اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يسعى جواد طباطبايي، من خلال تحليل تقليد الفكر الإيراني وتبيان انحطاطه، إلى حلّ معضلة العصر وتهيئة مقدمات بزوغ الحداثة. إنه مشروع فلسفي يعيد تعريف إيران بوصفها «وحدة في عين الكثرة» ويمهد السبيل لفكر جديد.

«مزاج الدهر اضطرب في هذا البلاء يا حافظ / أين فكر حكيم ورأي برهمي» (حافظ)
لقد آمنت نخبنا الأدبية عن حق بهذا الأصل الفلسفي {علاقة المعرفة بالعمل}، وهو أن مشكلة العصر واضطراب مزاج الدهر أو حياتهم السياسية-الاقتصادية لا مناص لها من أن يكون لها منطلق وحل إلا بالمعرفة والنظر، وأن هذا الأمر لا يُحل إلا بطرح مشروع فلسفي ذي هيكل منهجي، وعلى يد مفكر-حكيم. وبعبارة أخرى، فإن مشكلة العصر، أو بتعبير شاعرنا المفكر «اضطراب مزاج الدهر»، لا يمكن حلها إلا بالاعتماد على مفاهيم فكرية لمعرفة الأمر العيني بغية فك عقدة الزمان، وبالاعتماد على تأملات صادرة عن الحكيم-البرهمي. إن جواد طباطبائي، الذي سعى إلى إيجاد آلية نظرية للخروج من مشكلة انحطاط إيران التي قام بنفسه بتنظيرها على أحسن وجه، هو من الفلاسفة الذين لا يرون مشكلة العصر كامنة بالتمام والكمال في الموضوعية التي سعى علماء الاجتماع إلى تفسيرها، بل في الأعمدة النظرية لمفكرينا وفي انحطاط العقل، ويرى أن سبيل الخروج منها هو التفسير العقلاني لهذه المشكلة. هذا الشيخ الحكيم، ومن خلال قراءة إشكالية المحور لتقليدنا الفكري - الذي يرى هو نفسه أنه بدون النظر إليه يستحيل وضع مشروع لتحسين الأوضاع الفكرية - يسعى إلى أن يقوم بتحليل التقليد الفكري الذاتي وتعريف النخب الفكرية به، وأن يسعى في الوقت نفسه إلى تدعيم مشروعه وإظهار آثار الانحطاط في تاريخ الفكر الإيراني. وبالطبع، فإن ما يقصده طباطبائي من الدخول إلى داخل التقليد هو إيجاد إجابات لأسئلته النظرية، ومن ناحية أخرى، تمهيد الطريق لدخول الفكر الجديد من خلال نقد العناصر الموجودة في تقليد الفكر الإيراني، عبر استخلاص توليفة من تصادم تقليدين فكريين. ولا شك أن معرفة المكانة، أو المعرفة بالسياق والمتن وفهم التقليد الذاتي، هي الخطوة الأكثر أصالة لجعل المسألة الذاتية إشكالية، وهو ما يرشد طباطبائي قراء الفكر إلى معرفته، وقد تصدى له هو نفسه بشكل جاد، لا ككثير من سكان خرابة الأيديولوجيا. لقد تم دخول طباطبائي إلى داخل التقليد بمنهجية فلسفية، وبالتأكيد فإن مشروع طباطبائي هذا يختلف اختلافًا كبيرًا عن استعراض الأيديولوجيين المعاصرين، الذي كان ولا يزال يهدف إلى تضخيم بعض مفاهيم التقليد وصنع أيديولوجيا من أجل الوصول إلى السلطة، وهو ما سنتناوله لاحقًا.
من البديهي أن المقصود من هذا العنوان ليس الادعاء بأن مشروع طباطبائي تقليدي عن الفلاسفة الغربيين الذين طرحوا مشروعهم النظري استجابة لظروف مجتمعاتهم وضروراتها {وهو كلام قاله النقاد مع إعراضهم عن مشروع طباطبائي الفكري، وبالاستناد إلى محاضرة واحدة، دون فهم أن هذه المحاضرة، شأنها شأن أي محاضرة أخرى، لم تُلقَ دون افتراض فلسفي مسبق، بل هي خطاب قائم على نظام خطابي متضمن في متن
لقد وضع مفردات لتأسيس منهج نظري لبناء نسقه النظري بهدف فك العقد والمآزق النظرية وتناقضات العيش السياسي والنظري والموضوعي، وشيّد صرحاً شامخاً يبدو لقارئ الفكر هذا أن جلّ النقاد لم يدركوا هذه النقطة وعجزوا في نقدهم عن الرجوع إلى متن فكره، ولهذا لا يمكن الاعتداد بهم. برأي الكاتب، فإن قسماً كبيراً من الجهد الفلسفي المضني لطباطبائي قد بُذل لطرح الموضوع وتأسيس المفاهيم وبث المعنى والمضمون في جسد المفاهيم "المتصلبة" على حد تعبيره. التاريخ الذي يستحق الاهتمام بنظره هو التاريخ الذي يرشد الأفراد إلى فهم العصر ويوضح العلاقة الفلسفية بين قوى التاريخ. يسعى جواد طباطبائي من خلال طرح هذا الأمر إلى تحسيس أذهان النخب بالتأمل حول الزمان والعصر وواقع العصر. لقد قدم مشروعه بهدف الحصول على إمكانيات وضرورات لفهم مشكلة العصر الإيراني {ليس بالمعنى الجغرافي}، وقد استطاع من خلال التعمق في تطور الفكر الإيراني بوساطة منهجية مطابقة لمشكلة إيران، أن يصب وعياً جديداً في جسد مفاهيم التقليد المتصلب الذي يزداد نحولاً يوماً بعد يوم ويفقد إمكانياته لتجديد حياته. يمكن لهذا المشروع الفلسفي، بإزاحة الأيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً وأمراً اعتبارياً وإضاءة مصباح العقل الساطع وبث الوعي في عقل الإيرانيين، أن يحدث نهضة أساسية في حياتنا السياسية. برأي الكاتب، فإن طباطبائي بطرحه للمشكلة وتقديمه حلاً لها يتسبب في تبعات مثل تأسيس موضع لظهور الأمر الحديث. بعبارة أخرى، وكما اعتُبرت المقدمات النظرية الكانطية منصة انطلاق عصر التنوير، فإن طباطبائي أيضاً بتقديمه مقدمات نظرية وافتراضات عقلانية يمكن أن يكون قوة دافعة لظهور الفلسفة الحديثة وبالتالي تحولات موضوعية في مجتمعنا.
لقد بلغ طباطبائي، من منظوره الخاص، معرفةً تأسيسية بإيران؛ فهو يقدّم، بجهد دؤوب لا يعرف الكلل، تراثاً فكرياً إيرانياً ممتداً عبر آلاف السنين، شهد صعوداً وهبوطاً. وهو يرى أنه بعد العصر الذهبي للثقافة والحضارة، الذي تجلّى نظرياً في مساعي الفارابي لتأسيس الفلسفة، دخلت إيران في ركود ناجم عن الاقتران المشؤوم بين النزعة الصوفية والمبرّرين المتأخرين لفكر الخلافة، فانطفأ بكتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي مصباحُ العقل الذي كان سلّم ارتقاء الحضارة الإيرانية الإسلامية. ومن هنا، استمر لدينا امتناع الفكر في تقاليدنا الفكرية، وطالما لم ننقد هذا الانحطاط بجهد فلسفي، فإن هذه الحلقة المفرغة لامتناع الفكر ستظل تحول بيننا وبين التفكير. وبرأي الكاتب، يمكن من خلال هذا المشروع الفكري، أي التأمل في العلاقة بإيران، إدراك مراد طباطبائي ومقصده. يشير طباطبائي بحق، في تعريفه لإيران من منظور سياسي، إلى مفهوم الوحدة "الوحدة في عين الكثرة"، وهو أمر لا يتوافق البتة مع التعريف ما قبل الحديث لإيران بوصفها بلد القبائل والأقوام والطوائف القاطنة فيه. وفي هذا التعريف يُطرح مفهوم حديث للتلاؤم مع الحضارة الغربية الجديدة. ويشير طباطبائي نفسه في موضع ما إلى أن "كل تاريخ هو تاريخ معاصر"، وأن الباحث يروي تاريخ الفكر انطلاقاً من حاجات العصر وضروراته، وسعياً لتقديم إجابات عن أسئلة الوضع الراهن، ولكن بعمل علمي. قبل أن يتناول طباطبائي هذا المفهوم التأسيسي، كان ثمة ضرب من التيه الدلالي في تعبير المثقفين عن إيران؛ فمنهم من عرّفها في قالب الأمة الواحدة والمتولي عليها، ومنهم من سعى إلى تعريفها، بل ربما إلى تفكيكها وتحطيمها، عبر تفكيكية ما بعد الحداثة، ومنهم من سعى، هرباً من الحداثة، إلى فهم تقليدي لإيران، وآخرون، باقتراض بعض مفاهيم التراث وبفهم ناقص لبعض المفاهيم بغرض توظيفها في صراعات السلطة، انشغلوا بتحديد آليتهم الخاصة لمواجهة إيران. أما طباطبائي، فقد عالج، بعلم وطرح لإشكالية إيران، إيرانَ بوصفها جملة مفاهيم. وهو يعبّر عن هذا المقصد بمشروع التأمل في العلاقة بإيران، حيث إن تعريف البلد والبشر الموجودين فيه هو جوهر سياسة أي بلد. قد يعني هذا الكلام أن الحزب والديمقراطية والمجتمع المدني وسائر الملحقات المفهومية لا تؤتي أكلها هنا، لأن القائمين على هذه الأفكار يريدون، مع إعراضهم عن تاريخ تحول المفاهيم في إيران وانصرافهم عن التراث الإيراني، تطبيقها في المجتمع بصورة تقليدية محضة، وهو أمر وصل وسيصل إلى طريق مسدود. يبدو أن التعريف الحديث لإيران في فكر طباطبائي هو الأرضية الممهدة لدخول مفاهيم حديثة كالحزب وغيره. أما التعريف المثقف لإيران الذي أنجزه أهل الإيديولوجيا، فلا يفضي إلى نتيجة ولا يمكن أن يكون عملاً تأسيسياً فاعلاً، لأن المفاهيم المستخدمة التي توظفها الإيديولوجيات المختلفة هي ذاتها المفاهيم المتجذرة في التراث المتصلب المأدلج، ولا تربطها أية صلة بالفكرة الحديثة.
كانت إحدى النظريات التي ابتُدعت للإفلات من نظام الحكم الدستوري، بغية دفع فكر النخب نحو الصراع مع السلطة، هي نظرية التغرب. وقد نشأ هذا الأمر أيضاً عن سوء فهم وتقييم متسرع لضرورات مجتمعنا وتاريخ التحولات الفكرية والسياسية-الاقتصادية في الغرب، إذ لجأ صاحب نظرية التغرب، سعياً لتجاوز الحداثة، إلى آخر المناضلين الفكريين في الغرب، وتحت تأثير نظريات ما بعد الاستعمار، تم نبذ جميع أوجه الفكر وآليات العيش الحديث التي أرساها مفكرو العصر الدستوري في إيران، بحجة عدم تطابقها مع التقليد، وبصورة آيديولوجية وانتقائية، فكانت أول ضربة على هامة الأفكار الحديثة والفكر الدستوري الإيراني. ولاحقاً، وتبعاً لذلك، طرحت هذه النخب التقليد بوصفه آيديولوجيا للصراع مع السلطة، وبهذا عبثت بالنسق الأساسي للتقليد وتسببت في نوع من التضاد والتناقض. كانت لنظرية التغرب تبعات، إذ عرّفت نظام تقليدنا الفكري تحت مظلة الآيديولوجيات ما بعد الاستعمارية، بحيث أصبح أي كفاح للارتباط بالعالم الحديث مستحيلاً. وقد ولّدت التناقضات المذكورة تناقضات أخرى في جهازنا الفكري، ويطلق جواد طباطبائي على هذه الآيديولوجيات النضالية، رغم مناهضتها للغرب، وتبعاً لأحمد فرديد، اسم «التغرب المضاعف»، وقد استدعى تقليد الفكر الإيراني بدون آيديولوجيا لتأسيس فكر جديد. يشير جواد طباطبائي في موضع ما إلى أن: «كل شيء بدأ بشريعتي وآل أحمد. إفراغ الأرض من تحت أقدامنا من فهم التقليد، حتى في شكله التقليدي ذاته. لقد تُركنا في الفراغ، وأُفرغت الأرض تحت الجامعة والنظام العلمي في البلاد بالكامل، واندثر نظامنا التقليدي». يعني هذا الكلام أن مثقفينا، بافتراضات مسبقة لا تتوافق مع الأسس الثقافية والفكرية الإيرانية، قد ألقوا نظرة عابرة على تاريخ التحولات الاجتماعية في الغرب وإيران، وفعلوا ذلك لجمع مفاهيم لبناء آيديولوجيات في سياق الصراع مع السلطة، وهكذا فإن تقليدنا الذي كان يعاني من الانحطاط والتصلب للأسباب المذكورة، أُصيب أيضاً بداء الآيديولوجيا المزمن.
وهو أيضاً على خلاف عادة المثقفين الإيرانيين، إذ صاغ مشروعه المفاهيمي لا بالانصراف عن تقليد الفكر، بل بمعرفة المفاهيم والمأثورات الموجودة في التقليد، وبدون تجاوز ذلك، وبإرساء الاستمرارية، فتح طريقاً في سعيه لبناء سبيل للخروج من المأزق النظري الناشئ عن النيوكلاميين، يمكن أن يكون حلاً لورطة فكرنا في العصر الجديد. يبدو أن عدم معرفة تقليد الفكر الإيراني، وخفوت هذا التقليد وفقدان معرفته في جهاز مفاهيمنا الفلسفية وأدبياتنا الفلسفية، لأي سبب كان، بما في ذلك الغموض أو العمق والصعوبة والتعقيد، قد أدى إلى ثغرة هائلة في الفكر الإيراني، وجرّ المثقف الإيراني نحو ذلك الوجه التقليدي من الحداثة السهل المنال والأكثر قابلية للفهم، والأكثر سطحية وأُلفة بالطبع، وأوقعنا في سوء فهم ومعرفة ناقصة لماهية العيش السياسي-الاقتصادي الغربي، مما ترتب عليه أحداث لاحقة. لكن برأي الكاتب، يمكن بوساطة منظومة طباطبائي الفكرية أن ندرك علاقتنا بالحداثة، ونتوصل بوساطته إلى مكانتنا وتقليدنا، ونبلغ نوعاً من «الوعي الذاتي»، ونخرج من هذا المأزق القائم على التكرار والمكرورات والتتبعات الأدبية. وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لطباطبائي والمتمثلة في نقل الأمر الواقعي إلى التجريد، فإنه يعبّر ضمناً عن أن الفلسفة ليست أن تسير في عالم التجريد فحسب، وأن تمتد إلى أمر متعالٍ لا يمكن بلوغه اسمه المدينة الفاضلة، بل يجب على الفلسفة أن تحدد علاقتها بالتاريخ والعصر والواقع، وأن تكون قادرة على حل مشكلة العصر، وتساعدنا بالطبع في بلوغ وصفة عبر صب مفاهيم تقليدنا في قالب العالم الحديث.
علم الكلام الإسلامي هو معرفة استخدمها المؤمنون المسلمون للدفاع عن الأصول الإسلامية الأولى في مواجهة العقائد التي صادفوها إثر توسع الإسلام، وذلك لإثبات أحقية الإسلام. وقد استُخدمت هذه المعرفة لاحقًا من قبل مفكري الأشاعرة كالغزالي، فأخرجوا بها المعتزلة والعقلانيين كليًا من مركز الأراضي الإسلامية. وفي المواجهة النهائية بين المسلمين والعالم الغربي والهزائم المتتالية للمسلمين أمامه، عزم المفكرون المسلمون على الاستفادة من الإمكانات التقليدية للإسلام للتصدي لسيادة الغرب، وإضفاء صورة جديدة على علم الكلام، غير أن هذه المواجهة من قبل المفكرين العرب لم تتم عن تأمل، بل عن غضب وكراهية وتفاخر. وأصعب مشكلة يعاني منها هذا النوع من النظرة هي أن علاقته بمشكلة إيران غير واضحة. لم تنشأ ظاهرة النظرات التجديدية داخل الدين في إيران، بل عمت مصر وباكستان. ومن حيث التسلسل التاريخي، فإن للسيد أحمد خان ومحمد عبده فضل التقدم على أظلالهم في إيران، وكان نصر حامد أبو زيد قد طرح قبل سنوات كثيرة من آراء المتكلمين الجدد الإيرانيين. ويرى جواد طباطبائي أن هؤلاء عاجزون عن فتح طريق للهروب من المآزق العملية والنظرية بالتأكيد، وذلك لأنه لم يكن للقومية الإيرانية ولا للعقل الشيعي ولا للفقه والاجتهاد كما تعنيهما الشيعة مكانة لدى المتكلمين الجدد الإيرانيين، وكان هذا خير دليل على استيرادية آرائهم، فأسئلتهم ومسائلهم وكذلك موضوعيتهم لم تكن مطروحة في المجتمع الإيراني. ومن جهة أخرى، يشير جواد طباطبائي في إشارة جزئية في مقالته «المثقفون ضد إيران» إلى أمر يسمى تاريخية الأمر التاريخي، ويبين ضمنًا أن عدم رؤية هذا المفهوم يلحق ضررًا كبيرًا. فالمتكلمون الجدد، لتكييف الدين مع العالم الحديث ومواكبته، يزيحون حسب زعمهم ذلك الوجه من الدين الذي يعدونه خرافات وخيالات، لأنهم يرون علة انحطاط الدين في الخرافات التي نشأت عبر التاريخ، ويتولون أمره خلافًا للتقاليد الإسلامية، ويشهرون مبضع الجراحة، ويبلغون قبض الشريعة وبسطها النظريين بما يخدم أهدافهم، فيصير الدين في النهاية خاضعًا للتنقيح ليتلاءم مع ظروف العصر، ويفتح كثيرًا من فروعه ولوازمه التي تحول دون إصدار الفقيه فتاوى حادة، ويصل المثقفون الدينيون إلى منبعه أي التوحيد والمعاد والنبوة والجهاد والشهادة، ويرجعون إلى السلف الصالح، حيث يصبح الدين هنا أداة للأصولية ليواجهوا بها أي تلقي مخالف للدين. ويشير جواد طباطبائي في مقدمة كتاب زوال الفكر السياسي الذي نُشر قبل ثلاثة عقود، إلى فرق بين علم الكلام واللاهوت المسيحي في مفهوم واحد، إذ كان المتكلمون الجدد يظنون أن حركة مارتن لوثر كانت عن وعي وللتكيف مع الديمقراطية، في حين أن نشوء الليبرالية الديمقراطية عنها كان لا واعيًا، وأن العلاقات المنطقية بين مفاهيم علم الكلام واللاهوت المسيحي تتبع منطقًا منفصلًا، وفي الغرب أيضًا أنتج مفهوم البروتستانتية هذا ظهور الأصولية المسيحية. وقد تسبب هذا النقد الصريح من طباطبائي للفئة الفكرية المذكورة في أن يحكم عليه البعض، رغم وجود آلاف النصوص الفكرية ودون الرجوع إلى النص، بناءً على بضع محاضرات، بنقد خشبي لا يمكن أن يكون له وجه من الإنصاف والعلمية فحسب، بل لا يفضي إلا إلى إزاحة الستار عن انعدام علمهم وضعف قوتهم الفكرية واستعراضاتهم الباردة.
إن أَدْلَجَة الحياة السياسية للإيرانيين وقالَبَة السلوك الاجتماعي أدّت إلى أن يعاني نظامنا الأخلاقي من أزمات لأسباب مختلفة، وقد أدلى كثير من المفكرين الإيرانيين بآرائهم حول انحطاط الأخلاق في حياة الإيرانيين. كما دُهش بعضهم من وفرة النصوص الأخلاقية في التراث وخاضوا في البحث والتأمل في هذا الشأن، والجزء الأعظم من نصوصنا الأخلاقية ينتمي إلى الأدب العرفاني، ومن الطبيعي ألا يكون ذا صبغة فلسفية. ينبغي للمتخصصين في مجال العرفان أن يدلوا بآرائهم فيه، لكن ما هو مشهود، بتعبير ذلك الشاعر المنتمي إلى العالم العرفاني، هو تغيّر مزاج الدهر. بعبارة أخرى، يعتقد الطباطبائي أن «منطق القوى في العالم الجديد قد تغير»، وأن التراث لم يستطع تقديم إمكاناته بما يتلاءم مع حاجات العصر الجديد. ومن جهة أخرى، ففي أوروبا أيضاً، بعد الثورة الاسمية والتجدد الفلسفي وظهور الإنسان معياراً لكل الأمور، تحولت العوامل اللاحقة وحدث نوع من القطيعة الجوهرية بين العالم الغربي وجزء من العالم الشرقي صار أكثر جوهرية، وبطبيعة الحال، نظراً لهذه التضادات واللاتجانسات، لا يمكن ربط فلسفة كانط بجلال الدين الرومي، أو استخدام القرون الوسطى من العالم الإيراني والأدب العرفاني لترقيع رداء، وذلك في متن عالم السياسة والمجال العام. ويذكّر الكاتب، متجنباً إبداء الرأي في العرفان، بأن للعرفان منطقه الداخلي الخاص به، ولا يمكن لكاتب يدّعي النهوض من صميم العالم الغربي أن يبدي رأيه فيه. العرفان، أياً كان، وحتى لو كان له ظهور في المجال العام للمجتمع في العالم الإيراني الوسيط، فهو يختلف عن فلسفة السياسة والعلوم الناظرة إلى المجال العام. وكما قال الشاعر العرفاني: «إنه شأن الملك ما يحتاج إلى تدبير وتأمل»، فإن منطق علم السياسة والعالم الجديد يختلف عن العرفان الإيراني القديم، والطبيعة المختلفة لهذين الاثنين بادية حتى لأهل الأدب المنتمين إلى العالم التقليدي. أما أن لا يقبل مدّعٍ هذا، ويغمس إصبعه في العرفان بناءً على تراث الفكر الغربي، ويدخل من خلاله في نقد المجال العام – الذي لا يمكن أن يكون مجالاً للعرفان – ويرفض إيران في النهاية ويعتبر تخت جمشيد {على نحو خاطئ} من صنع الرومان، فينبغي تحليل ذلك تحت عنوان مشروع الانحطاط لجواد الطباطبائي. علاوة على ذلك، كان للعرفان في العالم الإيراني دوماً ظهور بارز، لكن الكتّاب الذين يتحدثون عن ليبرالية جلال الدين الرومي، ماذا يعرفون عن سبب الانحطاط رغم وجود الأخلاقيات العرفانية واتساعها التي كانت تستقر في حيز اللامكان الفردي للأشخاص؟ وكيف يمكنهم تحليل ذلك؟
لا يمكن بمنطق عرفاني هو، حسب كلام الطباطبائي، منتمٍ إلى «لامكان الفرد»، الدخول في المناسبات العرفية الإنسانية الجديدة. ومن جهة أخرى، لا يمكن للعقل في نظريات هؤلاء الفلاسفة أن يكون له محل من الإعراب ما دام مبنياً على نوع من الأخلاق العرفانية المانعة للجمع مع عقل المعاش. ومن جهة أخرى، فإن جرّ العرفان إلى المعارك الإيديولوجية هو شكل آخر من «الدين بوصفه إيديولوجيا» الذي تبناه الإيديولوجيون للصراع مع السلطة.
برأي الكاتب، يمكن لطباطبائي، من خلال توعية الجمهور والمثقفين الإيرانيين باحتياجاتهم الفلسفية، أن يقدم عملاً يليق بالخلاص من الوضع الفكري الذي تسبب فيه، تبعاً لدخول نظريات متنوعة، وقبل ذلك انحطاط العقل في تقاليدنا. جواد طباطبائي، كما قال أحد شارحيه في هذا الصدد، هو فيلسوف لتغيير موقع الفكر الإيراني من مكان الانحطاط والجمود إلى مكان للتوجّه {بمعناه الفلسفي} والتقدم. برأي الكاتب، فإن مشكلاتنا السياسية-الاقتصادية، قبل أن تكون طريقاً مسدوداً موضوعياً، هي نتاج نوع من انحلال فكر الإيرانيين نتيجة لعدم معرفتهم بمكانتهم وعدم فهمهم لتقاليدهم الفكرية واستخدامهم لإيديولوجيات صيغت في سياق الصراع مع السلطة. المشروع الفكري لجواد طباطبائي، بسبب اتساع تعقيداته وصعوبة دقائقه النظرية، وإن لم يكن مستحيلاً، إلا أنه عسير للغاية، والبعض ممن يتوهمون أنهم بالاستناد إلى محاضرة واحدة ونقدها بإيجاز، يمكنهم أن يخطوا في طريق نقده، لا يمكنهم ذلك، ولهذا السبب يصلون إلى وادٍ من الكتابات الهجينة والنقود المطوّلة الخاوية من المعنى وغير ذات الصلة بموضوع مشروع طباطبائي. لا شك أن طريق نقد مشروع جواد طباطبائي، بكل وجوهه المتكثرة وطبقاته المتراكمة وممراته المتكررة الملغزة، يمر عبر النص الموجود في كتبه، ولا يمكن للمرء أن يصبح عالماً دون أن يقرأ العلم، وأن يقدم على نقد جزء من محاضرته دون مراعاة ارتباط هذه المحاضرة بسياق فكره وأرضيته، الأمر الذي هو بمنزلة نزع الثوب الملمّع عن الجسد النحيل لفكره أمام أنظار أهل العقل.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
درود قومگراها و تجزیه طلب ها مدتهاست زسر ضربه و فروپاشی اندیشه های دکتر طباطبایی قرار داد مجبور بهر علفی چنگ بزنن تا غرق نشن ناسونالیسته ایرانشهر رو دوست داره . مداحی براش می کنید جواد طباطبایی کاری کرد که پنجاه سال دیگه نتیجش مشخص میشه. آتشی از عشق و شور ایران بزرگ . با راهکارهای زیاد.
یک مداحی بلند بالا.