اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى سارتر أن خداع الذات كذبةٌ يمارسها المرء على نفسه هرباً من مسؤولية الحرية وقلقها، فيفقد وجوده الأصيل. يشرح هدايت علويتبار أسباب إنكار الحرية وإخفاء الذات الحقيقية في فلسفة سارتر.

كرگدن: لماذا يريد البشر ألا يكونوا ما هم عليه، ولماذا يتظاهرون دوماً بأنهم شيء آخر ويخفون ذواتهم الحقيقية؟ جان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي الشهير، يستخدم في كتابه «الوجود والعدم» مصطلح mauvaise foi للإجابة عن هذا السؤال، ويُعد نقاشه حول هذا الأمر من النقاط المحورية في فلسفته. البعض ترجم هذا المصطلح بـ«الرياء»، ويكتب نايجل واربرتون عنه في كتابه «كلاسيكيات الفلسفة»: «إن بحث سارتر في الرياء والنفاق قد أثار، عن جدارة، إعجاباً كبيراً بوصفه أحد الأجزاء الخالدة في فلسفة القرن العشرين. هنا تتضافر قدراته كفيلسوف وعالم نفس وروائي بأعلى درجات النجاح وتؤتي ثمارها في هذا البحث الفينومينولوجي، بحيث لا ترقى إليه أي من البحوث الفلسفية الجافة والتجريدية العديدة حول هذه المسألة». للحوار حول هذا المصطلح، توجهنا إلى الدكتور هدايت علوي تبار ليحدثنا عن هذا الموضوع بعبارة واضحة وبعيدة عن المفاهيم التخصصية.
بدايةً، حدثنا قليلاً عن مصطلح الرياء أو خداع الذات في فلسفة سارتر، ووضح لنا لماذا يتطرق سارتر لهذه المسألة وأين يندرج هذا الموضوع ضمن مشروعه الفكري؟
مصطلح mauvaise foi هو أحد المصطلحات الأساسية في فلسفة سارتر. تُرجم في الإنجليزية حرفياً إلى bad faith وترجمةً مفهومية إلى self-deception و insincerity. يبدو أن أول مقابل وُضع له في اللغة الفارسية هو «سوء النية»، وهو لا يبدو دقيقاً لأن سوء النية يحدث عن وعي، بينما خداع الذات ليس واعياً. في الترجمة الفارسية لكتاب «الوجود والعدم» التي نُشرت مؤخراً، استُخدم مقابل «سوء النية» أيضاً. من المقابلات الأخرى لهذا المصطلح في الفارسية: خودفریبی (خداع الذات)، ریا (الرياء)، تزویر (التزوير)، بیصداقتی (انعدام الصدق)، بدسگالی (سوء الظن)، دورویی (النفاق)، دروغ باوری (اعتقاد الكذب) و ایمان بد (الإيمان السيئ). إذا أردنا ترجمة مفهومية، فإن أفضل مقابل له في الفارسية هو «خودفریبی» (خداع الذات).
بخصوص منشأ النقاش، يجب أن أقول إن سارتر هو فيلسوف الحرية، وربما لم يؤكد أي فيلسوف آخر في تاريخ الفلسفة على حرية الإنسان بقدر ما فعل. ولهذا السبب، عندما يناقش حرية الإنسان، فإنه يعدد عوائقها أيضاً. إنه يشرح لماذا ينكر البشر حريتهم ولماذا لا ينبغي لهم فعل ذلك. خداع الذات هو أحد طرق إنكار الحرية، لأن الحرية تجلب معها المسؤولية، والمسؤولية تثير القلق. عندما يكون الإنسان حراً ويختار بنفسه، سيكون مسؤولاً عن اختياراته، وتحمل عبء المسؤولية يؤدي إلى القلق. إذن نحن هنا أمام سلسلة تبدأ من الحرية وتمر بالمسؤولية لتنتهي إلى القلق. وبما أن القلق حالة غير سارة، يعتقد سارتر أن الأفراد، عبر خداع الذات، يقتلعون جذر القلق الذي هو الحرية. ينكر البشر حريتهم ليتنصلوا من المسؤولية وبالتالي يتخلصوا من القلق.
المنشأ الثاني للنقاش هو أن الحياة البشرية، من وجهة نظر سارتر، لا معنى لها ولا سبب ولا ضرورة. الإنسان الذي يعيش في هذا العالم يجد وجوده غير ضروري ويصاب بالعبثية، والشعور بالعبثية يثير الغثيان. عبر خداع الذات، يريد البشر أن يختلقوا سبباً ومعنى لحياتهم ليتمكنوا من الاستمرار في العيش.
لذلك، يعتقد سارتر أننا نمارس خداع الذات في حالتين: الأولى عندما نريد التخلص من الشعور بالقلق الناتج عن المسؤولية، والثانية عندما نريد الهروب من الشعور بالغثيان الناجم عن عدم ضرورة وجودنا وعبثية حياتنا.
لننتقل الآن إلى تعريف خداع الذات. كيف يعرّف سارتر خداع الذات؟
خداع الذات، كما هو واضح من اسمه، هو كذب. هذا الكذب لا يقوله شخص آخر للإنسان، بل يقوله الإنسان لنفسه. إذن، في خداع الذات، يكون الكاذب والمكذوب عليه شخصًا واحدًا. ولهذا السبب، فإن مصطلح «الرياء» ليس مقابلاً دقيقًا لمصطلح سارتر، لأن الإنسان في الرياء يكذب على فرد أو أفراد آخرين، لا على نفسه. يمارس البشر خداع الذات في مواقف شتى. فعلى سبيل المثال، حين يرتكب شخص فعلاً قبيحًا وينسبه إلى أمور مثل جبرية البيئة أو الوراثة وما شابه، فإنه يكون قد وقع في خداع الذات. فهو بدلاً من أن يتحمل مسؤولية فعله، يبرره. وكذلك الشخص المنتمي إلى حزب، والذي يؤدي عملاً لمجرد أن الحزب طلب منه ذلك، ويلقي بمسؤوليته على عاتق الحزب، فهو واقع في خداع الذات. يرى سارتر أن المرجع النهائي للفعل هو الإنسان نفسه، ويتجاوز كل السلطات الأخرى. لا يمكن لأحد أن يقرر عن الإنسان أو يملي عليه واجباته. في خداع الذات، يفقد الإنسان سيولته بسلب الحرية من نفسه، ويكتسب ماهية ثابتة. هذه الماهية الثابتة تقف في فلسفة سارتر في مقابل الحرية. الماهية الثابتة هي خاصية الأشياء لا الأشخاص. فالحجر مثلاً له ماهية ثابتة وهو ما هو عليه. الإنسان، بخداعه لذاته ومنحه لنفسه ماهية ثابتة، ينكر حريته ويتحول إلى شيء.
أي أن الفرد يتحول من وجود لذاته إلى وجود في ذاته. هل هذا صحيح؟
نعم. في فلسفة سارتر، ينقسم الوجود إلى نوعين: لذاته (pour-soi) وفي ذاته (en-soi). الوجود لذاته هو الإنسان، وكل ما عدا الإنسان هو وجود في ذاته. بتعبير أبسط، في خداع الذات يتحول «الشخص» إلى «شيء».
ما هي نتيجة خداع الذات هذا؟
يقسم الوجوديون الوجود إلى أصيل وغير أصيل. وهم يرون أن الهدف النهائي للإنسان هو بلوغ الوجود الأصيل. من وجهة نظر سارتر، لا يمكن للإنسان الواقع في خداع الذات أن يحظى بوجود أصيل. من متطلبات الوجود الأصيل ألا يكذب الإنسان على نفسه. الإنسان الأصيل صريح وصادق مع نفسه. ومن المثير للاهتمام أن المصطلح المقابل لخداع الذات في فلسفة سارتر هو «الصدق».
إذا وافقت، فلننتقل إلى الأمثلة التي يضربها سارتر عن خداع الذات.
يذكر سارتر عدة أمثلة على خداع الذات، سأشرح اثنين منها. المثال الأول يتعلق بامرأة ورجل يلتقيان للمرة الأولى. إنهما جالسان في مقهى، ويبدأ الرجل في الإطراء على المرأة. المرأة واعية بالمقاصد الجسدية والجنسية للرجل، لكنها تخدع نفسها وتقنعها بأن الرجل مفتون حقًا بكمالاتها، وتستمتع بإطراءات الرجل. إنها لا تريد أن تقبل بأن ما يثير اهتمام الرجل هو جسدها، وأن إطراءات الرجل لشخصيتها هي مقدمة للاستحواذ على هذا الجسد. بعد فترة، يمسك الرجل بيد المرأة. هنا تواجه المرأة معضلة: إما أن تبقي يدها حيث هي، أو أن تسحبها. إذا اختارت الطريق الأول، فهي بذلك تقبل المقاصد الجنسية للرجل، ولكن إذا اختارت الطريق الثاني، فإن العلاقة تنتهي وتُحرم من لذة الإطراءات. إنها لا تريد أيًا من هذين الأمرين. لذلك تسعى إلى تأخير لحظة القرار قدر الإمكان، وتفعل ذلك بأن تترك يدها ساكنة في يد الرجل ولا تعير أي اهتمام لكون يدها في يده، وكأن هذه اليد لم تعد يدها. في هذه الحالة، يدها هي شيء في يدي الرجل الدافئتين. يعتقد سارتر أن هذه المرأة في حالة خداع ذات، لأنها تكذب على نفسها بشأن مقاصد الرجل. إنها تنكر جسدها، وبهذا الفعل ترفض حريتها في العمل ومسؤوليتها تجاه أفعالها. هذه المرأة تحول يدها إلى وجود في ذاته، يفتقر إلى الوعي وبالتالي يفتقر إلى القدرة على اتخاذ القرار.
لقد تحدث سارتر في هذا المثال وكأن المرأة لا تستمتع بالعلاقة الجسدية. هل الأمر هكذا؟
ليس قصد سارتر أن المرأة لا تستمتع بالعلاقة الجسدية، بل يريد أن يقول إن ما له الأولوية عند المرأة هو إشباع الحاجة الروحية. فالنساء يستمتعن بالعلاقة الجسدية عندما يكنّ قد أُشبِعنَ روحياً. والنساء إن لم يرتبطن عاطفياً أولاً لا يسلّمن أنفسهن للعلاقة الجسدية، وإن أُجبرن عليها، كما تفعل البغايا، فإنهن عادةً لا يستمتعن بها. أما الرجال فلا يحتاجون إلى ارتباط روحي وعاطفي لإقامة علاقة جسدية والاستمتاع بها. ولهذا فإن المُغوين المحترفين في علاقاتهم بالنساء لا يبادرون إلى العلاقة الجسدية أولاً، بل يثنون على كمالات المرأة أو يفعلون أشياء لأجلها أو يدعمونها أو يشترون لها أشياء أو يصغون إلى حديثها، وعلى كل حال يتظاهرون بأنهم يحبونها. إن شعور المرأة بكونها محبوبة يمنحها نوعاً من الإشباع الروحي النفسي ويهيئها للعلاقة الجسدية. لدينا في الفارسية تعبير «مخ زدن» الذي يعني هذا بالضبط. يقولون: إذا أردت إقامة علاقة جنسية مع امرأة فعليك أولاً أن «تضرب مخها»، أي لتستحوذ على جسدها عليك أولاً أن تستحوذ على روحها. فإن لم تفعل ذلك شعرت المرأة أنها تحولت إلى بغي. ولهذا السبب تحتاج النساء في العلاقات الزوجية أن يُظهر أزواجهن، قولاً وفعلاً، أنهم يحبونهن ولا يردونهن لأجسادهن فحسب. فإن لم يفعل الرجال ذلك وأرادوا إقامة علاقة جنسية، فعادةً ما يواجهون هذا الاعتراض: «أنت لا تريدني إلا للفراش!». لذلك فالرجل، حتى لو كان لا يريد المرأة إلا للفراش، عادةً ما يمثل دوراً بشكل يجعل المرأة تعتقد أن ما يلفت انتباه الرجل هو كمالاتها في المقام الأول. وهذا هو ما يفعله الرجل في مثال سارتر.
اذكر المثال الثاني من فضلك.
المثال الثاني يتعلق بنادل المقهى. إنه يبالغ في سلوكه ويُظهر نفسه متحمساً أكثر من اللازم. إنه في الواقع يمارس نوعاً من اللعب ويمثل دور نادل المقهى. إنه يريد أن يكون نادلاً، وكلما مثّل دوره بشكل أفضل كان نادلاً أفضل. المجتمع يطلب من النادل أن يحصر نفسه في دوره وألا يتجاوزه، لأن النادل الذي يرى نفسه فوق النادل لا يُحتمل بالنسبة للزبون. لذلك يسعى إلى أن يدخل في قالبه ويحبس نفسه فيه، وكأنه لا يمكن أن يكون شيئاً غير نادل. نحن هنا أيضاً أمام شخص يريد أن يحول نفسه إلى شيء، أي إلى «في ذاته» لا وعي له ولا حرية ولا مسؤولية. إنه يظن أنه بما أنه نادل فعليه أن يتصرف بطريقة معينة وليس له حق الاختيار. يعرف النادل أنه في نظر الآخرين ليس سوى نادل، والآخرون يطلبون منه ألا يكون إلا نادلاً. لذلك يسعى إلى أن ينسق نفسه مع نظرة الآخرين ويكون كما يعتقدون. وهكذا يخفي النادل حريته ويخدع نفسه.
موضوع تمثيل الأدوار من الموضوعات التي جرى التأكيد عليها في أعمال سارتر. البشر بانغماسهم في أدوارهم يخدعون أنفسهم في الواقع ويتصورون أنهم ليسوا شيئاً غير أدوارهم. الدور الذي يمثله كل إنسان في الحياة هو قناع يضعه على وجهه ليخفي هويته الحقيقية، ولينكر حريته ومسؤوليته. هذه الأقنعة تجعل البشر غير قادرين على التواصل مع بعضهم بعضاً كأشخاص. ونتيجة لذلك، فالعلاقة بين البشر ليست علاقة بين أشخاص، بل علاقة بين أدوار. الطالب، والأستاذ، والزوجة، والزوج، والأب، والأم، وخلاصة القول كل شخص يمثل دوره ويضع قناعه الخاص على وجهه. تمثيل الأدوار هذا هو نموذج لخداع الذات من جهتين: من جهة يسلب حرية الإنسان في التغير والتكامل، ومن جهة أخرى يضفي على حياة الإنسان، التي تفتقر إلى أي علة أو ضرورة، علة وضرورة زائفتين. فمثلاً، نادل المقهى يتظاهر بأن أحداً لا يستطيع أن يخدم الزبائن بمثل ما يفعل، ولهذا فإن وجوده ضروري، في حين أنه ليس ضرورياً في الواقع. من وجهة نظر سارتر، ليس بين البشر من لا يعتبر نفسه ضرورياً لشخص أو لشيء ما.
من فضلك اشرح قليلاً موضوع روح الجدية وعلاقته بخداع الذات.
روحیة الجدية (the spirit of seriousness) هي نوع من خداع الذات، وتتمثل في أن يعتبر الشخص نفسه تابعًا للعالم، ويشعر بأن العالم يسيطر عليه، وأن عليه اتباع قوانين تقع خارجه. في هذه الحالة، تُفرض القيم على الشخص من الخارج. لطالما كان هناك نقاش حول ما إذا كان منشأ القيم خارج الإنسان أم داخله. يعارض سارتر أي قيمة خارجية، ويعتقد أن القيم يجب أن تنبع من داخل الإنسان نفسه. الإنسان الجاد يرى القيم مستقلة عن الذاتية البشرية. إنه يعتبر نفسه موضوعًا (أوبجيه) لا ذاتًا (سوبجيه)، ويتصرف كما لو كان، مثل حجر، خاليًا من أي حرية ومسؤولية. الأخلاق التي تؤسس على قيم محددة مسبقًا هي أخلاق قائمة على خداع الذات، وتقف في مقابل الأخلاق الأصيلة التي يخلق فيها الإنسان القيمة بفعله.
إذا كان على الشخص نفسه أن يخلق قيمه، ألا نقع في النسبية الأخلاقية؟
إذا كانت لدينا معايير خارجية وقبلية للأخلاق، فستكون لدينا أخلاق مطلقة، مثل الوصايا العشر التي لا يستطيع الفرد اليهودي أن يناقش فيها، بل عليه فقط أن يطبقها. أما إذا كانت معاييرنا داخلية وبعدية، فبالنظر إلى تنوع البشر، ستكون أخلاقنا نسبية. يعتقد سارتر بالأخلاق النسبية، وبناءً عليها، قد يكون الفعل الواحد خيرًا لك وشرًا لي. الإنسان ليس تابعًا للقيم، بل هو خالق القيم. معيار صحة الفعل هو الصدق. إذا تجنبت خداع الذات وقمت بفعل ما بصدق، فهذا الفعل صحيح بالنسبة لي.
ما هي الساحات الأخرى لخداع الذات؟
يعتقد سارتر أن أحد المجالات التي يقع فيها البشر في خداع الذات هو ساحة الدين. يلجأ البشر إلى الدين هربًا من الاختيار والمسؤولية، وبقبولهم الأوامر الدينية يحررون أنفسهم من قلق الاختيار. في الأديان، يوجد كائن اسمه الله يتمتع بكل الكمالات على نحو مطلق. الإنسان المؤمن يعتبر نفسه عبدًا لله، ووظيفة العبد هي الطاعة المحضة للسيد. لذا، فإن الإيمان الديني يسلب الإنسان استقلاله وهويته البشرية، ويحط من شأنه إلى كائن حقير وعديم القيمة. الإنسان الذي يؤمن بالله، بإنكاره لحريته، يتحول إلى شيء. إنه موضوع (أوبجيه) للذات المطلقة، أي الله. الإنسان والله لا يسعان في إقليم واحد. يجب تنحية الله جانبًا كي يستطيع الإنسان أن يقف على قدميه. ثمة نزعات نيتشوية واضحة في هذا الجزء من فلسفة سارتر، كما كانت واضحة في نقاش الأخلاق. من ناحية أخرى، الإيمان بالله يعني الإيمان بكائن خلق العالم وكان له هدف من خلقه. لذلك، إذا سعى الإنسان لتحقيق هذا الهدف، تكتسب حياته معنى وضرورة. من وجهة نظر سارتر، مثل هذا الإنسان واقع في خداع الذات لأنه ينكر لا معنى الحياة ولا عقلانيتها ولا ضرورتها. لخداع الذات الديني لدى سارتر جوانب متعددة أخرى، يتطلب شرحها مجالاً أوسع.
ما هي نماذج خداع الذات في أعمال سارتر الأدبية؟
من بين الأعمال المتعددة، أشير إلى ثلاثة أعمال: في مسرحية «الذباب» التي كتبها سارتر بناءً على أسطورة يونانية، تتآمر زوجة أغاممنون مع عشيقها ويقتلان أغاممنون. أهل مدينة أرغوس، لأنهم لم يمنعوا مؤامرة قتل أغاممنون، يعتبرون أنفسهم مذنبين ويعانون من شعور بالندم والتأسف. يرتدون السواد وينشغلون بالتوبة والاستغفار أمام الآلهة. يعتبر سارتر فعل أهل المدينة نوعًا من خداع الذات لأنه يمنعهم من تحمل مسؤولية خطيئتهم على أكتافهم. الشخصية الأخرى المخادعة لذاتها في هذه المسرحية هي إلكترا. وهي ابنة أغاممنون، تنتقم لأبيها مع أخيها أوريستيس، لكنها تندم بعد ذلك وتشعر بالذنب. إلكترا، مثل أهل أرغوس، تشعر بالندم، وبدلاً من أن تتقبل نتيجة فعلها، تحاول التهرب من المسؤولية عبر التوبة والتوسل إلى الله.
يصور سارتر في رواية «دروب الحرية» شخصًا مثليًا يُدعى دانيال يجد السكينة في أنظار الآخرين لأنهم يرونه كما هو. ففي صحبة من يعرفون سره، يكتسب شخصية ثابتة، ورغم أنه يجد نفسه مثيرًا للاشمئزاز، فإنه يريد أن يكون هذه الصورة فحسب. إنه يريد أن يكون مثليًا في مملكة الوجود في ذاته، تمامًا كما تكون البلوطة بلوطة. بعبارة أخرى، إنه يريد أن يكون شيئًا ذا ماهية ثابتة. يذكر دانيال في رسالة إلى صديقه ماتيو أهمية وجود الآخر في اكتساب الإنسان لهويته. لكن هذا الأمر تترتب عليه مشكلات: فمن جهة، لا يسمح المجتمع للإنسان بأن يُظهر نفسه للآخرين على حقيقتها. فعلى سبيل المثال، لا يستطيع دانيال أن يخبر زوجته بأنه مثلي. ومن جهة أخرى، لا أحد قريب من الإنسان إلى درجة أن يعرف كل رذائله، ولا هو ملازم له دائمًا ليرى كل أخطائه. ومن ثم، يحتاج دانيال إلى نظرة دائمة تراه على الدوام. وهكذا يلجأ إلى الآخر المطلق، أي الله. يعيش دانيال في خداع الذات لأنه بدلًا من أن يعتمد على نفسه، يمنح نفسه هوية عبر نظرة الآخر، سواء أكانت بشرية أم إلهية. أما ماتيو، وهو مدرس فلسفة وملحد متنور، فيلقي برسالة دانيال من نافذة القطار قائلًا: «ترهات عتيقة».
مسرحية «الشيطان والله» هي عمل آخر يوصف فيه خداع الذات. غوتس، بطل القصة، يقرر بعد عمر من الشر أن يصير رجل الله وينفذ أوامره. بصفته إنسانًا متدينًا، تتجه أنظاره نحو السماء ليجد إجابات عن أسئلته وليعرف كيف ينبغي أن يتصرف في الحياة. إنه لا يرى نفسه إلا مكلفًا بتنفيذ الواجب الإلهي. الأعمال التي يقوم بها غوتس لإرضاء الله تؤدي إلى نتائج كارثية، لكنه لا يرضى بالتخلي عنها لأنه يعتقد أنه ينفذ الأوامر الإلهية ولا يتحمل مسؤولية عواقبها. إنه يعيش في خداع الذات ولا يريد أن يتحمل مسؤولية فعله. لقد حول نفسه إلى شيء بين يدي الله وسلب نفسه كل حرية في الفعل. وأخيرًا يدرك غوتس خطأه وينكر الله. لقد كان في الفترة الأولى من حياته تابعًا للشيطان، وفي الثانية صار تابعًا لله، لكنه في الفترة الثالثة يلجأ إلى الإنسان ويقول: «لم تعد هناك جنة، ولم تعد هناك جهنم، لا شيء سوى الأرض.»
ما علاقة خداع الذات هذا بالاغتراب؟
الاغتراب هو إحدى نتائج خداع الذات. فالإنسان الذي ينكر حريته واستقلاله ويجعل نفسه تابعًا وذيلًا لفرد آخر، سواء أكان إنسانًا أم إلهًا، يفقد هويته البشرية ويغترب عن ذاته. مثل هذا الإنسان لا يحدد مسار حياته بنفسه ولا يمتلك زمام مصيره، بل يُفرض عليه كل شيء من الخارج ولا يكون إلا منفعلًا ومتقبلًا. في مسرحية «الذباب»، يقول زيوس، إله الآلهة، عن البشر: «إن عيونهم مسمرة نحوي لدرجة أنهم ينسون أن ينظروا إلى أنفسهم.» إن الإيمان الديني يصرف انتباه الإنسان عن العالم الطبيعي ويوجهه نحو العالم الوهمي الفائق للطبيعة. ولهذا السبب لا يعيش الإنسان المتدين في العالم الواقعي ولا يمتلك فهمًا صحيحًا له. إنه يتجاهل قدراته الذاتية، وبابتعاده عن ذاته الحقيقية يغترب عنها. لذلك يرى سارتر، مثل ماركس، أن الدين «أفيون الشعوب».
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.