اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مرَّ رحيل هنري سبيرا، الناشط في مجال حقوق الحيوان، دون أن يُلتَفت إليه، غير أنَّ حياته تُبيِّن أنَّ بوسع كل فردٍ بمفرده أن يُحدِث أثراً عظيماً في العالم. يقول سينغر إنَّ المرء يستطيع أن يمنح حياته معنىً من دون دين، وأن يسعى لتخفيف معاناة الحيوانات.

كان من شأن وفاة أحد أهم وأكثر الأشخاص تأثيراً في مجال حقوق الحيوان أن يثير مجدداً العديد من القضايا ويجذب الانتباه، ولكن في 13 سبتمبر 1998 عندما توفي –أي هنري سبيرا– لم تحظ وفاته للأسف بأي اهتمام يُذكر ولم تسترعِ الانتباه، ولم نشهد سوى تخصيص ثلاثة أعمدة مقتضبة لنعيه في "نيويورك تايمز". غير أن حياة هنري سبيرا تنبهنا جميعاً إلى نقطة بالغة الأهمية لا تقتصر على حركة الدفاع عن حقوق الحيوان الحديثة فحسب، بل تلفت انتباهنا إلى أن أي فرد، حتى بمفرده، يمكنه إحداث تأثيرات هائلة في العالم حتى في هذا العصر الحديث. كما تذكرنا بأنه يمكن للمرء ألا يعتنق أي دين ومع ذلك يجد معنى في حياته ويجعلها ذات معنى.
.
إشارة
ينصبّ الاهتمام الرئيسي لهذا النص على موضوع معنى الحياة البالغ الأهمية والأساسي، وهو من أهم المباحث المطروحة في فلسفة الدين وفلسفة الأخلاق والأديان. ومن أخلد العبارات التي قيلت في هذا السياق ما قاله نيتشه: من عرف لماذا يعيش، استطاع أن يواجه كيفما يعيش. يسعى بيتر سينغر في هذا المقال، من خلال الإشارة إلى أسلوب حياة أحد الناشطين في مجال حماية الحيوان، وهو هنري سبيرا، إلى طرح بعض المطالب حول معنى الحياة، ويتخذ من ذلك مدخلاً للحديث عن أحد كتبه "الأخلاق في العمل: هنري سبيرا وحركة الدفاع عن حقوق الحيوان" الذي ألفه تكريماً لهنري سبيرا. البيانات الببليوغرافية لهذا النص هي كما يلي:
A meaningful life. By Peter singer. "Ethics into Action". Oxford. 1998, pp: 192-196.
كان من شأن وفاة أحد أهم وأكثر الأشخاص تأثيراً في مجال حقوق الحيوان أن يثير مجدداً العديد من القضايا ويجذب الانتباه، ولكن في 13 سبتمبر 1998 عندما توفي –أي هنري سبيرا– لم تحظ وفاته للأسف بأي اهتمام يُذكر ولم تسترعِ الانتباه، ولم نشهد سوى تخصيص ثلاثة أعمدة مقتضبة لنعيه في "نيويورك تايمز". غير أن حياة هنري سبيرا تنبهنا جميعاً إلى نقطة بالغة الأهمية لا تقتصر على حركة الدفاع عن حقوق الحيوان الحديثة فحسب، بل تلفت انتباهنا إلى أن أي فرد، حتى بمفرده، يمكنه إحداث تأثيرات هائلة في العالم حتى في هذا العصر الحديث. كما تذكرنا بأنه يمكن للمرء ألا يعتنق أي دين ومع ذلك يجد معنى في حياته ويجعلها ذات معنى.
أول مرة رأيت فيها هنري كانت في عام 1973، حين كنت أدرّس دورات تعليمية خاصة للكبار في نيويورك. في ذلك الوقت، اقترحت عليه أن يكتب ويبحث في موضوع "تحرير الحيوانات وحريتها"، وكنت أنا أيضاً في ذلك الحين أجمع مواداً لتأليف كتاب حول الموضوع نفسه. وفي تلك الأثناء، عندما طرحت هذا الموضوع في الصف أيضاً، أبدى عشرون من المتعلمين استعدادهم بحماس للمشاركة في هذا المجال – وكان معظمهم بالطبع قد شاركوا في أنشطة تتعلق به من قبل. انشغلنا لبعض الوقت في النقاش وجمع المواد حول هذا الموضوع، وفي غضون ذلك تعرفنا على بعضنا البعض. وكان بيننا شخص لفت انتباهنا جميعاً. كانت ملابس ذلك الشخص مجعّدة وشعره أشعث دائماً، بدا سلوكه متواضعاً جداً وكانت تصرفاته بسيطة للغاية، كلما تحدثت إليه شعرت وكأنني أتحدث إلى شخصية من عصابة في الأفلام. لكن هذا لم يمنع اهتمامي به، وبالطبع اهتمامنا جميعاً. كانت طريقة تصرفه وطريقة تفكيره لطيفة للغاية، واكتشفت لاحقاً أن سلوكياته كانت متأثرة بفترة نشاطه بين بحارة السفن التجارية التي ازدهرت في حقبة مكارثي، كانوا ذوي ميول يسارية تم تفكيكهم لاحقاً من قبل الحكومة المركزية. كان هذا الشخص يعمل لصالح هذه الشركات التجارية في نيوجيرسي، وعندما بلغت الاحتجاجات المدنية ذروتها، انتقل إلى جنوب البلاد، بل وذهب إلى كوبا في أوج قوة فيدل كاسترو.
والآن، بعد مرور سنوات طويلة على تلك الفترة، كان قد انشغل بالتعليم والتربية لسكان الأحياء الفقيرة والأقليات الدينية. حسناً، ماذا كان يفعل هذا الشخص، الذي أعنيه "هنري"، في تلك الصفوف وماذا كان يعلّم؟ كان قد قرأ مقالتي المتعلقة بتحرير الحيوانات وحريتها وتأثر بها بشدة، ووظف ذوقه وقريحته في هذا المجال واتخذ تلك المقالة نبراساً له. كان دائماً مشغول البال بمساعدة الفقراء والعاجزين، وفي هذا السياق لفتت قضية الحيوانات انتباهه أيضاً. لا يوجد حيوان ولا كائن عانى بقدر ما عانت فئران التجارب والطيور المحبوسة في الأقفاص، ولا حقوق دُهست مثل حقوقهم. أولى هنري هذا الموضوع اهتماماً بالغاً وكرّس مجال تدريسه لهذه القضية بالذات، وظل يبحث في هذا المجال ولم يتوقف أبداً – حتى عندما كان محروماً من الإمكانيات اللازمة. كان يعتقد أنه "لا ينبغي تعلّم العلم لمجرد العلم ذاته، إذا رأيت خللاً ونقصاً في مكان ما، فمن الضروري أن تسعى وتفكر في هذا المجال، ويجب أن تقول لنفسك: هل يمكنني أن أجد حلاً لهذا الخلل أم لا؟" وفي أحد الأيام، وقف في الصف وطرح على الجميع هذا السؤال: "إذا كنتم تريدون لهذه الجلسات أن تستمر، أليس من الأفضل، بدلاً من إجراء نقاشات فلسفية ومجردة بحتة، أن نبحث عن طرق لفك عقد هذه المشكلات؟
بعد فترة وجيزة من هذه الحادثة، غادرت نيويورك وعدت إلى ملبورن، لكن هنري كان عادةً ما يتصل بي في وقت متأخر من ليالي الآحاد، وكان دائم التواصل معي، يحدثني عن تقدمه ويطلب مني إبداء الرأي والمقترحات. ما كان يلفت انتباهي هو أن هنري كان يتمتع بالاستمرارية والمثابرة في أعماله، كما أنه حقق تقدماً ملحوظاً وابتكر حلولاً جيدة. وأخيراً، شهدنا ولأول مرة في القرن العشرين ظهور حركات تعترض على تشريح الكائنات الحية أثناء الأبحاث، وانتشرت النقاشات المتعلقة بهذا المجال بشكل أبرز وأوضح من أي وقت مضى، ونُشرت مقالات أكثر في هذا الحقل. كانت الحركة التي ذكرتها تعتقد أن الألم الذي يحدث أثناء تشريح الحيوانات الحية هو ألم لا يوصف ولا يصدق على الإطلاق. ومع تقدم العلم كل يوم، نشهد وقوع أعداد أكبر من الحيوانات في هذه المصائب. استطاعت هذه الحركة، بعد أن اكتسبت قوة واشتد عودها، أن تقدم حلولاً جيدة لمنع هذه الأعمال وأن تأتي بآثار عملية طيبة. في غضون عامين، تمكن هنري ورفاقه من منع إجراء بعض التجارب الغريبة التي كانت تُجرى على الحيوانات، على سبيل المثال، أوقفوا استمرار التجارب التي كانت تُجرى في المتحف الطبيعي الأمريكي - والتي كان يتم فيها حقن القطط بمحاليل تصيبها بالشلل والعجز الجنسي - بل واستطاعوا أن يفرضوا حظراً قانونياً على تلك الأعمال، ثم توجهوا إلى شركة ريفلون حيث كانوا يُضعفون بصر الأرانب ويجرون تجارب في مجال الرؤية. لقد تمكنوا من التأثير على إجراءات التجارب التي كانت تتم في هذه الشركات، بل واستطاعوا إثارة احتجاجات شعبية في هذا الشأن، حتى أننا نشهد اليوم أن مثل هذه التجارب على الحيوانات لم تعد تُجرى في هذه الشركات.
بعد عقد من الجهود الجديرة بالثناء، استطاع هنري أن يخفف من دخول بعض الآلام على الحيوانات، فقد كرس كل وقته واهتمامه للمسائل المتعلقة بمجال الحيوانات. كان يرى أنه إلى جانب الحيوانات التي تخضع لتجارب متعددة، تُقتل ملايين الحيوانات أيضاً لتوفير الغذاء للبشر. كان إنتاج الغذاء من الحيوانات أهم وأوسع مجال استرعى انتباه هنري.
إن الطريقة التي يتعامل بها البشر مع الحيوانات اليوم، بل ومع البيئة، خاطئة للغاية. لقد تسبب البشر، باستخدامهم أساليب خاطئة في الزراعة، في أضرار لا يمكن إصلاحها. ومن هنا، كُرّس العقد الأخير من حياة هنري للاهتمام بحيوانات المزارع. كان من أكثر مبادرات هنري بعداً للنظر أنه استطاع إنشاء مركز أبحاث لـ"الكائنات الحية في المستقبل" في جامعة هوبكنز، والذي يُعد اليوم أحد أعرق مراكز البحث في العالم، ويولي اهتماماً خاصاً بالصحة العامة والبيئية والحيوانات، ويسعى لتوفير أوضاع جيدة للحيوانات. سيكون من الجيد جداً إحداث تغييرات في النظام الغذائي لشعوب العالم وتغيير طرق النظر، بحيث يسعى جميع البشر للامتناع عن استهلاك لحوم الحيوانات، وألا يقتصر هذا القرار على الدول الصناعية والمتقدمة فحسب، بل يمتد ليشمل جميع سكان العالم.
غالباً ما نتصور أنه من المحال أن يتمكن فرد واحد من إحداث تغييرات في العالم، وأن القادرين على إحداث التغيير هم فقط أولئك المتمولون جداً والأثرياء أو المحظوظون جداً ممن هم على رأس الأمور. تستطيع الشركات متعددة الجنسيات، بإنفاقها مليارات الدولارات وتوظيفها لأفراد نخبة، أن تؤثر تأثيراً كبيراً على معتقدات الناس في مختلف البلدان والمناطق. بوجود مثل هذه الشركات، كيف يمكن لمنظمات ومؤسسات صغيرة مثل حركة الدفاع عن حقوق الحيوان أن تحدث تأثيرات جيدة وملحوظة؟
غير أن نجاحاته الفنية استطاعت أن تُري الجميع كيف يمكن التأثير في المؤسسات والمنظمات الكبرى تأثيرًا هائلًا، بل والتغلب عليها. لقد تمكن، من خلال العمل إلى جانب أناس من الطبقات الدنيا والتدريس في المناطق المحرومة، من اكتساب إرادة فولاذية استطاع بها أن يثابر في عمله. إن معرفة كهذه تزيد القوة وتبعث الهمة. وبوسع كل فرد أن يقتدي به، ويتعلم المداومة في أعماله، ويخطو في طريق التقدم. إنها لملاحظة بسيطة ولكنها مهمة، أن كل فرد يستطيع بقرار واحد أن ينضم إلى جموع من اتخذوا القرار نفسه، وأن الأفراد كلهم إذا تعاونوا، فبإنجازهم أمورًا جزئية، يمكنهم أن يُحدثوا تغييرات عظيمة.
لقد أثمرت جهود هنري في التخفيف من بعض الآلام في العالم. وفي هذا الطريق، نحت لحياته معنى[1] وأضفى عليها وجهة خاصة، حتى إذا ما وقف في نهاية حياته ونظر إلى الوراء، شعر بنشوة وفرح لا يوصفان، لأنه قضى حياته في عمل كان بالنسبة له مهمًا وقيمًا ومبهجًا ومفيدًا.
ولكي أتمكن من رسم "معنى حياته" للآخرين بأفضل صورة، رأيت من الصواب أن أؤلف كتابًا عن حياته وانشغالاته، وأن أروي لجمهوري أسلوب عيشه. كان ذلك حوالي عام 1990 حين قلت لهنري إنني سأذهب إليه ذات يوم، وسأزور معه كل المجموعات والأعمال التي قام بها والمؤسسات التي أسسها، وسأرويها للآخرين ليعرفوا ما الذي فعله، وما الذي يمكن فعله للمستقبل أيضًا. ولكن مرت خمس سنوات على تلك الحادثة، ولم أستطع، بسبب مشاغلي الكثيرة، أن أفي بوعدي. غير أنه في أبريل 1996، أيدتني حركة البيئة الخضراء في مجلس الشيوخ، وكنت مرشحًا لرئاسة هذه الحركة، وفي هذه الأثناء تذكرت الوعد الذي قطعته لهنري. وفي ذلك الحين تمكنت من تهيئة مقدمات السفر، وكان من المقرر خلال ذلك أن ألقي بضع محاضرات في أوروبا خلال شهري مايو وأبريل، ثم أذهب إلى أمريكا لألقي محاضرة في واشنطن في يناير. في 21 أبريل، أرسلت فاكسًا إلى هنري وأخبرته أنني، بما أنني قد هُزمت في الترشح لرئاسة حركة حماية البيئة، فإنني أنوي أن أخصص ما تبقى من وقتي لموضوعات خاصة، من بينها تأليف كتاب عنه. قلت له إنني أريد أن أدفع بالكتاب الذي سأؤلفه عنه إلى النشر خلال سنتين أو ثلاث سنوات. وسألته إن كان بإمكاني أن أزوره قبل محاضرتي في واشنطن ببضعة أيام أم لا.
في عصر اليوم نفسه، رن الهاتف:
* مرحبًا، بيتر.
- أجبت: كيف حالك يا هنري؟
* في الحقيقة، أنا في حالة سيئة للغاية.
- لماذا؟ ما الأمر؟
* لقد أُصبت بنوع ثالث من سرطان المريء.
- ماذا يعني هذا؟ قل لي ببساطة لأفهم.
* دعني أقلها هكذا، لو خُيرت أن تختار أي نوع من السرطان تصاب به، فبالتأكيد لن تختار هذا النوع.
لم أفهم شيئًا من جواب هنري هذا. وتابع هنري قائلًا إنه مهتم جدًا بأن يتحدث حول ذلك الكتاب، لكنه لن يكون متاحًا في الفترة الزمنية التي سأكون فيها في واشنطن، لأنه سيضطر للخضوع للعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، وقد أخبره الأطباء أن الأمل في الشفاء يقارب الصفر. قال هنري للأطباء إنه إذا لم يستطيعوا فعل شيء، فسيذهب إلى أطباء أفضل، وإذا كان الجواب هو هذا في النهاية، فإنه يود الذهاب إلى طبيب يساعده على الموت أسرع. وبسبب هذه الأمور، قررت أن أذهب إلى هنري في وقت أبكر بكثير لأزوره.
بعد ستة أيام ذهبت إلى نيويورك. كان هنري قد أصبح نحيلاً جداً، ولم يبق فيه أي أثر للنضارة والحيوية، وكان قد علم منذ مدة أنه مصاب بسرطان عضال، وكانت حالته الجسدية تتدهور وتضمحل بسرعة. كان مظهره الخارجي وخيماً جداً ولا يُصدَّق. كان سرطانه قد تقدم كثيراً وانتشر في جسده. وكانت نتائج فحوصات الباثولوجيا تشير إلى أن السرطان قد امتد حتى إلى غدده اللمفاوية، وأن حياته ستنتهي في غضون الأشهر القليلة القادمة. ومع كل هذا، تحدث إليَّ قدر استطاعته عن نفسه، وعن قراراته وبرامجه التي كانت لديه، وعن كيفية أعماله، ووضع تحت تصرفي ملفاته وكتاباته القيمة جداً، بل وأعطاني أفلام الفيديو الخاصة به التي كانت تحتوي على نقاط ممتعة جداً، والتي قمت أنا أيضاً لاحقاً ببث برنامج وثائقي عنها بعنوان "هنري: طريق رجل" على شبكة SBS وفي مهرجانات فيديو متعددة.
أبرز ما يمكنني قوله عن هنري هو أنه لم يكن فيه أي أثر للخمود أو الندم. كان يقول إنه عاش حياة جميلة جداً لأنه قضاها كلها في البحث في أمور كانت ممتعة جداً وذات معنى ومفيدة بالطبع، وهي فائدة عادت عليه وعلى الآخرين معاً.
الشيء الوحيد الذي كان مؤلماً له هو أن المرض لم يكن يسمح له بمواصلة البحث. في ذلك الوقت الذي كنت فيه معه، كان يذهب باستمرار إلى الطبيب ويعود إلى البيت بعدد كبير من الحبوب. أحضر هنري من رف كتبه كتاباً عن الأدوية الطبية، وبحثت معه عن دواء معين ليكون بديلاً للأدوية التي وصفها له الأطباء لأن تلك الأدوية كانت مخدرة. كان يحب أن يموت مبكراً، لكن مع ذلك لم يكن لديه أي نوع من القلق أو الاضطراب.
لم يمت هنري في الفترة الزمنية التي توقعها الأطباء. عندما عدت إلى نيويورك في يناير 1996، وخلال أسفاري كنت ألقي محاضرات عن حقوق الحيوان، كان هنري قد أصبح أقوى بشكل ملحوظ من ذي قبل. في تلك الفترة اتخذت ترتيباً ليقوم هنري أيضاً بإلقاء محاضرات وإجراء مقابلات لمن يعرفونه. استطاع أن يبحث سنتين إضافيتين في موضوع الحيوانات، ونتجت عن ذلك مطالب ومباحث قيّمة لكتابي. بقي حياً ورأى بأم عينيه صدور كتاب "الأخلاق في العمل: هنري سبيرا وحركة الدفاع عن حقوق الحيوان"، وبعد أسبوع من صدور الكتاب، أغمض عينيه عن العالم.
من أهم علامات امتلاك حياة ذات معنى أن يتقبل المرء الموت بصدر رحب وبكل سهولة، *وأحد مقومات الحياة ذات المعنى هو أن يكون لديك عمل ومهنة حسنة تستمتع بها وتجعلها نصب عينيك في حياتك. كانت حياة هنري تفتقر إلى كثير من المقومات التي يعتبرها كثيرون منا من ضروريات الحياة ذات المعنى والممتعة. لم يتزوج قط، ولم يعمر طويلاً، وكان مكان عمله هو بيته نفسه. لم يكن لديه أولاد أيضاً. كان أبوه وإحدى أخواته قد انتحرا، وكانت أمه تعاني من اضطراب نفسي. لم تكن علاقته بـ"رينيه"، الناجي الوحيد من عائلته، جيدة على الإطلاق. لم تكن في حياته أية ترف أو ثروة. في السنوات العشرين الأخيرة من عمره لم يكن لديه أي يوم عطلة. كان هادئاً ومطمئناً جداً إزاء موته الوشيك، ولم يتحسر على الأيام الماضية أبداً. ورغم أنه كان يفتقر إلى كثير من المقومات التي يعتبرها كثير من عامة الناس ضرورية لامتلاك حياة ذات معنى، إلا أنه كان يمتلك شيئاً يفتقر إليه أكثر الناس، ولا يناله غالبهم العظمى أبداً: "لقد وجد لنفسه معنى سامياً وحسناً، وهذا كمال رفيع جداً".
.
.
.
.
إن وفاة أنشط ناشط في مجال حقوق الحيوان في العالم لا تقارن بوفاة مغنّي روك غارق في المخدرات. لذا عندما توفي هنري سبيرا، في 13 سبتمبر، مرّت وفاته دون أن يلاحظها أحد، باستثناء نعي من ثلاثة أعمدة في نيويورك تايمز. ومع ذلك، فإن حياة هنري سبيرا تخبرنا بشيء مهم، ليس فقط عن حركة الحيوان الحديثة، بل عن إمكانية أن يُحدث الفرد فرقًا في العالم الحديث. وأكثر من ذلك، إنها تخبرنا عن طرق يمكننا بها، بدون دين أو إيمان بغاية تتجاوزنا، أن نجد معنى في حياتنا.
ثم قال هنري إنه بينما كان يود حقًا أن أقوم بتأليف الكتاب، إلا أنه لم يكن متأكدًا من أنه سيظل على قيد الحياة في أواخر يونيو. لقد عُرض عليه العلاج الكيميائي والإشعاعي، لكن الطبيب لم يتمكن من تقديم أي إحصائيات تشير إلى أن ذلك سيجدي نفعًا كبيرًا، لذا رفض هنري. وإذا ساءت الأمور، كان يبحث عن طبيب يساعده على الموت عاجلاً وليس آجلاً. لذا، هل يمكنني الحضور مبكرًا؟ في أقرب وقت ممكن، في الواقع؟
كنت في نيويورك بعد ستة أيام. كان هنري قد فقد الكثير من الوزن، وافتقر إلى الطاقة التي اعتدت رؤيتها فيه. قبل سبعة أسابيع، كان قد أزال جزءًا كبيرًا من المريء والمناطق المجاورة من معدته، وكان لا يزال ضعيفًا، ويواجه صعوبة في الاحتفاظ بأي طعام. كانت التوقعات أسوأ: كان السرطان غازيًا، وأظهر تقرير علم الأمراض أنه انتشر إلى بعض العقد اللمفاوية لديه. كان متوسط العمر المتوقع له مسألة أشهر. ومع ذلك، أخبرني بكل ما استطاع عن الطريقة التي عمل بها، وأطلعني على المجموعة المذهلة من الملفات التي كانت مرتبة على رفوف تغطي كل جدار تقريبًا في شقته. حتى أننا صورنا بعض اللقطات المصورة، التي أصبحت فيما بعد فيلمًا وثائقيًا بعنوان "هنري: طريق رجل واحد"، والذي عُرض على تلفزيون SBS وفي مهرجانات الأفلام والفيديو الأمريكية.
كان أبرز ما ميز هنري خلال هذه الفترة هو الغياب التام لأي علامة على الاكتئاب. قال إن الحياة كانت جيدة، وقد فعل ما أراد فعله واستمتع به كثيرًا. لماذا ينبغي أن يكون مكتئبًا؟ الشيء الذي كان يقلقه حقًا بشأن السرطان هو أنه سيموت موتًا بطيئًا طويل الأمد. أثناء إقامتي معه، ذهب إلى طبيب وعاد إلى الشقة بزجاجة من الحبوب أعطاه إياها الطبيب - رسميًا لتسكين الآلام. بحثنا معًا عن الدواء في دستور الأدوية الذي كان بحوزة هنري. كانت الزجاجة تحتوي على حوالي أربعة أضعاف الجرعة المميتة. كان ارتياح هنري واضحًا. وبعد أن تولى أمر هذا القلق، بدا غير مضطرب بشكل ملحوظ من حقيقة أنه يتوقع الموت قريبًا.
لم يمت هنري في الوقت الذي توقعه أطباؤه. عندما عدت إلى نيويورك في يونيو 1996، في طريقي عائداً من أوروبا لحضور مسيرة من أجل الحيوانات، كان أقوى بشكل ملحوظ مما كان عليه في نهاية أبريل. قام بترتيب مقابلات لي مع العديد من الأشخاص الذين عرفوه وعملوا معه في مراحل مختلفة من حياته. على مدى العامين التاليين، واصل العمل من أجل حيوانات المزارع، بينما كان يزودني بمواد للكتاب، ويجيب على الأسئلة، ويراجع ما كتبته. عندما بدأت الكتابة، لم أعتقد أبدًا أنه سيرى حتى مسودة كاملة للكتاب، لكنه عاش ليرى الأخلاق في العمل: هنري سبايرا وحركة حقوق الحيوان معروضًا للبيع في إحدى مكتبات نيويورك. ثم، في غضون أسبوع، مات.
إحدى علامات العيش الكريم هي أن تعيش بحيث يمكنك تقبل الموت والشعور بالرضا عما فعلته في حياتك. افتقرت حياة هنري إلى العديد من الأشياء التي يعتبرها معظمنا أمرًا مفروغًا منه كأساسيات للحياة الطيبة. لم يتزوج قط، ولم تكن لديه علاقة طويلة الأمد أو مساكنة. لم ينجب أطفالًا. انتحر والده وإحدى شقيقاته، وكانت والدته مريضة عقليًا معظم حياتها. لم تكن علاقته برينيه، العضو الوحيد الباقي على قيد الحياة من أسرته المباشرة، وثيقة. كانت شقته الخاضعة لرقابة الإيجار، رغم اتساعها وحسن موقعها، متقشفة. لم يذهب أبدًا إلى الحفلات الموسيقية أو المسرح أو المطاعم الفاخرة. لم يأخذ إجازة لمدة عشرين عامًا. ومع ذلك، كان قادرًا على التفكير في موته الوشيك دون أي ندم كبير على الطريقة التي عاش بها. ما الذي عوض عن غياب الكثير مما يعتبره معظم الناس أساسيات الحياة الطيبة؟
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
سلام از این متن واقعا لذت بردم ممنونم خیلی
سلام ممنون از اینکه متن های دو زبانه رو در سایت میذارید این کار باعث تقویت زبان انگلیسی و خصوصا نزدیک تر شدن به متن اصلی میشه لطفا از این متن های دو زبانه بیشتر در سایت بذارید . با تشکر
چرا عده ای از دین و از الگو های آن یعنی از معصومین علیهم السلام روی گردان هستند آنگاه پوچی زندگی خود را که حاصل از این فرار احمقانه است ، میخواهند با موضوعات فرعی مضحک پر کنند.چراغ های هدایت وکشتی های نجات را نمی بینند وباتعصب در تاریکی درپی یک تکه چوب هستند.