اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى موسى أكرمي أن محاولة أحمد فريد لعمل «أركيولوجيا» للمفاهيم الغربية تفتقر إلى المنهجية الأكاديمية. وبحسب اعتقاده، سعى فريد بسرد تاريخ الفكر عبر مصطلحات مبهمة من ابتكاره لم تُسفر عن شيء سوى التخريب.

كاري فيلوسوفيكاتور[1]: الكوميديا التراجيدية للفلسفة غير المقروءة، للعداء للفلسفة الذي نال مرتبة الأستاذية في الفلسفة
حوار مع الأستاذ الدكتور موسى أكرمي
مجلة قلمياران، العدد 14، آذر 1397، ص. 50-61
موسى أكرمي، أستاذ كرسي ومؤلف ومترجم ومحرر في قسم فلسفة العلوم بوحدة العلوم والبحوث في جامعة آزاد الإسلامية. هذا الأستاذ الجامعي، بالإضافة إلى تمتعه بتخصص في مجالي الفيزياء والفلسفة وتأليف وترجمة أعمال في فلسفة العلوم والفلسفة السياسية، لديه في الوقت نفسه دراسات جادة بمختلف الأشكال في مجال التيارات الفكرية المختلفة التي نشأت قبل الثورة. إن ضرورة النقاش حول أحمد فرديد دفعتنا إلى أن نجلس مرة أخرى للحوار مع هذا الأستاذ الجامعي.
السؤال الأول: أستاذي الكريم، كسؤال أول، إذا صحت هذه الفرضية القائلة بأنه لفهم فكر الغرب يجب إيلاء اهتمام جاد لسيرورة تحول المفاهيم، وبعبارة أخرى الهمة للقيام بأركيولوجيا المفاهيم، فإلى أي حد، برأيكم، كان المرحوم فرديد واعياً بتاريخ تحول المفاهيم هذا وشرحها؟
* أكرمي. الإجابة عن هذا السؤال سهلة وصعبة في آنٍ معاً. سهلة من جهة، لأنه يمكن القول ببساطة إن فرديد ربما لم يتمكن قط، بالمعنى الدقيق للكلمة، من الخوض في هذا النوع من المباحث. وهذا يعني أننا، وبالقدر الذي نحتاج إليه في إطار المباحث الأكاديمية من ممارسة أركيولوجيا أو جينيالوجيا المصطلحات لنرى كيف نشأت هذه الكلمات وما هو المسار التطوري الذي قطعته في اللغة الأصل واللغات الأخرى، لا نجد شيئاً من هذا القبيل فيما وصلنا من فرديد، إلا بشكل متقطع وكاريكاتيري. وفيما يتصل بما ترمون إليه، أي الكلمات والمفاهيم المرتبطة بفكر الغرب، لم نشهد من فرديد فهماً وطرحاً جادّين يُعتد بهما. صحيح أن بعضاً من المقربين وتلامذته قالوا إنه كان بصدد تأليف معجم ضخم في التأثيل (الإتيمولوجيا) للكلمات أو الاصطلاحات. لكن، وإلى أن نطّلع على أثر كهذا باسمه، لا أستطيع شخصياً أن أقول إنه قام في هذا المجال ببحث جاد وتأليف أثر رصين. من هنا يمكن القول إن فرديد، من منظور أكاديمي، لم يكن قادراً أو لم يتمكن من أن يبدع أثراً لائقاً وفق منهجية دقيقة ومعايير البحث في العلوم الإنسانية، وحتى في مجال التأثيل والأركيولوجيا والجينيالوجيا للكلمات والمفاهيم. ومن جهة أخرى، فإن الإجابة عن سؤالكم صعبة، لأن فرديد، قبل الثورة وبعدها، استخدم مجموعة من الاصطلاحات كانت خاصة به إلى حد ما، وسعى بهذه المجموعة الاصطلاحية إلى وصف وتحليل وتفسير الحضارة الغربية برمتها، منذ أفلاطون على الأقل. وفي هذا السياق، كان مهتماً أيضاً بتطور المفاهيم، لكن، وبما أن الاهتمام وحده لا يكفي، فإنه لم يتمكن البتة من تقديم شرح وافٍ لهذه المفاهيم. كان يتحدث بين الفينة والأخرى، وهو ما يبدو أقرب إلى حركة تفنّن منها إلى عمل جاد ومتواصل يفضي إلى إبداع أثر شامل وخالد، مستخدماً اصطلاحاته نفسها حول الفلسفة في الغرب، بأقوال لا تحوز قيمة أكاديمية تُذكر. كان عمله أقرب إلى الاستفادة من اللازمة المتكررة. نحن، على أية حال، أمام مجموعة من الاصطلاحات الفلسفية الحاوية لأفكار فلسفية، في مجالات شتى من الميتافيزيقا إلى الفكر السياسي والأخلاق، بعضها نشره فلاسفتنا نحن كالفارابي وابن سينا، وبعضها الآخر أخذناه من فلاسفة الغرب، وهي بالطبع تشترك في بعض المجالات. ونحن نستفيد من كل هذا في موضعه. وبالطبع يمكننا، بل ينبغي لنا، أن ننتبه إلى منشأ هذه الاصطلاحات وتأثيلها ومسار تطور لفظها وكتابتها ومعناها. هذه المهمة الأكاديمية الدقيقة لا أعرف لها وجوداً عند فرديد. والآن، إذا كان لا بد لي من أن أقدم لكم إجابة أكثر دقة، فعلي أن أقول إن فرديد أخذ اصطلاحات معينة من مصادره المحدودة القليلة، وأقام بينها روابط غير دقيقة وغير مقبولة بالقدر الكافي، ووضع مجموعة من الاصطلاحات جنباً إلى جنب، وحمّلها أحياناً معانيَ كيفيّة، وصاغ بضع صيغ أو قضايا كبسولية ليصف ويحلل ويفسر بها جميع التحولات الفكرية في الشرق والغرب. إنه، إضافة إلى الاصطلاحات التي اقترضها من التقليد الأرسطي، بصرف النظر عما إذا كان قد أخذها من مؤلفات أرسطو الأصلية أو من مترجميه وشراحه وأتباعه في التقليد الإسلامي، أخذ اصطلاحات من ابن عربي، ومن المدارس الهندية، ومن فلسفة التاريخ عند هيغل، وأخيراً من هايدغر، وصاغ وركّب لنفسه، أحياناً بمعانٍ مختلقة أو بتفسيره الخاص لها، «خليطاً» ومجموعة من المفردات يمكن القول إنها تخصه وحده بمعنى من المعاني. وفي هذا السبيل، وباستخدام هذه الأدوات اللفظية والاصطلاحية الخاصة، حاول أن يرى تاريخ الغرب، والأفضل أن نقول تاريخ التفكير في الغرب، وبخاصة التفكير الفلسفي الغربي وحتى التفكير الفلسفي في العالم الإسلامي، وأن يقدم تقريراً عنه، ليكون له، بناءً على ذلك، أحكام حول تاريخ بلدنا، لا سيما منذ المشروطة فصاعداً، وهي أحكام أولاً: لم تنجح قط في تقديم رؤية دقيقة وشاملة، وثانياً: لم تسفر، بالمعايير التي اختارها من منظوره الخاص، إلا عن تخريب كل ما كان نتيجة جهد فكري للإنسان في الغرب أو في إيران. لذلك، وعلى الأقل في المنظور الأكاديمي الرسمي وبالمنهجية الموجودة على أية حال، يمكن القول إنه لم ينجح قط في تقديم مجموعة دقيقة ومترابطة من الاصطلاحات والتعريفات والتحليلات والتفسيرات، بل استخدم سلسلة من الاصطلاحات الغامضة والمبهمة وغير الدقيقة، وربما غير الآنية وفي غير محلها، وحاول، بجعل تاريخ الفكر والثقافة في قالب واحد ضمن الإطار الضيق والمشوه لاصطلاحاته، أولاً: تاريخ الفلسف
های بس کژدیسه که چندان ربطی به واقعیت ندارد روایت کند ثانیاً فلسفۀ تاریخ ویژهای را عرضه کند که به هیچ وجه این فلسفۀ تاریخ قادر نیست تبیین دقیق و روشن و راستینی از سیر تحول اندیشه و فرهنگ و تمدن در غرب و در ایران به دست دهد.السؤال الثاني: بالنظر إلى سؤالنا السابق، فإن أحد أسس فهم الحداثة، لا نقدها الذي ليس في وسعنا حالياً، بل تحديد الأسس التقليدية للحداثة في اللاهوت المسيحي استناداً إلى دراسة أعمال الحكماء الإلهيين منذ الفترات الأولى لقرون الحقبة المسيحية وحتى القرن الخامس عشر. بطبيعة الحال، لم يكن بوسع فرديد، بمنظوره الخاص وفي ظل هذا الخليط الذي أشرنا إليه في السؤال السابق، أن يدرس الحداثة. وبالنظر إلى أن على كل مفكر أن يُظهر نفسه في أثره، ففي أي جزء من منظومته الفكرية استطاع فرديد أن يولي هذه الأسس اهتماماً؟
* أكرمي. في بداية جوابي أؤكد مرة أخرى أنه في حقل البحث والتدريس الأكاديمي لا يمكن البتة الحديث عن وجود منظومة فكرية لدى فرديد. دون أن يكون في نيتي الإهانة، يجب أن أقول إنه بناءً على معايير مثل الدقة والوضوح والقدرة على التبيين والارتباط بالسياق الاصطلاحي المقبول لدى الفلاسفة، فإن لديه بضعة مصطلحات وبضع صيغ أشبه ما تكون بأوراد العرّافين وطاردي الجن منها بالفكر والتبيين الفلسفي، إلا أن يجد الفلسفة يوماً ما معنى أو فرعاً آخر يمكن معه تسمية هذه المصطلحات ذات الحمولة المعنوية الخاصة فلسفةً أيضاً. على أية حال، ربما يمكن بالتسامح ومع الاعتذار لمقام الفلسفة أن نسمي هذه المجموعة من المصطلحات والتعبيرات المناهضة للفلسفة والمضادة للتفكير منظومةً. على أية حال، متى ما اعتبرنا الحضارة الغربية قائمة على الفلسفة السياسية أو منعكسة فيها، فينبغي أن ننتبه إلى تيارين فكريين رئيسيين تجمع بينهما بالطبع علاقات جدلية خاصة. هذان التياران هما: 1) الفكر الفلسفي الذي تشكل أساساً في اليونان القديمة ويشمل، مترابطاً، من الميتافيزيقا إلى الفلسفة السياسية والأخلاق، و2) فكر الحقبة المسيحية الذي، فضلاً عن تأثره باللاهوت المسيحي، متأثر بأفلاطون وأرسطو معاً، وفي النهاية فإن ما نشأ باعتباره فلسفة مسيحية هو تركيب أو، في بعض الحالات، مزيج من اللاهوت المسيحي والفلسفتين الأفلاطونية والأرسطية، في خليط من التفاسير والشروح التي اكتست أحياناً ألواناً خاصة. لهذه الفلسفة وجوه أو تجليات أو فروع متنوعة في ما يسمى بالفلسفة النظرية والفلسفة العملية، وقد شهدت خلال تاريخ الفكر تطورات ونماءات وإنجازات مهمة، في الميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، وفلسفة اللغة، والفلسفة السياسية، والأخلاق، وفلسفة التاريخ، وصولاً إلى فلسفة العلم وفلسفة الفن وفلسفة الدين وفلسفة التكنولوجيا وربما فلسفات خاصة أخرى تتناول موضوعاً أو معرفة خاصة بشكل تخصصي.
يسعى فرديد، بتلك النظرة التي استعارها من هايدغر ومن ابن عربي، إلى وصف وتفسير تاريخ البشرية برمته، بما في ذلك تاريخ الفكر، من الشرق إلى الغرب، بصيغة واحدة مكثفة. دون أن يكون لازماً هنا أن أناقش كيفية وكمّ وكيفية معرفة فرديد بابن عربي وهايدغر وتقدم وتأخر معرفته بهذين الاثنين، أقول إن ابن عربي يؤسس سير التاريخ الروحي على فهمه الخاص لعلم الأسماء. من وجهة نظره، كل حقبة من تاريخ البشرية هي تجلٍّ لاسم من أسماء الله، وهذا الاسم له في الواقع، في كل حقبة من التاريخ الروحي، تجلٍّ. إنه يرى التاريخ، في قراءته الخاصة له، دينياً وعرفانياً، ويعتبر كل نبي ممثلاً لأحد العصور. والآن، فإن فرديد، بفهمه الخاص لهذا التاريخ القائم على علم الأسماء لدى ابن عربي، وبصبّه أحياناً في قوالب ألفاظ هايدغرية مثلاً، يسعى إلى إصدار حكم على التاريخ برمته، من بدايته المجهولة إلى نهايته المجهولة، اللتين تكونان بالطبع معلومتين لدى فرديد استناداً إلى رؤية ابن عربي والرجوع إلى المصادر الدينية.
يعتقد هايدغر أن «الوجود» أو «الكينونة» أو «الموجود بما هو موجود» قد طواه النسيان بفعل الميتافيزيقا، أي أن الميتافيزيقا التي هيمنت طيلة 2500 عام تسببت في غروب الوجود أو احتجابه أو استتاره، فلم يعد الوجود يُرى. وقد خلّف استتار الوجود هذا واستتار الحقيقة وابتعاد الإنسان عن الوجود والحقيقة عواقبه المدمرة الخاصة التي تجلت بأقصى صورها في العقل الحديث والحداثة. يمزج فرديد بين آراء ابن عربي وهايدغر وعناصر غامضة وغير ذات صلة أحياناً من مجالات فكرية أخرى ليصوغ مصطلحاً لعلّه أهم مصطلح لديه، ألا وهو «التغرب» الذي يمكن اعتباره أيضاً تَمَذهُباً بالميتافيزيقا وتَفَلسُفاً بمعنى التمذهب بالميتافيزيقا والتَعَقُّل، ومن ثم التَمَذهُب بالعلم والتكنولوجيا بمعنى فلسفي أدق. وهو يرى أن الفكر البشري برمته قد انحرف مع الميتافيزيقا التي بدأت مع أفلاطون، بل ويمكن القول مع سقراط، وابتعد عن حقيقة الوجود. وبنظرة ابن عربي، يكتسب هذا الانحراف والابتعاد صبغة دينية وعرفانية أيضاً، وقد تجلت هذه الصبغة، بتفسير فرديد الكاريكاتيري الخاص أو تأويله، في تجليات عجيبة متفاوتة الشدة والضعف. وهكذا، بدأت في نظر فرديد مع الميتافيزيقا، أي في الواقع مع الفلسفة بالمعنى المتعارف للكلمة، حقبة هي حقبة شيطانية، وحقبة زندقة، وحقبة سيطرة كل ما هو شر. وهو يقول إننا نعيش في هذه الحقبة. وبتقسيمه العجيب لحقبات التاريخ، يسمي الحقبة الأولى «ما قبل الأمس». وفي ما قبل الأمس هذا، يبدو أنه كانت هناك أمة واحدة. ويشير إلى أن البشر لم يكونوا قد عُرِّفوا بعد من خلال الطبقات. لكن ما قبل الأمس هذا يفضي إلى الأمس الذي يبدأ أساساً مع أفلاطون ويستمر حتى ننخرط في اليوم الذي بدأ مع ديكارت. من وجهة نظر فرديد، مع الكوجيتو الديكارتي، تسود الذاتية والأنانية والنحنانية والأَنَوية والمَاويّة و«النفس الأمارة»، ويبتعد الإنسان عن الحق والحقيقة والله. هذا هو التغرب عينه. ومن الواضح أن هذا الغرب ليس بالمعنى الجغرافي بالطبع، وإن كانت بدايته على أية حال هي ذلك الغرب الجغرافي من وجهة نظرنا نحن الشرقيين. ويبدو أنه من ديكارت إلى هيغل يحدث «تغرب مضاعف». وبالطبع، فإن هذا التغرب بنظره نوعان: إيجابي وسلبي. فمن كان متغرباً ولا يقبله فهو متغرب سلبي، مثل آل أحمد من وجهة نظر فرديد، وإن كان فرديد يعتبر فهم آل أحمد للتغرب فهماً محدوداً وسطحياً. وبهذه النظرة إلى التاريخ، من الجلي أن فرديد يتجاهل كل المنجزات النظرية والعملية للإنسان. ويُستثنى الدين طبعاً، لكونه يفتقر إلى منشأ إنساني. ولنضف أن هذه النقطة تنطبق أكثر على الدين الإسلامي وفي المذهب الشيعي، ولا سيما في حقبة ما بعد الثورة حيث يبلغ انتهاز فرديد ذروته. على أية حال، لا يرى فرديد في المقام الأول القسم الأعظم من التاريخ البشري الواقع خارج العالم الغربي. في حين يمكن التساؤل: كيف كان العالم قبل اليونان القديمة؟ كيف كان العالم في البلدان غير الغربية كالصين والهند؟ هل يعتبر الحقبة الإسلامية من تاريخ إيران أيضاً خاضعة تماماً لسيطرة دجّال اسمه العقل والتغرب؟ إنه حتى في العصر الحديث يرى كل الأمور بتلك الصيغة التي اختلقها لنفسه في فلك التغرب. العالم بأسره محاط بهذه الحقبة من الابتعاد عن الحق والحقيقة وبروز الأنانية والنفس الأمارة الشيطانية. من الواضح أن هذه النظرة لا تحمل أي رؤية إيجابية لماضي التاريخ، باستثناء ما قبل الأمس الذي لا يقدم عنه أي فهم واضح ودقيق وقابل للنقاش. حقاً، أين يقع ما قبل الأمس ذاك في التاريخ؟ هل ينبغي مطابقته بحضور آدم وحواء في جنة عدن التي طُردا منها بارتكاب خطيئة الأكل من ثمرة المعرفة المحرمة؟ هل يتوافق مع حقبة عيش البشر القطيعي في المرحلة التاريخية ما قبل الإنتاجية وجمع الطعام البسيط؟ لا يقدم فرديد أفقاً واضحاً عن بعد غد أيضاً. وبالطبع، كلما اقتضت الظروف يطبقه على ظهور الإمام صاحب الزمان. وهنا يبتعد عن هايدغر، وإن لم تكن نظرته إلى ما قبل الأمس هايدغرية كثيراً أيضاً. ليست لديه صورة واضحة وجميلة عن الماضي، ولا وصف وتحليل دقيق للحاضر، ولا أفق جلي للمستقبل. إنه لا يخبرنا إلا أننا بعيدون عن شيء ما، هو الله مثلاً، أو القول الحق، أو ظهور الرحمانية؛ ولكن بنظرة هايدغرية يبدو أنه «الوجود» نفسه الذي، بنظرة هيغلية، كأنه في سيره أخفى نفسه وراء حجاب الميتافيزيقا، ولا يمكن الرجاء إلا فيه هو نفسه، إلى أن يظهر لنا في زمن ما من المستقبل غير معلوم. فرديد من وجهة النظر الدينية، وخصوصاً من وجهة النظر الشيعية، التي برزت بعد الثورة
کرده بود، ظهور یا بیرون شدن حق یا وجود یا خدا از حجاب اختفاء را به ظهور امام زمان پیوند میدهد، چنان که با ظهور او، انسان از شرّ دجال خاص و این دجالهای عامی که در فیلسوفان غرب تجلی پیدا کردهاند رها میشود.يرى فرديد حضور الدجّال من سقراط إلى سارتر. صحيح أنه كان يكنّ لسارتر إعجاباً كبيراً في يوم من الأيام، لكنه، وبخاصة بعد الثورة، يذكره بوصفه الدجّال، وبسخرية ينبغي أن تكون بعيدة عن مقام من يُفترض أنه مفكر، يعتبر سارتر الذي كان فاقداً لإحدى عينيه هو ذاته الدجّال الموصوف في الروايات الدينية بأنه أعور. لا بأس، مع الاعتذار لحضرة القراء، أن أنقل أحد أقواله عن سارتر وعن الفلاسفة طبعاً. يقول في إحدى جلسات ما بعد الثورة: «إن جان بول سارتر هو أحد أقذر أنصار الإمبريالية والبرجوازية وكل فكر غربي، لأن مقدماته تجعل كل شيء معتبراً بحسب الإنسان. ... كان جان بول سارتر أعور، والدجّال أيضاً أعور. في زماننا هذا، يكثر الدجّالون أمثال هؤلاء السارترات. هؤلاء مدافعون عن الدجّال. قلتُ مرةً إن هذا الدجّال عجوز له حمار، وقد وُصفت لهذا الحمار خصائص. هذا الحمار يروث فيلتقط الآخرون هذا الروث ويتناولونه. والآن فإن أمثال جان بول سارتر هؤلاء وهؤلاء الفلاسفة هم حمير يركبها الدجّال». يمكن الحديث طويلاً عن هذه التعابير والعبارات. لن أخوض في ذلك. أؤكد فحسب أن فرديد يريد بهذه الاصطلاحات وبهذه النظرة أن يفسر التاريخ. وهذا لا جدوى منه البتة. إنها نظرة هدّامة للتاريخ ومقاربة محبطة للغاية للجهد البشري، توقعنا في مشكلات جوهرية للغاية. يحيلنا فرديد إلى الحَوالة التاريخية التي أقصى ما يمكن وما ينبغي فعله فيها هو أن نكون على أهبة الاستعداد. أي ينبغي أن ننتظر وألا نقدم على عمل، بل ربما كان لازماً، بمعنى ما، أن يسعى الإنسان، الإنسان الفرديدي طبعاً، إلى أن تزداد الأوضاع سوءاً. وهو يستعير هذا من نظرة رجعية أخروية ومن النظرة الهايدغرية معاً. لذلك نرى أن فرديد من هذه الجهة يكون قد غادر حقل الفلسفة (الذي لم يكن فيه قط على أية حال) ليدخل الحقل الديني ويقول لنا ضعوا أيديكم على خدودكم وتحلّوا بتفكر تهيؤي وألا تمسّوا شيئاً بأنفسكم. إنه بهذه النظرة ينفي أي تدخل جماعي أو فردي في بناء المجتمع والتخطيط للمستقبل والسعي لتحسين ظروف المستقبل. ومن هذه الجهة فإن رؤيته عقيمة تماماً، بل رجعية ومدمرة.
لقد قدم فرديد، بفهمه المعادي للفلسفة والنافر من العقل الذي يحمله عن الغرب، هذا الغربَ بوصفه تجلياً للشيطان وتجلياً لكل ما هو سيئ. لقد رأى الحياة الإنسانية، التي هي على أية حال تجلٍ للإرادة الذاتية للوجود بمعناها الهايدغري، أو جزء من تجلي الأسماء الإلهية في سيرها الخاص بمعنى ابن عربي، رأى أنها فريسة لاستقطابات ثنائية متنوعة، وكان يقوّم ويحكم على كل شيء بناءً على هذه الثنائيات. وبهذه الرؤية فإن الأمور كلها إما خير وإما شر، إما رحمانية وإما شيطانية. وهكذا فإن فرديد، في نظرته إلى الغرب، لم يجد فيه شيئاً إيجابياً. لم يلتفت قط إلى فن الغرب وإنجازات فلاسفته وعلمائه وتقنييه؛ فحقوق الإنسان لم تكن عنده نتيجة لشيء سوى النفس الأمارة. ومن ثم فإن الصورة التي رسمها للغرب بوصفه تجلياً للعصر الشيطاني لسيادة العقل والإنسانوية كانت صورة ممقوتة للغاية.
من يكون ذاك المفكر الذي يعتبر سقراط مُسَيلِمة الكذاب، ويعتبر أفلاطون في مرتبة كاتب مُسَيلمة الكذاب؟ أي منظومة فكرية يمتلكها من يعتبر حتى في تراثنا نحن أناساً مثل ابن سينا والفارابي زنادقة بسبب اهتمامهم بالتراث الغربي واليوناني؟ أية حصيلة قيّمة للإنسان يقدمها من يرى حتى السهروردي والحلاج مستحقين للقتل بحجة أنهم وقعوا أسرى التغرب؟ من ينظر إلى التاريخ بنظارة فرديد سيرى الغرب تجلياً للدجال نفسه ولكل ما هو سيئ. لقد تركت نظرة فرديد هذه أثراً سلبياً بالغاً على أنصاره. صحيح أن الأمر في بلدنا لم يكن على نحو جعل هذه الرؤية الفرديدية شائعة جداً بين المفكرين، لكن قسماً ممن يُسمون «المتنورين» قبل الثورة كانوا على أية حال تحت تأثيره. وهنا ينبغي أن نستخدم كلمة متنور بحذر، لأن هؤلاء كانوا في الأصل ظلاميي الفكر أو مناهضي التنوير أو أعداء الأنوار، سواء في ميدان التفكير الفلسفي مثلاً أم في ميدان السياسة.
السؤال الثالث. هنا بالذات يمكن أن نسأل عن مكانة فرديد في النظام الجامعي ونظرته إلى السلطة السياسية القائمة. هل يمكن، برأيكم، أن تكون لشخصية فرديد ومكانته ورؤاه صلة ذات دلالة بالسلطة في البلد؟
* أكرمي. قبل الثورة، كان النظام الشاهنشاهي القائم، على الأقل في فترة ما، يظن أنه قادر على خلق أو ترويج بديل أو بدائل في مواجهة القوى الوطنية والشيوعيين والمتدينين التقليديين الذين كان من الممكن أن يتجهوا نحو الثورة. كان هذا النظام راضيًا بدعم من يُسمّون بالمثقفين الذين كانوا يعزفون على وتر آخر، إلى حد ما. وقد تشكلت مجموعة من هؤلاء المعارضين الموالين للنظام حول خطاب يقوم على نقد الغرب والشرق (أي العالم الأول الرأسمالي والعالم الثاني المعسكر الاشتراكي) والتركيز على العناصر الذاتية والمحلية. ومن المفارقات أن جزءًا من هذه النزعة المحلية كان متأثرًا بمثقفين في الغرب التفوا حول أشخاص مثل سارتر، كـ إيميه سيزير وفرانتس فانون. كان لسارتر، المثقف واليساري، قراء في إيران. وقد أثّر أيضًا على المثقفين الدينيين، ويمكن الإشارة إلى علي شريعتي كمثال على ذلك. أما فرديد فكان يعتقد بشكل خاص أن حزب رستاخيز هو التجلي السياسي والثقافي للروحانية ذات النزعة المحلية، وهو أرضية يمكن أن تساعده على طرح هواجسه الخاصة في الاهتمام بالروحانية الإيرانية-الإسلامية مع عناصر من الروحانية الشرقية العامة بمعناها الخاص لديه. ربما كان لديه أيضًا نظرة إلى مشروع السهروردي، شيخ الإشراق، في الاهتمام بـ «الخميرة الأزلية» للفكر على سبيل المثال، والتي كانت بالطبع ذات طابع عرفاني أو شبه عرفاني أكثر منها فلسفية.
لم يكن فرديد قبل الثورة راضيًا عن الأوضاع السياسية أبدًا. يبدو أنه في أجواء حزب رستاخيز، كان هو وأنصاره يعتقدون أنه قادر على تأسيس فلسفة تقوم على مثال السهروردي، ربما يكون عنصرها المحوري هو الشاه. من الواضح أن فرديد لم يكن قادرًا على التعايش مع «الجمهورية». كانت الجمهورية تجليًا للديمقراطية أو كما كان يسميها «سلطنة الدهماء». كانت علامة على الأنانية والنحْنَحَة والعقل الأسير في قبضة النفس الأمارة.
لذلك، وبشكل عام، تشكل في ذلك الفضاء تيار له صلات بالتيار الليبرالي واليميني الغربي، استحضر عناصر من الموجودات الذاتية المحتملة، سواء في المجال الحضاري والثقافي الإيراني أو في التراث الإسلامي، وأثار شيئًا فشيئًا آمالًا في مواجهة الغرب الرأسمالي والليبرالي من جهة، والشرق الاشتراكي من جهة أخرى. كان هذا التيار يجمع في تركيبه عناصر سياسية محافظة وعناصر غير سياسية. كان إحسان نراقي وحسين نصر وداريوش شايغان أهم وجوه هذا التيار، الذين كانوا، على الرغم من وجود اختلافات خاصة بينهم في المنهج، يتشاركون في عناصر فكرية. لا يتسع المجال للخوض في التفاصيل. بعد أن أطلق آل أحمد، بفهمه السطحي للتغرب، هذا الاسم على كتاب مهم ونال به شهرة، اكتسب فرديد أهمية باعتباره واضع هذا المصطلح. هو الذي كان قد ذهب إلى فرنسا لدراسة الفلسفة بعد أن درس المقدمات الحوزوية وحصل على ليسانس في الأدب، عاد إلى إيران حوالي عام 1325 دون شهادة ودون أي مؤلف أو ترجمة، وحصل على وظيفة معلم في دار المعلمين العالي، واستطاع بتوكيداته المفرطة أن يؤثر على أشخاص مثل آل أحمد، وشق طريقه شيئًا فشيئًا إلى محافل مناهضي الشرق ومناهضي الغرب، وصنع لنفسه شهرة.
جرت إجراءات غير صحيحة من قبل إحسان نراقي، من خلال لفت انتباه أشخاص مثل يحيى مهدوي ودعم أشخاص مثل حسين نصر، لنقله إلى قسم الفلسفة في جامعة طهران وإسناد درس فلسفات الوجود إليه. في الخطوة الأولى، وبقبول سجله الدراسي غير المكتمل كمعادل للدكتوراه، دخل قسم الفلسفة بصفة معلم وشن هجومًا مذهلاً على الفلسفة. لا يعرف التاريخ أبدًا أن شخصًا كهذا، ليس لديه أدنى تحصيل أكاديمي في الفلسفة، ولا أثر يُذكر في تأليف أو ترجمة الفلسفة، ولا يقيم للفلسفة وزنًا، يذهب إلى أهم قسم فلسفة في جامعة مهمة (في هذه الحالة، الجامعة الأم للبلاد) ليدرس في مختلف المراحل الدراسية ويشتم الفلسفة والفلاسفة. السادة الذين اعتبروا، لأي سبب كان، شهادته معادلة للدكتوراه واعتبروه معلمًا (ما يعادل اليوم «مربي»)، قاموا في خطوة أخرى بترقيته في قسم الفلسفة الغربية إلى رتبة أستاذ كامل دون أن يكون قد نشر أي كتاب منذ عام 1325. بهذه الطريقة، اعترفوا به دكتورًا بغير حق، ومنحوه رتبة أستاذ كامل في جامعة طهران بغير حق. شخص لم يقرأ الفلسفة قط بشكل منتظم وصحيح وأكاديمي، ومُنح معادل الدكتوراه بمعايير غير أكاديمية في جامعة طهران هذه، حصل دفعة واحدة على لقب دكتور ولقب أستاذ.
حقاً، ماذا عسانا نقول؟ من المسؤول عن هذا الظلم الفادح الذي لحق بالجامعة والتعليم العالي والفلسفة ومكانة الأستاذ الجامعي؟ شخص يفتقر إلى الدراسة والمعرفة الرصينة في الفلسفة، بل ويعاديها، يصبح أستاذاً كرسياً للفلسفة الغربية في أهم أقسام الفلسفة في البلاد. ينبغي أن نشق جيوبنا حقاً. وكما يقول منصور أوجي: «أين السطح العالي والسلّم العالي كي تصعد عليه وتصرخ» لماذا فعلوا ذلك؟ الآن، لا «يحيى مهدوي» حاضر بيننا، ولا «إحسان نراقي» ليقولا لنا ما الذي حدث حتى بلغ فرديد هذا المبلغ؟ لا أعلم إن كان الدكتور نصر سيقول ما الذي جرى حتى يحصل شخص كفرديد على معادلة الدكتوراه في قسم الفلسفة ثم يصبح أستاذاً كرسياً؟ ألم يقل شخص كعلي أكبر سياسي في الجامعة نفسها بطهران إن فرديد أشبه بكتاب انفكّت خياطته وقذف أحدهم بأوراقه في الهواء؟ لذا، حتى لو قبلنا أن لفرديد قراءاتٍ ما، فإن هذه القراءات لم تكن مترابطة بالشكل اللازم. على أية حال، ومع الأسف الشديد، فقد اجتاز مراتب الترقية الجامعية خلافاً لنظام الترقية في الجامعة. إذا كان فروزانفر وعدد آخرون قد دخلوا هذه الجامعة وبلغوا مرتبة الأستاذية، فإن بلوغهم هذه المرتبة كان ممكناً بفضل أعمالهم العلمية ومؤلفاتهم. أما فرديد، فباستثناء بضع مقالات غير ذات شأن كبير كتبها قبل ذهابه إلى فرنسا وبإجازة الأدب نفسها، ولم تكن ذات قيمة أكاديمية، لم يكن لديه أي مؤلَّف للترقية. وحتى لو أخذنا تلك الكتابات بالحسبان، فهي ليست بالمستوى الذي يكفي لنيل الأستاذية. يقر يحيى مهدوي بأن فرديد ساعده في كتاب «ما بعد الطبيعة العامة أو الميتافيزيقا» لبول فولكييه في بعض المصطلحات، واطلع على بعض الفصول، وأعاد تقرير المقدمة. وبافتراض أننا نولي هذا العمل قيمة، فهل كان كافياً لمنح لقب الدكتوراه ومرتبة الأستاذية؟ على أي أساس سمحت جامعة طهران بذلك؟ لقد أدبر الحظ عن الفضاء الفكري في البلاد وأقبل على فرديد.
على أية حال، التفّ حول فرديد أشخاص. وكان النظام قد أولاه اهتماماً عبر وجوه مختلفة. وهو أيضاً، وبدافع من انتهازيته المؤسفة الدائمة، كان راضياً بأن يقرب نفسه من نظام السلطة، النظام الذي مُنحت فيه، وبلا شك بعلمه، مثل تلك الإتاوات لفرديد. وقد حاول فرديد من جهة أن يقترب من حزب رستاخيز، بل وأن يكون له دور في صياغة أيديولوجيته وميثاقه، وسعى من جهة أخرى، عبر الأجواء التي خلقها الحزب، لأن يصل إلى تمثيل أهالي يزد في مجلس الشورى الوطني. كان مثل هذا الإنسان يحظى بدعم الحكومة. والحكومة لم تكن ترى في الذين التفوا حوله خطراً، بل كانت تسمح لهم، بمعنى ما، بأن يكون لهم جاه ونفوذ. لا يُعلم إن كان من سوء حظ فرديد أو حسن حظه أنه لم يكن قادراً على كتابة مقالة رصينة واحدة حتى بالمستوى الذي كان يكتبه كثير من الطلاب. لقد أساء هو وأتباعه استغلال هذا الأمر، وسعوا إلى تقديمه على أنه سقراط بلا أثر مكتوب، أو ما يسمى بـ«الفيلسوف الشفاهي»، غافلين عن أنه، بصرف النظر عن أن مقام الفيلسوف وشأنه يليقان بسقراط أكثر من أي شخص آخر، فإن معاداة الفلسفة أو معاداة سقراط هي خاصة بفرديد عديم الممارسة الفلسفية.
في تاريخ الفلسفة وعلم الكلام والعرفان، لم يكن أعداء الفلسفة وأعداء سقراط قلة على أية حال. مثل بعض المتكلمين أو العرفاء أو الفقهاء منا. لكنهم قالوا في مجالهم الفكري كلاماً يمكن التعاطف معه، أو التواصل معه على الأقل، سواء بمعيار العقل والمنطق أو بمعاييرهم الخاصة الخارجة عن العقل والمنطق، في حين لا يمكن أن نجد في التاريخ أي عدو للفلسفة وعدو لسقراط قام بمثل هذه الشتائم للفلسفة وسقراط في قالب كلام لا معنى له، وكلام جزاف ولغو وهراء في بعض الأحيان. ومما يؤسف له كثيراً أن جامعة طهران منحت مقام الأستاذية لمثل هذا الشخص. إن هذه لحقاً تراجيديا-كوميديا أو كوميديا-تراجيديا في بلاد عجائب الممتنعات والسحر والأساطير، أن ينال شخص لم يقرأ الفلسفة، وهو عدو لها شتام لكل منجزات الفكر الإنساني، درجة الدكتوراه في الفلسفة ومقام "أستاذية الفلسفة". لو كانت له على الأقل مؤلفات أو ترجمات لكان يمكن القبول بأن يكون تقييم الجامعة له على هذا النحو. كان واضحاً تماماً أن الفرديد لا يمتلك القدرة على كتابة أي شيء. وأكثر أنصاره لم يقدموا على كتابة أي أثر جدير بالقراءة، باستثناء عباس معارف الذي يمكن أن يكون له فضل كبير على الفرديديين بتأليفه كتاب "نظرة أخرى إلى مبادئ الحكمة الأنسية"، وإن كانت بعض دعاوى الفرديد لا تتسع لها قوالب هذا الكتاب أيضاً. وليس هنا مجال الخوض في هذا الكتاب. على أية حال، كان آل أحمد أحد من يسمون بالمثقفين الذين وقعوا تحت تأثير الفرديد، وهو بالطبع لم يكن يقبل فهم آل أحمد للتغرب، وأنا شخصياً أتفق معه في هذا الشأن بالمناسبة. وبصرف النظر عن أمثال هؤلاء الذين كانت لهم أخذ ورد متبادل مع الفرديد، فإن كثيراً من المثقفين اليساريين والليبراليين، سواء في المحافل المختلفة أو في الفضاء العام، لم يكونوا يعيرون الفرديد أهمية.
السؤال الرابع. لكن يبدو أن أفكار الفرديد كانت مؤثرة في مرحلة الثورة، وقد استُخدم هذا التأثير في مرحلة ما بعد الثورة في تفسير تاريخ الفكر ورسم خطوط التمايز بين الثورة في العالم المحيط، شرقاً وغرباً.
* أكرمي. في السنوات التي سبقت الثورة، يمكن أن نذكر من بين أبرز الوجوه المعروفة بقربها من الفرديد داريوش آشوري ورضا داوري، وإن كان قربه من داريوش شايغان ونصر وتأكيده على العناصر العرفانية وعناصر في الحكمة الشرقية والحكمة الإسلامية مثلاً، قد يكون له بعض التأثير في الجماعات السياسية المتدينة. أنا لا أتذكر أثراً خاصاً لداريوش آشوري في حقبة ما قبل الثورة يظهر تأثير الفرديد بشكل مباشر، وإن كان قد أبان في نقده لتغرب آل أحمد أن أفق رؤيته أوسع بكثير من أفق رؤية آل أحمد، ولا بد أن له تقارباً مع إدراك الفرديد. وبالطبع كان فكر آشوري في ذلك النقد متماسكاً، ولا يشبه نظرة الفرديد وبيانه المتقطع المبتور.
فيما يخص رضا داوري، ينبغي أن أقول إنه رغم شهرته بالقرب من فرديد، إلا أن محمد رضا جوزي، في نقده لكتابه الصغير، أخرجه من حلقة فرديد، في حين كان واضحاً أن هذا الإخراج كان بأمر أو برأي فرديد شخصياً. كان عنوان كتاب الدكتور داوري «مقام الفلسفة في تاريخ العصر الإسلامي في إيران». إن نقد جوزي اللاذع لداوري عجيب للغاية. وهذا بحد ذاته دليل على إشراف فرديد على هذا النقد الذي لم يستطع تحمل وجهة نظر داوري. سأقرأ جُمَلاً مما يُسمى نقداً لتروا كيف كان فرديد والفرديديون، بنفس تلك الإفراطات والتفريطات والتظاهر باليسارية اليمينية أو التظاهر بالثورية المحافظة، يبثون آراءً عنيفة وعدوانية أو محرضة على العنف. لمجرد اهتمام الدكتور داوري بالفلسفة وإضفائه قيمة عليها في العصر الإسلامي، يكتب جوزي[2]: «ليس غريباً على هذا العبد أن يصدر عن كاتب يخلو من صفتي التفكر والإيمان اللتين هما حلية وزينة أهل الحقيقة، حكم كهذا على ماضي الأمة الإسلامية، لأن زماننا، كما يقول نيتشه، هو زمان ازدهار ووحشة قفر انعدام الفكر. [...] ويبدو أن صفحات الكتاب البالغة 143 صفحة تشير إلى أن المؤلف المحترم قد تساءل، بوضع فلسفي، عن ماهية الحضارة الإسلامية. [...] وبحكم معرفتي بخلفيات المطالب الواردة في الكتاب، أعتقد أن المؤلف المحترم ليس من أهل الذكر والفكر، ولم يجاهد قط في أي من طريقي التفكر، وما جاء في هذا الكتاب ليس نتاج إبداعه وذهنه وفكره، بل هو نتاج تقليد لأصحاب الرأي والنظر. لكن النكتة تكمن في أن مرآة ذهن المؤلف لم تخلُ من اعوجاج في إظهار المعاني التي اقتبسها، ومصداقاً لقولهم: مثنوي ما چون قرآن مدل، هادي بعضي و بعضي را مضل [...] فالنتيجة التي توصل إليها بعد تلفيق غير منسجم وتركيب غير متناسب للمعاني التي أخذها، انتهت به إلى إنكار حقيقة دين الإسلام ومعنويته. [...] وكما قال علي بن أبي طالب، سيأتي زمان يُلبس فيه الإسلام كما يُلبس الفرو مقلوباً. ومثل هذه الحالة تعني انقلاب نسبة الحق والباطل والمعروف والمنكر. لقد كان عظماء الدين في السابق يسعون، لإقامة النهي عن المنكر، إلى تنقية ذيل الإسلام من الفلسفة؛ أما اليوم فسعي البعض هو، لإقامة الأمر بالمنكر، أن يلوثوا الإسلام والمسلمين بالفلسفة أكثر فأكثر. كان ثمة حرية بالأمس لأن تُقال "لا" في وجه زندقة الفلاسفة، أما اليوم فروح العصر ويد المقادير تقتضي أن نغرق الإسلام، من أجل الاستعراضات الثقافية، أكثر فأكثر في حفرة الفلسفة المبتذلة. [...] وفي النهاية، فإن كتاب «مقام الفلسفة في تاريخ إيران الإسلامي» هو محاولة لتغطية معنوية التاريخ الإسلامي وعظمته بوجه زندقة الميتافيزيقا الغربية.»
طال الاقتباس. أعتذر. لكنني رأيت أنه من الضروري أن نعيد قراءة نموذج لهذه اللغة والنظرة العنيفة قبل الثورة، وبالأخص تجاه شخص كان يُعتبر من أقرب الناس إلى فرديد. على أية حال، كانت دائرة فرديد والفرديديين قبل الثورة ضيقة ومتعصبة. لم ينشروا آثاراً تذكر. لكن تلك التصريحات الشفوية كان لها تأثيراتها في حلقة المقربين. لقد كانوا في إنتاجهم الفكري أضعف من حلقات أخرى كثيرة. هم أنفسهم لم يترجموا شيئاً، لنقل، عن هايدغر قبل الثورة. وبالطبع لم يترجم الآخرون شيئاً أيضاً. كان فرديد نفسه في الغالب يقدم رواية مبتورة في الصف وأمام الأتباع من أعمال من الدرجة الثانية والثالثة، أو على الأكثر من أعمال كربن.
لم يكن بوسع هذا أن يترك أثرًا يُذكر قبل الثورة. لكن مع الظروف التي نشأت في مرحلة الثورة، استطاع فرديد أن يربط نفسه سريعًا بتيار الثورة وأن يضفي على تفسيراته نكهة دينية وشيعية وأخروية أكثر من ذي قبل. بالطبع كانت هذه القابلية موجودة في أفكاره كما هو واضح في منظور جوزي. لكن على أي حال، في مرحلة الثورة وما بعدها وجد فرديد أنصارًا استطاعوا أن يتخذوا موقفًا في مواجهة الشيوعية والليبرالية، وأن يجدوا أتباعًا، وبالطبع أن يثيروا ضجة أكبر مما تسمح به قدراتهم. بطبيعة الحال، كان التيار الإسلامي الغالب بين الجماهير هو الفكر التقليدي المنبثق من الحوزة العلمية والمتجسد في ممثلين كرجال الدين. فالفرديديون، رغم نفوذهم المحدود بين عدد من الثوريين الدينيين المتطرفين، لم يستطيعوا أن يضربوا بجذورهم في البلاد؛ فعلى سبيل المثال، رغم حصولهم على موقع سياسي خاص، وتمكنهم من النفاذ في مراكز، من الإذاعة والتلفزيون إلى بعض المناصب الحكومية العليا، إلا أنني أتذكر تمامًا أن فرديد كممثل وقائد لهم لم يستطع جذب انتباه العامة إليه. فعلى سبيل المثال، حين ترشح لعضوية مجلس الخبراء لم يحصل إلا على حوالي 200 صوت. أو حين ترشح لعضوية مجلس الشورى الإسلامي حصل على عدد قليل من الأصوات، رغم أن جمعية فدائيي الإسلام دعمته وأدرجت اسمه في قائمة مرشحيها. كان هذا يدل على أن فرديد والفرديديين لا قاعدة لهم بين الجماهير ولا حتى بين الطبقة المتعلمة الثورية. لكن من حيث تمركز السلطة الخاص في البلاد، تمكن عدد من أنصاره من الوصول إلى مناصب ومواقع في الحكم وحاولوا الحفاظ على نفوذهم.
لكن حين هدأت الأوضاع وانجلت الغبرة وأظهر فرديد وجهه أكثر، اتضح أن أفكاره لا تقوم على أساس واضح ودقيق وراسخ وأنها تعاني من تناقض داخلي. بعض محاضراته في التلفزيون بلهجته الخاصة تلك أزاحت الحجاب عن وجهه الحقيقي. تسربت بعض المباحث المطروحة في بعض دروسه إلى الخارج، وهي نفسها التي نشرها أخيرًا محمد مددبور في كتاب «دیدارِ فرّهی و فتوحاتِ آخرالزمان». لكن هذا الكتاب كان بحق هزيمة كبرى لفرديد والفرديديين وأظهر أن هذا الرجل شخص مشوش الفكر ومظلمه، لا يمتلك أي فكر واضح فحسب، بل يمكن القول إنه لا يمتلك فكرًا متماسكًا كثيرًا، وأنه فقط جعل من مطالب جمعها على سبيل التفنن طوال حوالي خمسين عامًا من مصادر غير موثوقة أحيانًا أو موثوقة، لقلقة لسانه، ولا ينثر بنكهة الشتائم على كل من له مكانة مهمة ومقبولة نسبيًا في تاريخ الفكر إلا القيح والدم والعفونة. لقد شتم التاريخ برمته وكل مثقف مسلم وغير مسلم. ومضى في هذا الشتم إلى حد لا أعتقد أنا فقط أنه لم يُرَ له نظير، بل حتى من كانوا حوله قالوا بتعبير نصر الله بورجوادي إن أحدًا لم يسئ إلى سمعة الثورة بقدر فرديد. لم يكن فرديد يمتلك أي أهلية أكاديمية لشغل منصب جامعي، لكنه كان يمتلك القدرة على بث العنف تجاه كل شخص وكل شيء، تجاه شتى أنواع الأفكار وتاريخ الحضارة والثقافة وكفاح الإنسان، من الماضي حتى الحاضر.
لم يرحم فرديد مصادره الفكرية أيضًا. لربما كان هايدغر هو الاستثناء الوحيد. لقد اكتشف أن ابن عربي أعور عينًا من عيني التصوف وترك العين الأخرى ليعميها لاحقًا الملا صدرا! وبكل جحود أعلن أن كوربان جاسوس وعضو في ستة محافل ماسونية. هكذا بدا أن من العقلاء من كان ينظر بتمعن أكبر إلى أفكار فرديد وسلوكه أدرك أنه ليس شخصًا جادًا إلى حد كبير. وهكذا استخدم حتى أولئك الذين كانوا يقبلون بفرديد يومًا ما تعبير المشعوذ والشعوذة في وصفه. على أي حال، أعتقد الآن أنه لا قوة له ولا نفوذ، رغم أن أفكاره لا تزال باقية لدى البعض، وهناك خشية من أن يظهر وجهه ثانية بعنف شديد في منعطف خاص.
السؤال الخامس. يبدو أن فرديد نقل في موضع من كلامه عن هايدغر أنه لا يخلصنا من هذا العصر العسير إلا الإله الواحد. ما هي العلاقة التي يمكن أن تكون لهذه الجمل ونقلها بنا؟ يتحدث فرديد بشكل وكأننا قد مررنا بتجربة الحداثة ثم أصبنا بالعدمية، ظلمات آخر الزمان، الذاتية والموضوعية النفسانية، والآن تجلي الحقيقة الإلهية الواحدة هو ما سيخلصنا.
* أكرمي. تشير إلى مقولة هايدغر الشهيرة في مقابلته مع مجلة دير شبيغل عام 1966، التي أوصى بنشرها بعد وفاته، فنُشرت عام 1976. قال هايدغر هناك: «لعل إلهاً ينقذنا». وقد أُوّلت هذه العبارة تأويلات شتى. فرديد حين يعيد ذكر هذا القول لا يستخدم تعبير «لعل إلهاً»، بل يُخرجه من صيغة التنكير ويصوغه على نحو «لعل الله»، وهو عند فرديد «الله» ذاته، أي الإله بالمعنى المحدد المطروح في الإسلام، بخصائصه التي تجلت خصوصاً في القرآن. يبدو أن هايدغر، بعد مقولة نيتشه التي أُعلنت في «هكذا تكلم زرادشت» بأن «الله قد مات»، صار يفكر في حل ويقول هذا. موت الإله حدثٌ وقع في العصر الحديث، ونيتشه لا يقبله أيضاً، ويحمّل الكنيسة والمسيحيين مسؤولية موت الإله أو قتله. من منظور هايدغري، إن الميتافيزيقا التي كان يُفترض أن تعنى بـ«الوجود»، والوجود بمعنىً ما هو الله نفسه، قد غيّرت مهمتها وانصرفت إلى «الموجود». وهكذا انحرف الفكر، واحتجب «الوجود» وظل مستوراً. وهنا ينبغي أن أشير إلى أن هايدغر، ظاهرياً، لا يؤمن بالله من الناحية الدينية، أي لا يؤمن بإله الأديان، رغم أن بعض دارسي هايدغر يقدمون قراءة مسيحية لكتابه «الكينونة والزمان». إنه بوصفه فيلسوفاً ينظر إلى «الوجود» نظرةً تجعل من يؤمنون بالله، على الأقل، يقولون إن الوجود الذي يتحدث عنه هايدغر هو الله نفسه. بهذه النظرة، يمكن أن نتساءل: ما المعنى الذي يقصده هايدغر حين يقول «لعل إلهاً ينقذنا»؟ يرى البعض أن هذا معنىً ديني. إن كان الأمر كذلك، فكأن هايدغر قد عاد إلى اللاهوت، ويقول بصورة غير مباشرة إن كل ما قلته حتى الآن كان كلاماً فارغاً، وإنه ينبغي ترك الفلسفة. لكن البعض ينظرون إلى المسألة بعمق أكبر ويقولون إن الأمر ليس إعلاناً عن توجه لاهوتي، بل إن كان هايدغر قد قال «لعل إلهاً ينقذنا»، فهو يعني ذلك الإله المساوق للوجود. في الواقع، يعبّر هايدغر عن توقعه بأن ينقضي عهد احتجاب الوجود، وأن يُظهر الوجود ذاته من جديد، وينجلي عن حجابه، فنعود، بالتوجه إليه، إلى ما كنا عليه قبل بدء الميتافيزيقا، ونحقق الصلة المباشرة بالوجود. حينئذٍ نخرج من الانشداد إلى الموجود ونقيم صلة بالوجود نفسه. وعندما يحدث ذلك، سنكون بشراً نخرج من اغترابنا عن ذواتنا ونتحد بها. لذلك، يقدم البعض تفسيراً وجودياً لهذه المسألة، ويظنون أن هايدغر يعني هذا بالضبط: أن ننتظر. وهذا الانتظار عبثي بالطبع، لأن هايدغر نفسه قال إن علينا أن ننتظر لنرى إن كان الوجود سيكشف لنا عن ذاته في مسيرته هذه، أم سيبقى في حجاب، في ظل استمرار هيمنة الفكر الميتافيزيقي. الخروج من الحجاب هو من شأن الوجود نفسه. وحتى ذلك الحين، ينبغي أن نقطع مع هذه الميتافيزيقا، وهذا القطع هو بالنسبة له سبيل إلى الخلاص، وفي هذا القطع ينبغي أن نلجأ إلى الشعر؛ شعرٌ، كشعر هولدرلين أو ريلكه مثلاً، يصلنا بالوجود. طبعاً، يمكن هنا أن نسأل هايدغر: ما معنى بُعدنا عن الوجود، أو غيابه واحتجابه؟ أو كيف يتصل الشعراء بالوجود حتى يوصينا بهم هايدغر؟ وفي أي سياقات وإلى أي مدى يمكن التوصية بالنظرة الشعرية؟ لكن موضوع حديثنا هنا ليس فلسفة هايدغر.
على أية حال، يحوّل فرديد هذه «الألوهية» إلى «الله»، أي إله الإسلام. وهو يستخدم هذا التعبير ليبين أننا نعيش الآن في عصر شيطاني تسوده النزعة الغربية والتشبّع بالميتافيزيقا، وعلينا أن نعود إلى نصوصنا الروحية والدينية التي تتحول بعد الثورة إلى القرآن. ويقول إنه ينبغي لنا في هذا العصر أن نلوذ به استعدادًا وترقبًا، حتى يظهر الإمام صاحب الزمان بعد هذا العصر فنعود إلى الله. هذه العودة هي عودة إلى ما قبل الميتافيزيقا وخروج من الطاغوتية والنزعة الغربية، إنها العودة ذاتها إلى الروحانية الخالصة التي تجلت بأفضل صورة ممكنة في النصوص الدينية والقرآن. لقد طُرحت هذه المسألة في إطار العرفان الفلسفي أو التعقل العرفاني عند ابن عربي؛ غير أن ابن عربي، لكونه حاول أن يجعل المباحث العرفانية استدلالية، يعتبره فرديد على أية حال متشبعًا بالميتافيزيقا. لذلك يبدو أن ما يرمي إليه فرديد في نهاية المطاف من كلام هايدغر هذا هو أن نعود إلى النص المقدس والقرآن. ويعتقد فرديد أن مثل هذا العهد ومثل هذا الإله يصبح في المتناول بعد الثورة عبر الثورة الإسلامية. أي أن عصر الطاغوت، الذي هو عصر سيطرة العقل والفلسفة (يقصد بالطبع العقل القائم على الذات والعقل الأداتي والميتافيزيقا) وعصر الدجال والشر، قد زال، وفق اعتقاد فرديد، بقيام الثورة الإسلامية، وحلّ عصر الله والظهور، ويمضي الإنسان نحو الغد وما بعد الغد.
السؤال السادس: بالنظر إلى قراءة فرديد للتاريخ، أو فلسفة التاريخ عند فرديد، ينبغي القول إنه كان ينظر إلى الأدوار التاريخية نظرة أنفسية. كان يقول إن الأنفسية لم تكن قط موضوعية كما هي في العصر الحديث. برأيكم كيف يمكن الحكم على كلام شخص يتخذ هكذا موقفًا في علاقات السلطة؟
* أكرمي. كما قلتُ، يستخدم فرديد مصطلحاته الخاصة في تفسير التاريخ كله. فهو يعتبر كل دور تاريخي تجليًا لأحد الأسماء، لكنه لا يوضح لنا ما هي هذه الأسماء، حتى يكتفي بسلسلة من الكلام العام. إذا أردنا أن نتناول التاريخ بقراءة ابن عربي، فإن منهج ابن عربي ونظرته واضحان تمامًا: فهو يبدأ من آدم ويستمر مسار التاريخ حتى دور الخاتم. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة من منظور هايدغري، فإن هايدغر يقول بشكل محدد إن الإنسان قبل الميتافيزيقا كان على صلة وتعامل مع الوجود نفسه. ومن هنا ينبغي الترقب حتى ينقضي عصر الميتافيزيقا والغفلة عن الوجود والانشغال بـ«الموجود» لنتمكن من الاتصال بالوجود مرة أخرى. لكن فرديد لا يقول لنا هذا. إنه يتجاوز ما قبل أول من أمس، الذي لعلّه كان زمن الأمة الواحدة والمجتمع البدئي اللاطبقي والمشاهدة المباشرة للوجود، ويرى التاريخ في قبضة الطاغوت والنزعة الغربية. فمنذ أفلاطون وقع الإنسان في أسر التشبع بالميتافيزيقا. ويمكن طرح مسائل مثل عصر فراعنة مصر وموقعهم في الحقبة ما قبل الأفلاطونية، التي لا شك أن فرديد لا يملك لها جوابًا صحيحًا وخاليًا من التناقض.
على أية حال، هو، مثل هايدغر، لا يملك أي فهم صحيح للتاريخ، لواقع التاريخ، للمسار الواقعي للتحولات التاريخية، ويريد أن يصب التاريخ كله في القالب الضيق لصيغته. وفيما يتعلق بالمستقبل أيضًا، يظن، دون أي تحليل وتبيين تاريخي دقيق قائم على علم التاريخ وفلسفة التاريخ الرصينة، أن الإنسان يمضي نحو غد وما بعد غد تزول فيه الأنائية والأنفسية. لذلك إذا نظرنا إلى هذه المسألة من منظور عرفاني وفلسفي وتاريخي، فإن كلامه لا يبدو دقيقًا. فقط حين يربط استشرافه للمستقبل بعد الثورة بالرؤية الأيديولوجية الشيعية للثوريين، ندرك إلى حد ما ما الذي يعنيه كلامه. لكنه لا يوضح سبيل الوصول إلى ذلك. فهو يقول من جهة إنه ينبغي أن نكون مستعدين، أي ينبغي أن تكون لنا رؤية ونظرة استعدادية؛ ومن جهة أخرى لا يقول ما هو هذا الاستعداد؟ هل يعني ذلك أنه لا ينبغي القيام بأي عمل، وعلينا فقط أن نكون مستعدين حتى إذا ما جاء خبر ظهور الإمام صاحب الزمان مثلًا اصطففنا خلفه؟ هل ينبغي القيام بعمل ما إلى حين ظهور الإمام صاحب الزمان أم لا؟ وكيف يمكن في هذه المدة أن نكون على يقين من أننا لسنا غربيين وطاغوتيين في تفكيرنا وسلوكنا؟ إن رؤيته تجلٍّ كامل للتشوش الفكري وفقدان نوع من المنطق بغية خلق انسجام داخلي بين أجزاء الفكر.
ما نجده لدى ابن عربي يتمتع بانسجام داخلي. فمثلاً، إذا أخذنا مسألة علم الأسماء بعين الاعتبار ووفينا لابن عربي نفسه، يمكننا إلى حد كبير أن نتعاطف معه أو أن نفهم كلامه وألا نجد فيه تناقضاً كبيراً. فكره واضح وبالجهد يمكن، كما تقولون، فهم منظومته الفكرية. وهذا ما نلاحظه إلى حد ما لدى هايدغر أيضاً؛ ويمكن قول الشيء نفسه عن اللاهوت الإمامي الاثني عشري أو علم الكلام الإسماعيلي. لكننا نجد لدى فرديد خليطاً أو لحافاً مرقعاً أو كولاجاً غريباً وعجيباً من أفكار شتى من منابع مختلفة، تتناقض أحياناً فيما بينها، سواء في الأسس أو في النتائج. فهو يعجز أحياناً عن تتبع تبعات فكرة ما حتى النهاية. ولا يمكن، بالاستناد إلى إطاره الفكري، قراءة تاريخ الغرب وتاريخ إيران أو تاريخ أي بلد آخر وفهمه وتبيينه وإفهامه.
ولهذا السبب، لم يكن فرديد، بهذا الاضطراب الفكري، قادراً البتة على شرح الإحداثيات المكانية والزمانية لإيران عصره. كانت لديه نظرة مثالية مفادها أن يعيش الإنسان في الروحانية، وهذا في حد ذاته لا إشكال فيه. الإشكال هنا أنه لا يستطيع أن يُظهر كيف هو الوضع الراهن ولماذا صار على هذا النحو، وكيف هو الوضع المنشود وكيف يمكن الانتقال من الوضع الأزموي الراهن إلى الوضع المنشود. لقد خلق، بنمذجته العجيبة، وبمجرد استخدامه لبعض المصطلحات الفلسفية والعرفانية والدينية، ثنائيات لا تصلح لدراسة التاريخ والثقافة فحسب، بل إن استخدامها يجعل النظرة غير واقعية إلى حد بعيد، حتى إن من يضع هذه النظارة على عينيه يغدو، في أحسن الأحوال، دون كيشوت يرى أشياء ويحارب أشياء لا وجود حقيقياً لها. أما إذا كان من يضع هذه النظارة على عينيه لا يتحلى بصدق دون كيشوت وشرفه، فالويل لمن يتعرضون لسيفه ورمحه، وهو ما حدث مع الأسف في حالة فرديد نفسه.
ثمة شواهد كثيرة جدًا تحكي عن أَنانيّته وذاتيّته وأَسْرِه هو وبعض أنصاره في قبضة النفس الأمّارة. فمجرد قبوله أن يصبح عضو هيئة تدريس في قسم الفلسفة، حاملًا لقب دكتور وبمرتبة أستاذ جامعي، دون أي مؤهل علمي أو مسوّغ نظامي سليم، وأن يتمتع بحقوقه ومزاياه، هو تجلٍّ واضح للنفس الأمّارة. وانتهازيّته قبل الثورة وبعدها لا نظير لها. فقبل الثورة، وبحسب قول إحسان نراقي، كان يعتبر محمد رضا شاه بهلوي رمزًا للفرّة الإيزدية وذا شخصية كاريزماتية، وتعاون في صياغة أيديولوجيا حزب رستاخيز. وهذا الشخص نفسه ذو الفرّة الإيزدية يصبح بعد الثورة «محمد رضا بالاني ابن رضا بالاني». ففريد، الذي يشهد نصر الله بورجوادي[3] بأنه «في أوائل الثورة، كان يسخر من رجال الدين ويقول: ’الإكليروس [بدلًا من آخوند ورجل دين] لا يستطيع إدارة البلاد‘، أصبح بعد الثورة ما نعلم. وكان، وفقًا لبورجوادي أيضًا، «بعد الثورة يشتم بعض الثوريين المسلمين [مثل بازركان وشريعتي] صراحةً ويصفهم بأنهم أسرى للنزوات النفسية، بينما كان هو غارقًا في النزوات النفسية ونفسه الأمّارة أشد من أي أحد.» يؤسفني ألا أقرأ جملًا أخرى من نصر الله بورجوادي، الذي حضر دروس فريد ونال عنده درجات، وكانت له معه في يوم من الأيام توافقات: «أي شخص أراد تحطيمه، كان ينعته باليهودي والصهيوني والماسوني. لم يكن ينقد فكر أحد. إن لم يعجبه شخص، وصفه بأنه سقيم الفكر. حينما كان ينبغي ألا يسيء القول في النزعة الإنسانية، كان يقول أبشع الكلام باسم الله والنبي عن النزعة الإنسانية. لم يكن وراء هذا الذم للنزعة الإنسانية جهل وحماقة، بل خبث طينة وشر كامن. كان يتحدث لبعضهم عن التزكية الثورية. لو آلت إليه السلطة، لما كان ليقل عن موسوليني، لا عن بول بوت في كمبوديا. هذا العجوز الخردواتي لم يبقِ ماء وجه لأهل الفلسفة في البلاد. بعد الثورة، وبسبب مواقفه السياسية، تعرض لانتقادات لا هوادة فيها ومهينة، وكانت هذه الانتقادات تطال شخصيته في الغالب. وكان يستحقها! وأنا نفسي لو سنحت لي الفرصة، لوجهت إليه هذا النوع من الانتقادات. ألاعيبه السياسية الكريهة بعد الثورة أذهبت ما تبقى من ماء وجهه كأستاذ فلسفة في جامعة طهران. وبهذه الحركات السوقية الماكرة جعل الناس لا يأخذون على محمل الجد حتى الكلمات الأربع الجادة التي قد تكون عنده. كلام جاد؟ فريد والكلام الجاد؟ إن كان ثمة من يوافق بعض كلامه من بعض الوجوه، فإنهم خوفًا من فقدان ماء الوجه والحقارة التي أوجدتها شخصيته، لم يجرؤوا على الإفصاح. وأنا أيضًا، بطبيعة الحال، لم أحبذ أن أنحاز إلى فريد وحركاته الثورية وكلامه، وكلما سنحت الفرصة كنت أتبرأ منه.»
وبصلة بكلام بورجوادي، ينبغي الإشارة إلى قول داريوش آشوري بأن عددًا ممن ألحقوا بعنفهم الكارثي تكلفة باهظة بالأمة والبلاد كانوا يترددون على فريد[4]، أي يترددون على شخص لم يكن يؤمن بالثورة قبل الثورة البتة، بل لم تكن لديه أية أصولية في المعتقدات الدينية حتى.
لقد سمعت بنفسي من أشخاص، وقرأت أيضًا، أن فريدًا قبل الثورة، وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنه للدين والمقدسات الدينية، لم يكن يؤمن بشيء، وكان فاقدًا للأصولية اللازمة والأخلاق الجديرة في الالتزام بمعتقدات معينة والحفاظ على التعهد والالتزام العقدي.
وعلى الرغم من عدم رغبتي الشخصية في فضح أحد، فإنني مضطر، من أجل التسجيل في التاريخ ولفت انتباه جميع الأفراد الصادقين والمشفقين والمسؤولين أمام التاريخ، أن أذكر مثالًا آخر لغلبة النفس الأمّارة، وهذه المرة لدى أحد أتباع فريد (الذي لم يكن يقبل في تاريخ الفكر كله أحدًا سوى هايدغر، وبالطبع فريد وشخصه هو)، وذلك في ظل هذه الجمهورية الإسلامية نفسها التي كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم من أنصارها المخلصين. الشخص الذي أعنيه أقدم على هذا العمل غير القانوني وغير الأخلاقي بأن عبث بشهادة الماجستير في تخصص المكتبات وحوّلها إلى دكتوراه في الفلسفة، بحيث كان يحمل لقب دكتور، وتوظف به في الجامعة، ونال رتبة أستاذ مشارك، واعتبر حقوقه ومزاياه حلالًا كحليب الأم، وتمتع بها هو وأسرته. أشعر بالخجل من أني ذكرت هذا الأمر. لكنني أقنعت نفسي أخلاقيًا بأن رواية هذا الأمر تصب في صالح الصدق والحق وسلامة التعليم والبحث والتفكير الفلسفي.
السؤال السابع: أستاذنا الكريم، بالنظر إلى أن البعض يحاولون، عبر إنكار المشروطية، العودة إلى نفس النقطة التي كانت السلطنة المطلقة القاجارية تقودها، فإنهم لا يستطيعون إدراك أن «المشروطية جزء ماهوي من تاريخ إيران» ولن تُمحى منه أبدًا. المشروطية هي بلورة لنشاطات وإنجازات متعددة الأوجه لجميع دعاة المشروطة في مواجهة شتى أنواع معارضيهم، ولا يمكن اختزالها في وجه واحد وتفسيرها وفقًا للهوى. مع الثورة الدستورية، جلس ممثل الإنسان الإيراني في مجلس الشورى الوطني وسنّ القوانين لنفسه. ما هو تفسير هذا الأمر من وجهة نظركم في فكر فرديد؟
* أكرمي. للأسف، فإن فرديد، في إطار عدائه للإنسانية والحداثة والعقل البشري وإيمانه بسلطة الطاغوت والتغرب، استهدف بالتحديد هذا الفهم الذي تطرحونه للمشروطة. بالطبع، لم تكن لديه الشجاعة الكافية قبل الثورة ليتغلب على انتهازيته ويتحدث علنًا في ذم المشروطة ودستورها، إلا أن يُخفي كلامه في أدبياته المشوشة نفسها، أو أن يهاجم المشروطة من موقف يرضي محبي سردار سبه. كان آل أحمد الشخص الوحيد الذي ينتمي على أي حال إلى جبهة فرديد، وقد ضرب الحجر بالحجر في نقد المشروطة ومدح الشيخ فضل الله ودعاة المشروعة والتفجع على انتصار المشروطة أكثر من أي شخص آخر. مع انتصار الثورة، سنحت الفرصة لفرديد ليعبر عن معتقداته حول الثورة الدستورية ودستورها. في أوائل عام 1362، أرسل فرديد أفكاره المتفرقة في قالب مقالة بعنوان «المشروطة وعلاقتها بدفع الفاسد بالأفسد»[5] إلى صحيفة كيهان لنشرها. يبدو أن المقالة نُشرت في 13 أمرداد 1362، لكن بعض الأشخاص منعوا نشرها، ولذلك قصته الخاصة. هذا النص متاح الآن. تبدأ المقالة بأبيات جامي الثلاثة الشهيرة التي كانت دائمًا ورد لسان فرديد[6]. ثم يشرع في طرح مباحث غير مترابطة كثيرًا ليشرح مثلًا أسسه الفكرية وفلسفة تاريخه ويحدد مكانة الثورة الدستورية في جغرافية فلسفة التاريخ هذه. يتناول جذور المشروطة وحركة التنوير والتنوير الفكري، ويقول عن التنوير الفكري: «في بلادنا، لم يكن التنوير الفكري ولن يكون سوى خليط من الاستنارة الفكرية وخصوصًا التنوير الفكري الذي فُسّر على أنه تفكير، خصوصًا مع دعايات العهد الشاهنشاهي التي لم تكن مناصرتها في الباطن سوى من الاستنارة الفكرية اليهودية والماسونية والصهيونية.»
وهنا أود أن أقول إن فرديد كان يعتبر الدور الأساسي في الإنسانية والنهضة والحداثة والعقلانية لليهود والماسونيين، وكان ينفي أي فكر تنويري وحداثي وإنساني بوصمة «يهودي وماسوني وصهيوني». أنا مضطر لنقل اقتباسات من هذه المقالة المزعومة ليكون كلامي أكثر استنادًا. لو قرأ أحدهم هذا النص بدقة، لوجد فيه عشرات الأخطاء الكتابية والمغالطات المعنوية. على أي حال، بعد الجملة أعلاه يقول: «الحقيقة هي أنه في العصر القاجاري، كان الإسلام يجتاز فترة فساده ومسخه. ما كان موجودًا هو الظلم والجور والاستبداد. كان الناس عمومًا يطالبون بالثورة، بمعنى تجاوز هذا الظلم والجور، لكن مسيرة التاريخ والحوالة التاريخية والدعايات كانت على نحو جعل ما بسط هيمنته على المشروطة هو نفس التغرب والعدمية وازدواجية الطاغوت ومكر الليل والنهار وازدواجية الفلك، والاستنارة الفكرية بكل لوازمها، وقبل كل شيء القبلة اليهودية.»
يتضح من عنوان هذه الكتابة ذاته ما يحمله من تصور للمشروطة. إنه يتخذ موقفًا مخالفًا للعلامة النائيني الذي وصف المشروطة بأنها «دفع الأفسد بالفاسد»، ويرى فيها، انطلاقًا من نزعته الرجعية المستمدة من فلسفته للتاريخ، «دفع الفاسد بالأفسد». فمن وجهة نظره، إذا كان النظام الاستبدادي القاجاري فاسدًا، فإن المشروطة في نضالها ضد هذا النظام «الفاسد» كانت هي ذاتها «أفسد». ويبلغ به إنكار المشروطة حدًا يخطّئ فيه حتى أولئك الذين دافعوا عنها من منطلق التزامهم بالإسلام، فيقول: «في العصر الحديث، لا وجود للكتاب والسنة، وما يكتسب الأصالة هو الناسوت التكويني (الطبيعة) ذاته. وتكليف الإنسان هو الدراسة في الكتاب الناسوتي واستنباط الأحكام الخبرية والإنشائية من هذا الكتاب، لا من الكتاب التدويني. هذا النمط من الأقوال والشعارات هو ما يستحوذ على صحافتنا مع الثورة الدستورية، ويتم الترويج لكثير من القضايا التي لا صلة لها بالإسلام. ومن ذلك القول بأن ما لدى الغرب الحديث، من نهضته وإصلاحه الديني إلى إعلان حقوق الإنسان، مأخوذ من الإسلام ومن عقل الإسلام. وهكذا يُدافع عن ديانة الإسلام المقدسة والإيمان الإسلامي بوصفه مذهب أصالة الرأي والعقل (العقلانية)، وبهذا الطريق، عن دراية أو غير دراية، يجتمع العقل الديني الإسلامي مع العقل الحداثي القائم على الذات والعدمي، بل ومع العقل الفاسد والمفسد الماسوني اليهودي.»
شخص كان أستاذًا لقسم الفلسفة، ومن المفترض أنه كتب هذه الكتابة بعناية فائقة، يمتلك هذا النثر. هيهات! وفي المتابعة أقرأ جملة أخرى من المفترض أنها كاملة: «مع الثورة الدستورية تنقلب ولاية المتشرطنة بعضهم على بعض وولايتهم لإله هؤلاء المتشرطنة إلى ولاية شيطانية، وهذا نفسه، مع الدفاع عن نهضة الحرية والتطلع للحرية والأخوة والتطلع للأخوة والمساواة والتطلع للمساواة.» (تبقى الجملة ناقصة هكذا.) وأضيف أيضًا أنه رغم ورود تعبير «دفع الفاسد بالأفسد» في عنوان الكتابة، فإن التوضيح الوحيد الذي يورده في المتن نفسه حول دفع الفاسد بالأفسد هو: «إن إنسان اليوم يقف على شفا الموت من الهيستوريسيسم (مذهب أصالة الكل التاريخي) ودفع فاسده بأفسد الهيستوريزم (مذهب أصالة علم التاريخ في اصطلاح كارل بوبر الماسوني الصهيوني) ــ كليهما ــ والتجاوز لهذا الطريق التاريخي المسدود للهيستوريسيسم الفاسد والهيستوريزم الأفسد وعواقبهما الوخيمة، هذا هو سبيل الخلاص وطريقة نجاة الآدمي.» هيهات من هذه الجملة التي من المفترض أنها روجعت بدقة مرات عديدة!
رغم أنه يمكن استيعاب رأي فرديد حول الثورة الدستورية من عروضاتي السابقة، إلا أنني أعرض نقاطًا أخرى للتوضيح. فرديد، بقراءته العجيبة ذاتها لتاريخ الإنسان، لا يمكنه أن يقبل أن يجلس الإنسان في المجلس ويشرّع القانون بدلًا من الله، أو بدلًا من ممثل الله من وجهة نظره. إنه يرى، بتلك النظرة المنحرفة ذاتها للتاريخ، حركة المطالبة بالدستور في إطار التاريخ الإنساني الغربي. ونحن نقبل بالطبع أننا تأثرنا بالغرب في كثير من المنجزات المتعلقة بالفكر السياسي والحقوق وفلسفة الحقوق. لكن لا ضير في هذا إذا قبلنا أن منجزات الغرب هي جزء من منجزات البشرية، وأن أولئك الفلاسفة السياسيين الغربيين (الذين طرحوا هذا النمط من الأفكار السياسية المرتبطة بالحرية والديمقراطية والمجلس والقانون الأساسي... وكذلك الشروط المثلى للعيش الاجتماعي في إطار العقد الاجتماعي مثلًا) هم مفكرون تمكنوا، في ركن من أركان العالم وبحسب مقتضيات الظروف، من تحقيق مثل هذه المنجزات. هذه ليست منجزات صغيرة أو تافهة. لكن فرديد متشائم كليًا من هذا التاريخ، ويحكم على أي استفادة منها بنظرة سلبية.
قبل الثورة، مع قيام «حكومة الشاهنشاهية»، قال فرديد على ما يبدو أشياء في قالب كلماته المبهمة في حواره التلفزيوني عام 1354 مع علي رضا ميبدي. أتذكر بنفسي بث هذا الحوار الذي كان نموذجًا ساميًا للتفكير المشوش. على أي حال، لم يكن لديه أي نقد جاد للثورة الدستورية. وبكل دهشة، في محاضرته بتاريخ السادس من أمرداد 1359، نصب نفسه بطلًا لمعارضة الثورتين: الثورة الدستورية وثورة الشاه والشعب. كان فرديد يعلم أن دعاة الدستور كانوا يدافعون عن الحقوق والحرية. لم يكن يستسيغ هذه الأمور. وبخاصة بعد الثورة، سنحت الفرصة ليعلن حقده على الدستور بألفاظ حادة في قالب كراهية لليهودية والصهيونية والماسونية. كان يعتقد أن أي حركة للفلاسفة الجدد في إطار الفكر السياسي تصب في اتجاه رغبات «اليهود» أو «الماسونيين».
بالطبع دافع الماسونيون في مرحلةٍ ما عن شعار «الحرية والمساواة والأخوة» في الثورة الفرنسية. في ذلك الوقت، كانوا على أي حال ممثلين لجزءٍ من «البرجوازية التقدمية» التي تجلت شعاراتها في الحرية والأخوة والمساواة. وحتى لو قبلنا أنهم كانوا في منظمات وجمعيات سرية، فإننا لا نستطيع على كل حال أن نتجاهل الدور التقدمي لجزءٍ منهم ونحكم عليهم جميعاً حكماً واحداً. كان الكثيرون منهم صادقين في خطاباتهم، ولذلك كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون بهذه الطريقة أن يدفعوا بأفكارهم إلى الأمام على نحوٍ أفضل. لكن الماسونية فيما بعد، في بلدان مثل بلدنا، اصطفت في مواجهة المصالح الوطنية، وظهرت محافل متنوعة حتى لو انضم إليها أفراد مخلصون، كانت في مجملها تخدم مصالح الأجانب. نسب فريد كل ما يندرج في إطار الشعارات المطالبة بالحرية والعدالة إلى التغرب والطاغوتية اليهودية والصهيونية والماسونية. وبهذه النظرة تناول الدستورية واعتبر الحركة الدستورية في خدمة تحقيق الشعارات الصهيونية والماسونية.
بعد الثورة، أصبح فريد أكثر راديكالية في نظرته السلبية إلى الدستورية، وفي مقالته الشهيرة اعتبر الدستورية دفعاً للأفسد بالفاسد، وكأنه سخر من «الميرزا النائيني» وأنصاره. أي عقل سليم يقبل شيئاً كهذا؟ تعبير كتعبير فريد ناشئ عن نظرة كليلة، ناشئ عن فكر مريض، وناشئ عن فهم خاطئ للتاريخ. كيف يمكن تجاهل تضحيات عددٍ من أولئك الذين كرسوا أنفسهم بصدق، في سياق التطورات الإيجابية المطالبة بالعدالة والحرية، من أجل حياة أفضل لأبناء وطنهم وتقدم البلاد وعمرانها؟ لقد سعوا فكراً وعملاً من أجل رفعة البلاد وتحقيق حقوق الناس، وكانت ثمرة جهودهم «المجلس الوطني» و«القانون الأساسي» كميثاق وطني. مع انتصار الثورة أو الحركة الدستورية، تمكن عدد كبير جداً من الناس من جميع أنحاء البلاد من الوصول إلى مجلس النواب. محاضر جلسات المجلس، لا سيما في الدورات الأولى، تدل على الفهم الرفيع للنواب لحقوق الناس والمصالح الوطنية. قراراتهم لا تقارن بزمن كان فيه مثلاً «ناصر الدين شاه» أو أي شاه آخر، بصفته صاحب القدرة المطلقة، يفعل ما يشاء بأرواح الناس وأموالهم وأعراضهم.
أي عقل سليم يفضل الحكم القاجاري على الدستورية؟ فريد وقع للأسف في هذا الخطأ. أنا أفكر فيه و«أحكم عليه» بأنه بعد الثورة، حين سنحت له الفرصة، عاد بانتهازيته المتجذرة إلى المطالبة بالمشروعة ونفي الدستورية، وقد تفوق في هذا على معظم رجال الدين ذوي المناصب في الثورة بمراحل. مكتسبات الدستورية لا يمكن نفيها أبداً. عدد من أنصار فريد وجلال آل أحمد، الذي كان بدوره متأثراً بفريد، روجوا نظرة إلى عصر النهضة والإنسانية والحداثة الغربية والدستورية أدت دوراً سلبياً في الفضاء السياسي للبلاد، ولم تكن في صالح البلاد على الإطلاق. فريد والفريديون لم يتجاهلوا جهود ومكتسبات أنصار الدستورية فحسب، بل إنهم التفتوا إليها نوعاً ما لكي يدوسوها بأقدامهم بكل قوة. من الواضح أنني لا أعني أن الدستورية لم تكن فيها عيوب ونقائص. لا شك أن عيوباً ونواقص كانت موجودة أيضاً، ينبغي دراستها بنظرة باثولوجية نقدية، كما فعل حتى الآن الكثير من الباحثين المخلصين والواعين. يمكن القبول بأن تطرفات حصلت، وأنه مثلاً ما كان ينبغي إعدام الشيخ فضل الله النوري. لكن لا يمكن اعتبار الدستورية دفعاً للأفسد بالفاسد واعتبارها أسوأ من الحكم القاجاري.
السؤال الثامن: في الختام، إذا كانت هناك ملاحظة أو نقد آخر تعتقدون أننا لم نشر إليه، فهل تتفضلون بذكره؟
* أكرمي. لقد أوجزت النقاط المهمة في سياق هذا الحوار. لكن اسمحوا لي أن أضيف أننا حين ننظر إلى بروز شخص مثل فرديد و«ظهوره» و«سقوطه»، ينبغي لنا أن نستخلص الدروس، وأن نراقب بعناية، متسلحين بهذه الدروس، لنرى إن كنا قد تجاوزنا حقاً ظاهرة كهذه أم لا. إن كنت أستخدم كلمة سقوط، فليس قصدي الإهانة لشخص فرديد أو لأنصاره في الأمس واليوم. لقد مارست نقد الفكر وإساءة استخدام الفكر، ولم أتناول الشخص والشخصية إلا بقدر ما رأيت أن الالتفات إليه يصب في صالح الفلسفة وصالح البلد وصالح الجامعة. ربما لا يزال هناك من يؤمن بفرديد، وآمل ألا يكونوا قد شعروا بالانزعاج من تعابيري هذه. على كل حال، كان فرديد ظاهرة ربما لو لم تتخذ الثورة هذا الوجه، أو لو كان فرديد قد توفي قبل الثورة، لما برز بالقدر الذي برز به بعد الثورة، ولما وجد أنصاراً أقوياء استطاعوا أن يؤدوا أدواراً في مجالات مختلفة من السلطة السياسية.
مهما فكرت، أقول في نفسي: ليت ظاهرة فرديد لم تكن لتحدث في بلدنا. إنني أحترم هواجس هؤلاء الأفراد، بل وحتى هواجس فرديد نفسه التي كان من الممكن أن تكون نابعة من صدق وإخلاص للبشرية وللإنسان الإيراني وللمسلمين، لكن هذه الهواجس، بالصورة التي تجلت بها في فرديد، اتخذت شكلاً مشوهاً، بل وقبيحاً وساماً ومدمراً. هو بعد أن جاء من يزد إلى طهران، والتحق بالمدرسة الثانوية، ودرس بعض العلوم الحوزوية، ثم ذهب إلى دار المعلمين العالية لدراسة الأدب في مرحلة الليسانس، نشأ لديه اهتمام بالفلسفة. من الواضح أن شخصاً كهذا لم يكن هادئاً، كانت لديه هواجس، وكان يفكر في أفكار جيدة ومفيدة. بل كان يسعى للدراسة والتعلم أكثر من كثيرين غيرهم ممن كانوا يبحثون فقط عن الشهادة. مقالته الأولى التي نشرها عام 1316 حول برغسون تدل على هاجسه. كان يريد أن يكون أكثر من مجرد معلم بسيط. كان يريد، رغم أن شهادته في الأدب الفارسي، أن يشتغل بالفلسفة أيضاً. بطبيعة الحال، المقالات التي كتبها من عام 1316 إلى 1325 ليست مقالات قوية، بل يبدو أنها ليست أصيلة وتتخذ شكل الترجمة. لا أعرف عددها، لكن من المستبعد أن تكون قد تجاوزت في المتوسط مقالاً واحداً في السنة. إذن، لم تكن هذه المقالات ذات أهمية كبيرة لا من حيث الكم ولا من حيث الكيف. يجب ألا ننسى أن فرديد كان يكتب هذه المقالات في وقت كانت فيه مجلدات رائعة مثل كتاب «سير الحكمة في أوروبا» لمحمد علي فروغي قد نُشرت (1310) أو كانت قيد النشر (1318 و 1320). بالإنصاف، أين علم فروغي ونثره من علم فرديد ونثره؟ وأين النظام الفكري والعقلانية المدهشة لدى فروغي من التفكير المشوش والعداء للعقل لدى فرديد؟
تأثر فرديد في البداية ببرغسون، لكنه رفضه لاحقاً بوصمة اليهودية. ذهب فرديد بعد عام 1325 إلى فرنسا. كيف استطاع بشهادة الليسانس في الأدب أن يلتحق بمرحلة الدكتوراه، هذا الأمر ليس واضحاً لدي. طبعاً، لا ننسين أن دكتوراه المرحلة الثالثة في فرنسا كانت تُمنح، حتى بهدية في حجم سجادة صغيرة، لأشخاص غير متعلمين في ما يسمى بالعالم الثالث، ومنهم عدد كبير نسبياً من الإيرانيين. على أية حال، سمعت هذه الرواية أنه تقدم حتى مرحلة كتابة الأطروحة ثم ترك دراسته في فرنسا وأوصل نفسه إلى هايدلبرغ. كان من الممكن نظرياً أن يذهب إلى محضر هايدغر ويحضر دروسه. لكنه لم يستقر في مكان واحد، وعاد في النهاية إلى إيران دون أي شهادة، وبفضل سابقته في التعليم وتلك المقالات القليلة التي كتبها قبل الذهاب إلى فرنسا، وبدعم من إلمامه النسبي باللغات الفرنسية والألمانية والعربية، استطاع في ظروف تلك الأيام أن يحصل على وظيفة معلم أو مربٍ في دار المعلمين العالية.
يبدو أنه تعرف أولاً على أفكار كوربان، ثم من خلال كوربان على أفكار هايدغر. حتى لو كان يعرف هايدغر قبل تعرفه على كوربان، فإن المصدر الرئيسي لمعرفته بهايدغر كان كوربان على أية حال. كان في البداية شديد الاهتمام بكوربان. كان كوربان يحمل هواجس فرديد المحتملة بشكل أعمق وأكثر اتساقاً. كان يعرف هايدغر والفلسفة الشيعية بشكل أعمق وأفضل من فرديد. بعد الثورة، أدى فرديد دينه لكوربان وفق أسلوبه المعتاد، فوصفه بالجاسوس والماسوني! على كل حال، شخص كهذا، بما أطلقه من أحاديث، وبالشهرة التي اكتسبها من ذكر آل أحمد له في بداية كتاب التغرب، أصبح ما أصبح في الجامعة بناءً على تدخل غير قانوني.
كان من بين تهويمات فريديه المتهافتة الأخرى اهتمامه بعدد من الكلمات المفتاحية في ما يسمى منظومته الفكرية وسعيه إلى تأثيلها والخلط العجيب والربط الغريب بين كلمات من ثقافات وسياقات مختلفة، وهو ما كان يفتقر في أغلبه إلى أي أساس علمي. بل إنه ادعى أنه بصدد كتابة معجم فلسفي ضخم يريد فيه أن يبين، على سبيل المثال، ما لجميع كلمات اللغة الفارسية من صلات بعضها ببعض وبكلمات من لغات أخرى. وكانت مبالغاته في ظروف تلك الأيام من عوامل شهرته وإرهاب الآخرين أمامه. كل هذا، إلى جانب اهتمامه بالتراث والدين، طبعاً بروايته الخاصة التي لم تكن تتعارض مع نظرة الجهاز الملكي، أدى به إلى أن يحظى، كما قلت، بدعم أناس مثل «إحسان نراقي» و«سيد حسين نصر»، ومع الأسف الشديد، دخل شخص لا يحمل سوى إجازة في الأدب الفارسي إلى قسم الفلسفة في جامعة طهران. صار معلماً أولاً ثم، والحال أنه أشد الناس عداءً للفلسفة في قسم فلسفة، صار أستاذاً للفلسفة. وتحول إلى «الدكتور سيد أحمد فريديه»، واكتسب لنفسه أبهة وفخفخة لا نظير لهما.
ينبغي أن أقول إن لدينا في معاداة الفلسفة، على سبيل المثال، الغزالي أيضاً. لكن أولاً، كتب الغزالي في الفلسفة مثلاً «مقاصد الفلاسفة» الذي يدل على فهمه العميق للفلسفة الأرسطية-السينوية. كان متعاطفاً مع المنطق ويفهمه. كانت نظرته دقيقة وفي سياقها الدلالي ذات اتساق وانسجام داخلي. كذلك عندما نقرأ كتاب «تهافت الفلاسفة»، فإن حضور الدقة والاستدلال فيه واضح تماماً. هذا يعني أن للغزالي موقفاً معادياً للفلسفة قائماً على أسس منطقية وأسس نظرية خاصة؛ ثانياً، للغزالي آثار جليلة في مجالات أخرى لا تساوي جميع آثار فريديه في الدقة والمتانة والصلة بالموضوع قدر صفحة واحدة من أحدها. ثالثاً، لم تمنح النظامية في بغداد الغزالي رتبة الأستاذية في الفلسفة مثلاً! لكن في إيران القرن العشرين، شخص كان يصف «سقراط بأنه مسيلمة الكذاب» وينسب الزندقة إلى جميع فلاسفة العالم الإسلامي، وبخاصة ابن سينا، ويقول إن ابن عربي والملّا صدرا قد أعورا عيني التصوف بالتناوب بسبب استخدامهما للاستدلال الفلسفي أو العقلي، صار في قسم الفلسفة في أهم جامعة في البلاد، بغير حق، أولاً دكتوراً، وثانياً دكتوراً في الفلسفة، وثالثاً أستاذاً كرسياً في الفلسفة. «في أي موضع من هذا الليل البهيم أعلق جبتي الرثة؟»
في مزيد من التوضيح، أقول بجرأة إن فريديه لم يستطع حتى التركيز الفكري على موضوع واحد، كأن يتحدث مثلاً لدقيقتين أو يكتب مادة في حدود عشرة أسطر. كان يقفز باستمرار من غصن إلى غصن، ولم تكن كلماته مفهومة لأحد. وما تبقى الآن في ما يسمى كتاباً، أو بالأحرى كشكول تخيلات ذهن مريض، باسم «ديدار فرهي وفتوحات آخر الزمان»[7] لا يليق بأي حال بذهن متوسط سوي. طبعاً ينبغي أن نكون شاكرين للسيد مددبور لأنه نشر كلمات فريديه دون تغيير أو تصرف. وبهذا الحساب، فإن ما نشره السيد ديباج يبدو مصحوباً بتصرف أو ما يسمى بتحرير منه هو[8]. طبعاً، قام عباس معارف بالتأليف في إطار رؤية فريديه وأبدع أثراً يتمتع ببنية وانسجام داخلي. ربما يمكن القول إن ما كان فريديه يحمله في ذهنه ويعبر عن أجزاء منه بين حين وآخر في فوضى وتقطع واضطراب قد وجد تعبيراً واضحاً ودقيقاً لدى شخص مثل عباس معارف[9].
في هذه الحال، كان فريديه عيياً جداً، أو ربما كان أبكم رأى حلماً فعرض تقريراً مؤلفاً من آلاف الشذرات عما رآه في الحلم. بل ربما يمكن القول، بالنظر إلى كتابة معارف، إن فريديه لم يكن عيياً فحسب، بل إما أنه رأى حلماً مضطرباً أو أنه نسي حلمه. أمام نص معارف يمكن، مع الاحتفاظ بالموقف المخالف، أن نقف احتراماً. نصه قائم إلى حد كبير على أسس محددة وله انسجام داخلي. يمكن أن يقال لفريديه، كما يقول أرسطو في «معاداة الميتافيزيقا أو الفلسفة يجب أن تكون أنت نفسك ميتافيزيقياً أو فيلسوفاً». إذا حكمنا استناداً إلى تقرير يحيى مهدوي حول إعادة كتابة فريديه للمقدمة ذات الأربعين صفحة لكتاب «ما بعد الطبيعة العامة أو الميتافيزيقا»، فلا يمكن اعتبار عمله من الدرجة الأولى. هذا هو النص الوحيد القيّم لفريديه من عام 1325 حتى وفاته، أي طوال ثمان وأربعين سنة. هل كان هذا كافياً لأستاذية الفلسفة؟
لذلك، عندما أنظر إلى الماضي، كما أنظر أحياناً إلى أيامنا هذه، ينتابني حزن شديد، على الجامعة، وعلى البلد، وعلى الفلسفة، وعلى أنفسنا. لم يكن فريد وأمثاله مثقفين، كلا لم يكونوا. ولم يكونوا فلاسفة أيضاً. لقد كانوا أعداء للمثقفين أو ضدّ مثقفين، وأعداء للفلسفة أو ضدّ فلاسفة، وفي رواية معوجة لتاريخ النشاط النظري والعملي للإنسان، لم ينشروا سوى الكراهية لهذا التاريخ، والتيه في مواجهة الحاضر والمستقبل. من هذا المنطلق، وعلى الرغم من الضعف الذي أصاب تيار الفرديدية، فإن جهدكم، مجلة قلمياران، جدير بالثناء، إذ تعودون بين الحين والآخر إلى هذه التيارات، لكي نقول لأنفسنا ولجمهوركم، من خلال إعادة قراءتها، أي تيارات وبأي خلفيات جلبت أي بلاء على التفكير الأصيل في هذا البلد، وأي أشخاص حقيقيين واعتباريين دعموها، وأي مكاسب جنوها أو أرادوا أن يجنوها منها. علينا أن نكرر إعادة القراءة هذه مراراً وتكراراً كي لا نقع في النسيان التاريخي، ولكي نتجاوزها على النحو الصحيح ونمنعها من الظهور مرة أخرى بالصورة ذاتها أو بوجه آخر في ساحة الثقافة والسياسة والفكر في البلاد.
[1]. كان شاملو قد صاغ مصطلح «كاريكلماتور» لأعمال برويز شابور. وقد قمتُ سابقاً، متأثراً بشاملو، بصياغة واستخدام مصطلح «كاريموزيكارتور» لوصف أعمال البعض في الموسيقى. أما الآن، وفي وصف عمل شخص مثل سيد أحمد فرديد في الفلسفة، فإنني أستخدم مصطلح «كاريفيلوسوفيكاتور»، بكل ما فيه من غرابة في اللفظ وهيئة الكتابة والحمولة الدلالية. ويبدو هذا المصطلح، بهيئته الملتوية الشبيهة بالكاريكاتير، مناسباً أيضاً للإشارة إلى ذلك النوع من «التفلسف المعادي للفلسفة».
[2]. يمكن العثور على مقالة جوزي على العنوان الإلكتروني التالي:
http://fardidnameh.blogfa.com/post/119
[3]. نُشرت كتابة بورجوادي في عدة مواقع إلكترونية؛ من بينها، راجع العنوان التالي:
https://www.cgie.org.ir/fa/news/4566
[4] . للحصول على مقالة داريوش آشوري الممتازة، بعنوان «أسطورة الفلسفة بيننا» استخدم هذا العنوان.
[5]. لهذه الكتابة يمكنكم الرجوع إلى هذا العنوان:
http://tarikhirani.ir/Modules/News/Phtml/News.PrintVersion.Html.php?Lang=fa&TypeId=4&NewsId=1114
[6]. في ديرِ عبادةِ الصورِ هذا، كلُّ حيٍّ له نوبةُ دقِّ طبلِ الوجود
للحقيقةِ في كلِّ دورٍ ظهورٌ، ومن اسمٍ على العالمِ يسطعُ نورٌ
لو بقي العالمُ على وتيرةٍ واحدةٍ، لظلَّت أنوارٌ كثيرةٌ مستورة
[7]. فرديد، سيد أحمد، دیدار فرهی و هتوحات آخرالزمان، بجهود محمد مددبور، طهران: مؤسسة چاپ ونشر نظر الثقافية-البحثية، 1381
[8] . فرديد، سيد أحمد، آراء وعقائد سيد أحمد فرديد، بجهود موسى ديباج، طهران: نشر علم، 1386
[9] . معارف، عباس، نظرة أخرى إلى الحكمة الأنسية، طهران، نشر رايزن، 1380
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
احتمالاً فرديد مطلب حقي گفته كه مانند ديگر برملاكنندگان واقعيت مكتوم مورد حمله دست جمعي بوده و مي باشد. علاقمند شدم ببينم اين واقعيتي كه در آثار او برملا مي شود چيست. وقتي كه حمله به شخصيت يك نفر راه آسان جلب توجه است رعايت اخلاق كم ياب مي شود و هر كسي به جان آبروي او مي افتد تا از تخريب وي اعتبار كسب كند. اين يكي از واقعيات تلخ جامعه بشري است كه جمع ها از بيرون طور ديگري به نظر مي رسند. مردمي كه ناآشنا با فلسفه هستند تحت تاثير واژگان پر طمطراق، حقه هاي منطقي و وربياژ فلاسفه قرار مي گيرند اما نمي دانند كه اگر تظاهر افاده و گيج كردن مخاطبين و كلاژ حرف هاي اين و آن را از آن حذف كني هيچ بر جا نمي ماند.