يرى جواد طباطبائي أن النظريات المستوردة، مثل نظرية «ثورة في الثورة» لريجيس دوبريه، هي ما حوّل ثورة 57 إلى حركة معادية للمصلحة الوطنية؛ أفكار تغلغلت في الجماعات اليسارية والدينية، ودون إدراك للمصالح الوطنية، قادت البلاد إلى الدمار.

الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الأول
جواد طباطبائي
«ثورة في الثورة» كان عنوان كتابٍ ألّفه مثقف فرنسي، هو ريجيس دوبريه، الذي رافق تشي غيفارا في بوليفيا، وكتبه بالفرنسية قبيل وفاة إل تشي بوقت قصير، وسرعان ما تُرجم إلى لغات أخرى. أتذكر قصة وصول نسخ من الترجمة الإنجليزية ذات الغلاف الورقي لهذا الكتاب. أعتقد أنه كان عام 1345 حين سرت إشاعة بعد ظهر أحد الأيام في كلية الحقوق والعلوم السياسية مفادها: «لماذا أنتم جالسون يا رفاق، لقد وصلت نسخ من كتاب ريجيس دوبريه إلى طهران». أقرب مكان إلى الجامعة كانت تصل إليه مثل هذه الكتب هو مكتبة في شارع شاه رضا، قبل ميدان الفردوسي، كانت تستورد الكتب الإنجليزية. كان القلة ممن تعلموا شيئاً من الإنجليزية يذهبون إليها بين الحين والآخر. أعتقد أن صاحب المتجر كان مواطناً أرمنياً. توجهت مجموعات من الكلية سراً نحو ميدان الفردوسي، وبمبلغ تومانين أو ثلاثة – أي عشرين أو ثلاثين ريالاً من العملة الرائجة في الممالك المحروسة، ما يعادل ثمن قسيمة أرخص وجبة في الجامعة – اشتروا نسخة من هذه التحفة الفنية، بينما كانوا ينظرون حولهم، وأخفوها في جيوبهم، وأسرعوا إلى عزلتهم في بيوتهم ليسقوا شجرة نزعتهم الثورية بخزعبلات الأرستقراطي الفرنسي. لم يكن ذهني آنذاك قد أصيب بعدُ بما يكفي من العلل لأرغب في أن أكون من أوائل من يشترون تلك التحفة الفنية، وإن استطعت قراءتها. مرت بضع سنوات حتى وصلت قدماي إلى باريس. في هذه الأثناء، كان ريجيس دوبريه قد أُطلق سراحه من السجن بضغط من الحكومة الفرنسية، وبعد إقامة في تشيلي إبان حكم ألليندي وانقلاب بينوشيه، عاد إلى باريس، وكان ينظم عمليات حرب العصابات على الضفة اليسرى لنهر السين، ويتعرف بالطبع على «الجاذبية الخفية للبورجوازية».
قرأت «ثورة في الثورة» في الأشهر الأولى من دراستي في جامعة باريس، وبالفرنسية. كان هذا البيان السياسي، كما يوحي عنوانه، يشرح أن عصر الثورات الكلاسيكية قد ولى، وأنه يمكن بواسطة حروب العصابات وإشعال «مئات من الفيتنامات»،[1] على حد تعبير استخدمه تشي غيفارا في أحد مقالاته، كسر ظهر الإمبريالية والتغلب عليها. كانت الثورة الكوبية أولى هذه الثورات، وكان إل تشي، الذي كان ككل الثوريين ساذجاً حالماً، قد ترك فيدل كاسترو وذهب مع مجموعة إلى غابات بوليفيا، وكان ريجيس دوبريه أحدهم. قصة وقوع تشي غيفارا ورفاقه في الأسر يعرفها الجميع ولا حاجة لتكرارها. لا تخلو هذه القصة من شبه بـ «ملحمة سياهكل» الخاصة بنا، التي كانت تقليداً لها وتكراراً لنفس التجربة المحكوم عليها بالفشل. في كلتا الحالتين، وقع الرفاق في الأسر بمساعدة وهمة أولئك الذين شدوا العزم على تحريرهم. أما ريجيس دوبريه، بصفته مواطناً فرنسياً، فلم يخاطر كثيراً. حكمت عليه حكومة بوليفيا بالسجن المؤبد، ثم أطلقت سراحه بضغوط من الحكومة الفرنسية. ومنذ ذلك الحين، لم «يتراجع» دوبريه كثيراً، شأنه شأن العديد من الثوريين الذين يتنبهون إلى خطئهم، بل مع وصول فرانسوا ميتران والحزب الاشتراكي الفرنسي إلى السلطة، انضم إلى مستشاريه، وكان عبر دانييل ميتران، الزوجة الرسمية ولكن «الديكور» لرئيس الجمهورية، يقيم العلاقة بين حركات التحرر والحكومة الفرنسية. في حكم ميتران، كان لفرنسا حكومة رسمية يديرها رئيس الجمهورية والاشتراكيون القدامى. كانت هذه الحكومة الرسمية استمراراً لنفس الحكومة الفرنسية، كقوة استعمارية سابقة. وكانت هناك «حكومة» أخرى داخل هذه الحكومة تعمل بشكل ثوري، ولها صلات بمتخلفي جميع بلدان العالم الثالث، الذين كانوا يعملون في زيّ حركات التحرر. بينما كان ميتران يستمتع بنفقة الأمة الفرنسية مع «عشيقته»، كانت زوجته الرسمية تخوض مع ثوريي أمم العالم الثالث لعبة التحرير.
لو كانت نظرية «الثورة في الثورة» تنطوي على خطر، لكان هذا الخطر يخص البلدان ذاتها التي صيغت من أجل «تحريرها». نظريات التخلف – أو البؤس المقدر – مضرة في البلدان المتخلفة، وهذه النظريات هي أيضاً أحد عوامل التخلف في تلك البلدان. أمريكا اللاتينية مثال بارز على هذا التخلف المضاعف في حقبة كانت تُصدَّر إليها فيها النظريات من فرنسا، ومنذ أن زالت مظاهر التخلف هذه، أو أصبح للناس عقل، لم تعد هناك حاجة إلى «رفض نظرية البقاء» لمثقفين لم يكونوا يؤمنون البتة بترهاتهم. لم يكن لريجيس دوبريه، وحلقة يساريي دانييل ميتران، الذي كان ابنه جان كريستوف، بصفته مستشاراً لوالده في الشؤون الأفريقية، متورطاً في تهريب السلاح إلى أنغولا وحوكم بل وأدين مراراً بتهمة تلقي الرشاوى، أي اعتبار لدى الأمة الفرنسية، التي لا يمكن خداعها بسهولة، وقد لفظت تدريجياً كل هذه الجماعات الفاضحة وطردتها من جوفها. خطر الخليط العجيب لنظريات التخلف يكمن في البلدان التي أُعدت لها هذه النظريات. ففي بلد كإيران تحولت «الثورة في الثورة» بإنجليزية مسعود أحمد زاده الركيكة وبيان أمير برويز بويان السياسي إلى نظرية «الكفاح المسلح هو الاستراتيجية والتكتيك معاً» و«رفض نظرية البقاء»، وحينما «تغلغلت هذه النظريات في الجماهير» الحمقاء التي كان على رأسها شكر الله باك نجادون، وبيجن جزنيون، وعلى مستوى أدنى، فرخ نكاهدارون، ومسعود رجويون وغيرهم من المتخلفين عقلياً، «أصبحت، على حد تعبير لينين، قوة مادية» مدمرة للبلاد. كانت «الثورة في الثورة» تلك نظرية لإفلاس وشقاء الشعب الإيراني، وقد نجحت نجاحاً كارثياً في إيران عام 57. من سوء حظ الشعب الإيراني أن حدثاً كهذا، كان يمكن أن يقع في بلدان قليلة جداً، وقع في إيران، واليوم، بعد أربعة عقود، يمكن القول إنه دمر البلاد تدميراً بحيث إنه حتى لو تغير المسار الحالي، فستستغرق الأمور عقوداً قبل أن يصبح أي إصلاح ممكناً.
لم يكن بوسع «الثورة» في ثورة 57، كما فهمها من ريجيس دوبريه إلى المقاتلين الإيرانيين، إلا أن تكون ثورة معادية للأمة. «تغلغل هذه النظرية» في الجماعات الدينية – من المتدينين الخجلين كالجبهة الوطنية إلى حركة الحرية، ومن الملالي «السياسيين» المسجونين الذين لا يفقهون شيئاً في السياسة إلى مجاهدي خلق الذين قدموا، تحت تأثير أشخاص كعلي شريعتي، قراءة حرب عصابات – شمولية للإسلام – زاد من صبغتها المعادية للأمة: إذا استثنينا بعض الحالات في طيف الجبهة الوطنية، يمكن القول إن أياً من هذه الجماعات لم يكن لديها تصور عن إيران ومصالحها الوطنية. الجماعتان الكبيرتان، اليسار – بزعامة حزب توده وأقماره – والمتدينون، حتى لو أقروا بذلك لساناً، لم يكن لديهم أي تصور عن الأمر الوطني. يكفي أن يلقي المرء نظرة على بيانات أي من هذه الجماعات التي صدرت منذ بداية الثورة حتى الاحتلال المخزي لـ«وكر التجسس»، وأن يقرأ أخبار النهب والسلب التي جرت أمام «وكر التجسس» ذاته والمتاحة في الفضاء الافتراضي. سيفهم مثل هذا الشخص كيف كانت نظريات التحرر جزءاً من استراتيجية الإمبريالية ذاتها لإفقار أمم كانت لها أعداء داخليون لدودون، وكيف تصافحت هذه الأطراف في لحظة محفوفة بالمخاطر لتدمر إيران بـ«ثورة» معادية للأمة. كان لريجيس دوبريه نفسه، الذي ذكرت كل عيوبه، هذا الفن أيضاً في أن يسوق «خلق كرد» للسيدة ميتران. كانت الأمم المتحدة قد خصصت سابقاً تسهيلات خاصة لـ«الأمم بلا دولة». ولإدراج «خلق كورد» ضمن هذه الفئة وتخصيص امتيازات خاصة لها، لُقبت دانييل ميتران بـ«أم أمة الكورد»، وألقى جيلبير ميتران، ابن دانييل الآخر، خطاباً في «برلمان إقليم كوردستان». من البديهي أنه لا الأم ولا الابن كانا قد سمعا شيئاً عن خلق كرد قبل أن يُطلب منهما العبث بخريطة الشرق الأوسط، بتوجيهات من اليسار الفرنسي المتطرف، من جان بول سارتر إلى دوبريه هذا، وتضحيات أتباعهم المحليين، لكن مصالح فرنسا كانت تقتضي وقوع أحداث في المنطقة، وقد وقعت!
برماد «الأيديولوجي» الذي ذرّه آل أحمد وشريعتي ومن على شاكلتهما في عيون الإيرانيين منذ سنين خلت، كان قد أعمى أبصار كثيرين منهم أو أضعفها، وحين دُفعوا تحت راية «الأمّة ــ الشعوب» لم يكونوا قادرين على أن يبصروا تحت أيّ راية وكتلة يضربون صدورهم. ما لم يكن يعلمه لا طيف الجماعات اليسارية ولا طيف الجماعات الدينية هو أن «الثورة» في ثورتهم وقعت في بلد له دولة ــ أمّة عريقة، وأن من الممكن أن تقع يوماً ثورة أخرى في «ثورتهم». إن ثورة كهذه، لو كانت قد وقعت، أو لو وقعت، يمكن أن تعني الهزيمة النهائية لكلا الطيفين. منذ عقود، كان هذا الحدث يقع بصورة خفيّة، لكن ثمّة نوعين من العِصابة على العينين – عِصابة الله وأيديولوجيا العصابات، وهي الجمرة الخبيثة لعقل الإنسان ووعيه – كانا لا يسمحان بأن يُرى. في رأيي، حتى الله سبحانه يترك «ورثته على الأرض» لحالهم في موضع ما، أي إن صحّ القول إن المشيئة الإلهية لا تعمل أيديولوجياً لتكون سنداً لكل حماقات ورثته. تلك الثورة التي كان ينبغي أن تقع في «الثورة»، إنها تقع هذه الأيام في إيران. في أحداث السنوات الأخيرة، كان جلياً لمن كانت له عين أن «الجمع من قاع الشارع» هو أسوأ حلّ ممكن. إن أردت أن أتحدث بلسان أهل «الجمع» أمكنني أن ألفت نظرهم إلى آية من سورة آل عمران.[2] محاولة تحويل واحدة من أعرق الأمم إلى أمّة ــ شعوب كانت أكبر خطأ ارتكبه طيفا الثورة الديني واللاديني في عام 57. كل وقائع الأيام الأخيرة – والأشهر والسنين التي سبقتها – دليل على هذا التحوّل العظيم في البلاد، وهو أن أمّة إيران قد أنجزت ثورة «وطنية» في الثورة وهي تمضي بها قُدُماً. هذه «الثورة الوطنية» لم تكن ممكنة إلا في إيران، والآن وقد أصبحت ممكنة فهي ماضية في طريقها. هذه الحركة الوطنية بحاجة إلى شرح سأورده في تتمة المطلب.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الثاني
جواد طباطبايي
إن المسار التطوّري لتحوّل قوم – أو أقوام – إلى أمّة هو مسار معقّد وشائك، وحين يتحوّل قوم تاريخياً إلى أمّة فلا يمكن إرجاعه إلى الوراء. على العكس من ذلك، فالأمّة (بمعنى الجماعة الدينية) ليست أمراً تاريخياً؛ يمكن لجماعة أن تتشكّل، في زمان وبشروط خاصّة، في صورة أمّة، وأن تبقى زمناً ثم تتبدّد بعد ذلك كالدخان في الهواء. كل أمّة قائمة بشخص ذي فرّة إيزدية، وبأفوله تفنى، لأن الأمّة ليست أمراً تاريخياً، بل هي أمر معنوي. علاوة على ذلك، فإن تشكيل الأمّة كان ممكناً في الحقبة ما قبل الحديثة، ومع بزوغ العصر الجديد يكون زمانها قد ولّى إلى الأبد. لا حاجة إلى القول إنه في البلدان التي لم تدخل بعد العصر الجديد يمكن أن توجد بقايا من واقع الأمّة، غير أن وجود هذه العناصر ما قبل الحديثة لا يمكنه إلا أن يعيق تحقّق مسار التحديث الكامل. معظم البلدان التي تقع خارج مجال جاذبية الغرب لا تزال، بدرجات متفاوتة، غارقة في بقايا الأمّة هذه ومقولاتها ومباحثها. إن بقايا عناصر من نظام الأمّة هي بمثابة عوائق تعمل في وجه التحديث وفكره، وما لم تتمّ تصفية حساب مع هذه العوائق فإن طريق تحقّق الحداثة لن يكون معبّداً.
في إيران، مع انتصار حركة المطالبة بالدستور، بدأ العصر الإيراني الجديد. وكما يمكن أن نستنتج من مداولات المجلس الأول، كان هذا المجلس الأول نفسه بمثابة مكان لصياغة نظرية للتجدد الإيراني. إن أول أمر ظهر في هذا المجلس، كما أوضحت في مكان آخر، هو «الأمر الوطني»، وكان منطق هذا «الأمر الوطني» هو الذي يحدد شؤون البلاد الأخرى، والتي كانت صياغة الدستور ونظام القوانين – أو حكم القانون – في مقدمتها. في إيران، كان هذا الأمر الوطني أمراً تاريخياً. على خلاف العديد من بلدان العالم الإسلامي، وحتى بلدان أوروبا الغربية، التي كانت مناطق من الأمة المسيحية أو الإسلامية الكبرى، استطاعت إيران أن تحافظ على استقلالها «الوطني»، وأكثر من ذلك، أن تصوغ «رواية» لهذا الاستقلال «الوطني»، وهو أمر لم يحظ باهتمام كبير حتى الآن. نعلم أن الإيرانيين «أسلموا» بشكل أو بآخر، ولكنهم، بتعبير استخدمته في مكان آخر، «لم يؤمنوا». لا أعني بذلك أن الإيرانيين لم يكونوا مسلمين، ولكنهم بهذا الإسلام نفسه صاغوا رواية تاريخهم و«هويتهم» وواصلوا المضي بها. النموذج البارز لهذه الرواية هو ما ورد في الشاهنامه، الذي يعبر عن «الذاكرة» التاريخية للإيرانيين.
نعلم أن الإيرانيين، في العصر الإسلامي، أقبلوا مبكراً جداً على كتابة التاريخ وسعوا لفتح مكان لماضيهم التاريخي في التاريخ «العالمي»، لكن صياغة هذه «الذاكرة» التاريخية لم تشمل كل تاريخ إيران. كان أحد مصادر هذه التواريخ الأولى هو «خداينامهها» (كتب الملوك) العائدة للعصور القديمة، لكن الفردوسي استفاد من هذه الخداينامهها بشكل آخر وقدم على أساسها «ذاكرة» تاريخية، روايةً عن «الذاكرة» التاريخية للإيرانيين. أحد وجوه تميز إيران عن البلدان الأخرى هو هذه المشروعية المزدوجة القائمة على «الحافظة» و«الذاكرة». منشأ ما أسميه «الأمر الوطني» هو هذه المشروعية المضاعفة. التحول التدريجي للقوم – والأقوام – الإيرانيين إلى أمة أصبح ممكناً منذ أقدم العصور في مثل هذه الظروف. القوم – والأقوام – الإيرانيون، الذين لم يكونوا أبداً جزءاً من أية أمة، استطاعوا، على أساس هذا «الأمر الوطني»، أن يخلقوا نسقاً من واقع تاريخي يُعبّر عنه في العصر الحديث بـ«الأمة». هذا «النسق» القومي في إيران نشأ بالاعتماد على التمييز بين وجهي المشروعية، وتحول في تطوره التاريخي إلى أمة.
القومية الإيرانية، مثل «الأمر الوطني» الذي هو أساسها، على خلاف ما قلته عن الأمة، هي أمر تاريخي، أي أنها تكونت تاريخياً وفي التاريخ، واستطاع الإيرانيون أن يسقوا غرستها بـ«الذاكرة» التي وجدوها عنها: «من هذا الحريق الخفي الكامن في صدرنا»...! يكمن سر فهم معظم أشعار حافظ في هذا «الصدر الذي هو نحن». السبب في أننا نفهم حافظ ولا نفهمه في آنٍ واحد يكمن في هذه النقطة الدقيقة. من الناحية «الوطنية»، «نحن» جميعاً، بالحدس، كنا حافظاً، ونحن كذلك، كما أن حافظ كان نحن؛ هذا «الأمر الوطني»، ذلك «الحريق الخفي»، حمله الجميع في صدورهم وما زالوا يحملونه. يمكن أن تلحق بكل أمر تاريخي، في تطوره التاريخي، أضرار جسيمة، ولكن إذا كان مسار تطور الأمة قد بلغ كماله، فإنه لا يمكن أن يتعرض للانهيار من الداخل. الأمة تنهار من الداخل بـ«رحيل» الشخص صاحب الفرّ الإيزدي ولا يمكن تجديدها، بينما الأمة التاريخية، بتعبير ريتشارد فراي، هي كشجرة السرو تنحني مع كل ريح ولكنها لا تنكسر. لا أريد أن أدخل في التفاصيل هنا، بل أحاول أن أقدم المقدمات الأولية لنتمكن من فهم كيف بدأت فجأة «في سماء» أمة-محورية الجمهورية الإسلامية «الصافية رعود الثورة الوطنية بالهدر». منذ أكثر من عقدين، وبفهمي لتاريخ «الأمر الوطني»، كنت قد لفتت الأنظار إلى هذا النهوض «لعنقاء إيران من رمادها» – بتعبير زرين كوب في تاريخ الشعب الإيراني. في مقالة كتبتها سابقاً هنا بخصوص التصريحات الدرية لأحد نواب رئيس الجمهورية الذي قال: «نحن لدينا مشكلة مع الدولة والأمة أصلاً»، كتبت أن هذه «الدولة» قد «آلت من أناس إلى أنتم الأناكر»؛ سيمضي هذا النهيق من حميركم أيضاً! لماذا؟ لأن من هم أكبر من حميركم قد سيطروا على هذا البلد وحكموه، لكن لا العرب، ولا الترك، ولا المغول، ولا الغلزايون ما قبل الطالبان تجرأوا على أن تكون لديهم مشكلة مع قوميتنا «نحن». يمكن أن يُسأل: لماذا؟ جوابي هو: لأنهم حتى هم كانوا يعرفون أين يحكمون.
إن الثورة الوطنية الراهنة هي ذاتها «الأمر الوطني» التاريخي لإيران الذي انبثق فجأة من تحت رماد الثورة الإسلامية. إن مشكلة الحكم مع أمثال أحمدي نجاد ورئيسي، في الحكومة أحادية اللون، تكمن في أنها تُوكِل الأعمى ليقود عمياناً آخرين، ولا يخطر ببالهم أي هاوية مخيفة تنتظرهم. إن إعلاء شأن سكان الأكواخ هو أيسر سبل الحكم، ولكن على هؤلاء أن يكونوا قادرين على الحكم في زمان ومكان هما عصر الحداثة وعصر القوميات. إن سكان الأكواخ، كما يدل عليهم اسمهم، كائنات لا وطن لها، ولأن لا وطن لها، ولا تعرف ما هو الوطن، فإنها تدمره. لقد قال ابن خلدون، الذي كان عربياً أصيلاً ولم يكن ثمة شيء في زمانه يجهله عن العرب، إن العربي ليس كائناً مدنياً ولا يعرف ما هي المدينة، وحين يسيطر على المدن، فإنه يدمرها لكي يتمكن من البقاء حياً. ومن البديهي أن التدمير الكامل للمدن لم يكن ممكناً في أي مكان، وهذه المدن ذاتها هي التي بقيت وانتقمت من العرب: لقد أفسدتهم، ودُمرت العصبية العربية. لقد كتب ابن خلدون مقدمته للتاريخ لشرح هذا الاضمحلال للعصبية. نحن لم نتمكن بعد من شرح ما الذي فعله سكان الأكواخ بالقومية الإيرانية، ولكن أليست هذه النهضة الوطنية هي ذاتها الشرح العملي؟ أنا أعتقد أنها كذلك. إن هذا الإجماع المذهل لجميع أفراد أمة عريقة يدل على أنه في عصر القوميات يمكن إسكات منطق الأمر الوطني لبعض الوقت، لكن التغلب عليه ليس ممكناً.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الثالث
جواد طباطبائي
إن الثورة «الوطنية» الإيرانية هي من خصائص إيران، بوصفها إيرانشهر، التي حاولت منذ عقدين أو ثلاثة أن أشير إلى بعض وجوهها. لقد وجدت الأقوام الإيرانية، منذ أقدم عصور تاريخ هذا البلد، تحت لواء ثقافتها الشاملة وحدةً يُعبَّر عنها في القرون الأخيرة بالأمة. هذه الوحدة «الوطنية»، بوصفها وحدة ثقافية، وعلى الرغم من التوترات التي شهدتها دوماً كجماعة، فقد امتلكت أيضاً هذه الخاصية الجوهرية المهمة، وهي أنها في الفترات الحساسة من تاريخ إيران فصلت نفسها عن «الدولة» وحافظت على أساسها القومي. إن انهيار إيران، في غزو الأفغان، وقصف المجلس بالمدافع ومحاولة احتلال إيران مرة أخرى بالاعتماد على الجنود الروس، هي من نماذج عدم اكتراث الأمة بالنظام الدولتي الذي لم يكن وطنياً: إذا كانت الدولة لا تملك القدرة على حفظ الوحدة الوطنية والدفاع عن حقوق الأمة، فلا ضرورة لأن يهدر الناس دماءهم للحفاظ على رجال الدولة. ليس مدعاة للعجب أنه حين سقط الشاه سلطان حسين وظهر نادر للدفاع عن جماعة الأمة، انضم قسم كبير من الناس الذين كانوا قد أداروا ظهورهم للصفويين إلى جنوده وتركوا الشاه تحت رحمة أفغاني مجنون لكي يدافعوا عن الوحدة الترابية للبلاد. وكان ثمة قدر محتوم لالتحاق العامة بنادر، وحين آل أمر نادر إلى المغامرة، قطعوا رأسه في ليلة، وفي اليوم التالي كان ذلك الرأس مرمياً تحت أقدام الأطفال. من خصائص ظهور أمة ما أن هذه «الأمة» لا تعتبر كل دولة دولة «وطنية». إذا جاز القول، فكل دولة تكون دولة «وطنية» ما دامت تضطلع بمهمة تأمين حقوق الأمة. من خصائص تاريخ إيران أن جماعة الأمة كانت أمراً أكثر جوهرية من دولتها. إن معظم رعاة الحمير الذين حكموا إيران لم يكونوا يعرفون أن الإيراني يعتبر نفسه مؤتمناً على «الدفاع عن جماعة الأمة» لا لحماً لمدافع الدول المغامرة! ومن النماذج الجديرة بالانتباه إقبال العامة على الذهاب إلى الجبهات في بداية الحرب وإدارتهم الظهر للجبهات حين تم تحرير تراب البلاد، ولكن مغامرات الجمهورية الإسلامية، لأسباب ليست موضوع نقاشي، أرادت أن تواصل الحرب باعتبارها «نعمة». قبل أن يظهر التمييز المفهومي بين الدولة والمجتمع في الفكر السياسي وفي العلوم الاجتماعية الحديثة، كان الإيرانيون، على الدوام، يمتلكون نوعاً من الوعي بالتمييز بين الدولة وجماعة الأمة.
في إيران، يعود هذا الوعي بـ«حقوق الأمة» إلى تاريخ طويل، وإن لم تكن التيارات المناهضة للوعي قليلة قط، تلك التي كانت تتشبث، في كل مناسبة، بأذيال «المشايخ والمراجع» لتنصح الدولة التي كانت هي جزءاً منها بأن تؤمّن حقوق الناس. من البديهي أن هذه الكلمات الجديدة التي أستخدمها هنا كلها منحوتات حديثة، لكن لا جديد إلا وله سابقة في القديم. لكل عصر مستواه من الوعي الذاتي، وفي إيران، كانت الثقافة أهم أداة للتصدي للنظام الأيديولوجي للدولة. في إيران، كانت الوحدة «الوطنية» على الدوام وحدة ثقافية «وطنية» على صعيد المجتمع الأهلي، غير أنها اتخذت صورة جديدة من الوعي الذاتي أولاً في حركة المطالبة بالمشروطة وبانتصار المشروطية. مع المشروطية، تجلت الثقافة في صورة المطالبة بالقانون. إن كون إيران ظلت تفتقر إلى نظام حقوقي سليم حتى انتصار المشروطية له تفصيل لا يمكن الخوض فيه هنا، لكني أكتفي بالإشارة إلى أن المتولين لإدارة قسم كبير من النظام الحقوقي للبلاد كانوا هم أنفسهم «المشايخ والمراجع» الذين كانوا يفسرون قانون الشرع وفقاً لأهوائهم وفهمهم، أي أنهم كانوا يضحون بنظام المجتمع الأهلي في خدمة مصالحهم وللحفاظ على الدولة. في ما مضى، في العصر القديم من تاريخ إيران، حين لم يكن الإيرانيون يمتلكون الأدوات اللازمة للتصدي للعواقب غير المرغوبة لهذا النظام الحقوقي، كان الأدب الفارسي ميداناً للنضال ضد «المشايخ والمراجع»، ولكن مع بداية العصر الحديث، وتعرف الإيرانيين على المفاهيم الجديدة، حل النضال من أجل الحقوق محل الأدب الفارسي. كانت حركة المطالبة بالمشروطة، من هذا الوجه، بداية العصر الحديث من تاريخ إيران، إذ وضعت أداة جديدة في متناول الأمة لتتمكن من تأمين حقوقها. بهذا النظام نفسه، دخلت الحقوق في إيران عصرها الحديث، وترسخ أساس «الأمة» الواحدة، وبلغت الأمة رشد وعيها الذاتي. كان النظام الحقوقي الجديد أهم إنجاز حققته الأمة الإيرانية، غير أن كل قوى ظلمات القرون الوسطى، التي كانت قد تراجعت بانتصار المشروطية وإعدام الشيخ الشهيد، عادت إلى الميدان مرة أخرى.
كانت الثورة الإسلامية انتقام «المشايخ والمراجع» من نظام حكم القانون. لقد استطاعت هذه الثورة، في البداية، أن تحرم الناس من الرؤية بنثر رماد الأيديولوجيا الشريعاتية اليسارية في أعينهم. في العقدين الأولين بعد الثورة، كان يُوحى بأن زمن الدول الوطنية قد ولى. كان هذا مسعى لتخدير موضعي لأمة كان دوار الثورة قد استولى عليها. إن مسعى تحويل الأمة إلى أمة دينية واحدة – وفي النهاية جزء من أمة دينية أكبر – مؤلفة من جماعات عديمة الهوية، مشتتة، بدائية، وقبل كل شيء، معادية للأمة الإيرانية، كان محكوماً عليه بالفشل منذ البداية، لكن الأيديولوجيا الشريعاتية اليسارية لم تحرم الناس من نعمة البصر فحسب، بل إن صانعي تلك الأيديولوجيا أنفسهم كانوا ضحايا أيديولوجيتهم ولم يستطيعوا أن يروا على أي كثيب من الرمال المتحركة جلسوا، وحين تبدأ العاصفة بالهبوب لن يجدوا بعدها مكانهم ولا وجهتهم. إن كون وتيرة الاحتجاجات الشعبية، من أولئك الذين وعوا حقوقهم المفقودة، قد تسارعت في السنوات الأخيرة، بينما يزداد الحكام تيهاً يوماً بعد يوم، وإن كلاً من أسرة شريعتي الجليلة والشريعاتيين، والاتحاد المشؤوم لليسار الوطني، لا يصدر عنهم أي صوت، كل هذا، إنما هو علامة على تلك الحقيقة المفجعة من تاريخ إيران المعاصر، وهي أن الفاعلين والمحركين للتحولات السياسية كانوا مجموعات من المتخلفين ذهنياً، من الفدائي والمجاهد والبيكار والتودهای إلى الجماعات الدينية الصغيرة، كانوا جميعاً يحملون المعاول مستعدين لتدمير البلاد، وأساس قوميتها، ودولتها الوطنية، لكنهم لم يكونوا يمتلكون حتى القدرة على وضع لبنة فوق أخرى. في رأيي، وراء كل التفسيرات التي يمكن تقديمها للفشل الراهن للجمهورية الإسلامية، تبرز هذه النقطة بأهمية أكبر، وهي أن مقاربة المسؤولين فيها تجاه القومية الإيرانية كانت دعوة لنا إلى انتحار جماعي. من البديهي أن مثل هذه الدعوة في بلد له مثل هذا الإرث التاريخي والوعي الذاتي الوطني لم يكن من الممكن أن تُستجاب على المدى الطويل. أعتقد أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية ليس لديهم أي برنامج آخر للحكم سوى هذه الدعوة الواحدة. ودليلي القاطع على هذا الادعاء يأتي في هذه الإشارة إلى دعوة مجلس صيانة الدستور المتجددة بأنهم «يصرون على تنفيذ أحكام الشرع». أليس هذا «الإصرار» نفسه نوعاً من الدعوة إلى انتحار الجمهورية الإسلامية؟ والمسؤولون أدرى بأنفسهم!
تُظهر الأحداث الأخيرة بوضوح أنه من بين جموع تلك المنظمات والجماعات والزمر، لم يتبقَّ سوى «ناشطين سياسيين» في غاية التوسط و«محللين للشؤون الإيرانية» لم يعودوا موجودين. في العديد من الثورات الأخرى، من فرنسا إلى ثورة أكتوبر، ظهر قادة فكروا كيف انحرفت ثورتهم عن مسارها؛ أما نشطاء المنظمات اليسارية والدينية في إيران، الذين هم، كما رأينا جلياً طوال الأربعين عاماً الماضية، متخلفون الواحد عن الآخر، فقد التحفوا بغطاء في تقليد السياسة الإيرانية المعاصرة ويعيشون في خيالاتهم أياماً كان بإمكانهم فيها أن يتسكعوا حاملين كتب ج. ث. في شوارع طهران، بينما كتب فوكو: «لا شك لديَّ في أن هذه الأيدي المرفوعة هكذا لا يمكن أن تُهزم». وبما ينطوي عليه من بلاهة، لم يكن بوسع فوكو، وأولئك الذين استسلموا لغرامه، إلا أن يُهزموا. لم يكن فوكو ولا المفتونون به يعرفون أي بلد هي إيران ولا أية قومية هي القومية الإيرانية. هذا البلد وهذه الأمة اللذان بذل الكثير جهده لشرح أنهما لم يكونا موجودين قط، لأنهما كانا بلداً وأمة في آن، ولا يهم ما يمكن أن تنسجه العلوم الاجتماعية الجديدة من سفسطات بشأنهما، قد نقض الآن كل حججهم. الثورة الوطنية الإيرانية في طريقها، ويمكن فهمها، لكن يمكن أيضاً «الإصرار». ومن البديهي أن الثورة ستمضي في طريقها في هذه الحال. حين تدور عجلة الثورة، لن يستطيع أي «إصرار» إلا أن يُسحق تحتها.
كلا! لم يعد لهذا الثلج من قرار!
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الرابع
جواد طباطبائي
الثورة الوطنية، على عكس ما يريد معارضوها من كل الأطياف أن يُوحوا به، هي ثورة لتأمين حقوق أمة تاريخية. الحظ يحالف إيران والأمة الإيرانية، إذ يتجلى «الأمر الوطني» في كل مناسبة بصورة أخرى، ويكون بمثابة الملاك الحارس لوجودنا الوطني. للأمة، بصفتها مجتمعاً مدنياً، مطالب في العصر الحديث. في البلدان الديمقراطية – لا «حكم الشعب» الذي هو، كما يقول أفلاطون، سيطرة الرعاع على المجتمع – تمثل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني هذه المطالب، وتُحقق جزءاً منها أو كلها في إطار علاقة القوى القائمة. المجتمع المدني الحديث هو اجتماع لجماعات الحوار والمساومة، وهذا الانفتاح الدائم لباب الحوار والمساومة هو الذي لا يسمح لأي توتر بأن يتحول إلى أزمة في أعماق المجتمع فتدمره من الداخل. ما يحدث اليوم في إيران، وأستطيع القول إنه أثار دهشة ليس الإيرانيين أنفسهم فحسب، بل العالم أجمع، يمكن فهمه في ضوء هذه النقطة في الفكر والفلسفة السياسية الحديثين. في الأجزاء الأولى من هذه المذكرات، أشرت مرة أو مرتين إلى ذرّ الرماد الإيديولوجي اليساري – الشريعتي في عيون الناس والعمى العابر للشعب الإيراني. كنت قد قلت سابقاً أيضاً في واحدة أو اثنتين من رسائلي الأخيرة إن «الأمر الوطني» كان قد تكون في إيران منذ قرون، وأوضحت هناك أيضاً أن أول مكان تجلى فيه هذا «الأمر الوطني» بصورة مستحدثة كان مجلس الشورى الأول في المشروطة، وعلى أساس هذا «الأمر الوطني» ذاته تم تدوين النظام القانوني لأمة، مما حول إيران إلى بلد حديث، «في عداد الدول الدستورية».
به این اعتبار، نخستین «انقلاب ملّی» ایران مشروطیت بود که با تدوین نخستین قانون اساسی ایران را «در عِدادِ دُوَلِ مشروطه» درآورد. میدانیم که دستخط مشروطیت را مظفرالدین شاه صادر کرد و دستور داد مجلس شورای ملّی تشکیل شود. تا اینجا، بخش بزرگی از مطالبات مردم با گفتگو و چانهزنی به دست آمد. در این مرحله جنبش مشروطهخواهی مردم ایران از نوع انقلابهایی بود که فیلسوفان سیاسی آنها را «انقلابهای برای تاسیس آزادی» نامیدهاند. در ایران، چنین انقلابی، که یکی از نویسندگان عصر مشروطیت آن را «انقلاب سفید» نامیده و گفته است که با کودتای محمدعلی شاه و به توپ بستن مجلس «به انقلاب سرخ تبدیل شد»، یعنی درِ گفتگو و چانهزدن بسته شد و غرش توپها بر مطالبۀ حقوق سایه افکند، گامی بزرگ به سوی ایجاد نظام حکومت قانون بود، اما نیروهای کهن و فرسودۀ سلطنت قاجاری و روحانیت مندرسی، که کاری جز وصله انداختن بر دلق مُرقَّع خود نداشت، آرایش نویی به سپاه جهل و تاریکی دادند تا بتوانند آب رفته را به جوی آرند که نشد و حتیٰ از یاری سالداتهای روسی هم آبی گرم نشد. بدین سان، نخستین «انقلاب ملّی» ایران پیروز شد و مردم توانستند حقوقی را که از سدههای پیش از آنان گرفته شده بود بازپس گیرند.
با توجه به رخدادهایی که از آن پس اتفاق افتاد، گاهی از شکست مشروطیت در ایران سخن گفتهاند. این تعبیر، در اطلاقِ آن، سخن درستی نیست، زیرا آنگاه که یک بار حقوق به دست آمد بازپس گرفتن آن کار آسانی نیست، و حتیٰ ممکن نیست. وانگهی، حقوق هرگز یک بار برای همیشه به دست نمیآید؛ به دست آوردن حقوق روندی طولانی و مسیر آن نیز راهی پرسنگلاخ است، زیرا حقوق از مقولۀ آرمانشهرها نیست که، شاید، یک بار برای همیشه و در تمامیت آن تحقّق پیدا کند و البته همۀ آن نیز به یکباره از دست برود. حقوق از واقعیتهای سخت اجتماع انسانی و برآیند رابطۀ نیروهاست؛ در زمان و مکان مناسبت، به دست میآید و گاه ممکن است همه و یا بخشی از آن تعطیل شود، اما آنچه در روند کسب حقوق اهمیت دارد آگاهی از آن است که با زوال احتمالی همه یا بخشی از حقوق نابود نمیشود. عامل تحول تاریخی آن حقوق نیست، این خودآگاهی است! فهم این نکته برای اهل ایدئولوژی و پاسداران نظام کهنه آسان، یا حتیٰ ممکن، نیست. در تاریخ ایران، دو فردی که تجسم چنین جهلی بودند همانا شیخ فضلاﷲ و محمد علی شاه هستند. اگر آنان بهای گزافی به این «اصرار» در جهل خود پرداختند به سبب این بود که آنان به بازپس گرفتن تنها بخشی از حقوق مردم رضایت ندادند و گمان میکردند که حتیٰ پذیرفتن بخشی از حقوق مردم میتواند رخنهای در ارکان فرسودۀ «دو شعبۀ استبدادِ» دینی و سیاسی (تعبیر میرزای نائینی در همان زمان) ایجاد کند. زمانی که تنها فرمان مشروطیت صادر شده بود، رابطۀ نیروها در ایران و منطقه به گونهای بود که هنوز این امکان وجود داشت که بتوان دامنۀ حقوق را محدود نگاه داشت، اما آنگاه که غرش توپها بلند شد و با بسیج عمومی مردم لولههای توپ مردم در برابر لولههای توپ نیروهای استبداد قرار گرفت تردیدی نبود که استبداد محتوم به شکست است.
على أي حال، اليوم، وبعد ما يقرب من مائة وعشرين عامًا على انتصار المشروطية، تحولت حقوق الشعب الإيراني، ووعي الشعب بحقوقه، إلى كلٍّ لا يتجزأ. لا ينبغي لأوهام منظّري أيديولوجيا الثورة الإسلامية، من آل أحمد وشريعتي إلى الأساتذة الكبار والصغار الذين أفرزتهم الجامعات التي مررت عبر مصفاة الثورة الثقافية، أن تخدعنا ــ وبالطبع رجال الحكم ــ بأن للشعب تكاليف كثيرة، لكن لا حقوق له. كانت حركة المطالبة بالمشروطة للشعب الإيراني ثورة وطنية لاستعادة حقوق الأمة من «شعبتي الاستبداد». كان الانتصار المهم لتلك الحركة، رغم ما جرى عليها وعلى أنصارها، هو إنشاء النظام القانوني ومؤسسته، أي القضاء. لقد أظهر التاريخ المعاصر أن الشعب الإيراني لم ينسَ أبدًا نتائج هذا الانتصار. وفي هذا الشأن أيضًا ــ وبخاصة في هذا الشأن أيضًا ــ «ليس الصمت دليل نسيان». رجال الدولة الذين لا يعرفون شيئًا عن الدولة ولا يملكون إدراكًا واضحًا لطبيعة الذاكرة الجمعية لأمة يحكمونها، يظنون عبثًا أن كل صمت هو دليل نسيان. من أخص خصائص العصر الحديث أن الإنسان المُكلَّف تحول إلى إنسان ذي حقوق؛ إن جوهر ــ أو طبيعة ــ إنسان العصر الحديث، الذي نسج الفلاسفة النظريات حوله لقرون، هو حقوقه الإنسانية. الإنسان الذي كان في الماضي «ذئبًا للإنسان»، تحول بالحقوق، وبتعبير أقل شهرة لتوماس هوبز نفسه، إلى «إله للإنسان» آخر. إن سلب هذه الحقوق من إنسان العصر الحديث هو تحويل له من «إله» إلى «ذئب». حينما تُمنح حقوق الشعب مرة واحدة ــ أي حين يأخذ الشعب حقوقه، كما أخذها في المشروطية ــ لا يمكن سلبها بعد ذلك. «الخديعة» في مثل هذه الظروف ليست علامة دهاء؛ إنها دليل جهل بطبيعة المجتمع الحديث والإنسان الجديد. الشعب الذي يصبح واعيًا بحقوقه ــ ويكون قد مضى على تكون هذا الوعي قرن من الزمان ــ هو أمة لا تُقهر؛ يمكن التفاوض معها ــ والمساومة ــ في ظروف متكافئة، لكن لا يمكن خداعها بـ«خديعة» وسلب حقوقها.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الخامس
جواد طباطبائي
قلت إن الثورة الوطنية هي «ثورة في ثورة» أمة تاريخية لاستعادة حقوقها التاريخية المفقودة. هذه «الثورة» هي حركة في الاتجاه المعاكس للثورة التي كانت قد تسببت سابقًا في فقدان حقوق الأمة. الثورة الوطنية، بالمعنى الذي أستخدمه، وفي تداولها الأقدم في أوروبا مطلع القرن العشرين، هي ثورة أمة، وكذلك حركة مطالبة بالقانون. في إيران، وكما قلت مرارًا، كان منشأ الأمة، بمعناها الجديد، هو «الأمر الوطني القديم»، وهذا الأمر الوطني «القديم» نفسه، مع المشروطية، اتخذ شكلًا حديثًا وأوجد أمة إيران «الجديدة» التي كانت أمرًا معقدًا منذ أقدم العصور. هذه الأمة، منذ تلك العصور القديمة، كانت وحدة في كثرة، وبقيت كذلك في تحولها التاريخي، وعادت للظهور في كل مناسبة بشكل حديث. قلت سابقًا، مرارًا، إن مجلس الشورى الأول للمشروطية، وفقًا لمضبطة مداولاته، كان هو ذاته مكان ظهور هذا النظام الخطابي للأمة الواحدة في كثرتها. في ذلك الزمان التاريخي والمكان الجغرافي، وفي أثناء حركة المطالبة بالمشروطة، تجسدت أمة إيران خارجيًا ونفخت روحها في «الجسد السياسي» ــ body politic في تداول الكتّاب السياسيين ــ لإيران. في ذلك الزمان والمكان، تحققت وحدتنا التاريخية «نحن» وبقيت بشكل سري. أوضحت سابقًا أيضًا أن حركة المطالبة بالمشروطة، على عكس بعض الثورات الأخرى في العصر الحديث، لم تكن قائمة على نظرية أو نظام خطابي، ولكن مع انتصار تلك الحركة وتشكيل المجلس الأول، تبلورت «في الممارسة». أكرر هذه الأقوال من حيث أن هذه الحركة الحالية تحمل تشابهات مع «ثورة» المشروطية الأولى، وأهم تلك التشابهات هو أن الثورة الوطنية، لأنها لاستعادة الحقوق، هي بطبيعتها تنبذ العنف. الإشارة التي أوردتها سابقًا إلى قول أحد كتّاب زمن المشروطة، ومفاده أن «الثورة البيضاء في إيران تحولت إلى ثورة حمراء»، كانت تهدف إلى هذه النقطة البالغة الأهمية وهي أن الثورة الوطنية لاستعادة الحقوق تتعارض جوهريًا مع العنف، ما لم يُفرض عليها.
في الحراك الراهن، تدرك «أمة» إيران، بصفتها مطالِبةً بالقانون، ذلك بصورة غريزية، وقد كانت تدركه منذ انتصار الدستورية. لقد أظهرت أحداث الدستورية أن محمد علي شاه لم يكن يدرك ذلك؛ وأظن أن كثيراً من الحكام الحاليين لا يدركونه أيضاً. لذا، إذا ما «تحولت هذه الثورة البيضاء إلى حمراء» فإن التاريخ سيكتب مسؤولية ذلك في سجل أعمال هؤلاء. إنني أتعمد زيادة غموض هذه الكلمات المعقدة لأقول إن الثورة الوطنية الإيرانية هي كل شيء إلا ما يدعيه محللو وسائل الإعلام، والأسوأ من ذلك، المشاهير. قد يكون هؤلاء أنفسهم جديرين بالاحترام كمواطنين في البلاد، لكن آراءهم ليست كذلك على الإطلاق! إلا إذا قال أحدهم كلاماً يُعتد به. لقد اجتمعت جماعات منهم في المجال العام من أكثر الأشخاص إثارة للريبة. فعلى سبيل المثال، حين يدّعي مغنٍّ أنه غير سياسي، ثم يصبح فجأة سياسياً بمناسبة أخرى، فهو دجال يأكل خبزه بسعر السوق ومن جيب الشعب؛ فلا قيمة لكلامه الأول، ولا، بالأولى، لهذا التودد الحالي للشعب! الإيرانيون، على الرغم مما يدعونه أحياناً، لديهم رغبة شديدة في الحصول على تأييد الآخرين – وخاصة الأجانب. من البديهي أن نكون شاكرين جداً لدعم الآخرين لنا، لكن دعمهم، إن لم يكن لكلامهم اعتبار، لا قيمة له ولا اعتبار يُذكر، ولا ينبغي أن نكرر في كل مناسبة ما يتفوه به فلان المدعو مشهوراً، والذي يعاني من مشاكل في النوم و...، من هراء. مهمتنا الحالية هي أن نفهم من الداخل ما يجري حدوثه. وتوضيحي القائم على أن الأحداث الراهنة هي ثورة وطنية داخل الثورة، ليس، على الإطلاق، فرضاً «لنظرية» على ممارسة قيد الإنجاز، بل على العكس، هو إلقاء ضوء على «فعل» الأمة لكي تتضح بعض زوايا الحدث الذي يجري، وألا ننتظر منقذين أمثال تشومسكي وجيجيك كي يهرعوا لنجدتنا. أي نظرية يمكن طرحها حول الأحداث الراهنة هي فرضية لفهم حدث يجري في إيران منذ أكثر من مئة عام. أما النظرية المتماسكة فستصاغ حين يكون الحدث قد وقع وبلغ نهايته.
على سبيل المثال، حين يدّعي شخص يُدعى جيجيك أنه يتعلم من إيران ويعرف أن الأمر نفسه سيحدث قريباً في أمريكا وبولندا، ينبغي القول إن هذا الادعاء وحده يُظهر مرتبة «مهرج الفلاسفة» في التفلسف. لقد وقع فيلسوف أكثر جدية من هذا المهرج في وهم آخر سابقاً وأطلق ادعاءات على حساب الشعب الإيراني، لكن المدهش أن أول المنهزمين إزاء الثورة الإسلامية كان فوكو نفسه. إن للثورة «الوطنية» الإيرانية، إن كان لها درس واحد، فهو دحض نظرية «الثورة» التي يتبناها جيجيك نفسه وشركاؤه داخل البلاد. ثم إنه، ما الذي يحدث في ثورة إيران الراهنة هذه والمقرر أن يحدث في أمريكا وبولندا معاً؟ يبدو أن هذا المهرج، شأنه شأن مقلديه في الداخل، يظن أن ما يحدث في إيران هو ضد النيوليبرالية التي تشكل القاسم المشترك بين أمريكا وبولندا أيضاً، أو ينبغي أن تكون كذلك. لماذا يسمح كل من يُدعى مشهوراً لنفسه، مع ما لديه من مشاغل أخرى كثيرة، بأن يدلي برأي عن إيران، هذا أمر غير معلوم لدي، لكن ثمة نقطة واضحة، وهي أن الإيراني يصنع التاريخ، لكنه ينتظر أن يأتي كل من لا يميز الخير من الشر ليؤكد له أنه قام بعمل مهم. مصطلح المشهور القبيح، الذي أستخدمه مضطراً، حتى لو كان فيلسوفاً بمستوى فوكو أو شخصاً متوسطاً مثل جيجيك، يُطلق على من يكون كل شيء في خدمة شهرته، ولا يفتح فاه ولا يحرك ساكناً إلا لزيادة هذه الشهرة. أما وقد أصبح ذلك الشخص نفسه من أنصار المرأة أو الشاب الإيراني الآن، فمن الواضح أن هذه المناصرة ستضيف بضعة أفراد إلى عدد متابعيه العاطلين، وهذا يدر دخلاً. الحدث المهم لا يقع في «النظرية»، فالرأي تابع للفعل، وفهم هذا الفعل الراهن غير ممكن، قبل أن يبلغ نهايته، إلا لمن يُحدث فعلهم تحولاً في التاريخ. أناس مثل فوكو وجيجيك هم محترفو إثارة الفوضى، ولا شيء أبعد عن الثورة الوطنية لاستعادة حقوق الأمة من إثارة الفوضى. إن إقحام جيجيك وأنصاره لأمريكا وبولندا في الموضوع يعني أنهم لا يعرفون ما الذي يحدث في إيران. هؤلاء يسعون في أمريكا وبولندا إلى إسقاط حكم القانون، كما كان فوكو في إيران، وهذا لا علاقة له بالثورة الوطنية الإيرانية التي يتمثل أهم أهدافها في إقامة حكم القانون.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم السادس
جواد طباطبايي
كانت الثورة الدستورية الأولى، شأنها شأن الثورة الوطنية الراهنة، حركة بلا قيادة. وقد ظهرت القيادة عندما توقفت تلك الثورة، بقصف المجلس الوطني، وكان استرداده بحاجة إلى ثورة أخرى. في هذه الثورة الثانية، حيث وُضعت الأمة والمجلس الوطني في مواجهة مدافع شاهٍ صار ألعوبة بيد روسيا، نشأت الحاجة إلى قيادة من حيث أن السلطة السياسية لجأت إلى العنف وفرضته على الشعب. كان محمد علي شاه، وإن كان يدّعي أنه انتزع توقيع الدستور من الشاه الراحل ويعتبر نفسه ضامناً له، إلا أنه لم يكن مؤمناً بنظام كهذا. لقد كان ربيب معلم روسي، ولم تكن رقعة بلاده لتتجاوز حدود سفارة زرغنده. ما كان يجهله من السياسة الجديدة هو أن مدافع روسيا لا يمكنها أن تكون ناجعة إلا ما لم يقرر الشعب الصمود. في مواجهة صمود الشعب، «باعتباره جسداً واحداً» – en corps في عرف الكتّاب السياسيين – لا يمكن للمدافع أن تكون ناجعة. في المواجهة بين أمة، «باعتبارها جسداً واحداً»، تكون الأمة قد اختارت سلاحها الذي هو في البداية انعدام السلاح، لأن النضال من أجل حقوقها المفقودة هو أهم وأسمى «سلاح». حين تبدأ المواجهة، يعود اختيار السلاح إلى السلطة السياسية، وهذه السلطة السياسية بالذات هي التي تفرض على الأمة السلاح الذي ستسترد به حقوقها. إن اختيار السلاح هذا هو الخيار الأخير للدولة أيضاً! فالسلطة السياسية، إن كانت دولة بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تسمح أبداً بأن تبلغ الأزمة عمقاً غير مسبوق وتؤول إلى هذا الخيار الأخير. ومع أن ماكس فيبر قال إن «الدولة تحتكر ممارسة العنف»، إلا أن السلطة السياسية التي تكون دولة لا تلجأ أبداً إلى هذا «الاحتكار» لديها، وتبقي باب الحوار والمساومة مفتوحاً على الدوام، لأنه حين تبدأ مدافع الطرفين بالزئير، يكون احتمال هزيمة السلطة السياسية أكبر من احتمال هزيمة أمة. لا أعني الانتصار في المعركة الأولى، بل في معركة «المصير». بتعبير آخر، أريد أن أقول: إن أمة، حتى لو هُزمت، فإنها منتصرة!
الثورة الوطنية، بالمعنى الذي أستخدمه، هي حركة أمة لاسترداد حقوقها الوطنية. في هذه الثورة، لا يحتاج الشعب، أو الأمة، بوصفهم «جسداً واحداً»، إلى قيادة، لأن الجميع، بوصفهم «جسداً واحداً»، قادة. تحتاج المجموعات المتفرقة من الأفراد إلى قيادة توجه عملهم وتستطيع من خلال ذلك تنظيمهم في صورة «جسد واحد». إن قولي إن الثورة «الوطنية» هي ثورة أمة تاريخية واحدة يشير إلى هذه النقطة البالغة الأهمية، وهي أن الدستورية لم تكن لها قيادة سوى الأمة الواحدة، وفي الحركة الراهنة أيضاً حدثت معجزة تجدد الوحدة الوطنية والوعي بها، وجعلت الأمة واعية بحقوقها. هذا الوعي الذاتي الوطني والوعي بالحقوق الوطنية يتولى نوعاً من قيادة الحركة. بوسع السلطة السياسية أن تفرض الخيار الأخير للسلاح، أي قيادة «أخرى»، على الحركة، لكن بوسعها أيضاً أن تعترف في هذه المرحلة بجميع حقوق الأمة وحرياتها.
هذه هي النقطة الأساسية التي يجب الانتباه إليها لفهم طبيعة الأحداث الراهنة. إن السبب في أن الجماعات اليسارية واليمينية المتطرفة، خارج الحكومة، وكذلك «النخب» داخل النظام، لا تستطيع أن تقول شيئاً ينفع النظام، ليس إلا أن جميعهم، بدرجة واحدة، غرباء عن فكر «الوحدة الوطنية» لدينا وعن طبيعتها، ومن ثم فهم، عن وعي أو بدونه، معارضون لهذه الوحدة الوطنية أيضاً. أما بخصوص جماعات المعارضين اليسارية واليمينية فلا حاجة إلى توضيح، لكنني قلت منذ عقد على الأقل إن داخل نظام الحكم، من الجامعات والمؤسسات البحثية إلى جميع مؤسسات الحوكمة، لهؤلاء المناهضين للوطنية ممثلون، وقد تغلغلوا فيها جميعاً. ليس هذا ببحث يمكنني أن أفتحه هنا – في الطريق العام – ولكنني أشير فقط إلى أنه حين يكون رأس مال الالتزام بالنظام خاتم عقيق، ولحية ثلاثة أيام يمكن حلقها في نهاية الأسبوع، وقميصاً فوق البنطال، فإن أمثال خاوري إلى المرحوم طالب زاده يتلولون في خللها وفرجها، وفي ظروف كهذه حيث الهواء مواتٍ، يتحولون إلى منظّرين لشيء لم يؤمنوا به قط.
مشكلة السلطة السياسية الراهنة في إيران أنها، لأنها لم تكن قط سلطة وطنية، تجهل الكثير من دقائق تاريخ تطور أمة تفرض حكمها عليها، وتجد نفسها الآن مضطرة في ميدان لا تتصور معالمه الجغرافية. تاريخنا تاريخ وطني، ولا يمكن حكمه بوهم الأمة التي تدين بالطاعة، وستدين بها دائمًا. الأمة التي نسيت، بعد الثورة الإسلامية، إثر افتتانها بإيديولوجيا الأمة، هذه النقطة من تاريخنا الوطني، تعرف الآن أنها كانت أمة مغفولًا عنها. بوسع السلطة السياسية أن تفهم أن الأمة قد تجاوزت حدود إيديولوجيا الأمة، وأن تحويلها مرة أخرى إلى أمة عبر العلاج بالكلام على طريقة شريعتي ليس ممكنًا. لقد جرّت السلطة السياسية، في أوهامها الأمّية، الأمة إلى ميدان معركة لا إمكانية للنصر فيها؛ وبوسعها الآن أن تجد حلًا عقلانيًا عبر الحوار والمساومة مع الأمة، لكن بوسعها أيضًا أن تفرض على الأمة اختيار السلاح الأخير.
ــــــــــــــــ
حاشية: إن جمع بضعة أشخاص ممن يحملون أستاذية الجامعة بـ«حكم حكومي»، وكثير منهم ليسوا أساتذة حتى بمعايير الجمهورية الإسلامية، وأعض على قلبي كي لا أجري أسماءهم على قلمي، لإيجاد حل، إنما يدل على أن السلطة السياسية لا تملك إرادة لإيجاد حل عقلاني. أكثر جماعة «الأساتذة» هؤلاء هم من متكسبي هذه السلطة السياسية، ولا مكان لهم خارجها في أي مكان. كثير من هؤلاء الأساتذة أنفسهم كانوا في مناصب مهمة وهم أنفسهم المتسببون في الوضع الراهن. في وضع متأزم كهذا، لا يمكن إيكال إيجاد حل إلى مراسيم جمع بضعة متكسبين. على السادة أن يعلموا بأنفسهم أن غالبية هؤلاء الأساتذة هم من صنائعهم هم أنفسهم، ولا يُعتد بهم في أي مكان خارج الجامعة «الأم».
ــــــــــــــــــ
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء السابع
جواد طباطبائي
قلت إن بوسع السلطة السياسية أن تفرض على الأمة اختيار ذلك السلاح «الآخر»، لكن لا سلطة سياسية، مهما بلغت قوتها، بالطبع إن كان لديها ذرة من عقل الحكم، إلا وتكرس كل جهدها كي لا يبلغ الأزمة مثل هذا العمق، وألا يقف الأمة والدولة وجهًا لوجه، وألا يُغلق باب الحوار. في العصر الحديث، كل طريق مسدود في أي نظام حكم هو لضرر السلطة السياسية ولمصلحة الأمة. حكام الجمهورية الإسلامية لا يعرفون تاريخ «هم» ولا تاريخنا «الوطني»! ما أعنيه بتاريخ «نا» واضح؛ نحن الإيرانيين كنا أمة منذ القدم وبقينا أمة. من البديهي أن هذا ليس شعارًا سياسيًا، بل على العكس، إنه حقيقة تاريخية. ما أعنيه بتاريخ الحكام «هم» هو تاريخ الإسلام. هؤلاء لا يعرفون ذلك التاريخ أيضًا، ويظنون أن تاريخهم هو ذات التخيلات التي اختلقوها «هم». هذه التخيلات هي رأس المال الوحيد الذي يملكونه، وقد لقنوا الناس هذه التخيلات طيلة قرون، وعامة الناس أيضًا، في ظروف لم تكن تلك التخيلات تتعارض فيها مع مصالحهم، قد فتنوا بهم. إحدى تلك التخيلات، التي تحولت أيضًا إلى إحدى بديهيات تاريخ التشيع، هي مناهضة أرباب العمائم للظلم في التاريخ، التي لا نجد لها أثرًا في أي مكان. في المعارف الدينية، ليس للظلم معنى اجتماعي «واضح وجلي»، وبما أن معنى الظلم ومضمونه غير معلومين، فإن أرباب العمائم لم يستطيعوا أن يكونوا من مناهضيه. علاوة على ذلك، بما أن أرباب العمائم لا يعرفون تاريخ «هم» وتاريخنا «الوطني»، فليس لهم أي نصيب من علم السياسة، ولا يمكن أن يكون لهم. غاية ما بلغه علمهم بالسياسة، تاريخيًا، في معظم الحالات، هو الدعاء لسلامة صاحب الجلالة، وفي حالات نادرة، في الفترات التي كان يحكم فيها البلاد، منذ العهد القاجاري فصاعدًا، شاه رخو العنصر، معارضته في حدود مصالحهم، لكن ما كان مشتركًا في حالتي الموافقة والمعارضة كلتيهما هو كونهما «غير سياسيتين».
توضیح این نکته، در مورد دو سدۀ گذشته، تفصیلی دارد که اینجا نمیتوان به آن پرداخت و موضوع بحث من در اینجا نیست، اما با نیمنگاهی به علم بدیعِ «تاریخ مبارزات روحانیت»، که چهار دهه است دانشجویان را با آن مغزشویی میکنند نشان میدهد که آنچه میان گروهکهایی مانند سوسیالیستهای خداپرست، گروهک امّت و جنبش، نهضت آزادی «ایران»، مجاهدین خلق «ایران»، و نویسندگان بسیار متوسطی مانند آل احمد، علی شریعتی، از مرتضیٰ مطهری تا حسینعلی منتظری مشترک است همانا سیاستندانی آنان است. بررسی بیانیههای سیاسی آن گروهکها و سازمانهای «سیاسی» و نوشتههای این گروه اخیر نشان میدهد که چیزی که بتوان آن را «سیاست اسلامی» خواند وجود ندارد. همۀ این سازمانها و نویسندگان، به درجات مختلف، ناچار، مارکسیستهای شرمگین بودهاند و چون سیاست نمیدانستهاند هرگز نفهمیدهاند که مارکسیستهای «اسلامی» هستند. اگر با فاصلهای از این ایدئولوژی درست در آن نظر کنیم آنچه دیده میشود مارکسیسم هضمنشده و مسلط آن است و از اسلام چیزی در آن دیده نمیشود. این ترکیب مارکسیست اسلامی، اگر درست فهمیده شده باشد، چیزی از سنخ ترکیب «عبادیـ سیاسی» است. هر مؤمنی که دریافتی غیر ایدئولوژیکی از اسلام داشته باشد در هیچ چیز «عبادیـ سیاسی» چیزکی از اسلام نخواهد یافت. مورد جالب توجه در زمان ما نوشتههای سراسر التقاطی مرتضیٰ مطهری است. میدانیم که در میان انواع رطب و یابسهای بافته دربارۀ جامعهشناسی، فلسفۀ اخلاق، فلسفۀ تاریخ، تعلیم تربیت در اسلام و … اثری نیز دربارۀ اقتصاد سیاسی وجود داشت که بلافاصله پس از پیدا شدن نسخۀ دستنوشته و انتشار آن جمعآوری و نسخههای آن خمیر شد و تاکنون نیز جز نسخههای اندکی از آن در مجموعههای خصوصی در دسترس نیست. سبب این امر آن بود که حتیٰ مسئولان ج.ا. که چیزی از اقتصاد نمیدانستند با ورق زدن نخستین صفحههای آن فهمیده بودند که آن مرحوم، چون اقتصاد نمیدانسته، و مارکسیسم مذهب مختار زمان بود، مقدار بسیار مارکسیسم را با قشر نازکی از لعاب اسلام تحویل مؤمنان داده بوده است. پیش از او، دانشمندی مانند محمد باقر صدر، که عربی جدید میدانست و از این طریق با برخی منابع علم جدید آشنایی به هم رسانده بود، پی برده بود که اقتصاد در معنای علمی آن در اسلام، که دین است، نمیتواند تدوین شود. مطهری در تعصب شدید ایدئولوژیکی دینی، و در توهّم اینکه اسلام دین «جامع» است و «هیچ رطب و یابس» نیست که حکم آن در آن موجود نباشد، گمان میکرد که علمای پیش از او به این مرتبه از علم نرسیده بودهاند.
مطهری قربانی مضمون آن ضربالمثل فرانسوی شد که میگوید : «دشمن خودت را درست انتخاب کند، زیرا مثل او خواهی شد!» او، از فرط دشمنی با مارکسیسم، در برخی مباحث مارکسیست شده بود، اما عصبیت دینی او اجازه نمیداد که بداند با یک دریافت قرون وسطایی از دیانت نمیتوان با ایدئولوژیهای دوران جدید درافتاد. یک مورد جالبتر کتاب مفصل حسینعلی منتظری دربارۀ ولایت فقیه است که در سالهای نخست پس از انقلاب به صورت درسهایی تقریر شده بود و از آن درسها کتاب مفصلی به عربی و فارسی فراهم آوردهاند. منتظری، مانند همۀ فعالان «سیاسی» روحانیت زمان شاه، برای اجرای احکام شرع فعالیت میکرد و اگر در آن زمان از او پرسیده میشد که «حکومت اسلامی» چیست، لابدّ، پاسخ میداد که : خوب حکومت همان است که همه جا هست و اسلام هم همان است من میدانم و شما، به عنوان مقلدان، نمیدانید، اما حکومت چیست که همه جا هست؟ پاسخ معلوم نیست! با پیروزی انقلاب به خود آقایان معلوم شد که برنامهای وجود ندارد. چیزی به نام حکومت در ایران بود، اما هدف انقلاب نابودی آن بود و حفظ آن نیز نقض غرضی بیش نمیتوانست باشد. منتظری، «فقیه عالیقدر»، چون فقیه عالیقدری بود، وظیفه داشت برنامهای برای حکومت اسلامی، در صورت «جمهوری»، تدارک ببیند. آن مجموعه درسها برای آن بود که بدانیم حکومتی که برای آن انقلاب کردهایم چیست و چه برنامهای برای ادارۀ کشور دارد؟ اما برنامۀ حکومتی مائدهای الهی نیست که از آسمان فرود آید. همۀ برنامههای حکومتی فرآوردۀ خرد بشری در طول تاریخ است و کسی نمیتواند با نفی همۀ تجربۀ بشری برنامهای از عدم بیافریند. منتظری، به عنوان «فقیه عالیقدر»، میدانست که در کتابهای فقهی او چیزی دربارۀ حکومت وجود ندارد. تدوین برنامهای در خلأ هم ممکن نبود.
أهل السنة، الذين لم يعتقدوا بنظرية الحكم «الجور» الشيعية، فكروا في الحكم قبل ثوار إيران بقرون، وألفوا رسائل في الحكم. كانت هذه الرسائل على نوعين: رسائل بعنوان الأحكام السلطانية، كتبها فقيهان شافعي وحنبلي للرد على دعاوى آل بويه، ورسالة مهمة أخرى بعنوان السياسة الشرعية كتبها عالم حنبلي متعصب مناهض للشيعة. كان علماء الشيعة يعتبرون هذا الأثر الأخير نجسًا، بسبب صبغته الشديدة العداء للشيعة، وحسب بحثي في السنوات الأولى للثورة في مكتبات طهران المعتبرة، لم تكن منه أي نسخة في إيران آنذاك. أما الرسالتان الأوليان، ولا سيما رسالة الفقيه الشافعي أبي الحسن الماوردي، فكان من الممكن أن تكونا نموذجًا لبرنامج حكم فقهي. كانت نسخ قليلة من هذه الرسالة بالذات متاحة في مكتبات إيران، لكن شركة منشورات الحوزة العلمية قررت إعادة طبع رسالتي الأحكام السلطانية في مجلد واحد لتكون في متناول الطلاب وربما المنتظري نفسه بسهولة. إن نموذج برنامج الحكم الإسلامي للمنتظري هو رسائل الأحكام السلطانية هذه ذاتها، وهي رسائل في السلطنة الاستبدادية الإسلامية، كُتبت لتبرير خلافة العباسيين في مواجهة نظرية الحكم عند آل بويه. بقية القصة يعرفها الجميع: مؤلف برنامج الحكم الإسلامي نقض كل ما نسجه قبل وفاته بقليل، وقال بإيجاز إنه كان يهذي. وبالطبع، بقي ثمن هذه القماقم المكسورة من هذه المجازفة النظرية على عاتق الأمة التي ستدفعه يومًا ما!
كان برنامج الحكم الإسلامي مخططًا لتحويل أمة إلى جزء من أمة الإسلام. كان تطبيق الحكم الإسلامي في بلد واحد شيئًا من جنس الاشتراكية في بلد واحد عند ستالين. كان الحكم الإسلامي، إن لم يرد أن يكون من نمط السلطنات الاستبدادية في البلدان العربية، ينبغي أن يضع برنامجًا لأمة الإسلام (نعلم أن مكتب المنتظري كان أحد مراكز تصدير الثورة). وهكذا، وُضع تصدير الثورة على جدول الأعمال. في هذا المخطط، يُخلع الشأن الوطني عن الأمة ويتحول الإيرانيون إلى شعبة في أمة المسلمين، وتكون مهمتهم دفع تكاليف الثورة في بلدان المنطقة الأخرى، ولو تقدم الأمر لتحويل «البيت الأبيض» إلى حسينية. كنت قد قلت سابقًا إن الرماد الذي ذرته أيديولوجيا شريعتي اليسارية على وجه الأمة الإيرانية أعماهم لبرهة. إن الثورة «الوطنية» الحالية هي استيقاظ للوعي في أعماق وجدان «جميع» الإيرانيين بشأنهم الوطني التاريخي. وسبب أن جميع الجماعات السياسية الدينية عاجزة بنفس الدرجة عن الكلام في الأحداث الراهنة ليس إلا أنها كانت بنفس الدرجة في وهم موت القوميات، وربما لا تزال تظن، مع العولمة، أن عصر القوميات قد ولى.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم الثامن
جواد طباطبائي
الثورة الوطنية هي ثورة وعي وثورة في الوعي الذاتي. هذه الثورة هي من نمط ثورات العصر الحديث، وكما قلت سابقًا، هي ثورة من أجل «تأسيس الحرية». هذه الثورة الوطنية الحالية، مثل حركة المشروطة، هي ثورة من أجل الحرية وحكم القانون. في العقود الأربعة الماضية، وقعت الأمة الإيرانية في شرك أيديولوجيا شريعتي اليسارية بنفس القدر الذي افتتن به قادة الجمهورية الإسلامية بتلك الأيديولوجيا، وهم الآن مضطرون لدفع ثمن عدم فهم مقتضيات الحكم على أمة تاريخية. كانت أيديولوجيا شريعتي اليسارية، بوصفها أيديولوجيا، أممية وتفتقر إلى جهاز المفاهيم اللازم لشرح خصائص أمة تاريخية. لم يكن شريعتي، مثل رفاقه اليساريين، يعرف التاريخ، وما دونه باسم الإسلاميات كان إسلامًا خياليًا لا تاريخيًا خاصًا بأيديولوجيته، ولا صلة له بأي من «الإسلامات القائمة». كان ذلك «الإسلام الأيديولوجي» تلفيقًا من الماركسية المبتذلة من النمط الفدائي التودهاي، وكان هدفه الوحيد هو الثورة، التي تحققت بنجاح، لكن ما كان غائبًا عن تلك الأيديولوجيا هو وجهها الوطني. للثورة الأيديولوجية هذه الخاصية: أنها بما أنها صيغت في «الهواء» فإنها تجمع كل الجماعات السياسية أو كثيرًا منها، لكن بما أن هذه الأيديولوجيا «هواء في شبك»، فبعد أن يفرغ ذلك «الهواء» إثر انتصار الثورة، تفقد الثورة أدوات اكتسابها للشرعية، ومع «تخاذل» الثوار السابقين، تبقى الأداة الوحيدة هي ممارسة العنف للحفاظ على السلطة.
استطاعت الثورة الإسلامية، بمعونة إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، أن تخلق «وحدة كلمة» خادعة. كان ثمة نوع من وحدة الكلمة في تاريخ إيران كله وبين جميع أبنائها، لكن هدف «وحدة الكلمة» هذه كان تصفية الحساب معها. لو كان لدى قيادة الثورة أدنى فهم لعلم السياسة لكان ينبغي أن تعلم أن وحدة كلمة كهذه، قامت على «هواء» إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، لا يمكن أن تكون أساسًا متينًا للحكم بممارسة العنف، لكن لم يكن شيء أبعد عن فقاهة قادة الثورة من علم السياسة. لم يكونوا يعرفون تاريخ إيران ليعلموا أن وحدة الكلمة تلك كانت موجودة منذ بداية تاريخ إيران ولا يمكن تدميرها. كانت إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية مصدر قوة قيادة الثورة في النصر، لكن تلك الإيديولوجيا لم تكن أكثر من «شيء يُستعمل لمرة واحدة». لقد انتصرت مرة، لكن هذا النصر لم يكن قابلاً للتكرار ولا يمكن أن يكون دليل عمل لإدارة البلاد. لو كان لدى قيادة الثورة فهم للسياسة لكان ينبغي أن تلقي بتلك الإيديولوجيا فور الانتصار في مزبلة التاريخ، لأن تلك الإيديولوجيا المدمرة كانت مزودة بهذه الخاصية التي تدفع مستخدميها إلى مزبلة التاريخ. كانت أهم سمات تلك الإيديولوجيا أنها تُعمي، لكنها لم تكن تشفي العمى. إن صانعيها من الالتقاطيين الإيديولوجيين، من آل أحمد وشريعتي إلى أقزام المنظمات الفدائية والدجالين وجواسيس قيادة حزب توده، كانوا جميعًا وعلى درجة واحدة أعداء لإيران في لباس الأصدقاء، وكان لديهم هذا الوهم بأنه يمكن بـ«الخديعة» نزع العمامة عن رأس قيادة الثورة ووضع قبعة مكانها. لقد انتصرت الثورة في اتجاه آخر، ولكن بما أن قيادة الثورة لم تكن تعرف شيئًا عن السياسة ولم يكن لديها أي تصور للسمات المدمرة لالتقاطية إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، فقد وقعت في الهوة التي حفرتها بيدها. كانت إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية تدّعي أن عصر القوميات قد ولى؛ كان هذا فخًا نصبته تلك الإيديولوجيا في طريق قيادة الثورة ذات التوجه الأممي. ما لم تكن تعرفه هذه القيادة هو أن الثورة إذا أرادت أن تبقى راسخة بعد النصر، فعليها أن تودع تلك «الخدع» التي خدعت بها الناس. يمكن القيام بالثورة بالخديعة، لكن الحكم بها غير ممكن، والحكم يحتاج إلى معرفة كان المهدي بازركان وطالقاني ومستحاثات حلقة مسجد هدايت وآل أحمد وشريعتي وجميع المنظمات اليسارية الوطنية براء منها تمامًا، أما حال العلماء الذين لم يتعلموا شيئًا سوى شرائع الإسلام فواضح!
إن ادعاء القيادة السياسية دون امتلاك علم السياسة غير ممكن، ولم يكن من هذا العلم شيء لا في «رياح وأمطار» بازركان، ولا في «الملكية في الإسلام» لطالقاني، ولا في «الاقتصاد التوحيدي» لبني صدر، ولا في ثرثرات حلقات كالجبهة الوطنية، التي لم يصدر عنها بعد مصدق سوى بعض البيانات ضد الإمبريالية العالمية، ولا في ماركسية الأخ رجوي الإسلامية، ولا في رسائل أحمد زاده وبويان، ولا في رسالة من الإمام كاشف الغطاء. إن الثورة الوطنية الراهنة هي رد، متأخر، على جهل الثوريين هذا بالشأن الوطني للإيرانيين. كان أمام قيادة الثورة أربعون عامًا لتعلم أنها تحكم في بلد هو بلد أمة تاريخية، وأن هذه الأمة لديها وعي بل وحتى وعي ذاتي عميق بهذا الشأن الوطني لها. لقد سلمنا التاريخ جميع وثائق وجود هذا الشأن الوطني للإيرانيين. يمكن التعايش معه، لكن لا يمكن تحويله إلى جزء من الأمة وتدمير هويته التاريخية. إن الوعي الذاتي التاريخي للأمة هو أعظم نقاط قوة أناس تجمعوا منذ القدم في هذه الأرض وصاغوا لأنفسهم مصيرًا واحدًا. لقد أشرف على هذا البلد من قبل، من الإسكندر إلى العرب، ومن الأتراك إلى المغول وأكلة لحوم البشر الغلزائيين، لكنهم لم يستطيعوا أن يحدثوا أدنى خدش في أساس الوحدة الوطنية، والوحدة الترابية، وأكثر من ذلك، في «تلك النار الكامنة في صدرنا». إن الثورة الوطنية هي ثورة الوعي الوطني، وبهذا الاعتبار، لا تُقهر، حتى لو انهزمت! سأعود مرة أخرى إلى ثورة الوعي الوطني هذه.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء التاسع
جواد طباطبايي
يجب تصفية الحساب مع وهم العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة القائل بأن عصر الأمم والدول القومية قد ولى. ففي بلدان مثل إيران، التي كانت دوماً أمة بأشكال مختلفة، لا تموت الأمة، بل تغير شكلها الخارجي مع التحولات التاريخية. والسبب في أن الأمم في مثل هذه البلدان لا تموت هو أن نوعاً من الوعي – أي الوعي الذاتي القومي – يتكون في الأمم التاريخية العريقة، وحين يتغلغل هذا الوعي بين جميع أبناء الأمة، فإنه، كما يقول الشباب، «لا تؤثر فيه المدافع ولا الدبابات ولا المفرقعات». هذا ليس شعاراً يأتي من «قاع الشارع» ويمكن «جمعه» لأنه يأتي من قاع الشارع. في العصر الحديث، تتعين الأمة بحقوقها الإنسانية والقومية، وأول ما ينبغي للسلطة السياسية أن تعرفه – إن لم ترد أن تتعلم بثمن باهظ وتكلفة كاسرة للظهر، أو أن يُفهمها الاتهام – هو أنه ربما أمكن في فترات خداع الناس بشتى الوسائل، لا سيما باستغلال معتقدات الناس واختلاق «علم إسلاميات» غير تاريخي، لكن لا يمكن حرمانهم من حقوقهم لمدى طويل. الحرية، والتمتع بالحقوق الإنسانية، والمساواة في الحقوق، هي، كما يقول العلماء، من «المستقلات العقلية». ومعنى المستقلات العقلية في هذا الاستعمال هو أن العقل البشري يدركها دون الاستعانة بالشرع – قديماً – أو، بتعبير روسو الحديث، دون أي سلطة خارجية. في العصر الحديث، تقع الحرية والمساواة في الحقوق على رأس هذه المستقلات العقلية. يمكن لـ«الشرع»، أي تفسير للشرع اختلقته المؤسسة الرسمية لرجال الدين لنفسها، أن يخالف هذا الحكم، ويدّعي، مثل الشيخ فضل الله، أن الناس في المجال العام محجور عليهم ويحتاجون إلى وليّ يدير شؤونهم الجارية، ولكن هنا يجدر بنا أن نقول «أمثال هؤلاء الذباب يذهبون بعرض أنفسهم ويكلفوننا عناءهم». في نظر الشيخ، مراد آل أحمد ومقتداه، كان هذا الولي في المجال العام هو محمد علي شاه الذي قصف المجلس بالمدافع، وبفتوى الشيخ «جمع الناس من قاع الشارع»، لكنه هو نفسه كُنس وأُلقي في مزبلة التاريخ.
لم يكن الشيخ، رغم كل ما لديه من علم الشرع، ومثقال ذرة من علم السياسة العملية، يعلم أن الحقوق القومية ليست قابلة «للجمع من قاع الشارع». الحقوق القومية لا تجري في قاع الشارع حتى يمكن جمعها؛ بل على العكس، هذه الحقوق تجري حيث لا يمكن بلوغها وجمعها بأي أداة من أدوات القوة و«الخديعة». لقد قال حافظ، الذي كان من أبرز حراس «غيب» أمرنا القومي، إنها «النار الكامنة في صدرنا»، ومن التازيين إلى الترك والمغول والغلزاييين آكلي لحوم البشر إلى جنود الروس ومدافع لياخوف، مروا على هذا البلد وحاولوا النيل من ذلك الغيب، لكن «ساحة السيمرغ لم تكن مكاناً لأمثال هؤلاء الذباب»؛ هذه الأمة، كاشفو السيمرغ، كانت هي السيمرغ، وباقية، وأولئك الآكلون للحوم البشر هم ذات الذباب الذي كانوا عليه. وسبب ذلك، كما أشرت، هو عدم تكافؤ كفاح الحقوق مع القوة. العصر الحديث هو عصر الثورات الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات الفردية، والحقوق القومية. لم تفشل أي من هذه الثورات، من ثورة إنجلترا وأمريكا وفرنسا، على الرغم من الفوارق بينها ومع بعض التحفظات بشأن الثورة الأخيرة. أما الثورات المضادة للديمقراطية، من ثورة أكتوبر إلى كوبا والإسلامية، ولا سيما ثورات أوروبا الشرقية، وبالطبع الثورة الفرنسية بالنظر إلى أحد وجوهها، فقد تكونت على أساس فهم مختلف للحقوق القومية، وكانت جميعها محكوماً عليها بالفشل إلى حد كبير. كان قادة هذه الثورات واقعين في وهم سوء الفهم الماركسي الذي كان يعد الحقوق «بنية فوقية إيديولوجية» للمجتمع البرجوازي، وكان يظن أنها ستضمحل بزوال العلاقات التي أوجدت المجتمع البرجوازي. لقد أدارت هذه الثورات كلها، بدرجة واحدة، ظهرها لمبادئ الفكر السياسي الحديث، من مكيافيلي وهوبز إلى لوك وروسو، الذين أبرزوا، بطرق شتى، ظهور «الشعب» – أو الأمة في الاستعمال الحديث – مع حقوقهم الذاتية والطبيعية.
لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تدّعي الحكم دون أن يكون لديها فهم «واضح وجلي» لهذه المفاهيم الجديدة. «الثورة»، بمعناها القديم، أو «الفتنة»، كانت تعني ما يُطلق عليه في الفكر السياسي «الحرب الأهلية». لا ينبغي الخلط بين هذا الفهم لـ«الثورة» ومعنى ثورات العصر الحديث، التي هي على كل حال وطنية وقائمة من أجل الحقوق. إذا نظرت سلطة سياسية في العصر الحديث إلى وقائع الحياة الاجتماعية والسياسية من وراء الزجاج المعتم لمفاهيم العالم القديم، أي إذا ظنت أن «الثورة الوطنية» هي ذاتها الفتنة أو الحرب الأهلية، ولم تفهم أن «الشعب» أو الأمة لا يمكنها أن تحارب نفسها، فإنها ستفقد إمكانية إدارة الأزمة. كل الكلمات المقتضبة التي تُنقل عن كبار المسؤولين في البلاد في هذه الأيام العصيبة هي أمثلة على هذا الخلط بين نظامي المفاهيم. هؤلاء، منذ البداية، لم تكن لديهم رؤية واضحة لمناسبات العالم الجديد، ولم يتعلموا شيئاً في العقود الأربعة الماضية. مواجهة الوعي الوطني والحقوق الإنسانية لجميع المواطنين بالقوة هي أكثر المواجهات تفاوتاً ممكنة. حتى الآن، لم تستطع أي قوة – دبابات السوفييت في برلين، بودابست، براغ... – أن «تلمّ الثورات الوطنية من الشارع». على العكس، إن هذه الثورات الوطنية هي التي جرفت «كنّاسي الشوارع».
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء العاشر
جواد طباطبائي
من أهم سمات هذه الثورة «الوطنية»، التي حوّلتها إلى «ثورة» داخل الثورة الإسلامية، بروز الشباب، كجزء من «الشعب» في هيئة اجتماعية، بدلاً عن الأمة جمعاء. إن ظهور شباب جميع محافظات البلاد هذا في العلاقات السياسية أمر غير مسبوق وبديع في بلد تاريخي وقديم. الذين عايشوا أيام ثورة السابعة والخمسين، أو كانت لهم مساهمة في أحداثها، قد يقولون: ألم يكن الأمر كذلك في ثورة السابعة والخمسين؟ للوهلة الأولى، يبدو أن الأمر كان كذلك آنذاك، وكان للشباب والنساء نصيب في تلك الثورة، لكنني أعتقد أن هناك تمييزاً جوهرياً بين نمطي حضور الشباب والنساء في الثورتين، وهو أنه في الثورة الأولى كان الشباب والنساء أدوات بيد منظمات وجماعات سياسية منحطة أساءت استخدامهم لتحقيق أهدافها، بينما في هذه «الثورة» الراهنة، الشباب والنساء فاعلون سياسيون مستقلون يسعون لرسم مصيرهم ومستقبلهم بأيديهم. إذا أردت التعبير عن هذا الأمر بمصطلحات الفكر الحديث، يمكنني القول إن مقام المرأة والشاب الإيراني قد ارتقى من كونه مادة خام لسياسة الجماعات السياسية، أي من objet، إلى عامل وفاعل، أو صانع للسياسة، أي sujet. معنى هذا الكلام هو أن «ثورة» بذوات جديدة قد حدثت في بطن تلك الثورة الأولى. ومرة أخرى، أكرر مضطراً أن هذه «الثورة» الراهنة، دون أن تكون ثورة أو «ثورة مضادة» بالمعنى المتداول لهذه المفاهيم السياسية، هي «ضد» ثورة في الاتجاه المعاكس لتلك الثورة الأولى، ولأتمكن من التعبير عن معناها بإيجاز قلت إنها ثورة «وطنية» لاستعادة الحرية والحقوق. وكما أن مسألة الحريات والحقوق لم تكن ذات أهمية لدى الشباب والنساء الأدوات، موضوعات الثورة الأولى، في مواجهة انتصار الثورة، لأنهم كانوا واقعين في أسر «الخبز والمسكن» وكان من المقرر أن تأتي «الحرية» بعد ذلك، وكان أحد شعارات الثورة أن «النقاش بعد الثورة»، فإن الذوات الراهنة قد بدأت بالحرية والحقوق كي لا يُؤجل «النقاش إلى ما بعد الثورة». هذا الجيل الحالي يعلم أنهم بعد الثورة لا يناقشون، بل إن المنتصرين يمارسون «حاكمية» الثورة!
هذه النقطة، التي أشرت إليها إشارة عابرة، هي، إن جاز القول، نقاش فلسفي يقع في صميم التفكير السياسي. إن سبب عدم تمكن السلطة السياسية الحاكمة، طوال العقود الأربعة الماضية، من تكوين تصور عن هذه «الثورة»، وكذلك عجز «الأكاديمية الوطنية» عن ذلك، يعود إلى واقعٍ في الحكم وفي الأكاديميا في إيران، مفاده أن المهندسين والناشطين السياسيين السابقين، ممن هم في مستوى متوسط جداً من الذكاء، قد تحولوا إلى «رجالات» سياسة وأعضاء في الأكاديميا، أو أن غيرهم حوّلهم إلى ذلك، ومن البديهي أنهم لا يستطيعون أن يروا إلا ما تراه كل كائنات حية تمتلك عينين ظاهرتين، إن رأت شيئاً، وإلا فإنه ليس بمقدورهم الولوج إلى حقلٍ يتطلب، لرؤية ظواهره، «عين العلم الباطنة». التوضيح المقتضب لهذه الإشارة هو أن علماء الاجتماع قد يقولون إن فتوة المجتمع الإيراني... إلخ، هي ذاتها التي كانت قائمة في الثورة الأولى. فنسبة الشباب الحاليين إلى مجموع السكان هي تقريباً ذات النسبة التي كانت في الثورة الأولى. وكما استطاعت فتوة المجتمع، من وجهة نظر علماء الاجتماع، أن تفسر تلك الثورة الأولى، فإن التركيبة السكانية الراهنة قادرة أيضاً على تفسير أسباب الأحداث الجارية. من البديهي أن هذا الادعاء ليس خاطئاً من منظور الديموغرافيا والتركيبة السكانية في إيران، لكن هذا الادعاء، شأنه شأن كل منجزات العلوم الاجتماعية الحديثة، لا يتجاوز مستوى وصف ظاهر الظواهر الاجتماعية ولا يفسر شيئاً. المسألة هي: لماذا وكيف ظهر الشباب – رجالاً ونساءً – «كجسد واحد»، بوصفهم الأمة برمتها؟ أو، بالتعبير الذي استخدمته سابقاً، كيف حدث ظهور الذات السياسية المستحدثة هذا؟ في الواقع، إن الثورة تحدث على السطح، أو بالأحرى: في هذه الأعماق من الذهن، والعلوم الإنسانية، بمستواها المتدني في «الأكاديمية الوطنية»، لا سبيل لها إلى تلك الأعماق. إن قولي منذ عقود مضت إن الانحطاط التاريخي وأفول التفكير في إيران قد وضعانا في شرط الامتناع، كان يعني أنه في ظل تصلب التقليد، سيصبح فهم تحولات إيران، ذهناً وعيناً، أمراً مستحيلاً. وهناك تعبير آخر كنت قد استخدمته سابقاً، وأضطر إلى الإشارة إليه مرة أخرى، وهو إشكالية صراع القديم والجديد، أو التقليد والحداثة. وكانت خلاصة تلك النقاشات أن حدود التفكير القديم والجديد وتخومه لم تتضح لنا. لقد استطاعت ثورة السابعة والخمسين، ومنظروها من اليساريين واليمينيين والدينيين، بما أحدثوه من تلفيق بين «التنويري» و«الديني»، أن يخلقوا هذا الوهم بأن تركيباً «سهلاً» بين القديم والجديد أمر ممكن، وأن «ممر العافية» ليس «ضيقاً» إلى ذلك الحد الذي قاله حافظ خطأً.
أي أنه يمكن العبور من الطريق الممهد «للثورة من أجل الروحانية» إلى رحاب الثورة من أجل الحرية والحقوق. إن الشباب والنساء في الثورة الأولى، الذين كان أكبر فخر لهم جميعاً أنهم «مقلدون» لإحدى المنظمات التي لم تكن تمتلك تصوراً صحيحاً عن القديم، ولا كانت تعرف ما هي مقتضيات العصر الجديد، وبالطبع، فإن معظم هؤلاء، معذرةً، من «الرجالات السياسيين» الذين لم يكونوا غرباء عن شيء قدر غربتهم عن السياسة، كانوا جميعاً، على حد سواء، قد غرزوا قدماً في وحل العالم القديم، وكانوا يشيرون من بعيد بإصبعهم إلى العصر الجديد. كان الانتقال من ذاك إلى هذا يتطلب «ثورة» في الثورة، يمكن القول إنها حدثت الآن، أي أن الذات السياسية الجديدة قد ظهرت في إيران. إن أي تحول مستقبلي في المناسبات السياسية الإيرانية يتطلب فهماً لظهور ذات السياسة هذه. وحتى الآن، لم تتمكن أي من القوى والمنظمات السياسية من فهم ظهور هذه الذات، ولهذا السبب عينه لم تستطع أن تؤدي أي دور في التحولات السياسية في البلاد. أما السلطة السياسية الحاكمة، وهي ثملة بخمرة النصر، وفي وهم أن قوة القمع هي أهم أداة للحفاظ على السلطة وكبح أي احتجاج، فقد أغلقت على نفسها كل سبل فهم هذه «الثورة» الراهنة. ينبغي للفاعلين في أي تحول مستقبلي أن يكونوا قادرين على فهم معنى هذه «الثورة الوطنية» بأدوات المعرفة الحديثة. في رأيي، إن «الثورة» تمضي في طريقها بخطى واثقة، وما زالت السلطة السياسية و«الرجالات» المترجلون عاجزين عن تمييز الطريق من اللا طريق، ناهيك عن الانطلاق فيه!
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الحادي عشر
جواد طباطبايي
پیشتر، در یکی دو مورد استعارۀ پراکندن خاکستر ایدئولوژی شریعتیـ چپی بر چشم مردم را آوردم و گفتم که تا دو سه دهه پس از انقلاب ۵۷ مردمِ ایران خاکستر به چشم ماندند و نتوانستند تصور روشنی از مناسبات ایجاد شده داشته باشند. ایدئولوژی شریعتیـ چپی ترکیبی از مارکسیسم مبتذل در حدِّ شعور اندک شریعتی و شرکا و رهبران سازمانهای چپ و اسلام ابوذرگونه بود که سرمشق آن نیز ماجراجوییهای ارنستو چه گوارای شهید بود. ذهن نسل پنجاه و هفت، اگر سیاسی بود، در بهترین حالت، انباشته از ترکیب این یاوهها بود که با هیچ عقل سلیمی سازگار نبود، اما نیازی به گفتن نیست که کسی با عقل سلیم انقلاب نمیکند. عامّۀ مردم، بویژه جوانان، به این یاوههای فریفته میشوند و در انقلاب شرکت میکنند و اگر ملّتی به طور تاریخی اندک عقل سلیمی داشته باشد علاج واقعه را پس از وقوع میکند. در ایران، که در سدههای متأخر عرفانیات و شعر مذهب مختار مردم آن بوده است، و در دهههای سی تا پنجاه نیز با طیفی از نظریههای ضدِّ اجتماعی، از ایدئولوژی فداییان اسلام تا نظریههای جنگهای چریکی ژنرال جیاپ و مائو تسه دون، در همآمیخت «عقل دستخوش خسوفی» بیسابقه شد و فهم اجتماعیـ «سیاسی» ملّت را ضایع کرد.
اینکه عنوان این یادداشتها را «انقلاب “ملّی” در انقلاب اسلامی» قرار دادم، اگر درست فهمیده شده باشد، این نبود که در آن انقلاب نخست میبایست انقلاب دومی میشد. نسل پنجاه و هفت، که ایدئولوژی شریعتیـ چپی چشم بسیاری از آنان را کور کرده بود، توان دیدن زوایای پنهان مناسبات جدیدی را که کشور را به قهقرا میبُرد نداشت. همین نسل، با آن درجه از دید و آن مایه از شعور اجتماعی و «سیاسی»، توان فهم منطق پیچیدۀ این ضرورت «انقلاب در انقلاب» را نداشت. ایدئولوژی شریعتیـ چپی، به عنوان ایدئولوژی، مانند هر نظام ایدئولوژیکی دیگر، به گونهای تدوین شده بود که نوعی بیهوشی موضعی ایجاد کند. شعور سیاسی اکثریت نسل پنجاه و هفتی، که فریفتۀ این ایدئولوژی شدند، حتیٰ بسیاری از رهبران گروههای سیاسی، اگر تعارفِ مُزورِّانه را کنار بگذارم، در حدِّ فاجعهبارِ «این بره، عبیدالله بیایه» بود، و پس از انقلاب هم در همان حدِّ نازل ماند. تا جایی که من در چهار دهۀ گذشته افراد نسل پنجاه و هفت را زیر نظر داشتهام، میتوانم بگویم که اینان، با این درجه از شعور «سیاسی»، هرگز نمیتوانستهاند آن «انقلاب در انقلاب» را به انجام برسانند. اینجا، میبایست گسستی از نظام گفتاری انقلاب ایجاد میشد، اما تردیدی نیست که عاملان این گسست نسل پنجاه و هفت نمیتوانستند باشند. نسل پنجاه و هفت، هر فضیلتی که داشت، از فضیلت ملّی بودن یکسره عاری بود؛ آن نسل، از ملّیون تا سازمانهای چریکی افراطی، در خدمت پیکار با امپریالیسم جهانخوار بودند و به یکسان آب در آسیاب نظام امّتمداریـ میهن سوسیالیسم میریختند. اینان، در گیجی مزمن ایدئولوژیکی، هرگز نتوانستند بفهمند که نظام امّتـ میهن سوسیالیسم به بنبست رسیده، شکست فاجعهباری خورده و نشانههای عصر نوزایش ملّتها نیز در افق پدیدار شده است. در این ناتوانی مزمن نسل پنجاه و هفت بود که از دو دهه پیش گسلی در ژرفای وجدان بخشی از ملّت، که انقلاب نکرده بود و، به عنوان فرزندان انقلابیان سابق، گواهِ ناتوانی اجتماعی و شعور اندک «سیاسی» پدران و مادران خود بود، یعنی به این نکته التفات پیدا کرده بود که انقلاب آنان همچون زدن نقش کاخی باشکوه بر روی آب بوده است، پدیدار شد. در همۀ کشورهای متمدن، یکی از وظایف آکادمی بررسی این گسلهاست، اما قدرت سیاسی، در توهّم «وحدت کلمۀ» ابدی، نیازی به دانشگاه و نهادهای پژوهشی مستقل نداشت، بلکه به «انبوه بیتحرک» استادانی را میخواست که نمونۀ دستچین آنها را چند روز پیش در تلویزیون دیدیم، و ما خجالت کشیدیم.
در میان همۀ رهبران انقلابهای دوران جدید، از انقلاب فرانسه تا اکتبر و پنجاه و هفت، این توهّم وجود داشته است که با آن انقلاب دورانی جدید در تاریخ آغاز میشود و، با انقلاب آنان، قواعد تحول اجتماعی پیشین اعتبار خود را از دست داده است. نخست، روبسپییر گفته بود که با انقلاب فرانسه دوران جدیدی در تاریخ جهانی آغاز شده است؛ پس از او مارکس، در بیانیۀ حزب کمونیست، ادعا کرد که تاریخ جهانی تا زمان او تاریخ پیکار طبقاتی بوده است و با پیروزی انقلاب سوسیالیستی دیگر طبقهای وجود نخواهد داشت. لنین نیز همین توهّم را داشت که انقلاب اکتبر آغاز دوران جدیدی در تاریخ جهانی است. در همۀ این موارد، و موارد بسیار دیگر، مشکل این بود که تحول تاریخی تابع نظریههای رجال سیاسی و نظریهپردازان نیست. حکومتهایی که با نظریههای پیش ساخته فرمان میرانند، دیر یا زود، میتوانند به اشتباه خود پی ببرند، اما در مواردی این توهّم دیرندهتر از آن است که رجال فریفتۀ ایدئولوژی بتوانند از اشتباههای آگاهی پیدا کنند. خاستگاه شکست، هر دو انقلاب فرانسه و اکتبر، همین توهّم تافتۀ جدابافته بودن آن انقلابها بود، جای آن دارد که بگوییم : انقلاب پنجاه و هفت نیز ایضاً! فرمانروایی امری تاریخی است و هیچ رجل سیاسی نمیتواند، از سویی، تاریخ کشوری را که بر آن فرمان میراند نداند و، از سوی دیگر، خود جایی در تاریخ نداشته باشد. هیچ تئوری وجود ندارد که بتوان آن را بیهیچ «تجدید نظری» به کار گرفت، اما هیچ اهل ایدئولوژی نیست که تجدید نظر در تئوری خود را بزرگترین دشمن ایدئولوژی خود نداند. در این میان ایدئولوژیها دو نقش مهم بازی میکنند : از سویی، به تعبیری که پیشتر به کار بردم، خاکستری بر چشم مردم میپراکنند تا «به کوری چشم مردم» انقلاب پیروز شود، اما، از سوی دیگر، با فریفتن رجال سیاسی به توهّمهای خود، زمینۀ شکست همان انقلاب پیروزمند را فراهم میآورند. ایدئولوژی شریعتیـ چپی این دو نقش را به بهترین شکلی ایفاء کرد : انقلاب ضدِّ ملّی را پیروز کرد، اما با نوزایش ملّت و اندیشۀ ملّی زمینۀ شکست آن را نیز فراهم آورد، زیرا در آن ایدئولوژی جایی برای «آگاهی ملّی» وجود نداشت. رجل سیاسی هوشمند کسی است که بتواند از ایدئولوژی به همان سان سود جوید که مولوی دربارۀ نردبان گفته است :
چون شدی بر بامهای آسمان سرد باشد جست و جوی نردبان
حکمرانی جز با توجه به واقعیتها و با واقعیتها ممکن نیست. توهّمی که ایدئولوژیهای سیاسی ایجاد میکنند، با پیروزی انقلاب، در صورتی که پیروز شود، و در رویارویی با واقعیتها، رنگ میبازد. اگر آگاهی از این امر در میان انقلابیان، و برای تأمین منافع آنان، ممکن نشود، نطفۀ آن، دیر یا زود، در میان مخالفان انقلاب و برای تأمین مصلحت آنان بسته خواهد شد! نقطۀ غیر قابلِ بازگشتِ روندِ شکستِ انقلاب همین جاست. مهمترین دلیل پیروزی یا شکست هر انقلابی تشخیص زمان ظاهر شدن همین نقطۀ غیر قابل بازگشت و مکان آن است. همۀ عوامل دیگر، بویژه جستن و پیدا کردن عاملی در بیرون، فرع بر این قانون حاکم بر انقلابهاست. هر انقلابی، از درون و در درون، شکست میخورد، یا پیروز میشود. گناهِ نخستِ رهبری هر انقلابی این است که نداند ایدئولوژیـ نردبان را چه زمانی باید رها سازد؛ دومین گناه، که با «اشتباه» پهلو میزند آن است که وقتی نظام به نقطۀ غیر قابل بازگشت رسید همچنان در «اشتباه» نفهمیدن پافشاری کند. [3] چنانکه دانشمندان طبیعیات قدیم گفته بودند : طبیعت از خلأ وحشت دارد؛ آگاهی نیز از خلأ وحشت دارد، و در همین نقطۀ غیر قابل بازگشت است که آگاهی از حاکمان به مقام محکومان انتقال پیدا میکند! این اتفاقی است که در دو دهۀ گذشته در ایران افتاده است.
انقلابِ «ملّی» در انقلاب اسلامی
بخش دوازدهم
جواد طباطبایی
مع نهاية عصر الإيديولوجيات وعودة عصر الدولة ـ الأمم، وفي غياب رجال سياسة ذوي فطنة وواقعية، كما أشرتُ سابقاً، انتقل الوعي الوطني في إيران إلى أقرب موضعٍ نشأ فيه الفراغ الأساسي. في كلا عنصري التلفيق في إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، لم يكن هناك مكان للأمة والدولة والوعي الوطني التاريخي؛ بل على العكس، كانت تلك الإيديولوجيا، بوصفها إيديولوجيا ثورية، على حد تعبير أحد نواب رئيس الجمهورية، «تعاني مشكلة» مع ما هو تاريخي، وأرادت عبر «الهندسة الثقافية» أن تخلق إنسانها الطراز الجديد. كان من المفترض أن تضطلع الثورة الثقافية بمهمة «الهندسة الثقافية» الكبرى هذه، التي انحصرت حتى الآن في إهانة نساء البلاد و«التهام الحليم» من قِبَل أعضائها.[4] لا يوجد مصطلح يدل على الجهل بطبيعة الثقافة قدر مصطلح «الهندسة الثقافية» هذا. الثقافة أمر تاريخي، والأمة هي التي تبدعها في تطورها التاريخي. ولم تُصنَع الثقافة، حتى الآن، في أي بلدٍ بطريقة الطلب المسبق، لأن الثقافة ليست «قابلة للصنع». وفي البلدان التي حاولت صنعها، كالصين إبان الثورة الثقافية، ومعسكر الاشتراكية وغيرها… كانت النتيجة عكسية.[5] ما تعلمناه من هذه التجارب التاريخية هو أن أية هندسة ثقافية لم تؤد إلى «صنع» ثقافة الطراز الجديد، بل على العكس، خلقت فراغاً مريعاً في أذهان الناس، يمكن أن تعرّض عواقبه وجود أي نظام سياسي للخطر. هذا الفهم «اللاثقافي» للثقافة دخل إلى نظام الخطاب الثوري عبر التلفيق الشريعتي ـ اليساري. في حسينية الإرشاد، كان شريعتي نفسه قد خاض تجربة ناجحة في «الهندسة الثقافية»، وقد لعبت هذه الهندسة الثقافية، التي كان جانبها السلبي بارزاً جداً، دوراً بالغ الفعالية في انتصار الثورة، لكن في نظام الخطاب لخُطبائها المهمين، لم يكن هناك، من الناحية الإيجابية، أي شيء يتصل بإدارة شؤون العالم الجديد. كان شريعتي يتصور أن في تلفيقه الإسلامي ـ السوسيولوجي الماركسي جواباً على جميع أسئلة العالم الجديد، كما كان مطهري يظن أيضاً أن جميع العلوم الحديثة يمكن استخراجها من إسلامه (أشرتُ سابقاً إلى تدوينه لعلم الاقتصاد). جميع القوى التي أسهمت في انتصار الثورة، من أطياف اليمين الإسلامي إلى اليسار المتطرف، كانت ترتوي من تُركة «الثورة الثقافية» وتظن أن خلق «الإنسان الطراز الجديد» الإسلامي أو الماركسي أمر ممكن. ومع أن الثورة انتصرت في وقت كانت فيه الثورة الثقافية و«الهندسة الثقافية» قد باءت بالفشل بأشكال مختلفة في جميع بلدان المعسكر اليساري، من الصين وألبانيا إلى الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، فإن منتصر الثورة، في خضم الانتصار وبجثة السلطة التي بقيت على أيديهم، لم يمتلكوا القدرة على فهم علل وأسباب هذا الفشل. كان الأصل هو أنه ينبغي إدارة الثورة، لكن فقدان أشخاص مثل شريعتي ومطهري، الذين مهدوا الطريق للاستيلاء على السلطة، كان يؤدي إلى أن يدير المنتصرون بلداً معقداً وهم صِفر اليدين. قلتُ سابقاً أيضاً إن أشخاصاً مثل منتظري فكروا بعد انتصار الثورة في وضع نظرية لها.[6] إدارة البلاد هذه في ظل فراغ نظرية حكم متماسكة أدت إلى أن يرتكب المسؤولون الخطأ نفسه الذي ارتكبه قادة المعسكر اليساري، أي أن يوفروا من «الهندسة الثقافية» مسكّناً لفراغ نظرية الحكم. الجمهورية الإسلامية، في محاصرة القوى المشاركة في الثورة وادعاءاتهم بالمشاركة في السلطة السياسية، كانت مضطرة إلى أن تلجأ إلى تركيب إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية وتضع «الهندسة الثقافية» على جدول الأعمال. ذلك التركيب الإيديولوجي، كما أشرتُ سابقاً، كان مجموعة لا تاريخية، وكان فرضه على بلدٍ ظل تاريخياً على الدوام وعرف أبناؤه دائماً فهماً معقداً لمصيرهم التاريخي، أكبر خطأ ارتكبته الجمهورية الإسلامية. وكلما ازداد هذا الفرض حدة، ازداد رد الفعل عليه، لكن المدّعين بـ«الهندسة الثقافية» ارتكبوا هنا أيضاً الخطأ نفسه الذي ارتكبه أنصار «الثورة الثقافية» في البلدان الاشتراكية من قبل، أي أنهم كلما ظهرت علامات فشل الاشتراكية بشكل أوضح، زادوا من حدة الثورة الثقافية، وهذا الأمر نفسه كان يؤجج المقاومة ضد النظام الاشتراكي القائم.
در ایران، به عنوان کشوری تاریخی، با یک نظام آئینیـ اندیشهای که فرآوردۀ تاریخ پیچیده و وحدت ملّی تاریخی آن است، فرمانروایانی که به طور آزمایشگاهی در بیرون تاریخ پرورش داده شدهاند – میتوان به سخنان کچویان، استاد دانشگاه و عضو شورای عالی انقلاب فرهنگی مراجعه کرد – نمیتوانستند هیچ تصوری از دگرگونیهای در ژرفاهای ذهن مردم کشور، بویژه جوانان آن، داشته باشند. اتلاف امکانات مادّی و معنوی کشور در راه «فرهنگسازی» تنها نتیجهای که داشت ایجاد یک «طبقۀ جدید» رانتخوار بود که هیچ اعتقادی به اصل «فرهنگسازی» نداشت – حلیم خوردن حداد عادل که پیشتر به آن اشاره کردم – اما حاضر بود تا جایی که ممکن است از منافع خود دفاع کند. در عصر رسانههای که همه چیز در دسترس همگان است، هرچه بیاعتقادی مسئولان به مسئولیت خود بیشتر و به نمایش گذاشته میشد، بیاعتقادی مردم نیز به آنان شتاب بیشتری پیدا میکرد. گسلهای هولناک میان مردم، بویژه جوانان، و مسئولان از پیآمدهای این بیاعتقادی دوجانبه بود. حکومت یکدست، که گویا قرار بود یکدستی در همۀ شئون کشور را به دنبال داشته باشد، سرکنگبینی بود که بر صفرا افزود، اما از آنجا که گویا در میان طبقات بیفرهنگ «حرف مرد یکی است» قرار نیست مسئولان بدانند که در کجاها به بیراهه رفتهاند. اینک دو بیاعتقادی در برابر یکدیگر صف کشیدهاند، صف فشردۀ مردمی که به نظام اعتقادی ندارند، صفهای پراکندۀ مأموران معذوری که به «خود» هم اعتقادی ندارند.
انقلابِ «ملّی» در انقلاب اسلامی
بخش سیزدهم
جواد طباطبایی
گفتم که در شرایط بحران چهار دهۀ گذشته، بویژه در دو دهۀ اخیر که بر اثر ناکارآمدی کوخنشینان حاکم بحران بیش از پیش ژرفتر میشد، آگاهی ملّی ایرانی در جستجوی سرپناهی نوآئین بود. با پیروزی انقلاب ضدِّ ملّی، آگاهی ملّی ایران که مَسکنِ اصلی خود را از دست داده بود، اگر بتوان گفت، در مهاجرتی درازآهنگ در جستجوی سرپناهی بود. آموزش و پرورش، نظام آموزش دانشگاهی، رادیو تلویزیون و همۀ دستگاههای عریض و طویل تبلیغ ج.ا. کوششهای فراوانی را به کار بردند تا ذهن نسلهای جدید را از آگاهی ملّی تهی و ایدئولوژی شریعتیـ چپی رسمی را جانشین آن کنند. آنان گمان میکردند با این روش خواهند توانست شالودۀ حکومت خود را استوار کنند. در آن زمان، تجربههای کشورهای سوسیالیستی، و شکست انقلابهای فرهنگی آنها، در دسترس بود، که پیشتر به آن اشارهای آوردم، اما انقلابیان ایران نیز مانند همۀ انقلابیان گمان میکردند تجربههای دیگران به کار آنان نمیآید و میتوان با تبلیغ بسیار همۀ «معادلات جهانی بر هم زد». برای همۀ کسانی که کوچکترین تصوری از انسان، بویژه انسان ایرانی، داشتند نتیجۀ چنین مغزشویی از پیش معلوم بود. ایران کشور تاریخی است و همۀ شئون ملّی آن نیز به طور طبیعی و در گذر سدههای طولانی تکوین پیدا کرده است. دلیل اینکه پیشتر هیچ یک از حکومتهای نافرهیختۀ عرب، ترک و مغول به چنین مغزشویی گسترده دست نزده بودند، شاید، این بود که حتیٰ آنان نیز به غریزه میدانستند که بر چه کشوری چیره شدهاند. میتوان گفت این انیرانیان نیز به این نکتۀ اساسی در تاریخ ملّی پی برده بودند که اگر از «ما» بیاموزند آنان برنده خواهند بود، زیرا آنان چیزی برای عرضه به ملّتی که تاریخی بر او گذشته و تجربههای بسیار از تاریخ آموخته ندارند. آنان این بخت را داشتند که ذهنشان مَشوب به توهّمهای ایدئولوژی شریعتیـ چپی حاکمان تازه به دوران رسیده نبود. دین ایدئولوژیکی حاکمان جدید این اشکال عمده را داشت که نه دین ناب بود و نه ایدئولوژی که بتوان منطق تحول آن توضیح و بیراههها تشخیص داد. بر این دینِ ایدئولوژیکی منطقِ دوگانۀ دین کهن و ایدئولوژی جدید فرمان میراند و ترکیب آن منطق نیز شیر بییال و دُم و اشکمی بود که فهم آن حتیٰ برای خالق آن، شریعتی، نیز ممکن نبود. شریعتی جوانی با دانش سخت اندک و فردی با غرضِ بسیار بود که در نقش «بچه مرشد» مارگیران درآمده بود؛ او ورد لازم برای بیرون آوردن مار از توبره را میدانست، اما آن وردی را که برای برگرداندن مار در توبره لازم بود نمیدانست، یعنی یاد نگرفته بود، چون معلمی نداشت و مانند همۀ مردمان عقبمانده همه چیز را خود کشف کرده بود.
كانت الجماعة التي سيطرت على أجهزة الدعاية وغسيل الأدمغة إثر انتصار الثورة، جميعها، على الأغلب، مصابة بفيروس إيديولوجيا شريعتي اليسارية نفسها، وكان كثيرون منهم مهندسين مسلمين لا يعرفون من الهندسة شيئاً ولا يتدينون بصفتهم مهندسين سيئين. وكان جميع هؤلاء مصابين بفيروس «القومية كفر» إلى حدٍّ لم يعد ينفع معهم أي علاج. وهكذا، ظنُّوا جميعاً أنهم بالإسراع في إضفاء الطابع الإيديولوجي على العمل يمكنهم بلوغ النتيجة المنشودة. كانوا، ككل أهل الإيديولوجيا، أسرى وهم أن إيديولوجيتهم لا تُقهَر، لكن ما لم يعرفوه، بصفتهم لاإيرانيي داخل الحدود، هو أنهم يحكمون بلداً كل شؤونه وطنية، وبالطبع وطنية. كان مثال جهاز الدعاية في ج.إ. في كل العروض، مثال «المرشد الصغير» الذي لم يتعلم سوى نصف حيل ترويض الأفاعي. فعلى سبيل المثال، استطاعت وزارة التربية والتعليم أن تفرغ أذهان المراهقين والشباب في البلاد بنجاح، لكنها لم تكن تملك شيئاً لملء ذلك الفراغ. وحين انتبه الحكام إلى هذا الفراغ، طرحوا، بصفتهم «مرشدين صغاراً»، رأياً اتضح أنهم عاجزون فيه عن تشخيص الداء. كانت الحكومة قد أفرغت أذهان المراهقين والشباب من كل ما هو ثقافة وطنية تماماً وبنجاح، لكنها لم تكن تملك شيئاً لتقدمه لهم، ولأنه لم يكن مقرراً أن نكون نحن المذنبين، كان لا بد أن نجد عدواً نستطيع أن نلقي بكل الذنوب على عاتقه. هذا الإدراك للوضع الذي نشأ، والذي كان عين عدم الفهم، كانت له هذه الحسنة أيضاً وهي أن ذيل كبرياء «نحن» لا يتلوث، وفي الوقت نفسه يُعثَر على فزاعة يمكن الرجز في مواجهتها مدى العمر، بل ومحاربتها على طريقة دون كيشوت دون أن يُقتل أحد. كان الحكام، غافلين عما جلبه المهندسون المسلمون على رؤوسهم، يحاربون لسنوات طويلة، بسيف نظرية «الغزو الثقافي» الصدئ، في جبهة لا عدو فيها. كانت لهذه الحرب حسنة أن النصر فيها كان من نصيب «نحن»، لأنه كان من صنع «نحن» أنفسنا. كانت صورة المسألة بسيطة جداً: ساكنو الأكواخ، في عزلتهم اللاثقافية، لا يرون الفراغ الثقافي الذي أوجدوه بأنفسهم، لكنهم يرون المخلوقات الخيالية التي اختلقوها، وكلما حاربوا أكثر في جبهة «الغزو الثقافي» الخالية بخيالاتهم المختلقة، كانوا يتباهون بأنفسهم «كشهداء أحياء» دون أن يقدموا قتيلاً. ما كان يحدث في جبهة القتال الحقيقية، ولم يكن مقرراً أن يراه أحد، هو تعمق الفراغ يوماً بعد يوم، لأنه حين يحارب جيش في جبهة خالية، يتقدم «العدو» في جبهة أخرى. كلما حارب الحكام أكثر في تلك الجبهة الخالية من عدو «الغزو الثقافي»، كان الفراغ الثقافي يزداد عمقاً في الجبهة الأخرى، لكن، كما أشرت سابقاً، المشكلة هي أن حقل الثقافة، كالطبيعة، يخاف من الفراغ. ما حدث في العقدين الأخيرين هو أن المراهقين والشباب استطاعوا أن يجدوا وعياً عميقاً إزاء الفراغ الثقافي. تدريجياً، وفي كفاح تحت الأرض، استطاعوا أن يقوموا بتصفية حساب أساسية مع كل ما كان يُفرض عليهم. ومع زوال الدوار الناتج عن تلقي ضربة إيديولوجيا شريعتي اليسارية للثورة، وعلى خلاف العادة، ملأوا الفراغ بثقافة كان مقرراً ألا يبقى لها أثر بظهور الجيل الجديد. هنا ملأت الفكرة الوطنية مكان الفراغ الثقافي الناشئ. فبينما كان الحكام يظنون أن الإيديولوجيا الجديدة ستدخل عبر الغزو الثقافي، كان شبح الفكرة الوطنية واقفاً على عتبة باب قسم كبير من المراهقين والشباب الإيرانيين. بقي هذا الشبح خفياً عن أعين الحكام لأسباب عديدة. أولاً، أن أنصار نظرية المؤامرة يبحثون دوماً عن المؤامرة في الأماكن البعيدة. وثانياً، أن هذه الفكرة الوطنية نفسها، بصفتها جزءاً مهماً من ثقافة إيران، كانت ممتزجة بكل شؤون هذه الثقافة وتجلياتها، ولم يكن بمقدور ساكني الأكواخ الحاكمين تمييز كل أجزائها. كانوا قد تحصنوا حول البيت الأبيض وكانوا في حلم المعركة الأخيرة المنتصرة التي يحولونه فيها إلى حسينية بإمامة جماعة الأستاذ حسن عباسي. كانت كل مقدمات بدء نشاط بركان الوعي الوطني لدى المراهقين والشباب جاهزة. ما خرج حتى الآن وإلى هنا على هيئة مقاطع هو جزء ضئيل من البركان الهائل للسخط العام، وغفلة المسؤولين، والوعي الوطني.
سأتحدث في قسم آخر عن ظهور هذا الوعي الوطني بين المراهقين والشباب وخصائصه، لكن لا بد لي هنا من القول إن من نتائج الجهل المزمن لدى رجال الحكم أن كل مساعيهم لخلق «إنسان نموذجي جديد» إسلامي قد ذهبت أدراج الرياح، بحيث لن يكون من الممكن بأي حيلة استعادة تلك الفرص الضائعة، والأفضل أن يكفّ رجال الحكم عن تكرار هذه التجربة الفاشلة. قيل قديماً إن «الإنسان عرضة للسهو والنسيان»، نعم! مرة واحدة، أما الخطأ الثاني فهو من علامات الفهم المزمن.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم الرابع عشر
جواد طباطبايي
وكأن الوعي الوطني الباحث عن ملاذ كان قد أدرك أنه لا يمكن تعليق أي أمل على معظم أفراد الجيل الذي قام بالثورة. لقد كانت الأيديولوجيا الثورية قد أفسدت روح الجيل الثوري وجسده أكثر مما يسمح بالأمل في خلاصه. ومن الأمثلة المثيرة للشفقة على هذا الجمع الخامل من الثوريين بقية السيف من المنظمتين الكبيرتين اليسارية والدينية: تلك الجماعة الأخيرة تتألف من جمع يزيد متوسط أعمارهم عن الستين عاماً، يعانون جميعاً من اكتئاب عميق، ويعيشون في خلية لا تملك نساؤها حتى حرية اختيار لون الحجاب وعقدته. هؤلاء المكتئبون التاريخيون، مثل أمة كوريا الشمالية، يضحكون جميعاً معاً ويبكون جميعاً معاً، وكما قالت فروغ، مثل «الموتى المتحركين يلتقون بعضهم بعضاً، وعندها ستحكم الشمس على فسادهم»: أعمار أُهدرت في حماقتهم وطموحات قيادة المنظمة، تخيلات مصحوبة بكوابيس مرعبة، أقنعة جامدة شديدة الاكتئاب، خاوية من كل إنسانية، وكأنهم في انتظار أبدي لظهور مسعود الغائب! على العكس من ذلك، حظيت المجموعة الأولى، بدرجة من البلاهة في الاتجاه المعاكس وتساويها، ببخت أن «الرفاق السوفييت»، في ظل جنون العظمة الدائم لأجهزة المخابرات المخيفة في المعسكر الاشتراكي، ومنذ اليوم الذي شدت فيه «المنظمة» الرحال إلى وطن السوفييت، اعتبروهم جواسيس، وفقاً لتقليد ذلك الوطن، وأنزلوا بالأعضاء بلاءً جعل الكثيرين منهم ينسون الاشتراكية. وساعدهم البخت مرة أخرى بأن الرأسمالية لم تكن قد انهارت بعد، وكان بالإمكان، مصداقاً لقولهم في جهنم أفاعٍ يهرب المرء من خوفها إلى التنين، أن يجدوا موطئ قدم في ذلك النظام الفاسد ويناضلوا من الداخل لإسقاطه.
على أية حال، ليس قصدي من الإشارة إلى بؤس الرفاق والإخوة أن أُظهر فضائلهم أمامهم؛ بل على العكس، أريد أن أقول إن «الثورة الوطنية» كان ينبغي أن تتأخر حتى يظهر جيل آخر كان «إنكاراً» لهم وليس «عدواً» لتينك المجموعتين اللتين ألقى بهما تاريخنا «الوطني» في مزبلة التاريخ. لقد تساءل كثير من الإيرانيين، وحتى الأجانب ممن كانت لديهم أدنى فكرة عن إيران، ولا يزالون يتساءلون: كيف أمكن للثورة الإسلامية أن تنتصر في إيران، وأن تستمر أربعين عاماً رغم كل هذا العجز؟ وها هو ذا أحد تلك الأسباب! لقد أشرت مراراً إلى رماد أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية؛ لقد حولت هذه الأيديولوجيا ذهن كلتا المجموعتين الكبيرتين للبلاهة في السنوات التي سبقت الثورة وبعدها إلى سبخة لا ينبت فيها إلا شوك المغيلان. لقد كان من خلاف المعتاد أن تؤخر سيطرة ثوريي الثورة «الوطنية». لقد بذل جهاز التعليم والتربية العريض والطويل، ومؤسسات التعليم العالي، ومختلف وسائل الإعلام العامة الرسمية الحكومية جهودها لتنفير الجيل الذي كان يظهر من أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، ولكن بقايا هيمنة المنظمات الداعمة للبلاهة لم تكن تسمح بإيجاد بديل لتلك الأيديولوجيا. كان ينبغي أن يمضي عقدان حتى يظهر جيل عاش انحطاط كلتا مجموعتي الحكام وبؤس المنظمات وجربه. لقد استطاع هذا الجيل أن ينقل نفسه إلى خارج خلية الحكومة والمنظمات الهشة، ولكن بما أن كلا مجموعتي الحكام والمنظمات لم تستطيعا تصور مدى ما هو خارج أوهامهما، فقد استطاع الجيل الجديد أن يتخفى طويلاً في شقوق وفرج «النظام» وأن يدخل الميدان في اللحظة الموعودة من النقطة العمياء لرادار «النظام». كان سعدي قد قال: «لا تظنن كل زاوية خالية/فلربما كان النمر فيها رابضاً!» كانت مشكلة الأنظمة الشمولية أنها لم تكن تعلم أنه لا يوجد أي مجتمع، ولا أي سلطة مهما كانت كاملة، يمكن مراقبة جميع «زواياه». لا أريد أن أضرب مثلاً من منظري دار الكفر حتى لا يغضب العلماء الأعلام، لكن لا يسعني إلا أن أشير إلى توما الأكويني، القديس المتأله المسيحي في القرن الثالث عشر الميلادي، الذي كان يقول، بلغة السادة: لا إكراه في الدين؛ فإن وُجد إكراه، آمن الناس بشيء، وعملوا بشيء آخر! وهنا تكمن العتبة التي يبدأ بعدها زوال أي حكومة. إن المعرفة الضرورية للحكم هي بالتحديد هذا العلم بالشقوق والفرج، أو «كل زاوية» عند سعدي، ولا يمكن لأي حكومة ألا تعلم ما يجري فيها، ولكن الفرق بين الحكومات ذات السلطة الحقيقية والحكومة الهشة المدعية «للسلطة» هو أن مدعي هذه «السلطة» يظنون أنهم يستطيعون سد جميع تلك الشقوق والفرج، أما الحكومات من النوع الأول، فتراقبها «بسلطة»، ولكنها، لعلمها بعلم السياسة، لا تسدها، لأنها تعلم أنه لا يوجد مجتمع يمكن سد جميع تلك «الزوايا» فيه؛ فهناك دائماً إمكانية أن تجد «النمور زوايا أخرى أكثر خفاء». لم يكن لدى الحكام علم بالحكم، ولم يتعلموه بعد أربعة عقود.
من البديهي أنهم، بحسب خيالهم، قد أنشأوا جامعة بأساتذة ملتزمين كثيرين يُفترض أنها ستُستخدم ليوم الحاجة، ولكن هنا أيضاً، وكما هي العادة، قد تجاوز السادة أصل المطلب؛ لم يعلم هؤلاء، ولم يعلم مرجع تقليدهم شريعتي أيضاً، أن كل عالم ملتزم بعلمه لا بسياسة الحكام! عندما يكون معيار الاختيار هو الالتزام «بخاتم عقيق وسبحة وكوفية»، تكون النتيجة هي ما حدث في يوم الحاجة حين يأتي جمع من هذه النخب، اثنان أو ثلاثة من رؤساء الجامعات، واثنان أو ثلاثة من عمداء الكليات، ووزير واحد، ونائب وزير سابق أو اثنان، وعدد من الأساتذة الممتازين وأستاذ أو اثنان من آكلي الحلوى، ليدبروا أمراً، ولكن «هؤلاء المحترقين ذهبت أرواحهم ولم يصدر صوت». ليس هناك ما هو أكثر دلالة على حيرتهم في رد فعل الحكام على الوضع الراهن من هذا الاجتماع، وكلمات السادة والسيدات: نوع من بصق في الهواء، بل وأسوأ من ذلك!
درس آخر في السياسة الجديدة هو أن هذا «الاحتجاج» الراهن، وهو نتاج تراكم أثر الإهانة الموجهة إلى الناس وصداه في أذهانهم على مدى سنوات طويلة، لا يمكن علاجه بالتدابير الترقيعية لـ«الكتلة الخاملة» من هؤلاء الأساتذة وجلساتهم المماثلة؛ لم يطرأ إشكال حتى تُزيله هذه التدابير الترقيعية، لأن كثيرين من هؤلاء هم أنفسهم من ممارسي سياسة إهانة الكرامة الإنسانية. على العكس، بهذه التدابير يتحول «الاحتجاج» إلى عصيان. هذا «الاحتجاج» الراهن، بالنظر إلى ما قلته في الأجزاء السابقة أيضًا، هو «ثورة وطنية» وسنده تراكم الوعي الوطني وتبلوره في جيل نشأ خارج خلية الحكام والمنظمات ولم يُعمِ رماد أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية عينيه (ليس من شأني أن أشرح كيف حدث هذا الأمر. إن شاء الله سيقوم مستشارو الحكومة بشرحه). الإمكانات النظرية للسياسة في العالم الإسلامي، إن وُجد شيء كهذا، لا تملك القدرة على فهم وشرح كل هذه المفاهيم والأحداث المستجدة. لا يوجد في أيديولوجيا الحكام والمنظمات أي شيء يمكنه أن يلقي ضوءًا على زوايا هذا الوضع المستجد. في هذا الشأن، وعلى مدى أربعة عقود، بُذلت كل الجهود الممكنة؛ ومن المستبعد أن يُسمع من هؤلاء القتلى في التاريخ المظلم صوت بعد الآن. في الدول الوطنية الراهنة، حتى تلك التي لا هي دولة ولا هي أمة، لا يوجد مكان يخلو من الوعي الوطني والمطالبة بحقوق الأمة. في بداية الثورة، لم ينتبه الحكام إلى هذه النقاط الدقيقة في السياسة الجديدة، أما الرفاق والإخوة في تلك المنظمات الذين جلسوا قسرًا على الهامش وأطلقوا صيحات «عرقِلْه»، فعلى الأقل قادتهم، كانت عقولهم متآكلة إلى حد لم يكن مقدرًا لهم أن يكوّنوا تصورًا عن عالم كان في طور التجدد. القاسم المشترك بين كل هؤلاء، في المعارضة والموافقة، كان شيئًا في حدود «النظرة الكونية والاقتصاد التوحيدي»، أي بيان هزيمتهم الذاتية وكارثة للبلاد. والآن، تحقق هذا البيان وبرنامجه. وكما يقول أخوان، جثمان بلد شهيد على أيدينا، وجيل حي نضر مسلح بالوعي الوطني وجهًا لوجه أمام السادة! «لم يسبق لأحد أن انتحر بهذه الفظاعة كما [انتحر السادة] بالجلوس إلى الحياة!»
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الخامس عشر
جواد طباطبايي
شرحت كيف أن الوعي الوطني، بعد عقود من انتصار الثورة الإسلامية، وجد ملاذًا له لدى الشباب، لدى جيل لم يقم بالثورة، لكنه نشأ في الجمهورية الإسلامية. كان واضحًا إلى حد ما لمن لديه نصيب يسير من علم السياسة الجديدة ومنطق الدولة الوطنية أنه لا يمكن تحويل أمة تاريخية عريقة قائمة إلى جزء من أمة موهومة. ما يبدو مخالفًا للمعتاد ومدهشًا في هذه المرحلة من تطور هذا الوعي وظهوره الخارجي هو أن الوعي «الوطني»، خلافًا لكثير من البلدان الأخرى التي ظهرت فيها النزعات الوطنية ـ والأفضل أن أقول: القومية ـ في صورة كراهية الأجنبي وحتى العنصرية، هو وعي عالمي أيضًا ـ سأعود إلى هذه المسألة بشيء من التفصيل. يبدو ظهور الوعي الوطني العالمي هذا مخالفًا للمعتاد من حيث إن الأيديولوجيا الرسمية للثورة الإسلامية، في العقود الأربعة الماضية، كانت تنظر إلى تصدير الثورة و«قلب المعادلات العالمية». هذان الادعاءان، إن لم يكونا مجرد ثرثرة لسان، كانا في النظر بلا معنى، وفي العمل محكومين بالفشل. وكما قلت مرارًا من قبل، لم يكن الجالسون على أريكة السلطة يعرفون السياسة، ولم تكن لديهم دراية بمقتضيات مثل هذه الادعاءات. من جهة، لم يتجاوز هؤلاء في سياساتهم العلاقات القبلية لصدر الإسلام، ومن جهة أخرى، ولجهلهم بالسياسة، وضعوا لحاهم في أيدي بضعة ناشطين سياسيين قادمين من الخارج، ومجموعة من المهندسين، وظنوا أن هؤلاء محيطون بكل علوم العالم. من أولى الطامات التي ارتكبها هؤلاء المهندسون أنفسهم في سبيل تصدير الثورة وقلب المعادلات العالمية كان احتلال «وكر التجسس» للولايات المتحدة واحتجاز دبلوماسييها كرهائن، مما أظهر أن السادة ـ بتعاون سيدة واحدة كان البلاء يقطر من وجهها، وما زال يقطر ـ لا يعرفون شيئًا عن السياسة فحسب، بل ليست لديهم صورة واضحة عن حجم ووزن الدول. وكأن الشباب المسلمين، وهم يرتكبون البلاء الأعظم، لم ينظروا إلى أنفسهم في المرآة ليعرفوا كم هم ضئال الحجم وما هي العواقب التي يمكن أن تترتب على النزال مع عملاق الزمان.
رجال الدين الذين تفاوضوا مع أمريكا ومهّدوا الطريق للوصول إلى السلطة، لو كان لديهم ذرة من عقل ومن إدراك لمنطق العلاقات الدولية، لاستطاعوا أن يُسكتوا الشباب الفضوليين، لكن العقل بين الثوريين، على حد تعبير ديكارت، كان شيئًا «موزعًا بالتساوي»، أي أنهم جميعًا، من الشيخ إلى الشاب، كانوا على درجة واحدة من الخلو من عقل المعاش. وسبب ذلك، وأكرر، أن العلماء لم يكونوا يعرفون السياسة، والشباب المسلمون المهندسون كانوا قد تسمموا بمزيج من أيديولوجيا شريعتي اليسارية وقليل من «الرياح والأمطار في القرآن» لدرجة أن شيئًا لم يعد يُرجى منهم، كما لم يُرجَ منهم شيء حتى الآن. كل معرفتهم بالسياسة كانت تلك النظرية البديعة «الضغط من الأسفل والمساومة من الأعلى». هذه النظرية فسّرت كل شيء في الجمهورية الإسلامية، لكن المشكلة أنها لم تكن ذات معنى في السياسة، ولن أخوض في ذلك، لكن ما لم يعرفه صاحب النظرية وأنصاره هو أنه بين ذلك الأعلى وهذا الأسفل، أي أمة نازي آباد، كان هناك وسط لم تكن لدى الثوريين صورة واضحة عنه. لقد قلت إن الثورة الإسلامية كانت نقيض الثورة الدستورية التي أدخلت إيران العصر الحديث، وكان من خصائصها ظهور طبقة وسطى نمت على مدى أكثر من سبعة عقود وخلقت آدابها وأنماط سلوكها وذائقتها وذوقها وثقافتها. هذه الطبقة الوسطى، التي ظنت بفعل «خديعة» أن الثورة ستلبي مطالبها، كان لها دور مهم في انتصار الثورة، لكنها أُقصيت منذ البداية، وخصوصًا مع صعود سكان الأكواخ.
كان أحد أهداف احتلال سفارة الولايات المتحدة، الذي كان قادته أولئك «أطفال نازي آباد» أنفسهم، هو التمهيد لصعود سكان الأكواخ هؤلاء، رغم أنهم وقت ارتكاب الجريمة لم يكونوا ليخمنوا ذلك. كان ذلك العمل الأحمق فشلًا ذريعًا من جميع النواحي، وخصوصًا مكافحة الإمبريالية! فعندما اضطر مسؤولو الجمهورية الإسلامية إلى الدخول في مفاوضات لحل مشكلة الرهائن، لم يكن لدى النظام حتى شخص واحد من الحقوقيين الأكفاء - أي موضع الثقة - ليتمكن من مواجهة المفاوض الأمريكي والدفاع عن الموقف الذي لا يمكن الدفاع عنه لـ«طلاب خط الإمام». ولم تبقَ لهم ماء وجه بين الدول ليتمكنوا من إيجاد وسيط مقبول، فاضطروا إلى اللجوء إلى الجزائر التي كانت تُعتبر دولة «تقدمية»، لأنها كانت إحدى مخابئ إرهابيين مثل كارلوس وأنيس نقاش، قاتل شابور بختيار لاحقًا، وكانت الدولة الوحيدة التي ضاهت هيئتها الحاكمة في التخلف بهزاد نبوي خاصتنا.[7] دولة قامت بثورة لقطع التبعية، فإذا بعلمائها الأعلام، وبسبب حماقة مجموعة من الشباب، الذين يمكن القول مع كثير من التساهل إنهم كانوا بُلداء، إن لم نقل إنهم كانوا ضحية لعبة، يحولون البلاد تحت راية الدولة الصديقة الشقيقة إلى أمة لدولة متخلفة ومسؤوليها الإرهابيين. أشير فقط إلى اعتراف واحد من أحد القادة المتورطين في الإرهاب ورئيس تحرير صحيفة المجاهد الرسمية، والذي كان سفيرًا للجزائر في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. رضا ملك يعترف في مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية بدهشة بالغة: «لقد وضع الإيرانيون ثقة كااااااااملة (مع التشديد على الكلمة: كااااااااملة) فينا لدرجة أنهم كانوا يسألوننا في كل أمر: ماذا نفعل؟» بالطبع، ما لا يظهر في هذه الترجمة، لكن يُحس في نبرة السفير، هو استغاثة ذلك السائل الذي يقول «ماذا نفعل؟» ولا بد أن ذلك الشخص هو «المقاتل العجوز» المهندس بهزاد نبوي.
في رأيي، كان الجزائريون الثوريون، وكوادرهم اللاحقة، الذين تلقى كثير منهم تعليمهم في جامعة باريس، من أكثر عرب شمال أفريقيا تخلفاً، وبمعونة هؤلاء الإخوة "التقدميين" أنفسهم، انفتحت حفرة على رأس "الغوريلا العجوز"، وعلى الأمة الإيرانية بالطبع، كما اعترف أحد كبار المسؤولين الأميركيين بعد ذلك بقوله: "لقد أنزلنا بالإيرانيين بلاءً بحيث لا يجرؤ أحد بعدهم على الإقدام على مثل هذه الأعمال".[8] على أية حال، كانت لاحتلال السفارة عواقب وخيمة على النظام، كان من أهمها خنق الطبقة الوسطى، بوصفها الطبقة الحاملة للحداثة، التي تقرر، حتى ظهور طبقة ساكني الأكواخ الجديدة، ألا "نعطي شعرة واحدة" من أحدهم مقابل تلك الطبقة الوسطى الفاسدة برمتها. إن الانقلاب الذي قام به مهندسون جهلة في السياسة ضد الطبقة الوسطى، أخرج طبقة اجتماعية كبيرة معتدلة من الساحة السياسية للبلاد لعقود. لقد نال الإخوة والأخت الناطقون، لقاء الخدمات التي قدموها، ثروة على حساب بؤس البلاد وفقر فئات كبيرة من الناس، ولا يزالون يتمتعون بالمزايا القانونية لتلك الخدمات، ولكنهم بهذه الجريمة التي اقترفوها لم يخونوا الشعب فحسب، بل دوزنوا أيضاً للنظام نغمة بدأ صوتها يصل إلى الآذان شيئاً فشيئاً منذ بضع سنوات. قد يُسأل: ما علاقة الوضع الراهن باحتلال السفارة واحتجاز الرهائن؟ سأجيب بالنظر إلى الكارثة التي وقعت آنذاك: لم يكن رجال الدين الحاكمون في البلاد يعرفون شيئاً عن السياسة ومنطق العلاقات الدولية، وكانوا مبهورين بهؤلاء المهندسين الصغار الذين يحملون على أكتافهم حقيبة من أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية بنكهة "الرياح والأمطار في القرآن". بالنسبة لبعضهم، كان احتجاز الرهائن هذا "نعمة"، لأنه أخرج بعض المنافسين من الميدان؛ أما البعض الآخر فربما لم يكونوا يعتقدون بمثل هذه المغامرة، لكنهم لم يتصوروا أن "شبابنا الملتزمين" يستطيعون أن يفتحوا لهم مثل هذه الحفرة الواسعة على رؤوسهم، فلم يقولوا "لا" انتهازاً للفرصة. وهكذا، خرجت طبقة اجتماعية كبيرة من الدائرة لعقود، وتنفس الحكام الصعداء، لكن عليّ أن أكرر مرة أخرى أنه، بما أنهم لم يكونوا يعرفون البلد الذي يحكمونه ولم تكن لديهم أية فكرة عن منطق تطور الدولة القومية الإيرانية، لم يستطيعوا أن يعلموا أنهم يجلسون على بركان يبدو خامداً، وهذا البركان يمكن أن ينشط مرة أخرى يوماً ما. في مثل هذا اليوم، لن ينفعهم علم المهندسين المسلمين القليل، الذي يختزل في السياسة إلى قليل من المساومة في الأعلى وقدر من الضغط من الأسفل، كما أنه لا ينفعهم الآن. تلك الطبقة التي قُمعت طوال أربعة عقود، وظن الحكام أنهم "جعلوا" ساكني الأكواخ يهزمونها، رفعت رأسها الآن وأظهرت "الاقتدار الحقيقي" لبلد.
الثورة "الوطنية" في الثورة الإسلامية
الجزء السادس عشر
جواد طباطبايي
كل الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الجمهورية الإسلامية، والتي لم أُشر إلا إلى بعضها إشارة عابرة، كانت تهدف إلى نوع من «غسل الدماغ» – أو بتعبير الثورة الثقافية المحلية: «الهندسة الثقافية» – لمحو الوعي الوطني وتكبيل روح الحرية الإيرانية، وفي خضم هذه «الهندسة الثقافية» المعادية للوطنية بالتحديد، باءت كل تلك الهندسة بالفشل. إن إشارتي وتكرارتي، في معظم الأقسام السابقة تقريبًا، إلى أن الوحدة الوطنية والثقافية والإقليمية لإيران أمر تاريخي وطبيعي، وأن الحكام لم يعرفوا أين يحكمون، تعود إلى هذه النقطة الجوهرية وهي أن إيران بلد يختلف عن جميع الوحدات السياسية المحيطة به، وهو بلد شاذ عن المألوف. لا ينبغي الاغترار بالقليل من العلوم الاجتماعية المستوردة، من النوع الإيديولوجي الشريعاتي – اليساري تحديدًا، الذي يعتبر الإنسان نتاجًا لظروف متغيرة ويتوهم أنه بتغيير الظروف يمكن تغيير الإنسان أيضًا. أحد الفروق بين إيران وسائر البلدان المحيطة بها هو أن وحدتها الإقليمية ووعيها الوطني كانا أمرًا تاريخيًا وطبيعيًا، وأن شعبها تاريخيًا كان يغير كل المهاجرين، لكنه هو نفسه لم يكن يتغير. قصة «المجتمع قصير الأمد» أو «المجتمع الهش» يعرفها الجميع، ولأنها من بديهيات علم الجامعات المحلية التي علمها عين سياستها، يروج لها عوام علماء الداخل باعتبارها نظرية «إيران الصامدة»، لكن لا أحد يسأل: إذا كانت إيران، بمجتمعها الذي يمتد لألفين وخمسمائة عام والذي صمد في وجه الإسكندر والعرب والترك والمغول والأفغان والروس والإنجليز، «مجتمعًا هشًا»، فماذا ينبغي أن يقال إذن عن جميع البلدان المحيطة بإيران وكثير من بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا الأخرى؟[9] إيران، بكل ما فيها من عيوب، بلد تاريخي وكل شؤونه طبيعية، ولهذا السبب كان التغلب عليه تاريخيًا أمرًا مستحيلًا. لا أعني فقط انتصار أعدائه الأجانب عليه، بل أعني بشكل خاص الأصدقاء والأعداء في الداخل أيضًا. يمكن التغلب على إيران، ويمكن احتلالها، لكن الاستمرار في هذا الحكم وإدارتها لم يكن أبدًا أمرًا سهلًا وفي متناول كل «حمار». أحد الأمور الشاذة عن المألوف في الحكم في إيران، وعليها، هو أنه لا يمكن إقامة حكم مستدام فيها إلا بفهم عميق لثقافتها الشاملة. كان حتى الأتراك الغزنويون والسلاجقة يعرفون ذلك، وعملوا به قدر استطاعتهم. لم يستطع أي من الغزاة أن يحكموا إيران بالاعتماد على نظامهم الطقوسي أو «إيديولوجيتهم»، وسعوا إلى تعلم الأدب والآداب الإيرانية منهم. كان أحد أهم أخطاء كثير من الحكام الحاليين أنهم ظنوا – وما زالوا يظنون – أنه يمكن حكم إيران بقليل من إنشاءات شريعتي – اليسارية، وكما نقلت سابقًا عن أحد نواب رئيس الجمهورية، «كانت لديه مشكلة مع الدولة والأمة الإيرانية». إن تدمير «صخرة إيران الجرانيتية»، كما قال غوبينو، أمر مستحيل، ولا يمكن لأحد – كما أظهر التاريخ – أن «يتعامل معها بمشكلة» دون أن يفقد عرضه. الإيرانيون، تاريخيًا، في العصر الإسلامي، باستثناء حالات قليلة، لم يكونوا محاربين عظامًا، لكنهم كانوا حماة جيدين لبلدهم. وكما قال فلاسفة التاريخ، فإن الأمم ذات «الثقافة الشاملة» ليست محاربين جيدين في مواجهة الأقوام الهمجية. الأقوام البدائية، العرب والترك والمغول، الذين لم تكن لديهم ثقافة، تغلبوا باستمرار على الأمم المثقفة في ميدان المعركة، لكنهم، إلا في حالات نادرة، لم يخرج منهم حكام صالحون. الإيرانيون، منذ بداية التاريخ القديم، وكذلك في العصر الإسلامي، كانوا شعبًا «واعيًا بذاته»، وقد واصلوا هذا الوعي الذاتي تاريخيًا. لذلك، يمكن القول إن بقاء إيران أصبح ممكنًا بالاعتماد على هذا الوعي الذاتي نفسه، وإذا كان لا يزال هناك إيراني، رغم الهجرات والغزوات، يتمتع ببعض الاعتزاز، فبفضل هذا الوعي الوطني بالتحديد. لا حاجة للقول إن الإشارة إلى هذا الوجه من بقاء إيران ليست شعارًا قوميًا لا أساس له في الواقع التاريخي، بل هي معطى من تاريخنا الوطني. إذا كانت إيران لا تموت، فالسبب في ذلك هو أن روح الوعي الوطني قد تجسدت في جسدها. ذلك الوعي الذاتي ليس فانيًا، وإلا لكان جسد إيران فانيًا كأي بلد آخر، كما انفصلت عنه في فترات أجزاء مهمة من الوطن الأصلي، لكن إيران لم تمت. الوعي الذاتي هو أساس الحياة الاجتماعية لكل أمة، وقد امتلكه الإيرانيون منذ زمن بعيد. بهذا الاعتبار أيضًا، الإيرانيون أمة عريقة وتاريخية وطبيعية. الاستمرارية الوطنية للإيرانيين ليست مقولة في العلوم الاجتماعية الحديثة. تاریخنویس آغاز دورۀ اسلامی، محمد بن جریر طبری، گفته بود که «تاریخ ایرانیان تاریخی دارای تداوم بوده است». طبری بر آن بود که این تداوم موردی استثنایی در میان اقوام کهن بوده است.
من المحتمل جداً أنه، بصفته مؤرخاً للعصر الإسلامي، كان يعتقد أن زمن هذه الاستمرارية قد انتهى بظهور الإسلام، لكن حتى هو لم يستطع إدراك أهمية استمرارية الوعي الذاتي القومي الإيراني. فمؤرخ بداية العصر الإسلامي، بصفته مؤرخاً، لم يكن بوسعه أن يكوّن تصوراً عن هذه الطبيعة العنقاوية للقومية الإيرانية، وروح التحرر والوعي الذاتي لديها. ففي القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين، كان عنقاء إيران قد وُلد من رماده، لكن الأسلوب الكلامي في التأريخ عند الطبري لم يمنحه منظومة مفاهيم لفهم تاريخ إيران.
ومع ذلك، يمكن القول، باعتبار ما، إن الطبري كان على حق، لأن جميع الأقوام الأخرى التي كان يكتب تاريخهم انصهروا في الخلافة العربية واندثروا، أما إيران فلم تبقَ فحسب، بل تحولت إلى بؤرة للنهضة في العصر الإسلامي. هذا الوعي الذاتي المولود من جديد، في العصر القديم، استمر حتى العصر الناصري وتهيئة مقدمات الحركة الدستورية، ومع أولى تعرفات الإيرانيين على فكر الحداثة، ظهر من جديد في صورة جديدة، كان من نتائجها انتصار الدستورية وتأسيس أول حكومة قانون في بلد إسلامي. إن تاريخ استمرارية الوعي الذاتي هذا تاريخ معقد، وأنا لا أشير إليه إلا لأقول إنه لا يحق لأحد أن "تكون له مشكلة" مع هذا الوعي القومي لهذا البلد. مع حكومة "ساكني الأكواخ"، أحمدي نجاد وأعوانه، بُذل جهد غير مسبوق وكبير لتكبيل إيران بالكامل، لكن ما لا يمكن لأي ساكن كوخ، الذي وطنه في الكوخ، أي أنه بلا وطن، أن يعرفه هو أن تكبيل جسد إيران أمر ممكن؛ أما روح إيران فلا يمكن أسرها. وهذه الروح الحرة هي التي تحركت الآن، في هذه الثورة الوطنية.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء السابع عشر
جواد طباطبايي
منشأ الثورة الوطنية الإيرانية هو نهضة الوعي القومي والوعي الذاتي لشعبها. وكما قلت سابقاً، فإن من خصائص شعب إيران، بصفته أمة تاريخية، هو هذا الوعي الذاتي لديهم الذي تكوّن منذ زمن بعيد وسرى في جميع العصور التاريخية لهذا البلد وفي جميع الشؤون الثقافية. في الواقع، إن تاريخ إيران، بوصفها بلداً شاذاً عن المألوف، هو تاريخ عصور ظهور هذا الوعي الذاتي، وهذا الظهور للوعي الذاتي القومي واستمراريته في تاريخ هذا البلد هو الذي ضمن بقاءه. مع بداية العصر الحديث من تاريخ إيران، فقد تقليد التأريخ القديم اعتباره أيضاً، وحل محله أسلوب تأريخي جديد كان بمثابة ناحية في التأريخ الأوروبي الحديث. وكان المؤرخون الإيرانيون الأوائل، في أفضل الأحوال، مقلدين للمؤرخين الأوروبيين.[10] لذا، فرغم أنه تم تدوين نوع من التأريخ القومي في البداية، إلا أن تاريخ الوعي القومي لم يُكتب قط. لقد كان لإيران، منذ بداية عصرها التاريخي، "حقبتان" (Epoch) قديمة وحديثة، و"عصران" (period) تاريخيان كبيران، العصر القديم والعصر الإسلامي. ويمكن تقسيم هذه العصور التاريخية في الحقبة القديمة، من حيث الوعي القومي، إلى ثلاثة عصور: الأخمينية والبارثية والساسانية. في كل واحد من هذه العصور التاريخية الثلاثة، وجد الإيرانيون نوعاً من التصور عن الوحدة في الكثرة القومية والثقافية، وفي كل عصر جددوا تلك الوحدة. في العصر الأخير من الحقبة القديمة، وعلى الرغم من الهزيمة العسكرية لإيران، انتقلت مجموعة من منابع المنظومة التقليدية، التي دُوّنت في العصر الساساني، إلى العصر الإسلامي. كان انتقال المنابع هذا إلى العصر الإسلامي حالة استثنائية في انتشار الإسلام في سائر نواحي الإمبراطورية، وأتاح إمكانية أن تتمكن إيران من تحرير نفسها من مجال جاذبية الخلافة ونظام الأمة. معنى انتقال منابع التاريخ القومي هذا إلى العصر الإسلامي هو أن الإيرانيين استطاعوا نقل وعي العصر القديم إلى العصر الإسلامي. ما قلته سابقاً من أن محمد بن جرير الطبري أبرز الاستمرارية التاريخية لإيران كان مهماً من هذه الناحية، لأنه رغم أنه كان يكتب تاريخه بعد ثلاثة قرون من ظهور الإسلام، إلا أن منظومته النظرية، بصفته مؤرخاً كلامياً للعصر الإسلامي، لم تكن تسمح له بإدراك معنى التحول الذي كان هو نفسه شاهداً عليه في تاريخ إيران. فهو لم ينتبه إلى هذه النقطة المهمة في تاريخ إيران، وهي أن الإيرانيين، وحدهم، استطاعوا فيما وراء القطيعة التي حدثت في العصر الإسلامي أن يحافظوا على استمراريتهم القديمة.
هذه الاستمرارية في العصر الإسلامي تكتسب أهميتها من أن الإيرانيين، كما قال الطبري نفسه، كانوا الشعب القديم الوحيد الذي امتلك تاريخاً متصلاً. وكانت هذه الاستمرارية في العصر الإسلامي، إن جاز القول، استمراريةً للاستمرارية القديمة ذاتها. وإذا أردت التعبير عن معنى رأي الطبري بلغة اليوم، أمكنني القول إن الإسلام لم يستطع من هذه الناحية إحداث قطيعة في الوعي القومي للإيرانيين، لأن الإيرانيين كانوا في عصر التاريخ القديم يمتلكون وعياً عميقاً بذاتهم، وبوضعهم في العالم القديم، وكان ذلك الوعي قد تغلغل في أعماق نفوسهم وأرواحهم بحيث لا يمكن لأي ريح أو مطر أن ينال من «صخرة إيران الصمّاء» ووعي شعبها القومي. وفي عصر النهضة الإيرانية، بُذلت محاولة لترسيخ أساس هذا الوعي ذاته. يكتب البلعمي في تاريخه أن نبي الإسلام قال إن «العرب انتقموا أخيراً من العجم»؛ وكان الإيرانيون يعلمون أنهم خسروا معركة بالهزيمة العسكرية، لكنهم أدركوا أيضاً أنه بانتصار «العرب على العجم» ثمة حرب أكبر في الأفق، أي، بتعبير البلعمي، «كان على الإيرانيين أن ينتقموا من العرب». والسبب في أن الإيرانيين وحدهم استطاعوا الانتقام من الغزاة، على حد قول الدينوري في تاريخ الطوال: «ديوان»، هو أن الإيرانيين كانوا الشعب الوحيد الذي أنشأ، قبل أكثر من ألف عام، نظاماً للوعي القومي. كان جهاز الخلافة، منذ البداية، يحمل تصوراً عن «انتقام العرب من العجم»، وحين عجز عن إدامة هيمنته على إيران، سلّط الغلمان الأتراك الذين كانوا في خدمة الخلفاء عليها، ولكن باعتناق الأتراك المهاجرين للأدب والآداب الإيرانية، استطاع الإيرانيون مرة أخرى أن يستمروا في وعيهم القومي، ومع انقضاء حكم الأسر الإيرانية من الطاهريين والسامانيين إلى آل بويه، بدأ عصر آخر في بسط الوعي القومي القديم، واستمر بتحولات حتى تهيأت مقدمات الحركة الدستورية. وفي هذا السياق، كان دور الصفويين مهماً، لأن صعودهم تزامن، خصوصاً، مع تقوية خلافة أخرى في روما الشرقية، وكذلك مع ظهور قوى قومية وسياسية جديدة في أوروبا، واستطاع ملوك الصفويين الارتقاء بإيران إلى مقام قوة بين أوروبا والعثمانيين. واستمر هذا الشكل الجديد من الوعي القومي حتى حروب إيران وهزيمتها، وكما أوضحت بالتفصيل في موضع آخر، فقد تهيأت في تبريز، قبل قرنين، أرضية لاكتساب وعي جديد هو شكل الوعي القومي الإيراني في العصر الحديث. وقد وفر انتصار الدستورية وتأسيس حكومة القانون أساساً راسخاً لتقف إيران على أعتاب العصر الحديث.
لم تستطع الكتابة التاريخية الإيرانية حتى الآن أن تكتب تاريخ مراحل استمرارية هذا الوعي الوطني، ولكن، مع ذلك، استطاع نوع من الاستبصار التاريخي والطبيعي أن يستمر، رغم كل الأحداث التاريخية الجيدة والسيئة. هذا الوعي الوطني، بسابقته الطويلة في تاريخ إيران، وكون الأمة الإيرانية قد استطاعت أن تستمر به بشكل طبيعي، ليس أمراً يمكن للحكومات أن تتغلب عليه، أو أن تكيّفه مع الأهداف التي تسعى إليها. تقف إيران كالصخر الجرانيتي على هذا الوعي الوطني ولا يمكن تدميره. كل الحكومات التي حاولت، خاصة في المئتي عام الماضية، أن تحرفه عن مساره الطبيعي نحو أهدافها، وتوظفه، قد باءت بالفشل. ثمة نقطة مهمة في هذا البسط للوعي الوطني الإيراني في هذين القرنين الأخيرين هي أن ذلك الوعي قد اكتسب وجهاً كونياً أيضاً. كانت الثورة الإسلامية، وأيديولوجيتها الشريعاتية-اليسارية، رد فعل على هذا الشكل الجديد من الوعي الوطني الإيراني الحداثوي. جيل، في الفترة ما بين شهريور عشرين وحتى عقدي الأربعينيات والخمسينيات، لم يكن قد استطاع بعد أن يألف هذا الشكل الجديد «فنهض لقتل نفسه فجيعاً»، لكنه سرعان ما أدرك أن تركيب الأيديولوجيا الشريعاتية-اليسارية لا يتوافق مع وعيه الوطني التاريخي. ومع ذلك، وكما أشرت سابقاً، فإن ذلك الجيل الضائع حتى لو استطاع أن يفهم نظرياً كيف أنه «نهض للقتل فجيعاً»، فإنه لم يكن بالإمكان توقع الكثير منه عملياً. هنا، وبتعبير استخدمته سابقاً، وجد الوعي الوطني ملاذاً جديداً. كانت قلوب وأرواح النساء، والشباب عموماً، هي موضع هذا الملاذ. الفرق الأساسي بين الجيل الذي ترعرع في العقد الأخير، في «هذا الزمان الغريب»، والجيل الذي سبقه هو أنه لم يكن لديه هذا القدر من الوهم حتى لا يعرف أنهم «على النار يشوون السوسن والياسمين والكناري». كان هذا الجيل يعرف، وقد تعلمه من آبائه، أن «النور يجب إخفاؤه في مخدع البيت». الآن، خرج هذا الجيل إلى الميدان؛ هؤلاء هم «سربداران» زماننا، وليس لهم رأس يمكن وضع القبعة عليه. هذا الجيل، على خلاف آبائه الذين كانوا يعيشون «عملياً» في العصر الحديث، لكنهم كانوا ينبذونه «نظرياً»، وفي أحدث موديلات سياراتهم كانوا يحلمون «بالعودة إلى المحراث»، يعيش «في الحال»، في عصر هو «معاصر» له حقاً. إنها المرة الأولى في تاريخ إيران المعاصر التي لا يتحسر فيها جيلها الجديد على كربلاءات الماضي الكثيرة، بل، «بيدٍ جامُ بادةٍ وبيدٍ زلفُ يارٍ»، يأتي إلى وسط الميدان مستعداً للرقص. ما يثير الدهشة في ظهور هذا الجيل الجديد، ويجعل الصدام معه صعباً بالطبع، هو أن ساحته الكونية والحداثوية لم تمنع بسط ساحة وعيه الوطني. جيل مختلف من الإيرانيين قد وطئ الميدان، وستنشأ عنه عجائب؛ ما أستطيع قوله هو أنه لن يخرج من الميدان!
النهاية
.
[1] تُرجم هذا المقال في ذلك الوقت إلى الفارسية المكسرة ونُشر في مجلة نكين، برئاسة تحرير محمود عنايت، شقيق حميد عنايت.
[2] نص وترجمة الآية التي أشير إليها هو: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ.» الآية ١٧٨، سورة آل عمران.
[3] أورد هذا الاستعمال «للخطأ» مع الإشارة إلى جملة لرجل السياسة الفرنسي، بوليه دو لا مورث، الذي قال عند سماعه نبأ مقتل دوق آنغين، أحد المقربين من ملك فرنسا المقتول: «هذا أسوأ من جريمة، إنه خطأ!» c’est pire qu’un crime, c’est une erreur أي أن الخطأ في السياسة أسوأ من الجريمة. نُسبت هذه الجملة أيضاً إلى أشخاص آخرين، بمن فيهم تاليران.
[4] في هذه الأيام بالذات، رأى الجميع كيف أن أحد ممثلي المرشد في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وهو أيضاً من الأساتذة البارزين في العلوم الاجتماعية بالجامعة الأم، قال في «تحليل» لامع لشعار المحتجين: «المرأة، الحياة، الحرية» هو ذاته حرية الدعارة للنساء! وفي صورة أخرى خرجت من جلسة المجلس نفسه، رأينا أحد أرباب العمائم يلقي خطاباً، بينما المقام الرفيع لرئاسة مجمع اللغة في البلاد، وفي تجاهل تام للمتحدث، يلتهم الحليم بنهم شديد وكأنه أحد المشردين النائمين في حفرة زنبوركخانه. يبدو أنه كان من المقرر أن تفكر سيدات وسادة المجلس في تدبير للاحتجاجات وأن يقوموا بـ«الهندسة الثقافية»!
[5] في عام 1975، زرت بولندا مع مجموعة من طلاب العلوم الإنسانية الفرنسيين. صادفت الأيام التي كنا فيها في وارسو عيد الفصح المسيحي. في ليلة العيد، بينما كانت بولندا تحتفل بالعام السادس والثلاثين لبناء الاشتراكية، ذهبنا نحن أيضاً لمشاهدة المراسم التي أقيمت في كاتدرائية المدينة بمشاركة رئيس الأساقفة. كانت درجة الحرارة أكثر من عشر درجات تحت الصفر، لكن الإنسان البولندي من الطراز الجديد، الذي خضع لغسيل الدماغ لما يقرب من أربعة عقود، بينما كان يرتجف من البرد كعود الخيزران، اصطف لمسافة كيلومترات خارج الكنيسة ليصل إلى مذبح الكنيسة ورئيس الأساقفة ويؤدي لهما الاحترام. ومع انهيار الاشتراكية، عاد الناس إلى دينهم التاريخي، لأن «الاشتراكية ذهبت، وهم بقوا بل وضحكوا!»
[6] كان الدكتور عبد الحسين عليآبادي، المدعي العام في طهران وأحد أبرز أساتذة القانون الجنائي في كلية الحقوق، أحد مؤسسي حسينية الإرشاد. كان تصوره عن حسينية الإرشاد هو إبعاد الشباب عن «النزعة نحو المادية»، وليس توفير الأرضية لانتصار الثورة الإسلامية. بعد انتصار الثورة، لم يكن له منصب ولزم بيته. كان يعرف من السياسة بقدر ما يعرفها العديد من أساتذة الحقوق الآخرين في الكلية نفسها، وعلى رأسهم كريم سنجابي الذي كان يعرف من السياسة بقدر عليآبادي، لكنه على العكس منه لم يكن حقوقياً مهماً!
[7] في هذا الشأن أيضاً، كما في حالات كثيرة جداً أخرى، بعد أربعة عقود، لم يحدث أي تغيير مهم. كبير المفاوضين للجمهورية الإسلامية في محادثات «برجام» لا يعرف لغة ولا يمتلك أدنى دراية بعلم الدبلوماسية، لدرجة أنه لا يستطيع حتى أن يشرح موقف بلاده للصحفيين، أعني بالفارسية بمساعدة مترجم، لكن هناك فرقاً كبيراً بين تلك المفاوضات الأولى وهذه، وهو أن ممثل روسيا حل محل ممثل الجزائر. هذا الممثل الروسي له هذه الميزة الكبيرة، فهو يتفاوض لمصالح بلاده وفي الوقت نفسه لمصالح بلده على حساب إيران، الأمر الذي يعد أحد تجليات «اقتدار» البلاد ونوعاً من الإبداع غير المسبوق في الساحة الدبلوماسية والعلاقات الدولية.
[8] في مقابلة أجرتها شبكة «راه دانا» الإخبارية مع محمود كاشاني، أستاذ الحقوق، يسأله المحاور بعد أن يسمع الانتقادات الموجهة لاتفاقية الجزائر: «بالتأكيد طالب سنة أولى في العلوم السياسية والحقوق لا يوقع على مثل هذه الاتفاقية؟» يجيب كاشاني: «نعم، هذا صحيح! هؤلاء لم يستشيروا خبيراً قانونياً على الإطلاق، ولم يكن لديهم حتى في مجموعتهم خبير قانوني متمرس. في هذه المفاوضات غير المتكافئة، وعلى عكس جميع القواعد الدولية، بإنشاء حساب بقيمة مليار دولار، قبلوا مسبقاً افتراض إدانة إيران في هيئة التحكيم هذه أيضاً.»
[9] بالنظر إلى ما يجري هذه الأيام في إيران، يمكن إدراك أهمية هذه التنظيرات ومتانة أسسها، حيث لم تمر سنوات كثيرة على صدورها بعد، وقبل أن يحين «موت المؤلف»، ينكرها الواقع العنيد للتاريخ الإيراني بكل صلابة، بحيث لا يجرؤ أي منظر مهذار على الكلام بعد الآن. هذا من عجائب التاريخ الإيراني، حيث أن الكثير من الأجانب أيضاً كونوا تصوراً أدق عنه من الإيرانيين أنفسهم. ومن الأمثلة الملفتة للنظر رأي آرثر دو غوبينو الذي قال إن إيران صخرة صوان لا يضرها الريح والمطر. ويبدو أن صخرة إيران الصوان هي التي تصدت الآن، مرة أخرى، بعد أن عبر الريح والمطر، لتكون ملاذاً لأبنائها.
[10] إذا كان هناك ما يُسمّى بالتاريخانية الإيرانية الجديدة في الجامعة التي عصفت بها الثورة الثقافية، فإن هذه التاريخانية ليست أوروبية حتى، بل هي في الغالب منتجات هراء التاريخانية اليسارية الأمريكية، وهي أحط أنواع التاريخانية. لقد أشرتُ سابقًا إلى حالة يرفاند أبراهاميان وترجمات كتبه التي تُعدّ أيضًا من أهم المصادر الدراسية الجامعية. هذه الترجمات، التي يقوم في بعض الحالات الأساتذة أنفسهم ممن اجتازوا غربال الثورة الثقافية بترجمتها وفرضها على الطالب والجامعة، هي برهان قاطع على فشل الثورة الثقافية والمسعى إلى «الصناعة الثقافية»، إذ أن مدّعيها لا يملكون «ثقافة» «ليصنعوا» بها الناس، فيضطرون إلى اللجوء إلى أكثر المؤرخين انعدامًا للثقافة. ينبغي أن يكون أحد الأهداف الأولى «للثورة» الثقافية للثورة الوطنية الراهنة هو تصفية الحساب مع غسيل الأدمغة هذا للشباب ومع الأساتذة الناطقين بلسان التيارات المعادية للوطن والأجنبية.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١٣ تعليق
ایشان در این مقاله دن کیشوت وار به همه و همه جا حمله کرده و بدون اینکه ماخذی و آدرسی برای سخنانش بیاورد همه را محکوم کرده هرچند که ای ایشان امروز در میان ما نیستند ولی از کسانی که خودشان را پیرو راه او میدانند میخواهم این سوال را بپرسم که شریعتی چه نسبتی با مصباح و یزدی علم الهدی دارد که ایشان وضعیت امروز ما را تقصیر شریعتی میداند
لاتین نه انگلیسی. جالب است که متوجه می شوید که متنی انگلیسی(نه لاتین!) هم می تواند خطا باشد. همین برای من کافی است که فردی prowest در ایران را اینقدر متوجه کنم که نحوه بیان صدق به همراه ندارد. خوب اگر به سطحی بالتر برویم ، اتوریته فلسفه غرب را هم بهش فکر کنید آنوقت هدف من که به فکر انداختن شماست برآورده شده. بهمان علتی که شما فرمودید ، این که کسی از textbookهای "معتبر" دانشگاه معتبر quote بیاورد و یا تحصیکرده غرب باشد و یا فلسفه یا تاریخ غرب بگوید ، نباید باعث غش کردن شما بشود. بشین فکر کن عزیزم ! من بد! professionalism ارائه شده به نام ساینتیسم (نه دانش) را بشناس.
این همه واژه، عبارت و جملههای انگلیسی ترجمهپذیر به کار بردن در متن فارسی چه دلیلی به جز فضلفروشی و ژرفنمایی دارد؟ البته شاید هم تسلط کافی به زبان فارسی نداشته باشی، و مثلاً بزرگشدهی خارج باشی، که در این صورت موضوع قابلفهم است و من عذر میخواهم. اما اگر این زبانپریشی تعمدی است، فکر نمیکنم این حرکات در جهانی که هر نوجوانی تا حدی انگلیسی بلده فضیلت به حساب بیاد.
ناامید شدم آقا جان! ادامه بده جانم! ادامه بده!
authority مرجعیت باصطلاح علمی به جای معرفت ، دانش، مطالعه ، مشاهده و اندیشه نشسته. لحن سخن و intensity جهت گیری و موضع سخنش می تواند نشانگر عدم پایبندی سخنگو به انصاف، دانش و تعمق باشد. یک آکادمیک می تواند فحاش باشد و می تواند اهل مداقه و شنیدن باشد. صرف این که کسی post-doc است (که در مورد طبطبا یی این گونه نیست) در ایران برابر با صدق موضع او گرفته می شود. حال گیریم در علوم طبیعی ان هم در مورد گزاره های مشاهدتی و آزمایشی موردی و تعریف شده در مورد اشیاء این گونه باشد (که نیست) ، یک تحصیلکرده human sciencesبر چه مبنایی توهم صدق و علمی بودن ادعاهای پر از هتاکی اش را دارد؟ طباطبایی را از سطح خود خارج و در نظرگاه فلسفه علم و فلسفه تحلیلی ارزیابی بفرمایید . هیچ از او نمی ماند. با نگاه انصاف و عقلانیت به او بنگرید، ضعف هایش نمایان میشود. منطق جاری در کلامش را دنبال کنید ، بی دقتی و خطاهای بیشمار از آن بیرون می زند.
دوست گرامی آوردن کلمات لاتین در بین شطحیاتی که می بافید باعث موجه شدن و علمی شدن ادعای شما نمی شود.لطفا ادعاهای خود را بی پیرایه و واضح با زبان شیرین فارسی بیان بفرمایید.
موضع آقای طباطبایی در سطحی بالاتر از ارائه نظر و در مقام ارزیابی منطق بیان و شواهد مؤید و شواهد مبطل اشکالاتی دارد: اشکال 1: ملی گرایی طباطبایی قادر به ارائه موضعی قابل قبول و موفق نیست. ملت ایران و ملل دیگر در صورت اتخاذ نگاه و منش و روش برآمده از نگاه طباطبایی در سطح روابط بین الملل دچار تعارض و درگیری می شوند. اشکال 2: طباطبایی تکیه بر صدق و موجه بودن نگاه مللی دارد که با ایران در تعارضندو به ایران در تاریخ تهاجم کرده و باعث صدمات و خسارات سنگینی بر ملت ایران شده اند. به گونه ای سخن می گویند که گویی روابط بین الملل مبتنی بر حسن همجواری است. در صورتی که رئالیسم موضع رایج international relations روابط بین کشورهاست و بسیاری آن را مبتنی بر power politics می دانند. ادعای ملی گرایی با تأیید نگاه نژادی متخاصم با ایران و ایرانی ناسازگار است. اشکال 3: وقتی حتی از رسانه های غربی به راهپیمایی هوادارن حکومت نگاه کردیم باز یورش هواداران مذهبی و یا ملی مذهبی ایرانی ، در کشور دیده شد. دوم، حکومت روحانیون علیرغم تصویری که ژورنالیسم غربی به من و امثال من ارائه می کند دوام پیدا کرد. به نظر نمی رسد جوانانی که پرچم کشورشان ا آتش می زنند و فحاشی می کنند و یا خشنونت علیه سربازان کشور خودشاتن نشان می دهند از سر آگاهی و اندیشه رو به رفتار این چنینی آورده باشند و یا این رفتار manifestation تجسم آگاهی ملی باشد بلکه ظاهرا شواهد ضد ملی در رفتار آن ها دیده می شود.
غیر ایرانی و ضد ملی و شیفته دیکته اینترنتی بودن cause هدف افرادی که در چند ماه گذشته طبق حق آزادی اندیشه و اعتراض با حکومت کشور شما مخالفت کردند شواهدی دارد. نسبت ایرانی و ملی دادن به این cause از مصادیق وصله پینه کردن موضع غیر علمی و غیر منطقی تحصیلکرده های ایرانی است. این که آقای دکتر طباطبایی به یک پیامبر که اصل سخنش برابری همه انسان ها در پیشگاه خدا و نفی تفاوت سیاه و سفید و نژادهاست ، با یک جمله نقل قولی! نسبت انتقام گیری قومی از قومی دیگر می دهند ، نشان دهنده همان تعصب و عدم عقلانیت و بی انصافی دانشگاه ایرانی علیه خود، فرهنگ خود و پدران و مادران و ملت خود است. صدا نت منتشر نمی کند باشد که لااقل خود صدا نت بخواند. شاید احترام به فرهنگ خود و اندیشه پیشه کند.
اعتراضات اخیر را ملی خواندن یک misnomer نام غلط واضح است. آـش زدن پرچم ایران، فحش های رکیک دادن، رفتارهای hooliganism مجرمانه و قتل سرباز و شهروند ایرانی، تبعیت مطلق از رسانه خارجی ، نشانده ملیت است یا غیر خارجی بودن و ضدیت با ملت و کشور ایران؟ نگرانی شدید از وجود اینترنت در میان مخالفین حکومت روحانیون در ایران، آیا نشانه استقلال و اصیل بودن و ملی بودن Cause اعتراضات دارد و یا وابستگی مطلق به بیگانه؟ کوخ نشینان را که سرمایه یک مردم و کشور هستند را ضد ملی خواندن تنها از قشر دانشگاهی بی هویت جویایی شهرت برمی آید. کسی نیست از طباطبایی بپرسد در زمان اضطرار کی از مرزهای کشور شما دفاع می کند؟ نمی توان از طباطبایی انتظار داشت که در سطحی بالاتر یعنی meta-history , meta-politics بیاندیشد . اما برای این که ایشان کمی فکر کند ار ایشان می پرسم که آیا فقط ایران ملت و ملیت دارد یا کل ملل ملتند و ملیت دارند؟ حال اگر ملت داشتن مختص به ایران نیست چگونه با موضع و تعریف طباطبایی بریا ملت و کشور می توان روابط بینالملل موفق و صلح آمیز داشت؟ طبعا جهان نیاز به روابط بین الملل معقول ، حافظ حقوق بشر و صلح آمیز دارد ان چه از دایره تبیین طباطبایی بیرون می افتد صلح بین الملل است چون نگاه او در سرا فرا ملت به جنگ و مخاصمه می انجامد. مهمتر این که در مقابله ملت و امتی که طباطبایی با جهل خود نسبت به conceptualization درک مفهوم امت مطرح کرده باید دید کدام مفهوم معقول، سودمند و کاراست که قطعا امت کارا تر از ملت نظری و تئوریک طباطبا یی است.امت حاوی ملیت نیز هست و امت بود که صدام را کنر زد و کشور ایران را بریا ملت ایران حفظ نمود.
در مقابله ملت و امامت اتفاقا این ملت است که کارا و سودمند تر و معقول تر است و یک پارچگی کشور را می تواند حفظ کند و حتی سیاست های خارجی خود حکومت را نیز بعضا موجه جلوه دهد. این که ادعا می کنید امت صدام را کنار زد و کشور ایران را برای ملت ایران حفظ نمود مربوط به دهه ی ۶۰ و اول انقلاب است . اشتباه شما و طیف همفکران شما این است که فکر می کنید اکثریت ملت ایران همان ملت دهه ی ۶۰ هستند . اکثریت ملت ایران برخلاف دهه ۶۰ و قبل از انقلاب که مذهبی بوده اکنون اگر نگوییم بی دین و لامذهب اما عمدتا غیرمذهبی هستند و تعداد قابل توجهی از نسل جوان که بعضا حتی از اسلام خارج و مرتد شده و به مسیحیت ، زرتشتی و یا بی دینی روی آورده است . برای چنین مردمی و نسلی که اکثرا غیرمذهبی و بعضا لامذهب و بی دین بوده و چه بسا اصلا اسلام و یا هیچ دینی را قبول ندارند شما نمی توانی بر مفهوم امت که یک مفهوم دینی است تکیه کنی چون با آن نمی تواند ارتباط برقرار کرده و بپذیرد . چنان چه بخشی از طیف غیرمذهبی ها و حتی لامذهب ها که به اسلام اعتقاد نداشته و قبول ندارند گرد شخصی به نام امید دانا جمع شده و این طیف که خود را ایران گرایان نوین می نامند طرفدار جمهوری اسلامی و سیاست هایش در منطقه بوده و از آن به عنوان یک حکومت روحانیون دفاع می کنند چرا که آن را موجب اقتدار کشور و ایرانی و کشور ایران و باعث تبدیل شدن ایران به یک قدرت و مطرح شدن وی با سیاست هایش در جهان می دانند در حالی که بعضا نه به اسلام و نه به روحانیون کوچکترین اعتقادی ندارند که مخالف هم هستند . حال جمهوری اسلامی چگونه بر مبنای مفهوم امت این طیف ایران گرای بعضا بی دین و لامذهب اما طرفدار خود و سیاستهایش را می تواند بر مبنای مفهوم دینی امت دور خودش جمع کرده و هم چنان نگه دارد و توجیه کند ؟ به همین دلیل حتی خود حکومت و حاکمیت هم که در ابتدای انقلاب با برکشیدن مفهوم امت اسلامی و ضدیت با مقوله ملیت ایرانی و ملی گرایی بر سر کارآمد اکنون به جایی رسیده است که بر مفهوم امت و امت گرایی چندان تکیه نکرده و در گفتمانش به حاشیه رفته و اگر نه به طور صریح ولی ضمنی و تلویحی بر ملیت ایرانی تاکید می کند . کافی است که نگاهی به مناسبت های مختلف مثل راهپیمایی های حکومتی و انتخابات بیاندازیم که صدا و سیما چه قدر شعرهای وطنی و ملی و در باب ایران پخش می کند . یا کارگردانی مثل آقای مسعود ده نمکی که یک کارگردان ارزشی محسوب می شود و قبلا هم جز گروه انصار حزب الله بود در پایان فیلمی که می سازد ایرانیان و همین طور تیتراژ پایانی اش سرود ای ایران ای مرز پرگهر مرحوم بنان را که از آن به عنوان سرود ملی غیر رسمی هم یاد می کنند نمایش داده و پخش می کند نه سرود رسمی جمهوری اسلامی و یا مذهبی و انقلابی دیگر را ! یا در باب سوریه ته استدلالی که برای حضور و دخالت نظامی کشور ما و موجه ساختن آن برای اقشار مردم می آورند این است که اگر ما برای مقابله و جنگ به داعش نمی رفتیم اکنون باید در داخل کشور و شهرهای ایران با داعش می جنگیدیم و تمامیت ارضی کشور به خطر می افتاد . در این استدلال دیگر جای چندانی برای دفاع از مردم سوریه و نجات ملت این کشور و یا سایر مردم منطقه که جز همین امت اسلامی بوده از چنگ داعش اثری نمی بینیم بلکه در درجه اول دفاع و جلوگیری از به خطر افتادن تمامیت ارضی کشور و ملت و ملیت ایرانی برجسته و مطرح می شود . اینها نشان می دهد که همین حکومتی که بنا به گفته ی ایشان در ابتدا با ضدیت با ملیت ایرانی و ملت ایرانی و برکشیدن مفهوم امت و تکیه و تاکید بر آن بر سر کار آمد و جز سیاست هایش بود ؛ اکنون حال برخلاف تصور آقای طباطبایی دیگر بر همان مفهوم امت و امت گرایی تکیه نکرده و مبنا قرار نداده بلکه بیشتر بر همان ایران گرایی تکیه می کند چون می داند دیگر این امت اسلامی و امت گرایی که زمانی آن را در مقابل ملی گرایی و ایران گرایی برای کوبیدنشان و نفی برجسته کرده بود اکنون دیگر حنایش رنگی ندارد و برای توجیه سیاست های خود و همراهی اکثر مردم و ملت ایران بهتر است به همان ملی گرایی و ناسیونالیسمی که البته برخلاف دوران پهلوی ضد اسلام نباشد و وطن پرستی و همین طور ایران گرایی بچسبد تا امت اسلامی !
اتفاقا بر خلاف ادعای شما مفهوم امت قابلیت کشاندن دنیا به جنگ و مخاصمه را بیشتر دارد تا تکیه بر ملت و ملیت تکیه بر ملت و ملیت زمانی می تواند سبب جنگ و نزاع و درگیری شود که مثل فاشیسم و نازیسم مبتنی بر یک نژاد پرستی افراطی که بقیه ملت ها را مقهور و زیر دست خود بداند باشد . اتفاقا مفهوم امت قابلیت بیشتری برای به خطر انداختن صلح بین الملل و جنگ و درگیری و نزاع بین ملل و کشورها دارد . امت مفهومی فراگیرتر از ملیت و انترناسیونال و در برگیرنده ی ملیت ها و کشورها است تا یک کشور و ملت . لذا یکی اگر یک کشور قدرمتند که قصد توسعه طلبی دارد می تواند به بهانه امت فراگیر صلح بین الملل را به خطر انداخته و با کشورهای اطراف و منطقه ی خود جنگ و نزاع راه بیاندازد . مثلا یک کشور قدرتمند تر می تواند به بهانه ی این که ما امت اسلام یا امت عربی یا امت سیاه بوده و کشور متحده ی اسلامی یا عربی یا متحده ی سیاه باید تشکیل شود با همسایگان خود نزاع کرده و یا اقوام مرزی را تحریک به جدایی طلبی برای پیوستن به خود کند . در واقع با مفهوم امت نمی توان یک پارچگی ملی و اقوام را حفظ کرد . در چارچوب مفهوم امت اقوام می توانند بگویند ما نمی خواهیم جز این کشور باشیم و می خواهیم به همسایگان خود در کشورهای همسایه که قوم و هم زبان ما بوده بپیوندیم . مثلا بلوچ ها به بلوچستان پاکستان ، عرب ها به عراق ، آذری ها به آذربایجان ، ترک ها به ترکمنستان و کردها به کردستان منطقه برای تشکیل یک کشور مستقل می توانند ادعا کنند و شما با تکیه بر مفهوم امت که قادر به حفظ هویت ملی و جمعی کشور نبوده نه فقط که خلع سلاح شده که آب به آسیاب آنها هم خواهید ریخت . اما در باب ملت این گونه نیست . چرا که ملیت اگر چه ممکن است در برگیرنده ی اقوام مختلف باشد اما اگر مثل مثلا زمان پهلوی اول یا رضاشاه یا یوگسلاوی بعد از مرگ مارشال تیتو در چارچوب یک قومیت مثلا فارس ها یا صرب ها قرار ندهیم و نخواهیم اقوام دیگر و زبان آنها را نادیده بگیرم نه فقط تحریک به جدایی طلبی نشده که در قالب همین ملت و ملیت ضمن به رسمیت شناختن تمام اقوام در قالب یک ملت و ملیت مثلا ایران می توان یک پارچگی کشور را در قالب یک ملت و هویت ملی و تاریخی و حافظه جمعی مبتنی بر آن حفظ کرد .
جز فحش و کینه چیزی در حرف های آقای جواد طباطبایی ندیدم اهورا مزدای بزرگ به ایشان آرامش دهد و آثار خشم و نفرت انباشته در کلامشان، را از ایشان دور بدارد.آمین
جواد طباطبايي ، جدا از محتواي نظرات او ، به علت لحن پرخاشگرانه و پر نيش و خار منش او ؛ از عوامل افت فرهنگ گفت و شنود سنجيده در ايران بوده است .