اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
خلق ميرشمس الدين أديب سلطاني، بترجمته لكتاب «نقد العقل الخالص» وابتكاره لمكافئات جديدة من الجذور الفارسية، أسلوبًا فريدًا في الفلسفة الإيرانية؛ ويتناول موسى أكرمي، في حوار، السيرة العلمية وإرث هذا الباحث الفلسفي الشهير.

مير شمس الدين أديب سلطاني، الطبيب واللغوي والمترجم والكاتب والرسام والمحرر والباحث الفلسفي الشهير، ودّع الحياة الفانية صباح الخميس 20 مهر 1402، عن عمر يناهز 92 عاماً في مستشفى إيرانشهر. هو الذي كان يتقن الإنجليزية والألمانية والفرنسية واليونانية القديمة والعربية والإيطالية والروسية والعبرية والأرمنية واللاتينية والبهلوية والأفستية والفارسية الوسطى والقديمة، اقترح على الإيرانيين لأول مرة، بترجمته لكتاب «نقد العقل المحض»، أسلوباً متميزاً في ترجمة النصوص الفلسفية؛ طريقة فريدة سعى فيها إلى نحت مكافئات جديدة لبعض المفاهيم الفلسفية باستخدام طاقات اللغة الفارسية القديمة والالتفات إلى أصل الكلمات. كانت ردود الفعل تجاه هذا الابتكار البحثي متباينة. اعتبر البعض عدم شيوعه دليلاً واضحاً على عدم إقبال الجمهور على هذا الجهد العظيم وبالتالي عدم جدواه. وكان هناك من أطلق ألسنته بالطعن والتلميح، ولم يروا في تفضيل تشنيك على تكنيك، وتراداد على سنت، ونغيراي على إنكار، وهمدوسش على إلصاق، وآرويني على تجريبي، ومتاغيتيك على مابعدالطبيعة، ودويمتشغويك على ديالكتيك، وشايد شوش نيرومند على احتمال قوي، وبرهون على دائرة، سوى خلق لغة مصطنعة أسماها البعض «أديبمعانيك». غير أن آخرين أثنوا على دقة أديب سلطاني الفائقة في اختيار المكافئات وعلى مشروعه برمته، ووصفوا تجربته الفريدة بالعمل الجبار الذي لا مناص للغة الفارسية من السير في دربه كي تتحول إلى لغة فلسفية قادرة على استيعاب مفاهيم حقل المعرفة هذا. لزم أديب سلطاني الصمت إزاء جل الانتقادات، غير أن إرثه صار الآن أمامنا متمثلاً في ترجمة «نقد العقل المحض» لكانط، و«المقالات الفلسفية» لراسل، و«رسالة منطقية فلسفية» لفيتغنشتاين، و«أكون أو لا أكون» و«مأساة الملك ريتشارد الثالث» لشكسبير. بمناسبة وفاته، جلسنا إلى موسى أكرمي، أستاذ فلسفة العلم الذي يضطلع أيضاً بأعمال الترجمة، لنتحدث عن السجل العلمي لواحد من أبرز نوابغ إيران المعاصرين العلميين، الذي لعل الدهر لا يلد مثله في قرون، وكان كنزاً في زاوية وهادياً بلا سالكين. كما حدثنا حميد رضا رحماني زاده دهكردي، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة العلامة الطباطبائي، عن أخلاقيات أديب سلطاني العلمية وشخصيته الخاصة التي جعلته يكرس نفسه، بكل هذا العشق، عقوداً لطلب العلم ونشره.
كان الطريق الذي مهده هو الالتفات إلى فلسفة الترجمة وتحويل الترجمة إلى فن بالغ الدقة، لخلق النص الأصلي في اللغة الهدف، مع الإخلاص للنص الأصلي.
قبل از انقلاب نام ایشان را به عنوان شخصی بسیار فاضل و معتبر شنیدم که در مؤسسه فرانکلین مشغول به کار ویراستاری است. از همان آغاز در ذهنم یک نوع شکوه نام کوچک و نام خانوادگیاش با تصوری که از فرهیختگیاش پدید آمده بود گره خورد. پس از انقلاب، در سال 1359، از او کتابی تالیفی درباره پوزیتیویسم منطقی، با عنوان «رساله وین: بازنمود و سنجش مکتب فلسفی تحصلگروی منطقی یا آروینگروی منطقی حلقۀ وین» از سوی «مرکز مطالعات ایرانی فرهنگها» منتشر شد که من در اولین فرصت آن را خریدم و خواندم و شگفتزده شدم. آن کتاب همچون یک صخرۀ سخت یا کندن یک کتیبۀ دشوار بر یک صخرۀ سخت به نظر آمد و کاملاً آشکار بود که با یک فلسفهورز دشوار با اندیشۀ استوار روبهرویم. آن کتاب که «رساله» خوانده شده بود (با طنبن این واژه در سنت ادبیات فلسفی خودمان و معادلهائی چون tractatus و treatise در سنت غربی) با حجم کم خود (حدود 200 صفحه) ابهتی داشت ولی در فضای آن زمان چندان بازتابی مگر نزد فلسفهدوستان و فلسفهپژوهان حرفهیی نیافت. در سال 1362 بود که انتشار ترجمۀ ادیبسلطانی از کتاب ایمانوئل کانت، با نام «سنجش خرد ناب»، همانند پیدا شدن یک ستارۀ بس درخشان در آسمان تیرۀ فرهنگ و نشر بود. چاپ این کتاب جدا از اهمیت فلسفی خود اثر اصلی، در ترجمه و حتی حروفچینی و صفحهآرایی بسیار جلب نظر میکرد. ادیبسلطانی مقدمهای شگفتانگیز، آمیزهای از دانش فلسفی و زبانی و ذوقورزیهای گوناگون، بر آن نوشته بود و اینها همه نشان میداد که ما با پدیدهای شگفتانگیز در ترجمه و چاپ کتاب، و با مترجمی فلسفهورز و زباندان و زبانشناس، روبهییم. سال بعد ادیب سلطانی کتاب جُستارهای فلسفی برتراند راسل را منشر کرد که صرفنظر از محتوای خود اثر و ترجمۀ عالی آن، دارای پانوشتهای مهم در تحلیل اصطلاحات و چرایی گزینش معادل یا واژهسازی بود. سپس در سال 1365 کتاب شگفتانگیز «راهنمای آماده ساختن کتاب: برای مؤلّفان، مترجمان، ویراستاران، کتابداران، ناشران، چاپخانهها و دوستداران کتاب» منتشر شد که نشاندهندۀ دانش یک مؤلف پهلوان در شناخت ماهیت کتاب، و چگونگی عرضهداشت آن به مخاطبان، در چارچوب بالاترین استانداردهای نشر و ابتکارات ذوقی، چه در بارۀ محتوا و چه در بارۀ شکل، بود. فکر میکنم کتاب بعدی رسالۀ منطقی-فلسفی ویتگنشتاین بود که در اوایل دهۀ هفتاد منتشر شد که خود رویداد مهم فلسفی و زبانی در کشور بود. ترجمۀ منطق ارسطو، همان «ارگانون»،اتفاق بس مبارکی بود که برای نخستین بار از متن یونانی با یادداشتهای بس مهم مترجم صورت گرفته و در سال 1378 منتشر شد. احتمالاً در اواخر دهۀ هفتاد بود که نمایشنامه تراژیک یا سوگنمایش مهم هملت شکسپیر منتشر شد و بلافاصله پس از آن کتابی از هیلبرت و اکرمان با عنوان «بنیادهای منطق نگریک» انتشار یافت. هر کتاب که ادیب سلطانی ترجمه کرد صرف نظر از اهمیت خود اثر، یک رویداد مهم در زبان فارسی و نفس انتشار کتاب در بالاترین سطح دقت و احساس مسئولیت برای عرضۀ متن به خواننده بود. افسوس که او علیرغم انتشار «راهنمای آماده ساختن کتاب» خود دیگر دست به تألیفی نزد هر چند نظارت و وسواسش در حروفچینی و صفحهآرایی نشان میداد که تا چه اندازه خود در آماده سازی کتاب به آن اصول پایبند است.
إذا تجاوزنا كتاب «سير الحكمة في أوروبا» لمحمد علي فروغي، و«استكشافات العقل النظري» للدكتور مهدي حائري يزدي، وبعض المؤلفات في الفلسفة السياسية للدكتور حميد عنايت، وكتاباً أو اثنين لمنوتشهر بزركمهر، لم يكن هناك تقريباً أي كتاب تأليفي فلسفي مهم باللغة الفارسية، لا سيما في الفلسفة الغربية. كان هذا الكتاب يُظهر أن المؤلف على إحاطة تامة بالمصادر الأولية اللازمة وبموضوعات مثل كيفية تشكل الوضعية المنطقية في حلقة فيينا، والمناخ الفكري لتلك الحقبة، وأنه يستخدم لغة خاصة ومفردات متفردة به، ويختلف اختلافاً كبيراً عن المشتغلين بالفلسفة في الأكاديميا، سواء في المعرفة أو في الالتزام بتقديم المباحث على أدق وجه ممكن. أتذكر أن المؤلف كان قد أورد في بداية الكتاب اقتباساً من أرسطو باللغة اليونانية، مع كلمة «آناكاويك» مقابل «analytics»، مما دلّ منذ البداية أننا أمام مؤلف صعب الكتابة ودقيق، متكلفٍ للفخامة والتبحر، كنت قد سمعت وصفه قبل الثورة واستقر في أفق ذهني بثبات. لقد عرض في هذا الكتاب لغة ومصطلحات ورؤية خاصة، اتضح لاحقاً أنه كان قد توصل إليها وثبتها في نفسه منذ ذلك الحين وما قبله. وفي قسم المصادر، كان قد أشار إلى ترجمته لكتاب «نقد العقل المحض»، وهو ما كان بشارة عظيمة، كما تبين لاحقاً أنه كان قد توصل إلى منهجه الفريد منذ سنين.
هذا صحيح. أولاً، يبدو أنه لم يذعن للأساليب والبيروقراطية المعتادة للتعليم والتعلم الجامعي. كان واضحاً أنه عقاب يحلق فوق القمم لكنه معتزل، غير أنه لم يجلس مكتوف الأيدي، بل كان منهمكاً في كيميائه الخاصة. وقد تجلى هذا الأمر بشكل خاص بترجمته لكتاب «نقد العقل المحض». هذا الكتاب بحد ذاته أثر عظيم لم يتصد له أحد، علماً أننا لم تكن لدينا أساساً ترجمة تُعتد بها لسائر الآثار الفلسفية الغربية الرئيسية، باستثناء ترجمات أعمال أفلاطون التي قام بها فروغي وكاوياني ولطفي وصناعي. والآن، كان هناك شخص قد دخل الميدان، لم يقتصر على ترجمة الكتاب من لغته الأصلية، بل كان جلياً أنه، مع إحاطته بالنص وتاريخ الفلسفة واللغة، قد أسس مذهباً فريداً في الترجمة لا يزال، بعد أربعين عاماً، حكراً عليه وحده. كانت المقدمة المطولة التي بلغت مئة صفحة لأديب سلطاني نموذجاً مذهلاً لضرورة اهتمام المترجم بما وراء النص وبين النصوص وبالنص نفسه، وهو نموذج نادراً ما يُرى نظيره حتى في اللغات الأوروبية نفسها عند ترجمة الآثار الكلاسيكية. وفي هذه المقدمة نفسها، كان لديه تقسيم خاص للفلسفة والفيلسوف، حيث قسم الفلاسفة أو الفلسفات إلى صنفين: بارد وساخن، وهو ما وجد تناظراً مذهلاً مع تقسيم الفلسفة إلى تحليلية وقارية. الفلسفة الباردة تتقدم بالعقل والمنطق والاستدلال خطوة بخطوة، أما الفلسفة الساخنة فتوظف العاطفة والإثارة وأسلوب الإقناع والحماسة والشعر. وإذا تجاوزنا المقدمة، فإن ترجمة الكتاب عن اللغة الألمانية كانت ولا تزال بالغة الأهمية في هذا السياق. في إيران، كانت ترجمات الآثار الفلسفية تتم غالباً عن الفرنسية أو الإنجليزية، لأن مترجمينا كانوا قد تلقوا تعليمهم بالدرجة الأولى بالفرنسية وبالدرجة الثانية بالإنجليزية. في مثل هذا المناخ، توجه أديب سلطاني مباشرة إلى اللغة الألمانية. أنا شخصياً، وقد كنت شديد الاهتمام بكانط قبل الثورة، توجهت إلى ترجمة نورمان كمب سميث لأهم أعماله، أي «نقد العقل المحض» هذا، وقرأته وشرعت في ترجمته. وعندما واجهت ترجمة أديب سلطاني عن النص الألماني وبهذه الجودة، كان من الطبيعي أن أذعن لترجمة أديب سلطاني وألا أسمح لنفسي يوماً أن أعرض بضاعتي إزاء بضاعته القيمة، وأن أقدم ترجمتي للناشر.
هذا صحيح. فقراءة ترجمة أديب سلطاني لا تزال تنطوي، حتى بالنسبة لي، ومع كل ولعي بكانط وأديب سلطاني وتدريسي لنص أديب سلطاني هذا في مرحلة الدكتوراه في الفلسفة العربية، على صعوبات. لذا فإن فهم هذه الترجمة يتطلب تمرساً ومراناً في لغة أديب سلطاني، إلى جانب الدقة في أصل المصطلحات (في الدرجة الأولى بالألمانية وفي الدرجة الثانية بإحدى اللغات الأوروبية المنتمية لنفس جذر اللغة الألمانية) حتى يمكن للمرء أن يألفها شيئاً فشيئاً. في هذه الترجمة، استعان أديب سلطاني، لصياغة الكلمات أو لانتقاء أجزاء من الكلمات المركبة، بلغات الفارسية الوسطى والبهلوية والأفستية. وبالطبع، فقد استُخدمت أيضاً كلمات عربية صعبة أحياناً. وهذا يربك إلى حد كبير ذهن القارئ الذي يطلب السهولة أو الذي اعتاد كلمات اللغة المعيارية. يمزج أديب سلطاني بين النقاء اللغوي المتطرف والعربية، وكل ذلك بالطبع في خدمة سعيه لنقل النص إلى الفارسية بأكبر قدر ممكن من الدقة، ولو كان ذلك على حساب الصعوبة في الكتابة التي تربك بشدة أذهان القراء العاديين.
نعم. في إطار اهتماماته الدائمة بالعدالة والاشتراكية، ألف أديب سلطاني كتاباً باللغة الإنجليزية ونشرته دار هرمس عام 1387 بعنوان The Question of the Left and Its Future: Notes of an Outlooker. لقد قرأت هذا الكتاب الذي يقع في نحو مئتي صفحة في جلسة واحدة استغرقت سبع أو ثماني ساعات لأنه مكتوب بأسلوب سلس للغاية. للكتاب نثر جميل ومضمون جدير بالقراءة من شخص انضم في الثانية عشرة من عمره إلى منظمة شباب حزب توده. وهنا، بين قوسين، أقول إنه بعد حوار مع الفقيد تقرر أن نقيم حفلاً للتعريف بهذا الكتاب ومراجعته ونقده. وفي عشية انعقاده، وتحت ملاحظاته الخاصة، عدل عن الحضور في الجلسة، وللأسف لم تُعقد الجلسة. وبالمقارنة مع سلاسة ذلك النص، فإن قراءة نص أديب سلطاني الفارسي صعبة. لعل اللغة الفارسية لم تبلغ بعد ذاك النضج اللائق لكتابة فلسفية متجانسة، ولا بد فيها من تمارين ومران. لعل الطريق هو طريق أديب سلطاني ذاته، وينبغي اعتباره أستاذاً بارزاً للمترجمين، ولا سيما مترجمي الأعمال الأدبية والفلسفية. إنه يعلم الترجمة ولغة الترجمة الخاصة للمترجمين الفلسفيين والأدبيين. يرى أشخاص مثل محمد رضا نيكفر أن لغة فلسفتنا المستقبلية هي لغة أديب سلطاني هذه. قد يكون هذا القول مبالغاً فيه بعض الشيء، لكن على أية حال، إذا كان للغتنا الفلسفية أن تصبح لغة قوية وغنية وتكتسب القدرة اللازمة لنقل العبء المعنوي للفلسفة الغربية والتفلسف في العصر الحالي والمستقبل، فعلينا أن نسير إلى حد ما في طريق كطريق أديب سلطاني. هذا لا يعني بالضرورة تقليده، لكن على أية حال يجب أن نزداد معرفة باللغة، وبطبيعة اللغة، وجذر اللغة، وقدرة اللغة، وممتلكات اللغة، وتاريخ اللغة. لكن آه، أحياناً يكون القارئ طالباً للسهولة، في حين أن اللغة المعيارية تعجز حقاً أحياناً عن نقل المفهوم. لكن القراء الذين اعتادوا اللغة المعيارية يجدون صعوبة مع لغة تفضل حتى الكلمات العربية على الكلمات الفارسية العادية.
أنا شخصياً في كتابي «مدخل إلى فلسفة علم الكون» حاولت استخدام كلمات فارسية. ولهذا اضطررت إلى تقديم مسرد في نهاية الكتاب هو في الأصل فارسي-عربي لأن القارئ أكثر ألفة بالكلمة العربية. كما أن أبا الريحان البيروني في كتابه «التفهيم» الذي كتبه باللغة الفارسية، أعدّ مسرداً يذكر فيه المكافئات العربية للكلمات الفارسية الأصيلة! ويقول البعض بالطبع إن اللغة الفارسية الرائجة اختلطت باللغة العربية، وإن العربية على مستوى المفردات، لا القواعد، جزء من لغتنا. وهذا أمر مقبول، لكن إذا قبلنا أنه لا بد للغة الفارسية يوماً ما أن تتحول إلى لغة فلسفية قوية، كما تحولت اللغة الألمانية بجهود أناس مثل هيغل إلى لغة فلسفية، فإننا مضطرون لسلوك الطريق نفسه الذي سلكه أديب سلطاني وآخرون وما زالوا يسلكونه. ربما ينبغي لنا في هذا الطريق أن نتحلى بمزيد من الصبر وأن نصنع مكافئات أفضل وأكثر عذوبة للأذن، بحيث مع مراعاة قوانين بناء الكلمة، تكون مقبولة نفسياً لدى المتلقي أيضاً. على أية حال، فإن عمل أديب سلطاني في التزامه التام بمنهجه المختار لا نظير له، رغم ما ينطوي عليه من صعوبات. وقد ترك بطبيعة الحال تأثيره الخاص إلى حد ما، حيث قبل الكثيرون أخيراً بأن علينا أن نولي اهتماماً متزايداً بالهوية التاريخية وتطور الكلمات والمفاهيم، وكذلك بالكلمات الفارسية وعلم أصول الكلمات.
يمكن الإشارة إلى نماذج في اختيار الكلمات أو توليدها لدى الأقدمين. في الماضي، أولى ابن سينا وأبو الريحان وحتى السهروردي وبابا أفضل وآخرون اهتماماً بالكتابة بالفارسية. وفي العصر الحديث أيضاً، اهتم أناس بتوليد الكلمات بالاستفادة من اللغة الفارسية، ويمكن على سبيل المثال الإشارة إلى الكلمات الفارسية لأحمد كسروي وآخرين، وحتى إلى كلمتي «درونذات» و«برونذات» لفروغي. لقد بيّنت الأكاديمية الأولى وجود نزعة منهجية مهمة في توليد الكلمات. ومن المؤسف أن تلك النزعة لم تتحول إلى تقليد، رغم أن أتباع وتلاميذ أعضاء تلك الأكاديمية أو المتوافقين معهم فكرياً أولوا التراث القديم اهتماماً. أولئك الذين تعاونوا مع دائرة المعارف لمصاحب أو إعداد المعجم العلمي لمنشورات الجيب والموسوعة متعددة المجلدات كانوا يمتلكون الرؤية نفسها. وآخرون مثل ذبيح بهروز ومحمد مقدم وكتّاب سلسلة «إيران كوده» كانت لديهم هذه الاهتمامات عينها. بل لقد كان لهم دور كبير في اختيار مصطلحات الجيش. للأسف، بعد الثورة لم يستطع معهد العلوم الإنسانية أن يفي بواجبات وأهداف أسلافه (أي نحو 12 مركزاً مثل مركز الدراسات الإيرانية للثقافات ومؤسسة ثقافة إيران وغيرها). وبالطبع كان عدد من تلاميذ وأتباع طريق أولئك العظماء مؤسسي تلك المراكز والمؤسسات حاضرين وبذلوا جهوداً، لكن الإرادة الغالبة على الأكاديمية والإدارات السياسية حالت دون استمرار ذلك الطريق والارتقاء بمستوى التوقع في البحث الثقافي واللغوي والتاريخي. ومن بين الأفراد غير المرتبطين بالمراكز والمؤسسات، كان نهج أديب سلطاني أكثر من نهج السالكين الآخرين التزاماً بالقيم اللغوية الأدبية والفلسفية والأدبية المنهجية التامة والشاملة. لاحقاً، تصرف المرحوم أحمد آرام في ترجمة كتاب «دليل طب الأسرة» بأمانة بالغة في توليد الكلمات. وكذلك مجموعة مكونة من أساتذة مثل الدكتور إبراهيم زاده والدكتور ديانتنژاد والدكتور فرهود والدكتور كرمي اتبعت النهج نفسه في معجمها لعلم الأحياء. إن لغة الطب وعلم الأحياء النباتي والحيواني متجذرة في اللغة اللاتينية التي تستفيد في توليد الكلمات من السوابق والدواخل واللواحق. في اللغة العربية، لا توجد إمكانية توليد الكلمات بطريقة اللغات المنبثقة عن اللاتينية لأن تلك اللغة تقوم على صرف الكلمات الثلاثية المجردة والرباعية المجردة في عدة أبواب. لكن في اللغة الفارسية التي تنتمي إلى اللغات الهندوأوروبية، توجد قابلية توليد الكلمات هذه الشبيهة باللاتينية. وفي الاستفادة من اللغة الفارسية، الدكتور مير جلال الدين كزازي مشهور في الآفاق. ويمكن تسمية آخرين أيضاً، لكن تناولهم يتطلب فرصة أخرى.
ليس هذا فحسب. إنه يدرك أن الكلمات، شأنها شأن الكائنات الحية، تمتلك شخصية وهوية وتاريخًا وعلاقات وتبادلات فيما بينها، ومن الضروري مراعاة هذه المقومات في الترجمة. لذا لا يمكن الاكتفاء بمجرد اختيار مقابلات للكلمات. هذا هو عمل الترجمة بالاعتماد على القاموس فحسب. يسعى أديب سلطاني، من خلال المباحث الاشتقاقية، إلى الانتباه إلى أصل الكلمة ومعانيها وقرابتها اللفظية مع كلمات أخرى ضمن تاريخ حي مترابط. على سبيل المثال، عند البحث عن مقابل لكلمة paradox، يحتج بأن «پارا» وردت بهذا المعنى تحديدًا في الفارسية القديمة، وبالنسبة لـ dox أو doxa التي تعني «عقيدة»، يمكن استخدام «دخش» فيكتب پارادخش بدلًا من پارادوکس. هذه المقابلات من جذر واحد في اللغتين، وهي دقيقة جدًا في نقل المعنى. هذا النوع من اختيار المقابلات أو صياغتها يتيح لنا، في الوقت نفسه، استخدام المكونات اللفظية لبناء كلمات أخرى من الأسرة اللفظية نفسها، ويجعل اللغة رشيقة، ويجنبنا التقليد المتعرب في لغتنا. يسعى أديب سلطاني في الترجمة، وعن حق، إلى التماثل الشكلي؛ تماثل في تقسيم الفقرات وبناء الجمل وصولًا إلى الكلمات. من وجهة نظره، حين يُختار مقابل ما، ينبغي استخدام المقابل نفسه في كامل النص، وأن تُستخدم مقابلات من الأسرة اللفظية نفسها في الفارسية لجميع الكلمات المنتمية إلى الأسرة اللفظية للكلمة الأصلية الأجنبية. هناك مترجمون يستخدمون لكلمة object في فقرة واحدة مقابلات متعددة مختلفة مثل موضوع، شيء، أوبژه... إلخ. لكن القارئ يجهل هذا الأمر. من الأفضل أن يستخدم المترجم دائمًا مقابلًا واحدًا لهذه الكلمة، وأن يستخدم للكلمات المنتمية إلى أسرة object مقابلات من الأسرة اللفظية للمقابل نفسه. مع ذلك، لم يظل أديب سلطاني وفيًا لهذا المنهج الصائب في بعض الأحيان.
نعم، أكثر دقة لكن أقل ألفة بعض الشيء. لنقل مقصود المؤلف بأكبر قدر ممكن من الدقة، يتعين على المرء أحيانًا أن يصوغ كلمة جديدة. أو أن يختار كلمة واحدة فقط من بين المترادفات. أنا شخصيًا أعتقد أن المترادفات لا تتمتع بترادف كامل مئة بالمئة. وهنا يتوجب على المترجم أو الكاتب أن ينتقي الكلمة من بين الكلمات الموجودة أو أن يلجأ إلى صوغ الكلمات بدقة وبراعة. إن صوغ الكلمات في إطار الالتزام بالتماثل الشكلي والإيمان بأن لا كلمة تسد مسد مرادفتها لهو أمر عسير حقًا ومفعم بالوسواس. أنا نفسي أحيانًا ما أقع في شرك هذا الوسواس وأضطر إلى اتخاذ خيار قد يكون صعبًا على القارئ. على سبيل المثال، بعد بحث مستفيض جدًا عن مكافئات كلمة evidence في اللغة الفارسية، ولكون بعضها يُستخدم مثلًا لكلمة warrant أيضًا، لجأت في النهاية، بالرجوع والإحالة إلى شاهنامه الفردوسي وبرهان قاطع وعدة معاجم أخرى، إلى اختيار كلمة "آوند" وشرحت أسبابي لعدم استخدامي لكلمات شاهد وقرينة وشواهد وبينة. وللاطلاع على أمثلة أخرى لهذا النوع من هواجس المترجم، يمكن الرجوع إلى كتاب "فرهنگ توصیفی فلسفۀ علم" الذي قمت بترجمته، ليرى المرء لماذا نضطر أحيانًا إلى تجاوز مستوى اللغة المعيارية وإزالة الألفة من ذهن القارئ وإشراكه في تحدٍ جاد مع شخصية الكلمة وهويتها وتاريخها. هذا ليس عداءً للعربية. بل هو إدراك بأن الكلمات المألوفة الموجودة في تراث لغتنا وأدبنا الفلسفي لا تمتلك القدرة اللازمة لحمل المعنى المقصود، أو أنها عاجزة في بنية الكلمات من نفس الأسرة كمكافئات للمصطلحات من نفس أسرة المصطلح الأصلي في لغة المصدر. في صوغ الكلمات أو انتقائها، تعد العودة إلى النصوص الفارسية، من القرن الرابع الهجري مثلًا، من الشاهنامه إلى دانشنامه علایی وآثار أبي الريحان وكتابات أبي سعيد أبي الخير، مفيدة للغاية، سواء في جرأتهم على استخدام كلمات غير مألوفة وإزالة الألفة من ذهن القارئ، أو في الكلمات التي اختاروها. علينا أن نستفيد من طاقة تلك الآثار. لطالما استمتعت بترجمات الراحل عباس زرياب خويي. لكنه، مثل كثيرين غيره، كان يهتم بنقل المفهوم أكثر من الأمانة للنص. هذا النوع من الترجمة، خاصة في الأعمال الفلسفية وحتى الأدبية، لا أستحسنه، وقد تعلمت هذا المنظور من عظماء أمثال أديب سلطاني. لقد كان، في إطار ذلك التماثل الشكلي الأقصى والدقة في اختيار المكافئات، مؤمنًا عن حق بالأمانة القصوى للنص. وبهذا المنظور، أعتقد أنه ينبغي ترجمة النص الفلسفي بحيث إذا ما قام شخص آخر بإعادة ترجمة ذلك النص المترجم من اللغة الهدف إلى لغة المصدر، فسنحصل على أكثر من تسعين بالمئة من النص الأصلي نفسه في لغة المصدر.
نعم. يمكن طرح أمثلة هنا. لكن اسمحوا لي أن أضرب مثلاً من تجربتي الشخصية. أنا الذي كنت منذ ما قبل الثورة منهمكاً في قراءة وترجمة كتاب «نقد العقل الخالص» لكانط من الترجمة الإنجليزية لنورمان كَمب-سميث، أدركت أكثر من ذي قبل أهمية انتقاء المكافئات للمصطلحات الكانطية. وبعد أن صدرت ترجمة أديب سلطاني، سررت كثيراً لأن شخصاً بكل تلك المعرفة في شتى المجالات ذات الصلة قد ترجم ذلك النص مباشرة من الألمانية إلى الفارسية. لاحقاً، وبسبب صعوبة قراءة ترجمته تلك، راودتني نفسي مراراً أن أكمل ترجمتي وأسلمها للناشر. لكن كان لدي سببان للامتناع: 1) أن أديب سلطاني، ذلك العَلَم الكبير والمثقف، قد ترجم هذا النص عن الألمانية، وكما يُقال، كانت بضاعتي إزاءه بضاعة مُزجاة بحيث لم يكن ينبغي أن أعرض ما لديّ إزاء عمله الجليل، 2) كان قد وُجّه نقد لكَمب-سميث بأنه ترجم نص كانط في الأجواء الوضعية السائدة في زمانه ترجمة وضعية للغاية. لاحقاً، حين صدرت ترجمة بول غاير وآلن وود عن منشورات كامبريدج، عادت صعوبة قراءة ترجمة أديب سلطاني على الطلاب لتغريني مرة أخرى بأن أستأذن أديب سلطاني نفسه في مطابقة ترجمتي مع ترجمة غاير ووود وتجهيزها للنشر. وذلك الإنسان الجليل، بأدبه وتواضعه وثقافته الفريدة، شجعني على هذا العمل. على أية حال، إن انتقاء المصطلح ونقل المعنى الذي يقصده المؤلف أمر بالغ الأهمية. المصطلحات المستقرة في تقاليد لغتنا الفلسفية لها تاريخها الخاص ووعاؤها الخاص لنقل المعنى، ولا ينبغي بالضرورة التمسك بها دوماً. إذا كانت كلمات «نقد» و«عقل» و«محض» في تقاليدنا قد استُخدمت دوماً في سياق فلسفي خاص واكتسبت هوية محددة، فإنها تقودنا نحو التملص من هذا الالتزام باستخدامها دوماً مقابل critique و reason و pure. يمكننا أن نحتج، مثل أديب سلطاني، بأن «سنجش» (فحص/تمحيص) و«خرد» (عقل/حكمة) و«ناب» (خالص) أكثر دقة وأقرب إلى كانط والفلسفة الحديثة.
نعم، هي كذلك أيضاً، ولكن إذا كانت الدقة والمطابقة مع لغة المصدر والتعلّم الحقيقي في قراءة النصوص هي أولويتنا، فينبغي أن نقرأ ترجمة أديب سلطاني، وإن كان بوسعنا أن نكنّ الاحترام لترجمات مسعود فرزاد وم. أ. به آذين وعلاء الدين بازارغادي لهاملت. أنا الذي اعتدت منذ الصبا أن أطابق بعض الترجمات مع النص الأصلي، كنت أجد مشكلة جدية مع الترجمات المتاحة لذلك الحديث النفسي الشهير لهاملت.
نعم. وبالطبع أضيف أيضاً «مترجم للحاضر». الطريق الذي مهّده أديب سلطاني كان الاهتمام بقيمة الكلمات، وقيمة القواعد، وفلسفة الترجمة، وتحويل الترجمة إلى فن بالغ الدقة لخلق النص الأصلي في اللغة الهدف مع الوفاء للنص الأصلي. إذا لم نتكاسل، ورافقتنا مجمع اللغة الفارسية وآدابها وسائر المؤسسات المعنية المسؤولة، فستغدو لغة خاصة كلغة أديب سلطاني مفهومة بالتدريج. لِنلاحظ أنه لا يزال هناك من لا يطيقون حتى كلمة «بارسي» بدلاً من «فارسي». ناهيك عن أمثلة أخرى مثل «إسبهان» بدلاً من «أصفهان»! حتى إنهم ليسوا على استعداد لاستخدام «واژه» بدلاً من «كلمه» وأخواتها، حتى لو استندنا إلى أبي سعيد أبي الخير في كيفية استخدامه مثلاً لـ«بواژ» بصيغة الأمر بمعنى «قل»، وإلى آخره!
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.