفين لملّا صدرا بنوع من الانتحال. ولكن إذا غضضنا الطرف عن عدم ذكر المصدر، الذي كان شائعاً إلى حد ما في بعض العصور وعند بعض المؤلفين، ونظرنا إلى أثر مهم كالأسفار بدقة وبروح متعاطفة وفي إطار نسق فكري راسخ قائم على النظرة الكلية لفيلسوف-متكلم-عارف أو حكيم مسلم في ظروف اجتماعية وسياسية غير مواتية أحياناً، فسنرى أن استفادة ملّا صدرا من مصادره لم تكن على نحو تأليف الكتب، أي ترقيع قطع متفرقة من نسيج الفكر لصنع لحاف مرقع، بل على نحو مزج نسقي إلى حد ما للأجزاء في خدمة منظومة معرفية متماسكة نسبياً سُميت بالحكمة المتعالية.
إذن، الإشكالان المهمان في اقتباسات ملّا صدرا هما: أولاً، الاستفادة من مصادر الآخرين دون إسناد، وثانياً، مزج نوعين من الفلسفة والعرفان والإلهيات الإسلامية القائمة على القرآن والحديث بتفسير خاص. لكل من هذين الإشكالين أهميته، وليتهما لم يكونا موجودين، أو أن يتولى الباحثون في الصدرائية والمهتمون بالحكمة الصدرائية حلهما يوماً ما.
سؤال. إذن، وفقاً لكلامكم هذا، نحن أمام مجموعة من الآثار هي خليط أو اقتباس من معارف مختلفة من مصادر مختلفة. إذا قام أنصار ملّا صدرا يوماً ما بحل الإشكال الأول، أي الاقتباس من أعمال الآخرين دون إسناد، وذلك بإرجاعها إلى مصادرها الأصلية، فما مدى أهمية الإشكال الثاني؟
جواب. قبل الإجابة، أو للإجابة، اسمحوا لي أن أشير، وبشكل بين قوسين إلى حد ما، إلى أنني أعتقد بوجود خمس منظومات اعتقادية تدّعي المعرفة، وهي: العلم، والفلسفة، والدين، والعرفان، والأسطورة. أولاً، لكل منها رؤوسها الثمانية الخاصة. ثانياً، قد تتداخل اثنتان أو أكثر منها في أحد الرؤوس، كالموضوع مثلاً. ثالثاً، ورغم كل التداخلات المحتملة، فهي غير قابلة للمزج من حيث المبدأ، لأنها تختلف مثلاً في المنهجية أو مصدر المعرفة وفي أبعاد أخرى كثيرة تتداخل فيها.
والآن أقول: ربما يرغب شخص كملّا صدرا، بالأسس التي عددتها، في بناء شيء اسمه الحكمة المتعالية يكون أسمى من الفلسفة والإلهيات والعرفان، لكنه عندئذ لا يمكن تسميته فلسفة، كما أنه ليس عرفاناً ولا إلهيات. هذا نوع من المزج غير جائز من موقف فلسفي محض، وأنا، على الرغم من احترامي الشديد لملّا صدرا واستفادتي من بعض جوانب تفكيره، لا أستطيع أن أوافق على منهجه من موقف فلسفي خالص، ولا أن أقول بخلوص فلسفته. وتوضيحاً، ينبغي أن أقول:
1) إن اجتياز الحدود والانتقال من داخل سياق معرفي خاص إلى داخل سياق معرفي آخر غير جائز،
2) إن الاعتقاد بخلق سياق معرفي فائق يتكون من أجزاء من منظومات اعتقادية مختلفة تدّعي المعرفة، ويكون أرقى منها أو متجاوزاً لها، هو ادعاء عظيم وشاق ليس إثباته وقبوله بالأمر اليسير.
3) ما دمنا نملك سياقات اعتقادية أو منظومات اعتقادية متنوعة تدّعي المعرفة، حتى لو كان موضوعها مشتركاً (كوجود الله أو وحدانيته أو العالم بعد الموت مثلاً)، فإننا لا نستطيع، أي ليس من المبرر لنا، أن نستخدم قضايا أو اعتقادات من منظومة اعتقادية تدّعي المعرفة داخل منظومة اعتقادية أخرى تدّعي المعرفة.
بنابراین ملاصدرا یا هر کس دیگر به شرطی میتواند از گزارههای ذاتاً متعلق به یک دستگاه باور مدعی شناخت در یک دستگاه باور مدعی شناخت فراگیرتر بهره گیرد که اَبَربافتار یا اَبَردستگاه مدعی شناختی به نام حکمت متعالیه معرفی کند که در آن بتواند نشان دهد باورهایش هم صادقاند هم موجهاند هم همساز با یکدیگر. اگر آن اَبَردستگاه چنان باشد که درون آن گزارهها یا باورهای مستقل فلسفی مشائی و فلسفی اشراقی و همچنین باورهای عرفانی و قرآنی و حدیثی بدون پیوند با هم تنها مخلوط شده باشند آنگاه ما با یک مخلوط التقاطی طرفیم. اگر اندیشهورز توانسته باشد اَبَردستگاهی متشکل از این دستگاهها ایجاد کرده باشد چیزی ساخته است که دیگر نه فلسفه است نه دین نه عرفان.
این همان است که مثلاً ملاصدرا از عنواش در نام بزرگترین و مهمترین کتابش بهره گرفته است: یعنی حکمت متعالیه، حکمت خاصی که مدعی چهار سفر است که به هر حال مهماند یا میتوانند مهم باشند:
1) سفر از خلق به سوی حق،
2) سفر در حق با حق،
3) سفر از حق به سوی خلق با حق، و
4) سفر در خلق با حق.
این دیگر چیزی بیش از فلسفه است. اگر از التقاط به معنای وام گرفتن از منابع گوناگون فلسفی و عرفانی و دینی به صورت کنار هم قرار دادن متنهای متنوع بگذریم و به درهمآمیزی افقهای فلسفی و الهیاتی و عرفانی برسیم و آن را بپذیریم آن گاه باید نشان داد که این اَبَردستگاه یا حکمت متعالیه از نظر عرضۀ مبانی و روششناسی و شناختشناسی نه یک مخلوط سردستی بلکه یک ترکیب موجه است. این کاری است که البته تا حدی خود ملاصدرا خواسته انجام دهد ولی رساندن این توجیه به حد کفایت کار پیروان او است که هنوز کسی نتوانسته به گونهای مستوفا آن را انجام دهد. میتوان پذیرفت که دستگاههای باور مدعی شناختی چون فلسفۀ مشائی و فلسفۀ اشراقی و کلام و عرفان به هم الهام ببخشند تا هر یک با روششناسی و شناختشناسی خاص خود به موضوعی بپردازد ولی نه اختلاطشان را میتوان پذیرفت نه ترکیبشان به صورتی که مثلاً همچنان نام فلسفه را یدک بکشد و توجیهات روششناختی و شناختشناختی و معناشناختیای در سطح روششناسیها و شناختشناسیها و معناشناسیهای شناخته شده داشته باشد. در این معنا بخش اعظم آنچه فلسفۀ اسلامی یا مسیحی یا یهودی یا بودایی خوانده میشود به نسبت ورود عناصر غیرفلسفی ناب، یعنی عناصر استوار بر خردورزی و دلیلآوری نامقید به هر گونه قید عقلی، فلسفه نیست و یا فلسفۀ التقاطی تلقی میشود. در همین رابطه شاید بتوان از یک ذستگاه باور مدعی شناخت میانرشتهای سخن گفت، حاصل ترکیب چند رشته. این برای بررسی مسائل مرزی است. ولی باید تکلیف روش شناسی و نوع معناشناسی آن روشن شود.
در جمعبندی باید گفت
1) گاهی استناد ملاصدرا به منابع طولانی و بدون ذکر منبع است که شاید روزی طرفدارنش برطرف کنند،
2) با توجه به هدف ملاصدرا در عرضۀ یک حکمت متعالیۀ بهرهگیرنده از معارف گوناگون بهرهگیری از منابع گوناگون معرفتی گریزناپذیر و حتی شاید بلااشکال است به شرط آن که توانسته باشد حکمت متعالیه را در سطحی فراتر از فلسفههای مشائی و اشراقی و عرفان اسلامی و الهیات شیعی مبتنی بر تفاسیری خاص از آیات و روایات پدید آورده باشد و خود او یا پیروانش فراتر بودن این سطح را در زمینههای منطق و روششناسی و شناختشناسی و معناشناسی به مخاطبان میراث ملاصدرا نشان دهند،
3) اگر از تمثیل بیکن بهره گیریم این بهرهگیری از منابع گوناگون و دستیابی به سطمی فراتر از دستگاههای باور مدعی شناختی چون فلسفههای مشائی و اشراقی و عرفان اسلامی و الهیات شیعی باید همانند بهرهگیری زنبور عسل از گردۀ گلهای گوناگون با قدرت یا استعداد فکری درهمآمیزی یا ترکیب آنها به کمک توان فکری خود برای عرضۀ فرآوردهای ارگانیک و یکدست و بیپیشینه باشد.
خلاصةً، يمكن القول إننا في بعض الحالات نواجه شهدًا معرفيًا جديدًا، وفي حالات أخرى ليس الأمر كذلك بوضوح. فالحكمة المتعالية التي شُيّدت من تلك المصادر وتأملات صدرا الشخصية واجتهاده، تمتلك خصائص لا يمكننا، حتى لو وجدنا أثرًا لها في الماضي، أن نراها بالشكل المترابط الذي وردت به خصوصًا في كتاب «الأسفار» لملّا صدرا، بحيث تبدو جِدّة التركيب واضحة؛ غير أن هذه الحصيلة النهائية لا تمتلك تجانس شهدٍ كالعسل الطبيعي للجبال الشامخة المصونة من العناصر الاصطناعية. ومع ذلك، فقد استطاع ملّا صدرا أن يصل ما استعاره ببعضه البعض على نحوٍ يجعلنا، من منظور كلي، نستطيع اعتباره مؤسسًا ومبدعًا لتيار فلسفي جديد في العالم الإسلامي أو في تقليد التفلسف الإسلامي، حتى وإن كانت تُوجّه إليه انتقادات جدية، لا سيما من حيث تلك المزائج المعرفية ذاتها.
سؤال. يعتقد كثيرون أن الإبداع الرئيس لملّا صدرا تمثّل في تحليله للدين من منظور الحكمة. أي أنه اعتبر الدين قائمًا على العلم والمعرفة لا على الإيمان فحسب. حتى قيل إن منهجية الحكمة المتعالية تقوم على عقلانية تُدلّل على التعاليم الدينية. برأيكم، هل استطاع ملّا صدرا أن يطرح فكرته الإبداعية هذه ويشرحها بشكل جيد وفي قالب متماسك؟
سؤال. من الصعب جدًا عليّ أن أقول بدقة ما إذا كان هذا الأمر قد حدث أم لا. ما هو واضح أن ملّا صدرا كان في حياته شديد التدين، توّاقًا إلى فهم المعارف الدينية والإيمان بها، كما انشغل، في سياق صلته بالتفكر والبحث العقلي حول أهم المسائل المتعلقة بالله والوجود والعالم والإنسان، بقراءة الفلسفة والبحث فيها والتفلسف، وسعى باهتمام بالغ في هذين المجالين إلى التوفيق بينهما. لقد كان البحث في التوافق بين الدين والفلسفة، أو الوحي والعقل، من المباحث المهمة في التيارات العقلانية في التراث الإسلامي. وقد توصّل ملّا صدرا، بناءً على بعض التأملات والتفسيرات الكلامية الشيعية للقرآن والأحاديث، وعلى ثقته بالعقل البشري، إلى نتيجة مفادها أن الدين عقلاني في جوهره، وأن جميع تعاليمه قابلة للفهم والقبول من قبل العقل البشري.
لقد قبل ملّا صدرا، في مسار مطالعاته وفي الفضاء المحيط به، إلى جانب المنهج الاستدلالي المشائي في الفلسفة، المنهج الإشراقي وكذلك العرفان الاستدلالي. ومن الطبيعي أن يسعى شخص كهذا إلى التوفيق بين الدين - الذي كان يعتبره أمرًا وحيانيًا في جوهره لكنه موجّه للإنسان - والفلسفة - التي كان يعتبرها أمرًا عقليًا أو شهوديًا في جوهره، أي قائمة على قوى الإنسان المعرفية (سواء العقل أو الشهود) - بل وأن يرغب في الذهاب إلى الدين عبر مسار الفلسفة (بمظهريها العقلي والشهودي)، ومن هذا المنظور أن يعرف الدين ويُعرِّف به. وهذا هو البرنامج الذي مضى فيه.
لذا، في معرض إجابتي عن سؤالكم، ينبغي أن أقول إنه كانت لديه هذه النية، وبصفته متدينًا متفلسفًا أو متفلسفًا متدينًا، فقد سعى إلى هذا الهدف طيلة عمره. أما سؤالكم فهو عن مدى نجاحه في تحقيق هذا البرنامج. إذن، يمكن النظر إلى برنامجه بأكمله، بصرف النظر عن مناقشات في حالات جزئية، على أنه عرض لفلسفات متوافقة مع الدين ومستفيدة منه في أهم المباحث الكبرى للدين والفلسفة - مثل وجود الله ووحدانيته وخلق المخلوقات وعلاقته بالإنسان ومصير الإنسان. لكن المشكلة، أو ربما الإشكال، تكمن في أن ملّا صدرا لجأ في حالات كثيرة جدًا، لتأسيس المبادئ الفلسفية أو لنصب عمود فلسفته، إلى التعاليم الدينية نفسها بمنشئها الذي يُعتبر وحيانيًا وبالتالي مسلّمًا به وقطعيًا. هذه الحالات هي المثيرة للجدل من منظور المنهجية الفلسفية ونظرية المعرفة الفلسفية وعلم الدلالة الفلسفي. فهو، كما قلت سابقًا، لا يساوره شك فلسفي في أي تعليم ديني مأخوذ من القرآن ولا في أي حديث يعتبره صحيحًا. بالطبع، قد يفسر أو يؤول أحيانًا آية أو حديثًا بما يتوافق مع افتراضاته المسبقة أو حتى مع أهداف تعاليمه هو. وهذه الحالات تثير مناقشات كثيرة، سواء من جانب الفلاسفة الملتزمين بالعقل الحر، أو من جانب المتدينين المؤمنين بمعنى ومدلول مختلف لبعض الآيات والأحاديث. أما الخوض في سرد الأمثلة فيتطلب فرصة أخرى.
لذلك، في هذا السياق الخاص بتقديم قراءة عقلانية أو فلسفية مشّائية و/أو إشراقية للدين، حدث ذلك في بعض الحالات، ويمكننا أن نلاحظ نوعاً من الارتباط المتّسق نسبياً بين التصورات المختلفة لفيلسوفٍ ما – الذي ينظر إلى الفلسفة بوصفها مجرد نوع من المعرفة المؤسسة على العقل – للدين والمعارف الدينية. وإن كان لا يمكننا اعتباره ناجحاً تماماً في هذا المجال، وهو ما يعود إلى أنواع المغالطات والمصادرات على المطلوب في نظرته؛ لأنه على الرغم من رغبته في تأسيس صدق المعارف الدينية على أساس العقل، إلا أنه اعتبر المعارف الدينية صادقة مسبقاً. علاوة على ذلك، في المجالات التي يعتمد فيها، بوصفه فيلسوفاً، لا على العقل – أي الاستدلالات التي تكون صورها منطقية وموادها مطابقة للمعرفة المقبولة عقلاً – بل على الحدس أو الإشراق، تبرز إشكاليات على صعيد نظرية المعرفة. إن اتفاق أهل الفلسفة على معرفة يُعتبر منشؤها الحدس أو الإشراق أمر بالغ الصعوبة، لكن ملّا صدرا يتمسك في بعض الحالات بهذا النوع من المعرفة بسهولة، سواء من الموقف الفلسفي الإشراقي أو من الموقف العرفاني.
وهكذا، في مثل هذه الحالات، قد يواجه ملّا صدرا إشكالات منطقية ومنهجية ومعرفية، بل وحتى إشكالات دلالية وتفسيرية (أي كيفية تفسير الآية أو الحديث). من الواضح تماماً أن ملّا صدرا يعتقد أحياناً بضرورة تفسير آية أو حديث معين بطريقة تمكنه من سدّ الحلقات المفقودة أو ملء الفراغات التي يشعر بوجودها في فلسفته، وهذه الأمور نفسها تحولت عملياً إلى نقطة ضعف قاتلة أو كعب أخيل لفلسفته، وقد يعتبرها من يريدون التدقيق، سواء بدافع الغيرة الفلسفية أو الغيرة الدينية (وحتى الغيرة الشيعية الاثني عشرية)، نقاط ضعف في فلسفته.
سؤال. الحكمة المتعالية لملّا صدرا هي نسق فلسفي لم يشهد نمواً كبيراً بعده. في هذا السياق، انتقد الكثيرون الفلسفة الصدرائية، لكن لم تبرز مدرسة فلسفية جديدة من رحم هذه الانتقادات. ما هو السبب الرئيسي لهذه المسألة برأيكم؟
جواب. يمكن تعداد عدة أسباب و/أو علل لهذا الأمر:
1) إذا نظرنا إلى الموضوع على مستوى العالم الإسلامي ككل، أي خارج إيران، نجد أولاً أن المراكز والمحافل غير الإيرانية وغير الشيعية للفلسفة كانت تعتبر أن الفلسفة انتهت بابن رشد؛ ولهذا لم يُلتفت حتى إلى السهروردي والخواجه نصير الدين الطوسي وقطب الدين الشيرازي؛
2) انفصال إيران عن بقية العالم الإسلامي، الذي حدث بمقتل الخليفة وإسقاط نظام الخلافة على يد هولاكو خان المغولي، أدى إلى تجاهل واعٍ أو غير واعٍ أكبر من جانب المنطقة غير الإيرانية للأحداث الفكرية الفلسفية في الأراضي الإيرانية؛
3) مع وصول الشاه إسماعيل إلى السلطة وإعلانه الحكم الشيعي وإضفاءه الصفة الرسمية على التشيّع، وتنامي العداء بين إيران والدولة العثمانية وسائر المناطق ذات الأغلبية السنية، بلغ التجاهل وحتى العداء للإبداعات الفكرية الإيرانية-الشيعية حداً جعلهم يغضون الطرف، بوعي أو بغير وعي، عن المنجزات الفكرية المحتملة بين الإيرانيين-الشيعة؛ ومن ثم، لم يكن ممكناً في هذا المناخ أن يلقى شخص مثل ملّا صدرا، الذي كان يوظف الأحاديث الشيعية بحماس وتأكيد كبيرين في تفلسفه، ترحيباً من العالم السني؛
4) استمرت الضغينة، أو على الأقل النقد والمعارضة، من مراكز ومحافل التفلسف والتشرّع والتصوف والتألّه (أي التنظير الكلامي) تجاه ملّا صدرا، والتي كانت قد نشأت في حياة الشاه عباس الأول وزمن حياة ملّا صدرا نفسه، والتي كان جزء منها نتيجة للمعارضة الواعية – من موقع الاهتمام بالفلسفة السينوية أو من موقع معاداة الفلسفة عموماً – لإبداعات ملّا صدرا ومكانته، وجزء منها نتيجة للفهم الخاطئ لآثاره. ظلت فلسفة ابن سينا مهيمنة على ذهن محبي الفلسفة، وكانت المراكز الفلسفية الرسمية تولي هذه الفلسفة اهتماماً أكبر، لأنها أولاً، بامتلاكها أقساماً كالمنطق والرياضيات والطبيعيات، كانت تتمتع بشمولية أكبر بكثير كنسق فلسفي جامع، وثانياً، كان الصفاء المنهجي والمعرفي والدلالي الفلسفي لهذا النسق الفلسفي يتمتع بأصولية وجاذبية أكبر؛
5) لم يكن هناك فيلسوف معارض في قامة ملّا صدرا نفسه كي يرتقي، من خلال نقده لإنجازاته، بالفلسفة وبملّا صدرا ذاته. فبعد وفاة الميرداماد، لم نعد نرى شخصية بارزة من الطراز الأول في الفلسفة وفي مواجهة ملّا صدرا. كان أكبر معارضي ملّا صدرا هم الملا رجب علي التبريزي وعبد الرزاق اللاهيجي (صهر ملّا صدرا) ومحمد باقر الخوانساري وآقا حسين الخوانساري، الذين لم تكن لديهم القدرة على النقد الأصولي لملّا صدرا. ولاحقاً، أصرّ أشخاص مثل الميرزا أبو الحسن جلوه على الانتقائية في آثار ملّا صدرا، بل واتهموه بالسرقة العلمية. أما المؤيدون، من الملا محسن الفيض الكاشاني (صهر ملّا صدرا الآخر) إلى الميرزا محمد الماسي، فعلى الرغم من حبهم الشديد لملّا صدرا وإنجازاته، لم يكونوا في ذلك المستوى الذي يمكّنهم من نشر فلسفة ملّا صدرا والارتقاء بها على نحو جيد وتثبيتها على كرسي القبول في المراكز العلمية وعند العلماء.
6) هذه المراكز العلمية التي أتحدث عنها لم تكن تملك من القوة ما يكفي لإقامة تيار فلسفي قوي في إيران أو العالم الإسلامي. إذا نظرنا إلى أوروبا في ذلك الزمان ندرك الفرق. ففي أوروبا توجد جامعات مختلفة ومراكز علمية متنوعة، بل وحتى بلاطات مهتمة بالفلسفة، حيث نما فكرياً بشكل أكبر أناس مثل ديكارت ولاحقاً سبينوزا ولايبنتس، في معارضتهم أو اتفاقهم ونقدهم للتقاليد الفلسفية المدرسية وفي مواجهتهم لمختلف المعارضين.
7) بعد سنوات طويلة، أي بعد ما يقرب من مئتي عام، يظهر فيلسوف في قامة الحاج ملا هادي السبزواري، الذي يدرك هو نفسه قيمة آثار ملّا صدرا، ويسعى لتعريف الآخرين بها. لكن في تلك المحافل والمراكز والمجالس الفلسفية غير البارزة كثيراً (مقابل الفقه والتفسير بالطريقة التقليدية نسبياً)، كانت دراسة الفلسفة السينوية وترويجها تحظى بأنصار أكثر، وهذه الأنصار تعود للأسباب المذكورة آنفاً وهي أقرب إلى الاحتياط. كان ظل ابن سينا ثقيلاً على الفلسفة، وكان المهتمون بالتفكر والتعقل الفلسفي والنقاد لخلط الفلسفة بالعرفان والمعارف الدينية ونص القرآن والأحاديث، يفضلون أكثر منهجيته والمباحث التي طرحها، بل وحتى ترتيب المطالب في كتبه المهمة مثل الشفاء والنجاة.
8) باستثناء الحاج ملا هادي السبزواري، كان أشخاص آخرون مثل آقا محمد البيدآبادي والملا علي النوري وآقا علي المدرس وربما كثيرون غيرهم مهتمين بفلسفة ملّا صدرا وأبقوا شعلة حكمته المتعالية متقدة نسبياً، لكنهم على أية حال، وعلى الرغم من الجهود التي بذلوها، لم يكونوا من الوجوه الفلسفية من الطراز الأول والمؤثرة التي تمتلك عرضاً جذاباً لفلسفة ملّا صدرا. إذن، حتى في العالم الشيعي، تم التعامل مع التقاليد الفلسفية وظهور شخص مثل ملّا صدرا بهذه الكيفية، بحيث يمكن القول إن عدم الإطلاع وعدم الاهتمام والتعصب والافتقار إلى ذهن فلسفي قوي كانت جملة من العلل التي حالت، من جهة، دون توجيه نقد جاد لملّا صدرا، ومن جهة أخرى، دون ترويج فكره والارتقاء به.
9) إذا تجاهلنا دار الفنون (التي لم تكن تُدرَّس فيها الفلسفة بالطبع) وكذلك المراكز الدينية المتفرقة في مدن مثل طهران ومشهد وأصفهان وآراك، ووجهنا اهتمامنا إلى تأسيس الحوزة العلمية الشيعية الإيرانية الكبرى والجامعة في إيران، فينبغي أن نلتفت إلى تأسيس أو إحياء الحوزة العلمية في قم عام 1301 وتأسيس جامعة طهران عام 1313. على الرغم من وجود أساتذة أو طلاب مهتمين بالحكمة الصدرائية في حوزة قم العلمية أو الحوزات الصغيرة الأخرى، وازدهار محافل ومجالس تدريس أشخاص مثل الميرزا مهدي الآشتياني والعلامة أبو الحسن الشعراني، أو حضور أشخاص مثل محمد كاظم عصار في جامعة طهران، لم يُولَ ملّا صدرا اهتماماً كبيراً، لأنه إذا كان من المقرر أن تُدرَّس الفلسفة المسماة إسلامية في الحوزة العلمية أو الجامعة، فإن الاحتياط كان لا يزال يقتضي تدريس ابن سينا. كانت فلسفة ملّا صدرا تُقيَّم بأنها مضرة بالفلسفة من جهة وبالدين من جهة أخرى. شخص مثل محمد كاظم عصار، الذي تعلم على يد والده الذي كتب تفسيراً على شرح المنظومة للحاج ملا هادي، وبدراسته أيضاً في حوزتي طهران وأصفهان، كان قد أتقن الحكمة الإشراقية والحكمة الصدرائية وعرفان ابن عربي، وكان يُتوقع منه أن يُظهر اهتماماً أكاديمياً كبيراً بملّا صدرا وترويج أفكاره. ومع كل هذا، فمنذ تأسيس أو إحياء حوزة قم العلمية وتأسيس جامعة طهران وحتى أواخر عقد 1330، لم يُولَ ملّا صدرا اهتمام كبير. كان كل من المتفلسفين والمتشرعين يفضلون أن تبقى الفلسفة الرسمية هي الفلسفة المشائية السينوية.
10) شيئًا فشيئًا، تقبّل البعض في هذا السياق إمكانية الاستفادة من المعارف الدينية والتعاليم العرفانية والحكمة الذوقية والإشراقية وإدخالها في الفلسفة وممارسة التفلسف، والارتقاء بالفلسفة، وبالتحديد الفلسفة الإسلامية الشيعية. مال هؤلاء إلى شيخ الإشراق وإلى الملا صدرا بشكل خاص، وفي أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، تحولت المجالس شبه الخاصة لتدريس الحكمة الصدرائية التي كان محورها أشخاص كالعلامة محمد حسين الطباطبائي إلى دروس صفية، ومع دخول شخصيات مثل هنري كوربين وخريجين جدد مثل داريوش شايغان وسيد حسين نصر - على خلفية تشكل موجة «العودة إلى الذات» والاهتمام «بما كان يملكه المرء ذاته» - ازداد الاهتمام بالسهروردي والملا صدرا، ليُظهر خصوصًا للغربيين والليبراليين والماركسيين المؤمنين بالغرب أن تقليد التفلسف الإسلامي يمتلك، علاوة على ابن سينا، تيارات قوية أخرى يمكن طرحها كبديل للفلسفات الغربية. لا مجال هنا لبحث هذا الموضوع.
11) بعد الثورة، ازداد الاهتمام بالملا صدرا، لا سيما وأن قائد الثورة كان قد أبدى سابقًا اهتمامًا بالملا صدرا وبتقليد العرفان الفلسفي من نمط مدرسة ابن عربي، وأشار إلى خياره المفضل من خلال عبارة «وما أدراك ما ابن عربي» والاهتمام بالملا صدرا، في مواجهة المتشرعة المناهضين للفلسفة أو اللاجئين تحت مظلة ابن سينا، وفي مواجهة العالم الغربي الليبرالي التجريبي أو الماركسي. على أي حال، شهدنا بعد الثورة اهتمامًا بالغًا بالملا صدرا في الحوزة والجامعة والفضاء العام، ونُشرت عشرات الكتب ومئات الأطروحات والرسائل وآلاف المقالات على مستويات مختلفة ترويجية وعلمية-بحثية حول الملا صدرا، وهذا اليوم الذي تجرون فيه هذا الحوار معي قد سُمي بيوم تكريمه، وإن كان للسلطة السياسية دورها في هذا الأمر بالطبع.
بالنظر إلى ما قلته، يمكنني أن أضيف في الخلاصة أنه، في رأيي، لم يحن الوقت المناسب بعد لنتمكن من الحكم فيما إذا كانت الفلسفة والنظرة الصدرائية قادرة على أن تتحول إلى تيار يستطيع تبرير نفسه وإقناع منتقديه بأنه كان مجازًا في المزج بين المنهج العقلي والمنهج الإشراقي والتوجه نحو العرفان والقرآن والحديث، وهل استطاع في موازنة التكلفة والفائدة أن يحقق نفعًا أكبر للفلسفة أم لا؟ هل استطاع حقًا أن يقتبس مفاهيم ومناهج وتعاليم من مجالات معرفية غير عقلية وغير فلسفية، وأن يجد الحلقات المفقودة في الفلسفة، وأن يتمكن من تقديمها بشكل أفضل وأكثر اتساقًا من التقليد المشائي، وبقدرة أكبر على الإجابة عن بعض المسائل المطروحة في مجال الفلسفة؟
للأسف، لا يُقرأ الملا صدرا - وحتى ابن سينا والسهروردي وغيرهم ممن يُعتبرون فلاسفة أو حكماء مؤسسين - بشكل عميق في الجامعات. لا أريد الإشارة في هذا الصدد إلى الحوزات العلمية لأنني أقل اطلاعًا على أوضاعها الداخلية. لكن يُتوقع في الفضاء العام أن نشهد طرحًا أعمق لموضوعات الفلسفة المسماة إسلامية، وبشكل خاص موضوعات الحكمة الصدرائية في مواجهة وتفاعل مع التيار الديناميكي للفلسفة الغربية في تجلياتها المتنوعة. ورغم أننا نشهد كمًا هائلاً من الأطروحات والرسائل والكتب والمقالات، إلا أن معظمها يفتقر إلى القيمة، ولم يُكتب إلا لرفع التكليف والحصول على شهادة جامعية أو للترقية والارتقاء العلمي لأعضاء الهيئة العلمية. منذ بضع سنوات، أُنشئت في الجامعات كراسي للنقد وكراسي للتنظير، وهي في الغالب صورية وقائمة إلى حد ما على الإكراه كسبيل للحصول على الترقية والارتقاء، وكانت في الأصل كاريكاتيرات للنقد أو التنظير، ولم يبدِ الباحثون الجادون أي اهتمام بها.
لأسباب ودواعٍ شتى، سوق النقد الفلسفي الجاد في بلدنا، إن لم تكن مغلقة أو معطلة، فهي قليلة الرواج للغاية. من لوازم القراءة الجادة لأعمال شخص كالملا صدرا وجود طباعة نقدية جيدة، ووجود شروح وتفاسير جيدة، ومعرفة اللغة العربية أو وجود ترجمات فارسية جيدة. معظم الطلاب الذين يتناولون أعمال الملا صدرا غير قادرين على الاستفادة اللازمة والكافية منها. يمكن القول إن وضع الحوزة في مجال التعليم الفلسفي ربما يكون أفضل من ناحية قراءة النص. أما وضع الجامعة، على حد علمي، فهو كارثي حقًا. يمكن بسهولة ملاحظة وجود قراءة سطحية للفلسفة والفلاسفة، والهدف هو فقط اجتياز المرحلة الدراسية والحصول على شهادة أو كتابة مقالة لمجلة ما بمعايير علمية غير صارمة جدًا.
في ظل هذه الأوضاع، لا يمكن بطبيعة الحال توقع ظهور تيارات نقدية حديثة تستطيع، من موقع النقد أو التوسيع، أن تستفيد من التراث الصدرائي على نحو جيد، وأن تتعرف جيداً على إنجازات ملّا صدرا من حيث نقاط الضعف ونقاط القوة، وأن تبلغ آفاقاً جديدة في نقدها أو توسيعها.
سؤال. من الهوامش التي تُطرح حول ملّا صدرا أن الماسونية والوهابية قد خرجتا من صلب نظامه الفلسفي. ما رأيكم في هذا الشأن؟
جواب. لا أعلم أين قرأتم أو سمعتم مثل هذه الأمور. دون أن أرغب في الخوض في مدى صحة فهم مخالفي ملّا صدرا لأعماله، ينبغي أن أقول إنه في زمانه وبعد وفاته كان هدفاً لهجمات وتخطئة متنوعة من جهات عدة:
1) من جانب المتشرعة والفقهاء الذين كانوا يعارضون الفلسفة جملةً وتفصيلاً؛
2) من جانب المتكلمين الذين كانوا يرون دور الفلسفة في منظومة ملّا صدرا الفكرية دوراً بارزاً؛
3) من جانب العقلانيين الذين كانوا يعارضون الاستفادة من النقل؛
4) من جانب الفلاسفة المناصرين لابن سينا الذين لم يستسيغوا مزجه الفكري بالعناصر الإشراقية والعرفانية واللاهوتية؛
5) من جانب النصّيين الذين كانوا يعارضون تفسيره، وخصوصاً تأويله، للقرآن والأحاديث، على خلاف ما كان يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث؛
6) من جانب الذين كانوا يعتبرون ملّا صدرا مناصراً للعرفان ويرون أن نظرته وأفكاره مضرة بالدين؛
7) من جانب المتصوفة الذين لم يكونوا فقط معارضين لوجود عناصر من العقل والنقل في آثار ملّا صدرا، بل كانوا أيضاً لا يستسيغون نقده لعدم اتباعهم الشريعة.
والآن، وفيما يتصل بسؤالكم، أعرض النقاط التالية.
1) بشأن العلاقة بين فكر ملّا صدرا والماسونية، ينبغي أن أقول إني لا أرى أية علاقة. الماسونية في الأصل تيار أوروبي، إنكليزي وفرنسي بشكل رئيسي، وقد دخل بالطبع إلى بلدان أخرى. صعود قوتها في أوروبا ودخولها إلى إيران حدثا بعد وفاة ملّا صدرا. إذا اعتبرنا دخولها إلى إيران مع ميرزا ملكم خان ناظم الدولة وتأسيسه للفراموشخانه في عام 1275 أو 1276 هجري قمري، فإن هذا الزمان يبعد حوالي 230 سنة عن وفاة ملّا صدرا. من المستبعد أن يقول أحد إن ملّا صدرا كانت له في فترة حياته، مثلاً في أصفهان أو في كهك أو في شيراز أو في أسفاره السبعة إلى مكة، علاقة سرية مع أجانب، أو كانت له صلة بجمعيات أخوية في إيران ومكة كان أعضاؤها ينتمون إلى جمعيات تبين لاحقاً أن المحافل الماسونية اللاحقة نشأت من بينها. قد يقول قائل إن فلاناً من المهتمين بملّا صدرا وأفكاره كان عضواً في محفل ماسوني ما. إذا طُرح مثل هذا الادعاء وكان صحيحاً، فلا علاقة له بملّا صدرا البتة.
2) وفيما يتعلق بعلاقة فكر الملا صدرا بالوهابية، ينبغي أن أنكر أي علاقة بينهما. بطبيعة الحال، ظهرت الوهابية في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أي بعد نحو مئة عام من وفاة الملا صدرا، ولقيت قبولاً لدى آل سعود. ونعلم أن محمد بن عبد الوهاب أسس الوهابية استناداً إلى أفكار ابن تيمية الذي عاش قبل الملا صدرا بنحو 300 عام، وكان متكلماً ومفسراً ومحدثاً وفقيهًا ومفتياً حنبلياً معروفاً بلقب شيخ الإسلام. وإذا أمكن إيجاد قاسم مشترك بين ابن تيمية والملا صدرا، فهو الغيرة الدينية والاهتمام البالغ بالقرآن والحديث. غير أن ابن تيمية كان أولاً شديد العداء للشيعة وللإيرانيين وللفرس، وكان يرى التشيع كفراً والشيعة أعداءً في الداخل بل أسوأ من الصليبيين والمغول. وكان يعتبر أي تفسير يخالف ظاهر الآيات والأحاديث تأويلاً ويرفضه. وعليه، فإن مضمون الغيرة الدينية والاهتمام بالقرآن والحديث عنده وعند الملا صدرا مختلفان تماماً. لقد أثنى كثيرون، كابن حجر العسقلاني والسيوطي، على غيرة ابن تيمية الدينية وحياته البسيطة وزهده وعدم اكتراثه بالمناصب الدنيوية واشتغاله الدائم بالعبادة وقيامه وفتواه في وجه غازان خان المغولي. وكان شديد المعارضة لمعتقدات الشيعة بشأن أئمتهم وأمور كزيارة قبورهم. وبالمقابل، كان كبار الشيعة يرونه منحرفاً ويذمونه بشدة.
وبشكل عام، لم يتأثر الملا صدرا بابن تيمية، ولم يتأثر محمد بن عبد الوهاب بالملا صدرا. ومن المقبول أن بعض معارضي أفكار الملا صدرا قاموا لاحقاً، دون أي شعور بالمسؤولية، بنفي الملا صدرا بهراوة الوهابية، دون أن يكون لديهم أي مستمسك استدلالي وعقلاني لذلك، كما شهدنا في العصر الحديث اتهام معارضي بعض المسلمين المناضلين من قبل خصومهم داخل الدين بالوهابية، بل وبالبابية والبهائية والبلشفية وغيرها.
3) إذا اعتبرت سؤالكم عن علاقة فلسفة الملا صدرا لا بالوهابية بل بالبابية أو البهائية، فينبغي أن أقول في هذا الصدد أيضاً إنه لا توجد، حسب فهمي، أية علاقة بينها. إن المغامرة الفكرية لبعض الأفراد الذين قالوا أو سمعوا بذلك ربما تأثرت بالصلة الفكرية بين الباب والبهاء والشيخية عبر السيد كاظم الرشتي، والصلة الفكرية بين الشيخ أحمد الأحسائي والملا صدرا. وإذا كان هذا هو المقصود، فيجب القول أولاً إن الشيخية شيعة اثنا عشرية؛ وثانياً إن مجرد تأثر الشخص A بالشخص E، مثلاً عبر سلسلة A و B و C و D ... و E، لا يكفي لاعتبار E تابعاً لـ A. ينبغي الانتباه إلى كم وكيف التأثر. إن تأثير الملا صدرا على الشيخ أحمد، كماً وكيفاً، أقل بكثير من تأثيره على أشخاص مثل الحاج ملا هادي السبزواري والملا علي النوري وآقا علي المدرس. وحتى تأثير أفكار الشيخ أحمد على الباب والبهاء ليس كبيراً جداً.
على أية حال، إن اتهام تأثير أفكار الملا صدرا على الوهابية أو البابية أو البهائية هو اتهام لا أساس له من الصحة وكاذب تماماً، ويصدر عن أفراد جهلة و/أو مغرضين بهدف تخطئة أنصار الملا صدرا وإخراجهم من الميدان، لأي سبب كان، وهو أمر لا يتسع له مجال هذا الحوار لمزيد من البحث في أسبابه ودواعيه. وفيما يتعلق بالملا صدرا وأي مفكر آخر، ينبغي القول إنه مع طرح الأفكار الجديدة في أي مجتمع، تظهر دوماً، بحسب كم وكيف الجدة، تلقیات مختلفة من قبل المؤيدين والمعارضين، وهي ناتجة إلى حد كبير عن الإمكانات الجديدة ونشوء التصورات والتفسيرات الكلية غير التقليدية لتلك الابتكارات. لقد طُرحت أفكار الملا صدرا في سياق فكري-سياسي خاص كانت توجد فيه نزاعات وصراعات فقهية وكلامية وسياسية قديمة، بين أهل السنة وأهل التشيع بشكل عام، وبين مختلف التيارات داخل التشيع بشكل خاص، ولعل أهمها كان يدور حول محوري الإمامة والعدالة الرئيسيين، مما ولّد نقاشات كلية وجزئية مهمة حول الخلافة والإمامة وخصائص الإمام والمباحث المتعلقة بالإمام الزمان، والتي كانت دوماً تتطلع إلى السلطة السياسية والقيادة الروحية.
كان من الممكن أن تؤدي هذه النقاشات إلى خلق تعارض مع المؤسسات التقليدية التي طورت تعاليم معينة على مدى مئات السنين وأضفت عليها طابعاً رسمياً. وفي هذا الإطار أو على هذه الخلفية، من المحتمل أن يطرح البعض فكرة إمكانية وجود تفاسير لمباحث ملّا صدرا تفتح عملياً فضاءً لطرح مباحث وتيارات أخرى. وهذا الأمر نفسه يحمل جاذبية ونفوراً معاً، ويؤدي إلى موافقات ومعارضات مع أنواع من الأضرار المحتملة على الجبهتين، مما يستدعي بحثاً مستوفى يترك لفرصة محتملة أخرى.
سؤال. في الختام، ما هي برأيكم أهم إنجازات ملّا صدرا في مجال الفلسفة والحكمة؟
جواب. قبل كل شيء، يجب أن أقول إن مجرد جرأة ملّا صدرا في السعي لتجاوز التقاليد القائمة في منظومات الاعتقاد المدّعية للمعرفة كالفلسفة وعلم الكلام والعرفان هي جديرة بالثناء بحد ذاتها، وكان لازمها الصدام الفكري مع التيارات السائدة في المجتمع ودفع تكاليف متنوعة ذات صلة على مستويات مختلفة من الحياة الفردية والاجتماعية والنفسية والروحية.
وبصرف النظر عن هذه الجرأة للمعرفة والسير عكس التيار المعتاد، فإن إنجازاته الفكرية مهمة على أية حال، بل إن بعضها بالغ الأهمية. وبالطبع، كما قلت، إنه لم يتناول المنطق والرياضيات والطبيعيات، ولم يكن له إنجاز في هذه المجالات، وهذا بالطبع نقص فيه بوصفه فيلسوفاً صاحب نسق، لن نتطرق إليه هنا. وإذا كان الحديث عن الفلسفة بمعنى طرح المسائل وحلها بناءً على العقل والاستدلال العقلي المتحرر من أي مصدر معرفي خارج نطاق العقل، فكما قلت ربما كان من الأفضل استخدام عنوان الحكمة لها، رغم أن لديه أيضاً العديد من المباحث الفلسفية الخالصة.
يرتكز، بوصفه مابعدطبيعياً، على الوجود أو الكينونة، مما أدى به إلى كشف أو ابتكار أصالة الوجود ووحدة الوجود والتشكيك في الوجود. وهذا المذهب ثلاثي الأوجه يحتل المركز أو القمة أو المحور في منظومته الحكمية أو حتى الفلسفية. وبالنظر إلى أهم تعريف تقليدي للمابعدطبيعة بوصفها "العلم بالوجود بما هو وجود"، يمكن اعتبار موضوعات كأصالة الوجود ووحدة الوجود والتشكيك في الوجود مابعدطبيعية أي فلسفية. والمشكلة تكمن في استفادة ملّا صدرا من المنهجية والمعرفية الدينية في هذا المجال. وبصرف النظر عن هذه الاستفادة من العناصر غير الفلسفية، فإن موضوع أصالة الوجود ووحدته والتشكيك فيه في الأنطولوجيا الصدرائية يتمتع بقابليات كثيرة في النقاش حول أنحاء الوجود، وتساوق الوجود مع العلم والقدرة والحياة، والزمان، والمكان، والحركة، والجوهر، والعلية، والوجوب والإمكان، والماهية ومنشأ النفس، والوجود الذهني، والمعرفة (أو العلم بالمعنى العام)، ووجود الإنسان في المدى من المبدأ إلى المعاد. إنها لأنطولوجيا شاملة كهذه تشمل من الله إلى النفس الإنسانية وحركات المادة، وتُطرح فيها قواعد مثل "بسيط الحقيقة كل الأشياء" و"النفس في وحدتها كل القوى"، ونظريات مثل "جسمانية الحدوث وروحانية البقاء" و"الحركة الجوهرية"، والتي حتى لو لم نقبل بها، لا يمكننا أن نتجاهل كونها ذكية وطاقتها المدهشة في مواجهة الكثير من المنافسين والبدائل.
إن العديد من المفاهيم أو المذاهب الأنطولوجية، وكذلك الصلة أو التطابق بين الجوهر والحركة والزمان كما يُرى في هذه الميتافيزيقا، ملهمة جداً للمابعدطبيعات المناظرة لأهم مباحث الكوسمولوجيا الفيزيائية الجديدة المتعلقة بمنشأ أو ظهور أو بداية العالم المادي الزمانية. لقد استطاع ملّا صدرا، بالارتباط مع الأنطولوجيا نفسها، أن يبلغ معرفيةً ينتج عنها الوجود الذهني واتحاد العقل والعاقل والمعقول أو اتحاد العلم والعالم والمعلوم.
كل هذا ظهر مترابطاً بوصفه نسقاً حكمياً متكاملاً وقوياً، يمنح النسق الحكمي أو الفلسفي لملّا صدرا شمولية وكمالاً ووحدة بالغة الأهمية. فبمفاهيم هذا النسق وتعاليمه ذات الصلة، نستطيع أن نحصل على تحليلات وشروح وتفاسير، بل وحلول لمسائل لا نستطيع معالجتها بالنظرة القائمة على أصالة الماهية، أو حتى بالميتافيزيقا السابقة برمتها. لذلك فإن ملّا صدرا، بحق، وضمن إطار ما سُمّي بالفلسفة الإسلامية أو الفلسفة في العالم الإسلامي، مع صبغته من المعارف والتعاليم الدينية الإسلامية، هو مؤسس كبير، وتتمتع أجزاء كثيرة ومتنوعة من أنطولوجيته بأهمية بالغة. وبالطبع، ينبغي أن تُقرأ أعماله الفلسفية في جوانبها المختلفة والديناميكية بدقة، وتُنقد، وتُقيَّم، وتُكتشف قدراتها في مواجهة بعض المسائل الميتافيزيقية، وتُوظَّف.
من الواضح أنه بسبب امتزاج منهجيات غير عقلية ومعرفيات غير فلسفية محضة بمنهجيات ومعرفيات كلامية-دينية وعرفانية، توجد عوائق في طريق الاقتراب من حكمته ونقدها وتقييمها. فمن جهة، لهذا النقد والتقييم صعوباته وتدقيقاته ونقاطه الدقيقة الخاطئة الخاصة به، ومن جهة أخرى، فإن وجود العناصر الكلامية-الدينية والعرفانية في هذه الحكمة قد أضفى عليها حالة من القداسة أو الجزمية، جعلت البعض يتصورون أنه إذا ما نُقدت هذه الحكمة، فقد يؤدي نقدها إلى نقد الدين ونقد العرفان. على أية حال، ينبغي أن نسمح، في جو هادئ وبعيد عن التعصب، للأرواح المتشوقة والباحثة، وعلى ضوء النظرة النقدية والتقييمية، أن تقرأ هذه الفلسفة في كليتها وأجزائها، وتدرك نقاط قوتها وضعفها.
أحد السبل لإدراك نقاط ضعف وقوة هذه الحكمة أو الفلسفة هو إشراكها في المسائل المطروحة في فلسفات أخرى في الغرب والشرق والشمال والجنوب، أي في الثقافات الفلسفية الأخرى من جهة، ومواجهتها بالتيارات الفلسفية المهمة في العالم (كفلسفتي سبينوزا ولايبنتس مثلاً) من جهة أخرى، وذلك على نحو تُفحص فيه قدرة تلك الفلسفات على حل المسائل المختلفة ذات الصلة بشكل مقارن، وتُفحص إمكانية تفاعلها، وفي حال وجود هكذا إمكانية، تُستخدم في البرامج البحثية الفلسفية ذات العلاقة. للأسف، ما يُسمى بـ«الفلسفة المقارنة» في بعض جامعاتنا على مستوى الدكتوراه ليس سوى كاريكاتير لـ«الفلسفة المقارنة» الحقة. لقد كان لدينا ولا يزال لدينا، أساساً، عدد قليل من الأساتذة والطلبة المقتدرين في هذا المجال.
ينبغي أن يبرز إلى الساحة أفراد يقرؤون تراث ملّا صدرا بشكل صحيح، وبتعمق، وبالتعاطف اللازم من أجل الفهم الصحيح من جهة، وبنظرة نقدية من أجل التقييم الدقيق من جهة أخرى. لكن من الضروري، في الوقت نفسه، الإلمام ببعض الفلسفات الديناميكية الأخرى في العالم، كي نتمكن من دفع تراث ملّا صدرا إلى التفاعل والتعامل والمواجهة المثمرة مع تلك الفلسفات. على الأقل، في التقليد الإسلامي نفسه، عُرفت فائدة نقد المتكلمين والمشككين كالإمام فخر الرازي. من المؤلم أنه في بلدنا، ومنذ زمن ملّا صدرا، لم يظهر أحد في قامته، تماماً كما لم تشهد أجزاء أخرى من العالم الإسلامي أحداً في قامة ابن رشد. إذا كان ابن رشد وملّا صدرا مؤسسين بالمعنى الحقيقي للكلمة، فلماذا لم يظهر مؤسس آخر بعدهما؟ هذا الأمر يتطلب بالطبع تشخيصاً دقيقاً وشاملاً للعلل. إذا كان من المقرر أن ترتبط ممارسة الفلسفة في بلدنا بالفلسفة العالمية، وينشأ بينهما حوار جاد، فلا بد من أن تُشمَّر سواعد الهمة من قبل الأرواح المتلهفة والمولعة في سبيل زيادة الإلمام بتراث كالحكمة الصدرائية وكذلك بالفلسفة العالمية، وأن يبذل دارسو الفلسفة العميقو التفكير جهداً جاداً، لا عن تلهٍّ أو أمل في الحصول على شهادة وترقية أكاديمية، بل شوقاً لطلب الحقيقة، في تشريح التراث الموجود وإعادة قراءة أركانه وعناصره والعلاقات بين العناصر وقدراتها الظاهرة والخفية بدقة. أنا على يقين من أن ملّا صدرا، في تلك الحال، سيحظى بمكانة أرفع، على الرغم من الانتقادات الموجهة إلى منهجيته ومعرفيته من الموقف الفلسفي القائم على العقل المحض.
لذا، في خلاصتي النهائية، ينبغي أن أقول إنّ ملّا صدرا، في استفادته من الآراء الفلسفية والكلامية والتعاليم العرفانية والمعارف القرآنية والحديثية للمفكرين السابقين وتأمّله فيها، وبهدف إقامة صلة بينها في قالب واحد أُطلق عليه اسم «الحكمة المتعالية»، قد ترك من ورائه إرثاً فكرياً يمكننا، من منظور كلي شامل، أن نذكرَه - مع كل الانتقادات الموجّهة إلى منهجيته وإبستيمولوجيته - بوصفه مؤسِّساً ومبدِعاً لتيار فلسفي أو حكمي جديد في العالم الإسلامي، ذي إمكانيات كبيرة في حلّ بعض المسائل الأنطولوجية والإبستيمولوجية، حتى إنّ إرثه يمتلك القدرة على مواجهة بعض المسائل الجديدة والتفاعل مع بعض التيارات الفلسفية الغربية.

الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.