اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى جواد طباطبائي أن النظريات المستوردة، مثل نظرية «ثورة في الثورة» لريجيس دوبريه، هي ما حوّل ثورة 57 إلى حركة معادية للمصلحة الوطنية؛ أفكار تغلغلت في الجماعات اليسارية والدينية، ودون إدراك للمصالح الوطنية، قادت البلاد إلى الدمار.

الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الأول
جواد طباطبائي
«ثورة في الثورة» كان عنوان كتابٍ ألّفه بالفرنسية مثقف فرنسي، هو ريجيس دوبريه، الذي رافق تشي جيفارا في بوليفيا، وذلك قبيل وفاة إل تشي بوقت قصير، وسرعان ما تُرجم إلى لغات أخرى. أتذكر قصة وصول نسخٍ من الطبعة الجيبية للترجمة الإنجليزية لهذا الكتاب. أعتقد أنه كان عام 1345 (1966) حين سرت بعد ظهر أحد الأيام في كلية الحقوق والعلوم السياسية إشاعةٌ مفادها: «لماذا أنتم جالسون هكذا يا رفاق، لقد وصلت نسخ من كتاب ريجيس دوبريه إلى طهران». أقرب مكان إلى الجامعة يصل إليه هذا النوع من الكتب كان مكتبةً في شارع شاه رضا، قبل الوصول إلى ميدان الفردوسي، كانت تستورد الكتب الإنجليزية. كان القلة ممن تعلموا شيئًا من الإنجليزية يترددون عليها بين الحين والآخر. أظن أن صاحب المتجر كان مواطنًا أرمنيًا. انطلقت مجموعات من الكلية خفيةً باتجاه ميدان الفردوسي، وبتكلفة تومانين أو ثلاثة – أي عشرين أو ثلاثين ريالاً من العملة الرائجة آنذاك في الممالك المحروسة، أي ما يعادل ثمن قسيمة أرخص وجبة في الجامعة – اشتروا نسخةً من هذه التحفة الفنية، بينما كانوا ينظرون حولهم، وأخفوها في جيوبهم، وأسرعوا إلى عزلتهم في البيوت ليرووا شجرة نضالهم الثوري بخزعبلات الأرستقراطي الفرنسي. لم يكن ذهني آنذاك قد أصيب بعدُ بما يكفي من العلل لأكون من أوائل من يشترون تلك التحفة الفنية، وإن استطعت قراءتها. مرت بضع سنوات حتى وطئت قدماي باريس. في هذه الأثناء، كان ريجيس دوبريه قد أُطلق سراحه من السجن بضغط من الحكومة الفرنسية، وبعد إقامة في تشيلي إبان حكم ألليندي وانقلاب بينوشيه، عاد إلى باريس، وكان ينظم عمليات حرب العصابات على الضفة اليسرى لنهر السين، ويتعرف بالطبع على «الجاذبية الخفية للبورجوازية».
قرأتُ «ثورة في الثورة» في الأشهر الأولى من دراستي في جامعة باريس، وبالفرنسية. كان هذا البيان السياسي، كما يوحي عنوانه، يشرح أن عصر الثورات الكلاسيكية قد ولى، وأن بالإمكان، عبر حروب العصابات وإشعال «مئات من الفيتنامات»،[1] على حد تعبير استخدمه تشي جيفارا في أحد مقالاته، كسر ظهر الإمبريالية والتغلب عليها. كانت الثورة الكوبية أولى هذه الثورات، وكان إل تشي، الذي كان ككل الثوريين ساذجًا حالِمًا، قد ترك فيدل كاسترو وذهب مع مجموعة إلى غابات بوليفيا، وكان ريجيس دوبريه أحدهم. قصة وقوع تشي جيفارا ورفاقه في الأسر يعرفها الجميع ولا حاجة لتكرارها. لا تخلو هذه القصة من شبه بـ«ملحمة سياهكل» خاصتنا، التي كانت تقليدًا لها وتكرارًا لنفس التجربة المحكوم عليها بالفشل. في كلتا الحالتين، وقع الرفاق في الأسر بمساعدة وهمة أولئك الذين كانوا قد شدوا العزم على تحريرهم. ريجيس دوبريه، بصفته مواطنًا فرنسيًا، لم يخاطر كثيرًا. حكمت عليه حكومة بوليفيا بالسجن المؤبد، ثم أطلقت سراحه بضغوط من الحكومة الفرنسية. ومنذ ذلك الحين، لم «يتراجع» دوبريه كثيرًا، شأنه شأن العديد من الثوريين الذين يتنبهون إلى أخطائهم، ومع وصول فرانسوا ميتران والحزب الاشتراكي الفرنسي إلى السلطة، انضم إلى مستشاريه، وكان عبر دانييل ميتران، الزوجة الرسمية ولكن «الديكور» للرئيس، يقيم الصلة بين حركات التحرر والحكومة الفرنسية. في عهد حكم ميتران، كان لفرنسا حكومة رسمية يديرها الرئيس والاشتراكيون القدامى. كانت هذه الحكومة الرسمية استمرارًا لنفس الحكومة الفرنسية، بصفتها القوة الاستعمارية السابقة. وكانت هناك «حكومة» أخرى داخل هذه الحكومة تعمل بشكل ثوري، ولها صلات بمتخلفي جميع بلدان العالم الثالث، الذين كانوا يعملون في زيّ حركات التحرر. بينما كان ميتران يلهو مع «عشيقته» على نفقة الأمة الفرنسية، كانت زوجته الرسمية تلعب نرد التحرير مع ثوريي العالم الثالث على حساب شعوبه.
لو كانت نظرية «الثورة في الثورة» تنطوي على خطر، لكان هذا الخطر يخصّ البلدان ذاتها التي صيغت من أجل «تحريرها». نظريات التخلّف – أو التخلّف المزدوج – مضرّة في البلدان المتخلّفة، وهذه النظريات هي أيضاً أحد عوامل التخلّف في تلك البلدان. أمريكا اللاتينية مثال صارخ على هذا التخلّف المزدوج في حقبة كانت تُصدَّر فيها النظريات إليها من فرنسا، ومنذ أن زالت مظاهر التخلّف هذه، أو أن الناس هناك رزقوا شيئاً من العقل، لم تعد ثمة حاجة إلى «دحض نظرية البقاء» لمثقفين لم يكونوا يؤمنون البتة بترّهاتهم. لم يكن لريجيس دوبريه، وحلقة يساريي دانييل ميتران، الذي كان ابنه جان كريستوف، بصفته مستشار والده للشؤون الأفريقية، متورطاً في تهريب السلاح إلى أنغولا وحوكم بل وأدين مراراً بتهمة الرشوة، أي اعتبار لدى الأمة الفرنسية، التي لا يسهل خداعها، وقد لفظت تدريجياً كل هذه الجماعات الفاضحة. خطر الخليط العجيب لنظريات التخلّف يكمن في البلدان التي أُعدّت لها. ففي بلد كإيران تحولت «الثورة في الثورة»، عبر إنجليزية مسعود أحمد زاده الركيكة وبيان أمير برويز بويان السياسي، إلى نظرية «الكفاح المسلح استراتيجية وتكتيك معاً» و«دحض نظرية البقاء»، وحينما «تغلغلت هذه النظريات في صفوف الجماهير» الحمقاء، على حد تعبير لينين، التي كان على رأسها أمثال شكر الله باك نجاد، وبيجن جزني، وعلى مستوى أدنى، فرّخ نكهدار، ومسعود رجوي، وغيرهم من المتخلفين ذهنياً، «أصبحت قوة مادية» مدمرة للبلاد. كانت «الثورة في الثورة» تلك نظرية لإفلاس الشعب الإيراني وتخلفه، وقد نجحت في إيران عام 57 نجاحاً كارثياً. من سوء حظ الشعب الإيراني أن ما حدث، وكان نادراً ما يمكن أن يحدث في بلد آخر، قد حدث في إيران، واليوم، بعد أربعة عقود، يمكن القول إنه دمر البلاد تدميراً بحيث إنه حتى لو تغير المسار الحالي، فسوف يستغرق الأمر عقوداً حتى يصبح أي إصلاح في الأمور ممكناً.
لم يكن بوسع «الثورة» في ثورة 57، كما فهمها من ريجيس دوبريه إلى المقاتلين الإيرانيين، إلا أن تكون ثورة معادية للأمة. «تغلغل هذه النظرية» في الجماعات الدينية – من المتدينين الخجلين كالجبهة الوطنية إلى حركة التحرير، ومن الملالي «السياسيين» المسجونين الذين لا يفقهون من السياسة شيئاً إلى مجاهدي خلق الذين قدموا، تحت تأثير أشخاص كعلي شريعتي، قراءة حرب عصابات شمولية للإسلام – زاد من طابعها المعادي للأمة: إذا استثنينا بعض الحالات في طيف الجبهة الوطنية، يمكن القول إن أياً من هذه الجماعات لم تكن لديها أي تصور عن إيران ومصالحها الوطنية. المجموعتان الكبيرتان، اليسار – بقيادة حزب توده وأذياله – والمتدينون، حتى وإن أقروا بذلك لساناً، لم تكن لديهما أي فكرة عن الأمر الوطني. يكفي أن يلقي المرء نظرة على بيانات كل واحدة من هذه الجماعات التي صدرت منذ بداية الثورة حتى احتلال «وكر التجسس» المخزي، وأن يقرأ أخبار التخبط والفوضى أمام ذلك «الوكر» ذاته والمتاحة في الفضاء الافتراضي. حينها سيفهم كيف كانت نظريات التحرر جزءاً من استراتيجية الإمبريالية ذاتها لإفقار أمم كانت لها أعداء داخليون لدودون، وفي لحظة خطيرة تصافحت أيديهم ليدمروا إيران عبر «ثورة» معادية للأمة. ريجيس دوبريه نفسه، الذي ذكرت كل عيوبه، كان له أيضاً هذا الفن في أن يسوّق «الشعب الكردي» للسيدة ميتران. كانت الأمم المتحدة قد خصصت تسهيلات خاصة لـ«الأمم بلا دولة». ولإدراج «الشعب الكردي» ضمن هذه الفئة وتخصيص امتيازات خاصة له، لُقّبت دانييل ميتران بـ«أم الأمة الكردية»، وألقى جيلبير ميتران، ابن دانييل الآخر، خطاباً في «برلمان إقليم كردستان». من البديهي أنه لا الأم ولا الابن كانا قد سمعا شيئاً عن الشعب الكردي قبل أن يُقرر، بتوجيهات اليسار الفرنسي المتطرف، من جان بول سارتر إلى دوبريه هذا، وتضحيات أتباعهم المحليين، تغيير خريطة الشرق الأوسط، لكن مصالح فرنسا كانت تقتضي أن تقع أحداث في المنطقة، وقد وقعت!
برماد «الأيديولوجي» الذي ذرّه آل أحمد وشريعتي ومن على شاكلتهما في عيون الإيرانيين منذ سنين خلت، كان قد أعمى أبصار كثيرين منهم أو أضعفها، وحين دُفعوا تحت راية «الأمّة ـ الخلق» لم يستطيعوا أن يبصروا تحت أيّ راية وكتلة يضربون صدورهم. ما لم يكن يعلمه لا طيف الجماعات اليسارية ولا طيف الجماعات الدينية هو أن «الثورة» في ثورتهم وقعت في بلد له دولة وطنية عريقة، وأن من الممكن أن تقع في «ثورتهم» ثورة أخرى يوماً ما. مثل هذه الثورة، لو كانت قد وقعت، أو لو وقعت، يمكن أن تعني الهزيمة النهائية لكلا الطيفين. منذ عقود، كان هذا الحدث يقع تحت الأرض، لكن ثمّة نوعين من العِصابة على العينين – عِصابة الإله وأيديولوجيا الحرب الثورية، وهي الجمرة الخبيثة لعقل الإنسان ووعيه – لم يسمحا بأن يُرى. في رأيي، حتى الله سبحانه يترك «ورثته على الأرض» لشأنهم في موضع ما، أي إن شئنا القول إن المشيئة الإلهية لا تعمل أيديولوجياً لتكون سنداً لكل حماقة ورثتها. تلك الثورة التي كان ينبغي أن تقع في «الثورة»، إنها تقع هذه الأيام في إيران. في أحداث السنوات الأخيرة، كان واضحاً لمن كان له بصر أن «الجمع من قارعة الطريق» هو أسوأ حلّ ممكن. إن أردت أن أتحدث بلسان أهل «الجمع» أمكنني أن ألفت نظرهم إلى آية من سورة آل عمران.[2] السعي لتحويل واحدة من أعرق الأمم إلى أمّة ـ خلق كان أكبر خطأ ارتكبه الطيفان الديني واللاديني في ثورة 57. كل وقائع الأيام الأخيرة – والأشهر والسنين التي سبقتها – دليل على هذا التحول العظيم في البلاد، وهو أن أمّة إيران قد أنجزت ثورة «وطنية» في الثورة وهي تمضي بها قُدُماً. هذه «الثورة الوطنية» لم تكن ممكنة إلا في إيران، والآن وقد أصبحت ممكنة فهي ماضية. هذه الحركة الوطنية بحاجة إلى شرح سأورده في تتمة المقال.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الثاني
جواد طباطبايي
إن سيرورة تحول قوم – أو أقوام – إلى أمة سيرورة معقدة وشائكة، ومتى تحول قوم تاريخياً إلى أمة فلا سبيل إلى إرجاعه إلى الوراء. وعلى العكس من ذلك، فالأمّة ليست أمراً تاريخياً؛ يمكن لجماعة أن تتخذ صورة الأمّة في زمان وبشروط خاصة، وأن تبقى حيناً، ثم تذهب بعد ذلك كالدخان في الهواء. كل أمّة قائمة بشخص ذي فرّ إلهي، وبأفوله تفنى، لأن الأمّة ليست أمراً تاريخياً، بل هي أمر معنوي. ثم إن تشكّل الأمّة كان ممكناً في الحقبة ما قبل الحديثة، ومع بزوغ العصر الجديد يكون زمانها قد مضى إلى الأبد. وغني عن القول إنه يمكن أن توجد في البلدان التي لم تدخل بعد العصر الجديد بقايا من واقع الأمّة، غير أن وجود هذه العناصر ما قبل الحديثة لا يمكن إلا أن يحول دون تحقق سيرورة التحديث الكاملة. إن معظم البلدان التي تقع خارج مجال جاذبية الغرب لا تزال، بدرجات متفاوتة، غارقة في بقايا الأمّة هذه ومقولاتها ومباحثها. إن بقايا عناصر من نظام الأمّة هي بمثابة عوائق تعمل في وجه التحديث وفكره، وما لم تتم تصفية حساب حاسمة مع هذه العوائق فلن يُمهّد الطريق لتحقق الحداثة.
في إيران، مع انتصار حركة المشروطة، بدأ العصر الإيراني الجديد. وكما يمكن أن نستنتج من مداولات المجلس الأول، كان هذا المجلس الأول بمثابة مكان لصياغة نظرية للتجدد الإيراني. إن أول أمر ظهر في هذا المجلس، كما أوضحت في مكان آخر، هو «الأمر الوطني»، وكان منطق هذا «الأمر الوطني» ذاته هو الذي يحدد شؤون البلاد الأخرى، وكان تدوين الدستور ونظام القوانين – أو حكم القانون – في صدارتها. في إيران، كان هذا الأمر الوطني أمراً تاريخياً. على خلاف كثير من بلدان العالم الإسلامي، وحتى بلدان أوروبا الغربية، التي كانت مناطق من الأمة المسيحية أو الإسلامية الكبرى، استطاعت إيران أن تحافظ على استقلالها «الوطني»، وأكثر من ذلك، أن تصوغ «رواية» لهذا الاستقلال «الوطني»، وهو أمر لم يحظ باهتمام كبير حتى الآن. نعلم أن الإيرانيين «أسلموا» بشكل أو بآخر، ولكنهم، بتعبير استخدمته في مكان آخر، «لم يؤمنوا». لا أعني بذلك أن الإيرانيين لم يكونوا مسلمين، ولكنهم بهذا الإسلام نفسه صاغوا رواية تاريخهم و«هويتهم» ومضوا بها قدماً. النموذج البارز لهذه الرواية هو ما ورد في الشاهنامه الذي يعبر عن «الذاكرة» التاريخية للإيرانيين.
نعلم أن الإيرانيين، في العصر الإسلامي، أقبلوا مبكرين جداً على كتابة التاريخ وسعوا لفتح مكان لماضيهم التاريخي في التاريخ «العالمي»، لكن صياغة هذه «الذاكرة» التاريخية لم تشمل كل تاريخ إيران. كان أحد مصادر هذه التواريخ الأولى هو «خداينامهها» العائدة للعصور القديمة، لكن الفردوسي استفاد من هذه الخداينامهها بشكل آخر وقدم على أساسها «ذاكرة» تاريخية، روايةً عن «الذاكرة» التاريخية للإيرانيين. أحد وجوه تميز إيران عن البلدان الأخرى هو هذا التماس الشرعية المزدوج القائم على «الحافظة» و«الذاكرة». منشأ ما أسميه «الأمر الوطني» هو هذا التماس الشرعية المضاعف. لقد أصبح التحول التدريجي للقوم – والأقوام – الإيرانيين إلى أمة ممكناً في مثل هذه الظروف منذ أقدم العصور. القوم – والأقوام – الإيراني، الذي لم يكن أبداً جزءاً من أية أمة، استطاع، على أساس هذا «الأمر الوطني» ذاته، أن يخلق نظاماً من واقع تاريخي يُعبّر عنه في العصر الحديث بـ«الأمة». هذا «النظام» القومي في إيران نشأ بالاعتماد على تمييز وجهي التماس الشرعية، وتحول في تطوره التاريخي إلى أمة.
القومية الإيرانية، مثل «الأمر الوطني» الذي هو أساسها، على خلاف ما قلته عن الأمة، هي أمر تاريخي، أي أنها تكونت تاريخياً وفي التاريخ، واستطاع الإيرانيون أن يسقوا غرستها بـ«الذاكرة» التي وجدوها عنها: «زين آتش نهفته که در سينهٔ» ماست ...! يكمن سر فهم معظم أشعار حافظ في «سینهٔ منی که ماست» هذه. السبب في أننا نفهم حافظ ولا نفهمه في آنٍ معاً يكمن في هذه النقطة الدقيقة. من الناحية «الوطنية»، «نحن» جميعاً، بالحدس، كنا حافظاً، ونحن كذلك، كما كان حافظ نحن؛ هذا «الأمر الوطني»، تلك «النار الكامنة»، حملناها جميعاً في صدورنا وما زلنا نحملها. يمكن أن تلحق بكل أمر تاريخي، في تطوره التاريخي، أضرار جسيمة، ولكن إذا كان المسار التكاملي للأمة قد بلغ كماله، فإنه لا يمكن أن يتعرض للانهيار من الداخل. الأمة تنهار من الداخل بـ«ارتحال» الشخص صاحب الفرّ الإيزدي ولا يمكن تجديدها، في حين أن الأمة التاريخية، بتعبير ريتشارد فراي، كشجرة السرو التي تنحني مع كل ريح ولكنها لا تنكسر. لا أريد أن أدخل في التفاصيل هنا، بل أسعى لتقديم المقدمات الأولية التي تمكننا من أن نفهم كيف بدأت فجأة «في سماء» أمة-محورية ج.ا. «الصاعقة الزرقاء، رعود الثورة الوطنية تدوي». لقد كنت، منذ أكثر من عقدين، وبفهمي لتاريخ «الأمر الوطني»، ألفت الأنظار إلى هذا النهوض «لعنقاء إيران من رمادها» – بتعبير زرينكوب في تاريخ الشعب الإيراني. في مقالة كتبتها سابقاً هنا بخصوص التصريحات الدرية لأحد نواب رئيس الجمهورية الذي قال: «نحن أصلاً لدينا مشكلة مع الدولة والأمة»، كتبت أن هذه «الدولة» قد «وصلت من أناس إلى أناس لا خير فيهم»؛ سيمضي هذا النهيق من حميركم أيضاً! لماذا؟ لأن من هم أكبر من حميركم قد سيطروا على هذا البلد وحكموه، لكن لا العرب، ولا الترك، ولا المغول، ولا الغلزايون ما قبل الطالبان تجرأوا على أن تكون لديهم مشكلة مع قوميتنا «نحن». يمكن أن يُسأل: لماذا؟ جوابي هو: لأنهم حتى هم كانوا يعلمون أين يحكمون.
إن الثورة الوطنية الراهنة هي ذات "الأمر الوطني" التاريخي لإيران الذي برز فجأة من تحت رماد الثورة الإسلامية. إن مشكلة الحكم مع أمثال أحمدي نجاد ورئيسي، في الحكومة أحادية اللون، تكمن في أنها توكل الأعمى ليقود عمياناً آخرين، ولا تخطر ببالها الهاوية المخيفة التي تنتظرها. إن إعلاء شأن سكان الأكواخ هو أيسر سبل الحكم، ولكن ينبغي لهؤلاء أن يكونوا قادرين على الحكم في زمان ومكان هما عصر الحداثة وعصر القوميات. إن سكان الأكواخ، كما يوحي به اسمهم، كائنات لا وطن لها، ولأن لا وطن لها، ولا تعرف ما هو الوطن، فإنها تدمره. لقد قال ابن خلدون، الذي كان عربياً أصيلاً ولم يكن في زمانه شيء عن العرب إلا ويعرفه، إن العربي ليس كائناً مدنياً ولا يعرف ما هي المدينة، وحين يسيطر على المدن، فإنه يدمرها لكي يتمكن من البقاء حياً. ومن البديهي أن التدمير الكامل للمدن لم يكن ممكناً في أي مكان، وهذه المدن ذاتها هي التي بقيت وانتقمت من العرب: أفسدتهم، ودُمرت العصبية العربية. لقد كتب ابن خلدون مقدمته للتاريخ لشرح هذا الاضمحلال للعصبية. نحن لم نتمكن بعد من شرح ما الذي فعله سكان الأكواخ بالقومية الإيرانية، ولكن أليست هذه النهضة الوطنية هي ذاتها الشرح بالفعل؟ أنا أعتقد أنها كذلك. إن هذا الإجماع المذهل لجميع أفراد أمة عريقة يدل على أنه في عصر القوميات يمكن إسكات منطق الأمر الوطني لبعض الوقت، لكن التغلب عليه ليس ممكناً.
الثورة "الوطنية" في الثورة الإسلامية
القسم الثالث
جواد طباطبايي
إن الثورة "الوطنية" الإيرانية هي من خصائص إيران، بوصفها إيرانشهر، التي سعيتُ منذ عقدين أو ثلاثة إلى الإشارة إلى بعض وجوهها. لقد وجدت الأقوام الإيرانية، منذ أقدم أيام تاريخ هذا البلد، تحت لواء ثقافتها الشاملة وحدةً يُعبَّر عنها في القرون الأخيرة بالأمة. هذه الوحدة "الوطنية"، بوصفها وحدة ثقافية، على الرغم من التوترات التي شهدتها دوماً كجماعة، كانت لها أيضاً هذه الخاصية الجوهرية المهمة، وهي أنها في الفترات الحساسة من تاريخ إيران فصلت نفسها عن "الدولة" وحافظت على أساسها القومي. إن انهيار إيران، في غزو الأفغان، وقصف المجلس بالمدافع، ومحاولة احتلال إيران مرة أخرى بالاعتماد على الجنود الروس، هي من نماذج عدم اكتراث الأمة بالنظام الدولتي الذي لم يكن وطنياً: إذا كانت الدولة لا تملك القدرة على حفظ الوحدة الوطنية والدفاع عن حقوق الأمة، فلا ضرورة لأن يهدر الناس دماءهم للحفاظ على رجال الدولة. ليس مدعاة للعجب أنه حين سقط الشاه سلطان حسين وظهر نادر للدفاع عن جماعة الأمة، انضم قسم كبير من الناس الذين كانوا قد أداروا ظهورهم للصفويين إلى جنوده وتركوا الشاه تحت رحمة مجنون أفغاني ليدافعوا عن الوحدة الترابية للبلاد. وكان ثمة وقت مقدَّر لالتحاق العامة بنادر هذا أيضاً، وحين آل أمر نادر إلى المغامرة قطعوا رأسه في ليلة، وفي اليوم التالي كان ذلك الرأس مرمياً تحت أقدام الأطفال. من خصائص ظهور أمة كهذه أنها لا تعتبر كل دولة دولة "وطنية". إذا جاز القول، فكل دولة تكون دولة "وطنية" ما دامت تضطلع بمهمة تأمين حقوق الأمة. من خصائص تاريخ إيران أن جماعة الأمة كانت أمراً أكثر جوهرية من دولتها. إن معظم مربي الحمير الذين حكموا إيران لم يكونوا يعرفون أن الإيراني يعتبر نفسه متولياً "للدفاع عن جماعة الأمة" لا لحماً لمدافع الدول المغامرة! ومن النماذج الجديرة بالانتباه إقبال العامة على الذهاب إلى الجبهات في بداية الحرب وإدارتهم الظهر للجبهات حين تم تحرير تراب البلاد، ولكن مغامرات الجمهورية الإسلامية، لأسباب ليست موضوع بحثي، أرادت أن تواصل الحرب بوصفها "نعمة". قبل أن يظهر التمييز المفهومي بين الدولة والمجتمع في الفكر السياسي وفي العلوم الاجتماعية الحديثة، كان الإيرانيون، على الدوام، يمتلكون نوعاً من الوعي بالتمييز بين الدولة وجماعة الأمة.
في إيران، لهذا الوعي بـ«حقوق الأمة» سابقة طويلة، وإن لم تكن التيارات المناهضة للوعي قليلة قط، تلك التي كانت تتشبث، في كل مناسبة، بأذيال «المشايخ والمراجع» لتنصح الدولة التي كانت هي جزءاً منها بأن تؤمّن حقوق الناس. من البديهي أن هذه الكلمات الجديدة التي أستخدمها هنا كلها منحوتات حديثة، لكن لا جديد إلا وله سابقة في القديم. لكل عصر مستواه من الوعي الذاتي، وفي إيران، كانت الثقافة أهم أداة للتصدي للنظام الأيديولوجي للدولة. في إيران، كانت الوحدة «الوطنية» على الدوام وحدة ثقافية «وطنية» على صعيد مجتمع الأمة، ولكن في حركة المشروطة (الدستورية) أولاً، ومع انتصار المشروطية، نشأت صورة جديدة من الوعي الذاتي. مع المشروطية، تجلت الثقافة في صورة المطالبة بالقانون. إن كون إيران كانت تفتقر إلى نظام حقوقي سليم حتى انتصار المشروطية له تفصيل لا يمكن الخوض فيه هنا، لكنني أشير فقط إلى أن المتولين لإدارة قسم كبير من النظام الحقوقي للبلاد كانوا هم «المشايخ والمراجع» أنفسهم، الذين كانوا يفسرون قانون الشرع وفقاً لأهوائهم وفهمهم، أي أنهم كانوا يضحون بنظام مجتمع الأمة في خدمة مصالحهم وللحفاظ على الدولة. سابقاً، في العصر القديم من تاريخ إيران، حين لم يكن للإيرانيين الأدوات اللازمة للتصدي للعواقب غير المرغوبة لهذا النظام الحقوقي، كان الأدب الفارسي ميداناً للنضال ضد «المشايخ والمراجع»، ولكن مع بداية العصر الحديث، وتعرف الإيرانيين على المفاهيم الجديدة، حل النضال من أجل الحقوق محل الأدب الفارسي. كانت حركة المشروطة من هذا الحي ث بداية العصر الحديث من تاريخ إيران، إذ وضعت أداة جديدة في متناول الأمة لتتمكن من تأمين حقوقها. بهذا النظام نفسه، دخلت الحقوق في إيران عصرها الحديث، وترسخ أساس «الأمة» الواحدة، وبلغت الأمة رشد وعيها الذاتي. كان النظام الحقوقي الجديد أهم إنجاز حققته الأمة الإيرانية، لكن كل قوى ظلمات القرون الوسطى، التي كانت قد تراجعت بانتصار المشروطية وإعدام الشيخ الشهيد، عادت إلى الميدان مرة أخرى.
كانت الثورة الإسلامية انتقام «المشايخ والمراجع» من نظام حكم القانون. هذه الثورة، في البداية، استطاعت بنثر رماد أيديولوجيا شريعتي اليسارية في عيون الناس أن تحرمهم من الرؤية. في العقدين الأولين بعد الثورة، كان يُوحى بأن زمن الدول الوطنية قد ولى. كان هذا مسعى لتخدير موضعي لأمة كان دوار الثورة قد استولى عليها. مسعى تحويل الأمة إلى أمة (بالمعنى الديني) ـ وفي النهاية جزء من أمة أكبر ـ مؤلفة من جماعات عديمة الهوية، مشتتة، بدائية، وقبل كل شيء، عدوة للأمة الإيرانية، كان محكوماً عليه بالفشل منذ البداية، لكن أيديولوجيا شريعتي اليسارية لم تحرم الناس من نعمة البصر فحسب، بل إن صانعي تلك الأيديولوجيا أنفسهم كانوا ضحايا أيديولوجيتهم ولم يستطيعوا أن يروا على أي كثيب من الرمال المتحركة جلسوا، وحين تبدأ العاصفة بالهبوب لن يجدوا بعدها مكانهم ولا وجهتهم. إن كون وتيرة الاحتجاجات الشعبية، لأناس وعوا حقوقهم المفقودة، قد تسارعت في السنوات الأخيرة، بينما يزداد الحكام تيهاً يوماً بعد يوم، وإن كان لا يصدر صوت من أسرة شريعتي الجليلة والشريعتيين، والتحالف المشؤوم لليسار الوطني، كل هذا، علامة على تلك الحقيقة المفجعة من تاريخ إيران المعاصر، وهي أن الفاعلين والمحركين للتحولات السياسية كانوا مؤلفين من جماعات من المتخلفين ذهنياً، من الفدائي، والمجاهد، وپيكار، والتودهاي، إلى الجماعات الدينية الصغيرة، الذين كانوا جميعاً يحملون المعاول مستعدين لتدمير البلاد، وأساس قوميتها، والدولة الوطنية، لكنهم لم يكونوا قادرين حتى على وضع لبنة أو لبنتين فوق بعضهما. برأيي، وراء كل التفسيرات التي يمكن تقديمها للفشل الراهن للجمهورية الإسلامية، تبرز هذه النقطة بأهمية أكبر، وهي أن نهج المسؤولين فيها تجاه القومية الإيرانية كان دعوة لنا إلى انتحار جماعي. من البديهي أن مثل هذه الدعوة في بلد له مثل هذه السابقة التاريخية والوعي الوطني لم يكن من الممكن أن تُستجاب على المدى الطويل. أظن أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية ليس لديهم أي برنامج آخر للحكم سوى هذه الدعوة الواحدة. برهاني القاطع على هذا الادعاء يكمن في هذه الإشارة إلى دعوة مجلس صيانة الدستور المتجددة بأنهم، كما يزعمون، «يصرون على تنفيذ أحكام الشرع». أليس هذا «الإصرار» نفسه نوعاً من الدعوة إلى انتحار الجمهورية الإسلامية؟ المسؤولون أدرى!
لقد أظهرت الأحداث الأخيرة بوضوح أنه من بين جموع تلك المنظمات والجماعات والزمر لم يتبقَّ شيء سوى «ناشطين سياسيين» في غاية التوسط و«محللين للشؤون الإيرانية» لم يعودوا موجودين. في العديد من الثورات الأخرى، من فرنسا إلى ثورة أكتوبر، ظهر قادة فكروا كيف انحرفت ثورتهم عن مسارها؛ أما نشطاء المنظمات اليسارية والدينية في إيران، الذين هم، كما رأينا جلياً على مدى الأربعين عاماً الماضية، أكثر تخلفاً واحداً تلو الآخر، فقد التحفوا بغطاء في تقليد السياسة الإيرانية المعاصرة، ويعيشون في خيالاتهم أياماً كان بإمكانهم فيها أن يتسكعوا وبأيديهم روايات ج. ث. في شوارع طهران، وكان فوكو يكتب: «ليس لدي أدنى شك في أن هذه الأيدي التي ارتفعت هكذا لا يمكن أن تُهزم». وبما ينطوي عليه من بلاهة، لم يكن بوسع فوكو، وأولئك الذين فتنوا بغوايته، إلا أن يُهزموا. لم يكن فوكو ولا المفتونون به يعرفون أي بلد هي إيران ولا أي قومية هي القومية الإيرانية. هذا البلد وهذه الأمة اللذان بذل الكثيرون جهدهم لشرح أنهما لم يكونا موجودين قط، لأنه كان بلداً وكان أمة في آن، ولا يهم ما يمكن أن تنسجه العلوم الاجتماعية الحديثة من سفسطات بشأنهما، قد نقض الآن كل حججهم. إن الثورة الوطنية الإيرانية في طريقها، ويمكن فهمها، ولكن يمكن أيضاً «الإصرار». ومن البديهي أن الثورة ستمضي في طريقها في هذه الحال. وحين تدور عجلة الثورة، فلن يستطيع أي «إصرار» إلا أن يُسحق تحتها.
كلا! لم يعد لهذا الثلج من سبيل إلى التوقف!
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الرابع
جواد طباطبائي
إن الثورة الوطنية، على الرغم مما يريد معارضوها من كل الأطياف أن يوهموا به، هي ثورة لتأمين حقوق أمة تاريخية. والحظ يحالف إيران والأمة الإيرانية، إذ يتجلى «الأمر الوطني» في كل مناسبة بصورة أخرى، ويكون بمثابة الملاك الحارس لوجودنا الوطني. إن للأمة، بصفتها مجتمعاً مدنياً، مطالب في العصر الحديث. ففي البلدان الديمقراطية ـ لا «حكم الشعب» الذي هو، على حد قول أفلاطون، سيطرة الرعاع على المجتمع ـ تمثل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني هذه المطالب، وتُحصل جزءاً منها أو كلها في إطار علاقة القوى القائمة. إن المجتمع المدني الحديث هو اجتماع لجماعات الحوار والمساومة، وهذا الانفتاح الدائم لباب الحوار والمساومة هو الذي لا يسمح لأي توتر بأن يتحول إلى أزمة في أعماق المجتمع فتدمره من الداخل. وما يحدث اليوم في إيران، والذي أستطيع القول إنه أثار دهشة ليس الإيرانيين أنفسهم فحسب، بل العالم أجمع، يمكن فهمه في ضوء هذه النقطة في الفكر والفلسفة السياسية الحديثة. كنت قد أشرت، مرة أو مرتين، في الأجزاء الأولى من هذه المذكرات، إلى ذر الرماد الإيديولوجي اليساري ـ الشريعتي في عيون الناس، وإلى العمى العابر للشعب الإيراني. وكنت قد قلت سابقاً أيضاً في واحدة أو اثنتين من رسائلي الأخيرة إن «الأمر الوطني» كان قد تكون في إيران منذ قرون، وأوضحت هناك أيضاً أن أول مكان تجلى فيه هذا «الأمر الوطني» بصورة مستحدثة كان مجلس الشورى الأول في العصر الدستوري، وعلى أساس هذا «الأمر الوطني» ذاته تم تدوين النظام القانوني لأمة، مما حول إيران إلى بلد حديث، «في عداد الدول الدستورية».
به این اعتبار، نخستین «انقلاب ملّی» ایران مشروطیت بود که با تدوین نخستین قانون اساسی ایران را «در عِدادِ دُوَلِ مشروطه» درآورد. میدانیم که دستخط مشروطیت را مظفرالدین شاه صادر کرد و دستور داد مجلس شورای ملّی تشکیل شود. تا اینجا، بخش بزرگی از مطالبات مردم با گفتگو و چانهزنی به دست آمد. در این مرحله جنبش مشروطهخواهی مردم ایران از نوع انقلابهایی بود که فیلسوفان سیاسی آنها را «انقلابهای برای تاسیس آزادی» نامیدهاند. در ایران، چنین انقلابی، که یکی از نویسندگان عصر مشروطیت آن را «انقلاب سفید» نامیده و گفته است که با کودتای محمدعلی شاه و به توپ بستن مجلس «به انقلاب سرخ تبدیل شد»، یعنی درِ گفتگو و چانهزدن بسته شد و غرش توپها بر مطالبۀ حقوق سایه افکند، گامی بزرگ به سوی ایجاد نظام حکومت قانون بود، اما نیروهای کهن و فرسودۀ سلطنت قاجاری و روحانیت مندرسی، که کاری جز وصله انداختن بر دلق مُرقَّع خود نداشت، آرایش نویی به سپاه جهل و تاریکی دادند تا بتوانند آب رفته را به جوی آرند که نشد و حتیٰ از یاری سالداتهای روسی هم آبی گرم نشد. بدین سان، نخستین «انقلاب ملّی» ایران پیروز شد و مردم توانستند حقوقی را که از سدههای پیش از آنان گرفته شده بود بازپس گیرند.
با توجه به رخدادهایی که از آن پس اتفاق افتاد، گاهی از شکست مشروطیت در ایران سخن گفتهاند. این تعبیر، در اطلاقِ آن، سخن درستی نیست، زیرا آنگاه که یک بار حقوق به دست آمد بازپس گرفتن آن کار آسانی نیست، و حتیٰ ممکن نیست. وانگهی، حقوق هرگز یک بار برای همیشه به دست نمیآید؛ به دست آوردن حقوق روندی طولانی و مسیر آن نیز راهی پرسنگلاخ است، زیرا حقوق از مقولۀ آرمانشهرها نیست که، شاید، یک بار برای همیشه و در تمامیت آن تحقّق پیدا کند و البته همۀ آن نیز به یکباره از دست برود. حقوق از واقعیتهای سخت اجتماع انسانی و برآیند رابطۀ نیروهاست؛ در زمان و مکان مناسبت، به دست میآید و گاه ممکن است همه و یا بخشی از آن تعطیل شود، اما آنچه در روند کسب حقوق اهمیت دارد آگاهی از آن است که با زوال احتمالی همه یا بخشی از حقوق نابود نمیشود. عامل تحول تاریخی آن حقوق نیست، این خودآگاهی است! فهم این نکته برای اهل ایدئولوژی و پاسداران نظام کهنه آسان، یا حتیٰ ممکن، نیست. در تاریخ ایران، دو فردی که تجسم چنین جهلی بودند همانا شیخ فضلاﷲ و محمد علی شاه هستند. اگر آنان بهای گزافی به این «اصرار» در جهل خود پرداختند به سبب این بود که آنان به بازپس گرفتن تنها بخشی از حقوق مردم رضایت ندادند و گمان میکردند که حتیٰ پذیرفتن بخشی از حقوق مردم میتواند رخنهای در ارکان فرسودۀ «دو شعبۀ استبدادِ» دینی و سیاسی (تعبیر میرزای نائینی در همان زمان) ایجاد کند. زمانی که تنها فرمان مشروطیت صادر شده بود، رابطۀ نیروها در ایران و منطقه به گونهای بود که هنوز این امکان وجود داشت که بتوان دامنۀ حقوق را محدود نگاه داشت، اما آنگاه که غرش توپها بلند شد و با بسیج عمومی مردم لولههای توپ مردم در برابر لولههای توپ نیروهای استبداد قرار گرفت تردیدی نبود که استبداد محتوم به شکست است.
على أية حال، اليوم، وبعد ما يقرب من مئة وعشرين عامًا على انتصار المشروطية، تحولت حقوق الشعب الإيراني، ووعي الشعب بحقوقه، إلى كلٍّ لا يتجزأ. لا ينبغي لأوهام منظّري أيديولوجيا الثورة الإسلامية، من آل أحمد وشريعتي إلى الأساتذة الكبار والصغار الذين أفرزتهم الجامعات التي مررت عبر مصفاة الثورة الثقافية، أن تخدعنا ــ وبالطبع رجال الحكم ــ بأن الشعب عليه واجبات كثيرة، لكن لا حقوق له. كانت حركة المطالبة بالمشروطة للشعب الإيراني ثورة وطنية لاستعادة حقوق الأمة من «شعبتي الاستبداد». كان الانتصار المهم لتلك الحركة، رغم ما جرى عليها وعلى أنصارها، هو إنشاء النظام القانوني ومؤسسته، أي القضاء. لقد أظهر التاريخ المعاصر أن الشعب الإيراني لم ينسَ قط نتائج هذا الانتصار. وفي هذا الشأن أيضًا ــ وبخاصة في هذا الشأن أيضًا ــ «ليس الصمت دليل نسيان». رجال الدولة الذين لا يعرفون شيئًا عن الدولة ولا يمتلكون فهمًا واضحًا لطبيعة الذاكرة الجمعية لأمة يحكمونها، يظنون عبثًا أن كل صمت هو دليل نسيان. من أبرز سمات العصر الحديث أن الإنسان المُكلَّف تحول إلى إنسان ذي حقوق؛ إن جوهر ــ أو طبيعة ــ إنسان العصر الحديث، الذي نسج الفلاسفة النظريات حوله لقرون، هو حقوقه الإنسانية. الإنسان الذي كان في الماضي «ذئبًا للإنسان»، تحول بالحقوق، وبتعبير أقل شهرة لتوماس هوبز نفسه، إلى «إله للإنسان» آخر. إن سلب هذه الحقوق من إنسان العصر الحديث هو تحويل له من «إله» إلى «ذئب». حينما تُمنح حقوق الشعب مرة واحدة ــ أي حين يأخذ الشعب حقوقه، كما أخذها في المشروطية ــ لا يمكن سلبها بعد ذلك. «الخديعة» في مثل هذه الظروف ليست علامة دهاء؛ إنها دليل جهل بطبيعة المجتمع في العصر الحديث والإنسان الجديد. الشعب الذي يصبح واعيًا بحقوقه ــ ويكون قد مضى على تكون هذا الوعي قرن من الزمان ــ هو أمة لا تُقهر؛ يمكن التفاوض معها ــ والمساومة ــ في ظروف متكافئة، لكن لا يمكن خداعها بـ«حيلة» وسلب حقوقها.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الخامس
جواد طباطبايي
قلت إن الثورة الوطنية هي «ثورة في ثورة» أمة تاريخية لاستعادة حقوقها التاريخية المفقودة. هذه «الثورة» هي حركة في الاتجاه المعاكس للثورة التي تسببت سابقًا في فقدان حقوق الأمة. الثورة الوطنية، بالمعنى الذي أستخدمه، وفي تداولها الأقدم في أوروبا مطلع القرن العشرين، هي ثورة أمة، وكذلك حركة مطالبة بالقانون. في إيران، وكما قلت مرارًا، كان منشأ الأمة، بمعناها الحديث، هو «الأمر الوطني القديم»، وهذا الأمر الوطني «القديم» نفسه، مع المشروطية، اتخذ شكلًا جديدًا وأوجد أمة إيران «الجديدة» التي كانت أمرًا معقدًا منذ أقدم العصور. هذه الأمة، منذ تلك العصور القديمة، كانت وحدة في كثرة، وبقيت كذلك في تحولها التاريخي، وظهرت من جديد في كل مناسبة بشكل جديد. قلت سابقًا، مرارًا، إن مجلس الشورى الأول للمشروطية، وفقًا لمضبطة مداولاته، كان هو ذاته مكان ظهور هذا النظام الخطابي للأمة الواحدة في كثرتها. في ذلك الزمان التاريخي والمكان الجغرافي، وفي خضم حركة المطالبة بالمشروطة، تجسدت أمة إيران خارجيًا ونفخت روحها في «الجسد السياسي» ــ body politic في تداول الكتّاب السياسيين ــ لإيران. في ذلك الزمان والمكان، تحققت وحدتنا التاريخية «نحن» وبقيت بشكل سري. وقد أوضحت سابقًا أيضًا أن حركة المطالبة بالمشروطة، على عكس بعض الثورات الأخرى في العصر الحديث، لم تكن قائمة على نظرية أو نظام خطابي، ولكن مع انتصار تلك الحركة وتشكيل المجلس الأول، تبلورت «في الممارسة العملية». أكرر هذه الأقوال من حيث أن هذه الحركة الحالية تحمل أوجه شبه مع «ثورة» المشروطية الأولى، وأهم أوجه الشبه هذه هو أن الثورة الوطنية، لأنها لاستعادة الحقوق، هي بطبيعتها تنبذ العنف. الإشارة التي أوردتها سابقًا إلى قول أحد كتّاب زمن المشروطة، ومفاده أن «الثورة البيضاء في إيران تحولت إلى ثورة حمراء»، كانت تهدف إلى هذه النقطة البالغة الأهمية وهي أن الثورة الوطنية لاستعادة الحقوق تتعارض جوهريًا مع العنف، ما لم يُفرض عليها.
في الحراك الراهن، تدرك «أمة» إيران، بصفتها مطالِبةً بالقانون، هذا الأمر غريزيًا، وقد أدركته منذ انتصار الثورة الدستورية. لقد أظهرت أحداث الدستورية أن محمد علي شاه لم يكن يدرك؛ وأظن أن كثيرًا من الحكام الحاليين لا يدركونه أيضًا. لذا، إذا «تحولت هذه الثورة البيضاء إلى حمراء» فإن التاريخ سيكتب مسؤولية ذلك في سجل أعمال هؤلاء. إنني أتعمد زيادة غموض هذه الكلمات المعقدة لأقول إن الثورة الوطنية الإيرانية هي كل شيء إلا ما يدعيه محللو وسائل الإعلام، والأسوأ من ذلك، المشاهير. هؤلاء أنفسهم قد يكونون جديرين بالاحترام كمواطنين في البلاد، لكن آراءهم ليست كذلك على الإطلاق! إلا إذا قال أحدهم قولاً يُعتد به. لقد اجتمعت مجموعات من هؤلاء، في المجال العام، من أكثر الأشخاص إثارة للريبة. فعلى سبيل المثال، عندما يدّعي مطرب أنه غير سياسي، ثم يصبح سياسيًا فجأة بمناسبة أخرى، فهو دجال يأكل خبزه على حساب الناس وحسب الموضة السائدة؛ فلا قيمة لكلامه الأول، ولا، بالأولى، لهذا التودد الحالي للناس! الإيرانيون، على الرغم مما يدعونه أحيانًا، لديهم رغبة شديدة في الحصول على تأييد الآخرين – وخاصة الأجانب. من البديهي أن نكون شاكرين جدًا لدعم الآخرين لنا، لكن دعمهم، إن لم يكن لكلامهم اعتبار، لا قيمة له ولا اعتبار يُذكر، ولا ينبغي أن نكرر في كل مناسبة التفاهات التي يقولها فلان المدعو مشهور، الذي يعاني من مشاكل في النوم وغيره... مهمتنا الحالية هي أن نفهم من الداخل الحدث الذي يجري. وتوضيحي القائل بأن الأحداث الراهنة هي ثورة وطنية داخل الثورة، ليس، على الإطلاق، فرضًا «لنظرية» على ممارسة قيد الإنجاز، بل على العكس، هو إلقاء ضوء على «فعل» الأمة لكي تتضح بعض زوايا الحدث الجاري، وألا ننتظر منقذين أمثال تشومسكي وجيجيك كي يهبوا لنجدتنا. أي نظرية يمكن طرحها حول الأحداث الراهنة هي فرضية لفهم حدث يجري في إيران منذ أكثر من مئة عام. أما النظرية المتماسكة فستُصاغ حين يقع الحدث ويبلغ نهايته.
فعلى سبيل المثال، حين يدّعي شخص يُدعى جيجيك أنه يتعلم من إيران ويعلم أن الأمر نفسه سيحدث قريبًا في أمريكا وبولندا، ينبغي القول إن هذا الادعاء وحده يُظهر مرتبة التفلسف لدى «مهرج الفلاسفة». لقد وقع فيلسوف أكثر جدية من هذا المهرج في وهم آخر سابقًا وأطلق ادعاءات على حساب الشعب الإيراني، لكن المدهش أن أول المنهزمين في الثورة الإسلامية كان فوكو نفسه. إن الثورة «الوطنية» الإيرانية، إن كان لها درس واحد، فهو دحض نظرية «الثورة» التي يتبناها جيجيك نفسه وشركاؤه داخل البلاد. ثم إنه، ما الذي يحدث في هذه الثورة الإيرانية الراهنة والمقرر أن يحدث في أمريكا وبولندا معًا؟ يبدو أن هذا المهرج، شأنه شأن مقلديه في الداخل، يظن أن ما يحدث في إيران هو ضد النيوليبرالية التي هي القاسم المشترك بين أمريكا وبولندا أيضًا، أو ينبغي أن تكون كذلك. لماذا يسمح كل من يُدعى مشهورًا لنفسه، وسط مشاغله الكثيرة الأخرى، بإبداء رأي حول إيران، هذا أمر لا أعلمه، لكن ثمة نقطة واضحة، وهي أن الإيراني يصنع التاريخ، لكنه ينتظر تأييد كل من لا يميز الخيط الأبيض من الأسود ليقول إنه قام بعمل مهم. مصطلح المشهور القبيح، الذي أستخدمه مضطرًا، حتى لو كان فيلسوفًا في مستوى فوكو أو شخصًا عاديًا مثل جيجيك، يُطلق على من يكون كل شيء في خدمة شهرته، ولا يفتح فاه ولا يحرك ساكنًا إلا لزيادة هذه الشهرة. أما كون ذلك الشخص المحترم نفسه قد أصبح الآن مناصرًا للمرأة أو الشاب الإيراني، فمن الواضح أن هذه المناصرة ستضيف بضعة أفراد إلى عدد متابعيه العاطلين، وهذا يدر عليه دخلًا. الحدث المهم لا يقع في «النظرية»، فالرأي تابع للفعل، وفهم هذا الفعل الراهن غير ممكن، قبل أن يبلغ نهايته، إلا لأولئك الذين يُحدث فعلهم تحولًا في التاريخ. إن أمثال فوكو وجيجيك هم محترفو إثارة الفوضى، ولا شيء أبعد عن الثورة الوطنية لاستعادة حقوق الأمة من إثارة الفوضى. أما جر جيجيك وأنصاره لأمريكا وبولندا إلى الوسط، فمعناه أنهم لا يدرون ما الذي يحدث في إيران. هؤلاء يسعون في أمريكا وبولندا إلى إسقاط حكومة القانون، كما كان فوكو في إيران، وهذا لا علاقة له بالثورة الوطنية الإيرانية التي يتمثل أهم أهدافها في إقامة حكومة القانون.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء السادس
جواد طباطبائي
كانت الثورة الدستورية الأولى، شأنها شأن الثورة الوطنية الراهنة، حركةً بلا قيادة. وقد ظهرت القيادة عندما توقفت تلك الثورة، بقصف المجلس الوطني بالمدافع، وكان استرداده يتطلب ثورةً أخرى. في هذه الثورة الثانية، حيث وُضعت الأمة والمجلس الوطني في مواجهة فوهات مدافع الشاه الذي صار ألعوبةً بيد الروس، نشأت الحاجة إلى قيادة من حيث أن السلطة السياسية لجأت إلى العنف وفرضته على الشعب. كان محمد علي شاه، وإن كان يدّعي أنه حصل على توقيع الدستور من الشاه الراحل ويعتبر نفسه ضامناً له، إلا أنه لم يكن مؤمناً بنظام كهذا. لقد كان ربيب معلم روسي، ولم تكن رقعة بلاده لتتجاوز حدود سفارة زرغنده. ما كان يجهله عن السياسة الجديدة هو أن فوهات المدافع الروسية لا يمكنها أن تكون فعالة إلا ما لم يقرر الشعب الصمود. في مواجهة صمود الشعب، «باعتباره جسداً واحداً» – en corps في عرف الكتّاب السياسيين – لا يمكن لفوهات المدافع أن تكون ذات فعالية. في المواجهة بين أمة، «باعتبارها جسداً واحداً»، تكون الأمة قد اختارت سلاحها الذي هو في البداية انعدام السلاح، لأن النضال من أجل حقوقها المفقودة هو أهم وأسمى «سلاح». وحين تبدأ المواجهة، يعود اختيار السلاح إلى السلطة السياسية، وهذه السلطة السياسية نفسها هي التي تفرض على الأمة السلاح الذي ستسترد به حقوقها. إن اختيار السلاح هذا هو الاختيار الأخير للدولة أيضاً! فالسلطة السياسية، إن كانت دولةً بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تسمح أبداً بأن تبلغ الأزمة عمقاً غير مسبوق وتؤول إلى هذا الاختيار الأخير. ومع أن ماكس فيبر قال إن «الدولة تحتكر ممارسة العنف»، إلا أن السلطة السياسية التي تكون دولةً لا تلجأ أبداً إلى هذا «الاحتكار» لديها، وتبقي باب الحوار والمساومة مفتوحاً على الدوام، لأن احتمال هزيمة السلطة السياسية، حين تبدأ مدافع الطرفين بالزئير، أكبر من احتمال هزيمة أمة. ما أعنيه ليس الانتصار في المعركة الأولى، بل في معركة «المصير». بعبارة أخرى، أريد أن أقول: إن أمةً ما، حتى لو هُزمت، فهي منتصرة!
الثورة الوطنية، بالمعنى الذي أستخدمه، هي حركة أمة لاسترداد حقوقها الوطنية. في هذه الثورة، لا يحتاج الشعب، أو الأمة، بوصفهم «جسداً واحداً»، إلى قيادة، لأن الجميع، بوصفهم «جسداً واحداً»، هم قادة. تحتاج المجموعات المتفرقة من الأفراد إلى قيادة لتوجيه عملهم وتستطيع من هذا الطريق تنظيمهم على هيئة «جسد واحد». إن قولي بأن الثورة «الوطنية» هي ثورة أمة تاريخية واحدة، إنما يشير إلى هذه النقطة البالغة الأهمية، وهي أن الدستورية لم تكن لها قيادة سوى الأمة الواحدة، وفي الحركة الراهنة أيضاً حدثت معجزة تجدد الوحدة الوطنية والوعي بها، وجعلت الأمة واعيةً بحقوقها. هذا الوعي الذاتي الوطني والوعي بالحقوق الوطنية يتولى نوعاً من قيادة الحركة. بوسع السلطة السياسية أن تفرض على الحركة الاختيار الأخير للسلاح، أي قيادة «أخرى»، لكنها تستطيع في هذه المرحلة أن تعترف بجميع حقوق الأمة وحرياتها.
هذه هي النقطة الأساسية التي ينبغي الانتباه إليها لفهم طبيعة الأحداث الراهنة. إن السبب في أن الجماعات اليسارية واليمينية المتطرفة، خارج الحكومة، وكذلك «النخب» داخل النظام، لا تستطيع أن تقول شيئاً ينفع النظام، ليس إلا أن جميعهم، بدرجة واحدة، غرباء عن فكر «الوحدة الوطنية» لدينا وعن طبيعتها، ومن ثم فهم، عن وعي أو عن غير وعي، من معارضي هذه الوحدة الوطنية أيضاً. أما بخصوص جماعات المعارضين اليسارية واليمينية، فلا حاجة إلى توضيح، لكنني قلت منذ عقد من الزمان على الأقل إن داخل النظام الحاكم، من الجامعات والمؤسسات البحثية إلى جميع مؤسسات الحكم، لهؤلاء المعادين للوطنية ممثلون، وقد تغلغلوا فيها جميعاً. هذا الموضوع ليس نقاشاً يمكنني أن أفتحه هنا – في الطريق العام – ولكني أشير فقط إلى أنه حين يكون رأس مال الالتزام بالنظام خاتم عقيق، ولحية ثلاثة أيام يمكن حلقها في نهاية الأسبوع، وقميصاً فوق البنطال، فإن أمثال خاوري إلى المرحوم طالب زاده يتلوون في خللها وفرجها، وفي ظروف كهذه حيث الهواء مواتٍ، يتحولون إلى منظّرين لشيء لم يؤمنوا به قط.
مشكلة السلطة السياسية الراهنة في إيران أنها، إذ لم تكن قط سلطة وطنية، تجهل الكثير من دقائق تاريخ تطور أمة تفرض عليها حكمها، وتجد نفسها الآن مضطرة في ميدان لا تتصور معالمه الجغرافية. تاريخنا تاريخ وطني، ولا يمكن حكمه بوهم الأمة التي تدين بالطاعة العمياء، وستظل كذلك. الأمة التي أنست، إثر انخداعها بإيديولوجيا الأمة في أعقاب الثورة الإسلامية، هذه النقطة من تاريخنا الوطني، تعرف الآن أنها كانت أمة مغفولاً عنها. بوسع السلطة السياسية أن تدرك أن الأمة قد تجاوزت حدود إيديولوجيا الأمة، وأن تحويلها مرة أخرى إلى أمة عبر العلاج بالكلام على الطريقة الشريعاتية ليس ممكناً. لقد جرّت السلطة السياسية، في أوهامها الأمّية، الأمة إلى ميدان معركة لا إمكانية للنصر فيها؛ وبوسعها الآن أن تجد حلاً عقلانياً عبر الحوار والمساومة مع الأمة، لكن بوسعها أيضاً أن تفرض على الأمة اختيار السلاح الأخير.
ــــــــــــــــ
حاشية ختامية: إن جمع بضعة أشخاص ممن يحملون أستاذية جامعية بـ«حكم حكومي»، وكثير منهم ليسوا أساتذة حتى بمعايير الجمهورية الإسلامية، وأنا أضع أسناني على كبدي كي لا أجري أسماءهم على قلمي، من أجل إيجاد حل، إنما يدل على أن السلطة السياسية لا تملك إرادة لإيجاد حل عقلاني. أغلب هؤلاء «الأساتذة» من طفيليي هذه السلطة السياسية، وليس لهم مكان خارجها في أي مكان. لقد شغل كثير من هؤلاء الأساتذة أنفسهم مناصب مهمة وهم أنفسهم صانعو الوضع الراهن. في وضع متأزم كهذا، لا يمكن إيكال مهمة إيجاد حل إلى مراسيم جمع بضعة طفيليين. ينبغي للسادة أن يعلموا بأنفسهم أن غالبية هؤلاء الأساتذة هم من صنائعهم هم أنفسهم، ولا يُعتد بهم في أي مكان خارج الجامعة «الأم».
ــــــــــــــــــ
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء السابع
جواد طباطبائي
قلت إن بوسع السلطة السياسية أن تفرض على الأمة اختيار ذلك السلاح «الآخر»، ولكن ما من سلطة سياسية، مهما بلغت قوتها، شريطة أن تملك ذرة من عقل الحكم طبعاً، إلا وتبذل كل جهدها كيلا يبلغ المأزق مثل هذا العمق، وألا يقف الأمة والدولة وجهاً لوجه، وألا يُغلق باب الحوار. في العصر الحديث، كل مأزق في أي نظام حكم إنما هو لضرر السلطة السياسية ولمصلحة الأمة. حكام الجمهورية الإسلامية لا يعرفون تاريخ «أنفسهم» ولا تاريخنا «الوطني»! ما أعنيه بتاريخ «نحن» واضح؛ نحن الإيرانيين كنا أمة منذ القدم وبقينا أمة. من البديهي أن هذا ليس شعاراً سياسياً، بل على العكس، إنه حقيقة تاريخية. ما أعنيه بتاريخ «أنفس» الحكام هو تاريخ الإسلام. هؤلاء لا يعرفون ذلك التاريخ أيضاً، ويظنون أن تاريخهم هو ذات الأوهام التي اختلقوها «بأنفسهم». هذه الأوهام هي رأس المال الوحيد الذي يملكونه، وقد لقنوا الناس هذه الأوهام طيلة قرون، وعامة الناس أيضاً، في ظروف لم تكن تتعارض فيها تلك الأوهام مع مصالحهم، ركنوا إلى غواية هؤلاء. أحد تلك الأوهام، التي تحولت أيضاً إلى إحدى بديهيات تاريخ التشيع، هو مناهضة أرباب العمائم للظلم في التاريخ، وهو أمر لا نجد له أثراً في أي مكان. في المعارف الدينية، ليس للظلم معنى اجتماعي «واضح وجلي»، وبما أن معنى الظلم ومضمونه غير معلومين، فإن أرباب العمائم لم يستطيعوا أن يكونوا فاعلين في مناهضته. علاوة على ذلك، فبما أن أرباب العمائم لا يعرفون تاريخ «أنفسهم» وتاريخنا «الوطني»، فإنهم لا يحظون بأي نصيب من علم السياسة، ولا يمكن أن يحظوا به. غاية معرفتهم بالسياسة، تاريخياً، في أغلب الحالات، كانت الدعاء لسلامة صاحب الجلالة، وفي حالات نادرة، في الفترات التي كان يحكم فيها البلاد منذ العهد القاجاري فصاعداً ملك رخو العنصر، كانت معارضته في حدود مصالحهم، ولكن ما كان مشتركاً في حالتي الموافقة والمعارضة كلتيهما هو كونهما «غير سياسيتين».
إن توضيح هذه النقطة، فيما يخص القرنين الماضيين، يحتاج إلى تفصيل لا يمكن الخوض فيه هنا، وهو ليس موضوع نقاشي في هذا المقام، ولكن بنظرة عابرة إلى علم البديع «لتاريخ نضالات رجال الدين»، الذي يُمارس به غسيل أدمغة الطلاب منذ أربعة عقود، يتبين أن ما هو مشترك بين جماعات مثل الاشتراكيين المؤمنين بالله، وجماعة الأمة والحركة، ونهضة حرية «إيران»، ومجاهدي خلق «إيران»، وكتّاب متوسطي المستوى جداً مثل آل أحمد، وعلي شريعتي، ومن مرتضى مطهري إلى حسين علي منتظري، هو بالتحديد جهلهم بالسياسة. إن فحص البيانات السياسية لتلك الجماعات والتنظيمات «السياسية» وكتابات هذه الفئة الأخيرة يُظهر أنه لا يوجد شيء يمكن تسميته «بالسياسة الإسلامية». كل هذه التنظيمات والكتّاب، بدرجات متفاوتة، كانوا مضطرين ليكونوا ماركسيين خجلين، ولأنهم كانوا يجهلون السياسة، لم يفهموا أبداً أنهم ماركسيون «إسلاميون». إذا نظرنا إلى هذه الأيديولوجيا بمسافة تأمل، فإن ما يُرى هو ماركسيتها غير المهضومة والمهيمنة، ولا يُرى فيها شيء من الإسلام. هذا التركيب الماركسي الإسلامي، إذا ما فُهم على الوجه الصحيح، هو شيء من سنخ تركيب «العبادي ـ السياسي». أي مؤمن لديه تلقي غير أيديولوجي للإسلام لن يجد في أي شيء من «العبادي ـ السياسي» شيئاً من الإسلام. الحالة المثيرة للاهتمام في زماننا هي كتابات مرتضى مطهري التلفيقية بالكامل. نعلم أنه من بين مختلف الموضوعات الملفقة عن علم الاجتماع، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة التاريخ، والتعليم والتربية في الإسلام... إلخ، كان هناك أيضاً أثر حول الاقتصاد السياسي، تم جمعه وإتلاف نسخه فور العثور على نسخته المخطوطة ونشرها، وحتى الآن لا تتوفر منه سوى نسخ قليلة في مجموعات خاصة. كان سبب ذلك أنه حتى مسؤولي الجمهورية الإسلامية الذين لا يعرفون شيئاً عن الاقتصاد، أدركوا بمجرد تقليب صفحاته الأولى أن المرحوم، لجهله بالاقتصاد، ولكون الماركسية هي المذهب المختار في ذلك الزمان، كان قد سلم المؤمنين قدراً كبيراً من الماركسية بقشرة رقيقة من طلاء الإسلام. قبله، كان عالم مثل محمد باقر الصدر، الذي كان يعرف العربية الحديثة واطلع من خلالها على بعض مصادر العلم الحديث، قد أدرك أن الاقتصاد بمعناه العلمي لا يمكن تدوينه في الإسلام، الذي هو دين. كان مطهري، في تعصبه الأيديولوجي الديني الشديد، وفي توهمه أن الإسلام دين «جامع» وأنه «ما من رطب ولا يابس» إلا وفيه حكمه، يظن أن العلماء من قبله لم يبلغوا هذه المرتبة من العلم.
وقع مطهري ضحية لمضمون ذلك المثل الفرنسي القائل: «اختر عدوك بدقة، لأنك ستصبح مثله!» لقد أصبح، من فرط عدائه للماركسية، ماركسياً في بعض المباحث، لكن عصبيته الدينية لم تسمح له بأن يعلم أنه بتلقي قروسطي للديانة لا يمكن مقارعة أيديولوجيات العصر الحديث. حالة أكثر إثارة للاهتمام هي كتاب حسين علي منتظري المفصل حول ولاية الفقيه، الذي تم تقريره في السنوات الأولى بعد الثورة على شكل دروس، وتم إعداد كتاب مفصل من تلك الدروس بالعربية والفارسية. كان منتظري، مثل جميع الناشطين «السياسيين» من رجال الدين في زمن الشاه، ينشط من أجل تطبيق الأحكام الشرعية، ولو سُئل في ذلك الزمان عن ماهية «الحكومة الإسلامية»، لأجاب قطعاً: حسناً، الحكومة هي ذاتها الموجودة في كل مكان، والإسلام هو ذاك الذي أعرفه أنا، وأنتم، كمقلدين، لا تعرفونه، ولكن ما هي الحكومة الموجودة في كل مكان؟ الجواب غير معلوم! مع انتصار الثورة، تبين للسادة أنفسهم أنه لا توجد خطة. كان هناك شيء اسمه الحكومة في إيران، لكن هدف الثورة كان تدميرها، ولم يكن الإبقاء عليها سوى نقض للغرض. كان منتظري، «الفقيه العالي القدر»، بما أنه فقيه عالي القدر، مكلفاً بإعداد خطة للحكومة الإسلامية، في صورة «الجمهورية». كانت تلك المجموعة من الدروس لكي نعرف ما هي الحكومة التي قمنا بالثورة من أجلها وما هي خطتها لإدارة البلاد؟ لكن خطة الحكم ليست مائدة إلهية تنزل من السماء. جميع خطط الحكم هي نتاج العقل البشري عبر التاريخ، ولا يمكن لأحد أن يخلق خطة من العدم بنفي كل التجربة البشرية. كان منتظري، بصفته «الفقيه العالي القدر»، يعلم أنه لا يوجد في كتبه الفقهية شيء عن الحكومة. كما أن وضع خطة في الفراغ لم يكن ممكناً.
أهل السنة، الذين لم يكونوا يعتقدون بنظرية الحكم «الجور» الشيعية، كانوا قد فكروا في الحكم قبل ثوار إيران بقرون، وألفوا رسائل في الحكم. كانت هذه الرسائل على نوعين: رسائل بعنوان الأحكام السلطانية، ألفها فقيهان شافعي وحنبلي للرد على دعاوى آل بويه، ورسالة مهمة أخرى بعنوان السياسة الشرعية ألفها عالم حنبلي متعصب مناهض للشيعة. كان علماء الشيعة يعتبرون هذا الأثر الأخير نجساً، بسبب صبغته الشديدة العداء للشيعة، وحسب بحثي في السنوات الأولى للثورة في مكتبات طهران المعتبرة، لم تكن توجد منه أي نسخة في إيران آنذاك. أما الرسالتان الأوليان، ولا سيما رسالة الفقيه الشافعي أبي الحسن الماوردي، فكان من الممكن أن تكونا نموذجاً لبرنامج حكم فقهي. كانت نسخ قليلة من هذه الرسالة بالذات متاحة في مكتبات إيران، لكن شركة منشورات الحوزة العلمية قررت إعادة طبع رسالتي الأحكام السلطانية في مجلد واحد لتكون في متناول الطلاب وربما المنتظري نفسه بسهولة. إن نموذج برنامج الحكم الإسلامي للمنتظري هو رسائل الأحكام السلطانية هذه، وهي رسائل في السلطنة الاستبدادية الإسلامية، وقد كتبت لتبرير خلافة العباسيين في معارضة نظرية الحكم لآل بويه. يعرف الجميع بقية القصة؛ فمؤلف برنامج الحكم الإسلامي نقض كل غزله قبل وفاته بقليل، وقال بإيجاز إنه كان يهذي. بالطبع، بقي ثمن هذه الأواني المكسرة لهذه المجازفة النظرية على عاتق الأمة التي سيتعين عليها أن تدفعه يوماً ما!
كان برنامج الحكم الإسلامي مشروعاً لتحويل أمة إلى جزء من أمة الإسلام. كان تطبيق الحكم الإسلامي في بلد واحد شيئاً من جنس الاشتراكية في بلد واحد عند ستالين. كان على الحكم الإسلامي، إن لم يرد أن يكون من نمط السلطنات الاستبدادية في البلدان العربية، أن يضع برنامجاً لأمة الإسلام (نعلم أن مكتب المنتظري كان أحد مراكز تصدير الثورة). وهكذا، وُضع تصدير الثورة على جدول الأعمال. في هذا المخطط، جُردت الأمة من شأنها الوطني وتحول الإيرانيون إلى شعبة في الأمة المسلمة، وأصبحت مهمتهم دفع تكاليف الثورة في بلدان المنطقة الأخرى، وإذا ما تقدم العمل، تحويل «البيت الأبيض» إلى حسينية. كنت قد قلت سابقاً إن الرماد الذي ذرته أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية على وجه الأمة الإيرانية أعماهم لبرهة. إن الثورة «الوطنية» الحالية هي استيقاظ للوعي في أعماق وجدان «جميع» الإيرانيين بشأنهم الوطني التاريخي. ليس سبب عجز جميع الجماعات السياسية ـ الدينية، بدرجة واحدة، عن الكلام في الأحداث الراهنة سوى أنهم جميعاً كانوا، بدرجة واحدة، واقعين في وهم موت القوميات، وربما لا يزالون يظنون، مع العولمة، أن عصر القوميات قد ولى.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم الثامن
جواد طباطبائي
الثورة الوطنية هي ثورة الوعي وثورة في الوعي الذاتي. هذه الثورة هي من نمط ثورات العصر الحديث، وكما قلت سابقاً، هي ثورة من أجل «تأسيس الحرية». هذه الثورة الوطنية الراهنة، مثل الحركة الدستورية، هي ثورة من أجل الحرية وحكم القانون. في العقود الأربعة الماضية، وقعت الأمة الإيرانية في شرك أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية بنفس القدر الذي افتتن به قادة الجمهورية الإسلامية بتلك الأيديولوجيا، وهم الآن مضطرون لدفع ثمن عدم فهم مقتضيات الحكم على أمة تاريخية. كانت أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، بوصفها أيديولوجيا، أممية وتفتقر إلى منظومة المفاهيم اللازمة لشرح خصائص أمة تاريخية. لم يكن شريعتي، مثل رفاقه اليساريين، يعرف التاريخ، وما دونه باسم الإسلاميات كان إسلاماً خيالياً لاتاريخياً خاصاً بأيديولوجيته ولا صلة له بأي من «الإسلامات الموجودة». كان ذلك «الإسلام الأيديولوجي» تلفيقاً من الماركسية المبتذلة من النوع الفدائي ـ التودهاي، وكان هدفه الوحيد هو الثورة، التي تحققت بنجاح، لكن ما كان غائباً عن تلك الأيديولوجيا هو وجهها الوطني. للثورة الأيديولوجية هذه الخاصية: أنها، لأنها صيغت في «الهواء»، تجمع كل الجماعات السياسية أو كثيراً منها، لكن لأن هذه الأيديولوجيا «هواء»، فبعد أن يفرغ ذلك «الهواء» إثر انتصار الثورة، تفقد الثورة أدوات اكتسابها للمشروعية، ومع «تخاذل» الثوريين السابقين، تبقى الأداة الوحيدة المتبقية هي ممارسة العنف للحفاظ على السلطة.
استطاعت الثورة الإسلامية، بمعونة إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، أن تخلق «وحدة كلمة» خادعة. كان ثمة نوع من وحدة الكلمة في تاريخ إيران كله وبين جميع أبنائها، لكن هدف «وحدة الكلمة» هذه كان تصفية الحساب معها. لو كان لدى قيادة الثورة أدنى فهم لعلم السياسة لكان ينبغي أن تعلم أن وحدة كلمة كهذه، قامت على «هواء» إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، لا يمكن أن تكون أساسًا متينًا للحكم بممارسة العنف، غير أنه لم يكن شيء أبعد عن فقاهة قادة الثورة من علم السياسة. لم يكونوا يعرفون تاريخ إيران ليعلموا أن وحدة الكلمة تلك كانت موجودة منذ بداية تاريخ إيران ولا يمكن تدميرها. كانت إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية مصدر قوة قيادة الثورة في النصر، لكن تلك الإيديولوجيا لم تكن أكثر من «شيء يُستعمل لمرة واحدة». كانت قد انتصرت مرة، لكن هذا النصر لم يكن قابلاً للتكرار ولا يمكن أن يكون دليل عمل لإدارة البلاد. لو كان لدى قيادة الثورة فهم للسياسة لكان ينبغي أن تلقي بتلك الإيديولوجيا فور النصر في مزبلة التاريخ، لأن في تلك الإيديولوجيا المدمرة كانت قد غُرست هذه العبوة الناسفة التي تقذف بمستخدميها إلى مزبلة التاريخ. كانت أهم خصائص تلك الإيديولوجيا التعمية، لكنها لم تكن تشفي العمى. صانعوها من الالتقاطيين الإيديولوجيين، من آل أحمد وشريعتي إلى أقزام المنظمات الفدائية والدجالين وجواسيس قيادة حزب توده، كانوا جميعًا وعلى درجة واحدة أعداء لإيران في لباس الأصدقاء، وكان لديهم هذا الوهم بأنه يمكن بـ«الخديعة» نزع العمامة عن رأس قيادة الثورة ووضع قبعة مكانها. انتصرت الثورة في اتجاه آخر، لكن بما أن قيادة الثورة لم تكن تعرف شيئًا عن السياسة ولم يكن لديها أي تصور للخصائص المدمرة لالتقاطية إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، فقد وقعت في الهوة التي حفرتها بيدها. كانت إيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية تدّعي أن عصر القوميات قد ولى؛ كان هذا فخًا نصبته تلك الإيديولوجيا في طريق قيادة الثورة ذات التوجه الأممي. ما لم تكن تعرفه هذه القيادة هو أن الثورة إذا أرادت أن تبقى صامدة بعد النصر، فعليها أن تودع تلك «الخدع» التي خدعت بها الناس. يمكن القيام بالثورة بالخديعة، لكن الحكم بها غير ممكن، والحكم يحتاج إلى معرفة كان المهدي بازركان وطالقاني ومتحجرات حلقة مسجد هداية وآل أحمد وشريعتي وجميع المنظمات اليسارية الوطنية برمتها خلوًا منها، أما حال علماء الدين الذين لم يتعلموا شيئًا سوى شرائع الإسلام فأمرهم جلي!
ادعاء القيادة السياسية دون امتلاك معرفة السياسة غير ممكن، وهذه المعرفة لم يكن لها وجود لا في «رياح وأمطار» بازركان، ولا في «الملكية في الإسلام» لطالقاني، ولا في «الاقتصاد التوحيدي» لبني صدر، ولا في ثرثرات حلقات كالجبهة الوطنية، التي لم يصدر عنها بعد مصدق سوى بعض البيانات ضد الإمبريالية العالمية، ولا في ماركسية الأخ رجوي الإسلامية، ولا في بيانات أحمد زاده وبويان، ولا في رسالة من الإمام كاشف الغطاء. الثورة الوطنية الراهنة هي رد، متأخر، على جهل الثوريين هذا بالشأن الوطني للإيرانيين. كان أمام قيادة الثورة أربعون عامًا لتعلم أنها تحكم بلدًا هو بلد أمة تاريخية، وأن هذه الأمة تمتلك وعيًا بل وعيًا ذاتيًا عميقًا بهذا الشأن الوطني لها. لقد سلمنا التاريخ جميع وثائق وجود هذا الشأن الوطني للإيرانيين. يمكن التعايش معه، لكن لا يمكن تحويله إلى جزء من أمة وتدمير هويته التاريخية. الوعي الذاتي التاريخي للأمة هو أعظم نقاط قوة أناس تجمعوا منذ القدم في هذه الأرض وصاغوا لأنفسهم مصيرًا واحدًا. من قبل، أشرف على هذا البلد من الإسكندر إلى العرب، ومن الأتراك إلى المغول وأكلة لحوم البشر الغلزائيين، لكنهم لم يستطيعوا أن يحدثوا أدنى خدش في أساس الوحدة الوطنية، والوحدة الترابية، وأكثر من ذلك، في «تلك النار الكامنة في صدرنا». الثورة الوطنية هي ثورة الوعي الوطني، وبهذا الاعتبار، لا تُقهر، حتى لو انهزمت! سأعود مرة أخرى إلى ثورة الوعي الوطني هذه.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم التاسع
جواد طباطبايي
يجب تصفية الحساب مع هذا الوهم السائد في العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة القائل بأن عصر الأمم والدول القومية قد ولى. ففي بلدان مثل إيران، التي كانت دوماً أمة بأشكال مختلفة، لا تموت الأمة، بل تغير شكلها الخارجي مع التحولات التاريخية. والسبب في أن الأمم في مثل هذه البلدان لا تموت هو أن نوعاً من الوعي – أي الوعي الذاتي القومي – يتكون في الأمم التاريخية العريقة، وحين يتغلغل هذا الوعي بين جميع أبناء الأمة، فإنه، كما يقول الشباب، «لا تؤثر فيه المدافع ولا الدبابات ولا المفرقعات». هذا ليس شعاراً يأتي من «قاع الشارع» ويمكن «جمعه» لأنه يأتي من قاع الشارع. في العصر الحديث، تتعين الأمة بحقوقها الإنسانية والقومية، وأول ما ينبغي للسلطة السياسية أن تعرفه – إن لم ترد أن تتعلم بثمن باهظ وتكلفة كاسرة للظهر، أو أن يُفهم عنها التهمة – هو أنه ربما أمكن في فترات خداع الناس بشتى الوسائل، لا سيما باستغلال معتقدات الناس واختلاق «علم إسلاميات» غير تاريخي، لكن لا يمكن حرمانهم من حقوقهم لمدى طويل. الحرية، والتمتع بالحقوق الإنسانية، والمساواة في الحقوق، هي، كما يقول العلماء، من «المستقلات العقلية». ومعنى المستقلات العقلية في هذا الاستعمال هو أن العقل البشري يدركها دون الاستعانة بالشرع – قديماً – أو، بتعبير روسو الحديث، دون أي سلطة خارجية. في العصر الحديث، تقع الحرية والمساواة في الحقوق على رأس هذه المستقلات العقلية. يمكن لـ«الشرع»، أي تفسير للشرع اختلقته المؤسسة الرسمية لرجال الدين لنفسها، أن يخالف هذا الحكم، ويدّعي، مثل الشيخ فضل الله، أن الناس في المجال العام محجور عليهم ويحتاجون إلى وليٍّ يدير شؤونهم الجارية، ولكن هنا يجدر بنا أن نقول: «أمثال هؤلاء الذباب يعرضون بأنفسهم ويكلفوننا المشقة». في نظر الشيخ، مراد آل أحمد ومقتداهم، كان هذا الولي في المجال العام هو محمد علي شاه الذي قصف المجلس بالمدافع، و«جمع الناس من قاع الشارع» بفتوى الشيخ، لكنه هو نفسه كُنس وأُلقي في مزبلة التاريخ.
لم يكن الشيخ، بكل ما لديه من علم بالشرع، ومثقال ذرة من علم السياسة العملية، يعلم أن الحقوق القومية لا يمكن «جمعها من قاع الشارع». الحقوق القومية لا تجري في قاع الشارع حتى يمكن جمعها؛ بل على العكس، هذه الحقوق تجري حيث لا يمكن بلوغها وجمعها بأي أداة من أدوات القوة أو «الخديعة». قال حافظ، الذي كان من أبرز حراس «غيب» أمرنا القومي، إنها «النار الكامنة في صدورنا»، ومن العرب إلى الترك والمغول والغلزاييين آكلي لحوم البشر، إلى جنود الروس ومدافع لياخوف، مروا من هذا البلد وحاولوا النيل من ذلك الغيب، لكن «ساحة السيمرغ لم تكن مكاناً لأولئك الذباب»؛ هذه الأمة، كاشفو السيمرغ، كانت السيمرغ، وباقية، وأولئك آكلو لحوم البشر هم الذباب الذي كانوا. وسبب ذلك، كما أشرت، هو عدم تكافؤ صراع الحقوق مع القوة. العصر الحديث هو عصر الثورات الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات الفردية، والحقوق القومية. لم تفشل أي من هذه الثورات، من ثورة إنجلترا وأمريكا وفرنسا، على الرغم من الفوارق بينها ومع بعض التحفظات بشأن الثورة الأخيرة. أما الثورات المضادة للديمقراطية، من ثورة أكتوبر إلى كوبا والإسلامية، ولا سيما ثورات أوروبا الشرقية، وبالطبع الثورة الفرنسية من حيث أحد وجوهها، فقد تكونت على أساس فهم مختلف للحقوق القومية، وكانت جميعها محكوماً عليها بالفشل إلى حد كبير. كان قادة هذه الثورات واقعين في وهم سوء الفهم الماركسي الذي كان يعد الحقوق «بنية فوقية إيديولوجية» للمجتمع البرجوازي، وكان يظن أنه بزوال العلاقات التي أوجدت المجتمع البرجوازي، فإن «حقوقه» ستتعرض للزوال أيضاً. هذه الثورات أدارت ظهرها جميعاً، بدرجة واحدة، لمبادئ الفكر السياسي الحديث، من مكيافيلي وهوبز إلى لوك وروسو، التي أبرزت، بأساليب شتى، ظهور «الشعب» – أو الأمة في الاستعمال الحديث – مع حقوقهم الذاتية والطبيعية.
لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تدّعي الحكم من دون أن يكون لديها فهم «واضح وجلي» لهذه المفاهيم الجديدة. «الثورة»، بمعناها القديم، أو «الفتنة»، كانت تعني ما يُطلق عليه في الفكر السياسي «الحرب الأهلية». لا ينبغي الخلط بين هذا الفهم لـ«الثورة» ومعنى ثورات العصر الحديث، التي هي على كل حال وطنية ومن أجل الحقوق. إذا نظرت سلطة سياسية في العصر الحديث إلى وقائع الحياة الاجتماعية والسياسية من وراء الزجاج المعتم لمفاهيم العالم القديم، أي إذا ظنّت أن «الثورة الوطنية» هي ذاتها الفتنة أو الحرب الأهلية، ولم تفهم أن «الشعب» أو الأمة لا يمكنها أن تحارب نفسها، فإنها ستفقد إمكانية إدارة الأزمة. كل الكلمات المقتضبة التي تُنقل عن كبار المسؤولين في البلاد في هذه الأيام العصيبة هي أمثلة على هذا الخلط بين منظومتي المفاهيم. هؤلاء، منذ البداية، لم يكن لديهم فهم واضح لمناسبات العالم الجديد، ولم يتعلموا شيئاً في العقود الأربعة الماضية. مواجهة الوعي الوطني والحقوق الإنسانية لجميع المواطنين بالقوة هي أكثر المواجهات تفاوتاً ممكنة. حتى الآن، لم تستطع أي قوة – دبابات السوفييت في برلين، بودابست، براغ... إلخ – أن «تلمّ الثورات الوطنية من الشارع». على العكس، إن هذه الثورات الوطنية هي التي «جرفت كَنّاسي الشوارع».
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء العاشر
جواد طباطبايي
من أهم سمات هذه الثورة «الوطنية»، التي حوّلتها إلى «ثورة» في الثورة الإسلامية، ظهور الشباب، بوصفهم جزءاً من «الشعب» في الهيئة الاجتماعية، بدلاً عن الأمة كلها. إن ظهور شباب جميع محافظات البلاد في المناسبات السياسية أمر غير مسبوق وحديث العهد في بلد تاريخي وقديم. الذين شهدوا أيام ثورة السابعة والخمسين، أو كان لهم نصيب في أحداثها، قد يقولون: ألم يكن الأمر كذلك في ثورة السابعة والخمسين؟ للوهلة الأولى، يبدو أن الأمر كان كذلك في ذلك الوقت أيضاً، وكان للشباب والنساء نصيب في تلك الثورة، لكنني أعتقد أن هناك تمييزاً جوهرياً بين نمطي حضور الشباب والنساء في الثورتين، وهو أنه في الثورة الأولى كان الشباب والنساء أدوات بيد منظمات وجماعات سياسية منحطة أساءت استخدامهم لتحقيق أهدافها، بينما في هذه «الثورة» الراهنة، الشباب والنساء فاعلون سياسيون مستقلون يسعون لرسم مصيرهم ومستقبلهم بأيديهم. إذا أردت التعبير عن هذا الأمر نفسه بمصطلحات الفكر الحديث، يمكنني القول إن مقام المرأة والشاب الإيراني قد ارتقى من المادة الخام لسياسة الجماعات السياسية، أي من objet، إلى العامل والفاعل، أو صانع السياسة، أي sujet. معنى هذا الكلام هو أن «ثورة» ذات ذوات جديدة قد حدثت في باطن تلك الثورة الأولى. مرة أخرى، أكرر مضطراً أن هذه «الثورة» الراهنة، من دون أن تكون ثورة أو «ثورة مضادة» بالمعنى الشائع لهذه المفاهيم السياسية، هي «ضد» ثورة في الاتجاه المعاكس لتلك الثورة الأولى، ولكي أتمكن من التعبير عن معناها بإيجاز قلت إنها ثورة «وطنية» لاستعادة الحرية والحقوق. وكما أن مسألة الحريات والحقوق لم تكن ذات أهمية لدى الشباب والنساء الأدوات، موضوعات الثورة الأولى، في مقابل انتصار الثورة، لأنهم كانوا واقعين في أسر «الخبز والسكن» وكان من المقرر أن تأتي «الحرية» بعد ذلك، وكان أحد شعارات الثورة أن «النقاش بعد الثورة»، فإن الذوات الراهنة قد بدأت بالحرية والحقوق كي لا يُؤجل «النقاش إلى ما بعد الثورة». هذا الجيل الحالي يعلم أنهم بعد الثورة لا يناقشون، بل إن المنتصرين يمارسون «حاكمية» الثورة!
هذه النقطة، التي أشرت إليها إشارة عابرة، هي، إن جاز القول، نقاش فلسفي يقع في نطاق التفكير السياسي. يعود السبب في أن السلطة السياسية الحاكمة، طيلة العقود الأربعة الماضية، لم تتصور هذه «الثورة»، ولا «الأكاديمية الوطنية» تصورت هذه الحقيقة في الحكم وفي الأكاديميا في إيران، إلى أن المهندسين والناشطين السياسيين السابقين، بمتوسط ذكاء متواضع جداً، تحولوا إلى «رجالات» سياسة وأعضاء أكاديميا، أو حُوِّلوا إليها، ومن البديهي أنهم لا يستطيعون أن يروا إلا ما تراه كل كائن حي له عينان ظاهرتان، إن رأوا شيئاً، وإلا فلن يبلغوا مرتبة تسمح لهم بدخول حقل يحتاج المرء فيه، لرؤية ظواهره، إلى «عين العلم الباطنة». التوضيح المقتضب لهذه الإشارة هو أن علماء الاجتماع قد يقولون إن فتوة سكان إيران... إلخ هي ذاتها التي كانت في الثورة الأولى. نسبة الشباب الحاليين إلى مجموع السكان هي تقريباً ذات النسبة التي كانت في الثورة الأولى. وكما استطاعت الفتوة، من وجهة نظر علماء الاجتماع، أن تفسر تلك الثورة الأولى، فإن التركيبة السكانية الحالية تستطيع أيضاً أن تفسر أسباب الأحداث الراهنة. من البديهي أن هذا الادعاء ليس خاطئاً من وجهة نظر الديموغرافيا والتركيبة السكانية في إيران، لكن هذا الادعاء، شأنه شأن كل منجزات العلوم الاجتماعية الحديثة، لا يتجاوز مستوى وصف ظاهر الظواهر الاجتماعية ولا يفسر شيئاً. المسألة هي لماذا وكيف ظهر الشباب – رجالاً ونساءً – بوصفهم «جسداً واحداً»، في مقام الأمة بمجموعها؟ أو، بالتعبير الذي استخدمته سابقاً، كيف حدث ظهور الذات السياسية الحديثة الطراز؟ في الواقع، الثورة تحدث على السطح، أو بالأحرى: في هذه الأعماق من الذهن، والعلوم الإنسانية، بمستواها المتدني في «الأكاديمية الوطنية»، لا سبيل لها إلى تلك الأعماق. كوني قلت منذ عقود مضت إن الانحطاط التاريخي وأفول التفكير في إيران قد وضعانا في حالة امتناع، كان معناه أنه في ظل تصلب التقليد، سيصبح فهم تحولات إيران، ذهناً وعيناً، مستحيلاً. تعبير آخر كنت قد استخدمته سابقاً، وأضطر لإشارة أخرى إليه، هو إشكالية صراع القديم والجديد أو التقليد والحداثة. حصيلة هذه النقاشات كانت أن حدود التفكير القديم والجديد وتخومه لم تتضح لنا. ثورة السابعة والخمسين، ومنظروها اليساريون واليمينيون والدينيون، بما خلقوه من تلفيق بين «التنويري» و«الديني»، استطاعوا أن يخلقوا هذا الوهم بأن تركيباً «سهلاً» من القديم والجديد ممكن، وأن «ممر العافية» ليس «ضيقاً» إلى ذلك الحد الذي قاله حافظ خطأً.
أي أنه يمكن العبور من الطريق الممهّد «للثورة من أجل المعنوية» إلى رحاب الثورة من أجل الحرية والحقوق. الشباب والنساء في الثورة الأولى، الذين كان أعظم فخر لكل منهم أنهم «مُقَلِّدون» لإحدى المنظمات التي لم تكن لديها تصور صحيح عن القديم ولا كانت تعرف ما هي مقتضيات العصر الجديد، وبالطبع أغلب هؤلاء، عذراً على ذكرهم، «الرجالات السياسيون» الذين لم يكونوا غرباء عن شيء قدر غربتهم عن السياسة، جميعهم، على حد سواء، كانت لهم قدم في وحل العالم القديم ويشيرون من بعيد بإصبعهم إلى العصر الجديد. العبور من ذاك إلى هذا كان بحاجة إلى «ثورة» في الثورة، يمكن القول إنها وقعت الآن، أي أن الذات الجديدة للسياسة في إيران قد ظهرت. كل تحول مستقبلي في المناسبات السياسية في إيران بحاجة إلى فهم ظهور ذات السياسة هذا. حتى الآن، لم تمتلك أي من القوى والمنظمات السياسية القدرة على فهم ظهور الذات هذا، ولهذا السبب أيضاً لم تستطع أن تلعب أي دور في التحولات السياسية للبلاد. السلطة السياسية الحاكمة، ثملى بخمرة الانتصار، وفي وهم أن قوة القمع يمكن أن تكون أهم أداة لحفظ السلطة وكبح أي احتجاج، أغلقت على نفسها كل سبل فهم هذه «الثورة» الراهنة. ينبغي لفاعلي أي تحول في المستقبل أن يستطيعوا فهم معنى هذه «الثورة الوطنية» بأدوات المعرفة الحديثة. في رأيي، «الثورة» تمضي في طريقها بأقدام راسخة، والسلطة السياسية و«الرجالات» المترجلون لم يستطيعوا بعد تمييز الطريق من غير الطريق، ناهيك عن الانطلاق فيه!
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الحادي عشر
جواد طباطبايي
پیشتر، در یکی دو مورد استعارۀ پراکندن خاکستر ایدئولوژی شریعتیـ چپی بر چشم مردم را آوردم و گفتم که تا دو سه دهه پس از انقلاب ۵۷ مردمِ ایران خاکستر به چشم ماندند و نتوانستند تصور روشنی از مناسبات ایجاد شده داشته باشند. ایدئولوژی شریعتیـ چپی ترکیبی از مارکسیسم مبتذل در حدِّ شعور اندک شریعتی و شرکا و رهبران سازمانهای چپ و اسلام ابوذرگونه بود که سرمشق آن نیز ماجراجوییهای ارنستو چه گوارای شهید بود. ذهن نسل پنجاه و هفت، اگر سیاسی بود، در بهترین حالت، انباشته از ترکیب این یاوهها بود که با هیچ عقل سلیمی سازگار نبود، اما نیازی به گفتن نیست که کسی با عقل سلیم انقلاب نمیکند. عامّۀ مردم، بویژه جوانان، به این یاوههای فریفته میشوند و در انقلاب شرکت میکنند و اگر ملّتی به طور تاریخی اندک عقل سلیمی داشته باشد علاج واقعه را پس از وقوع میکند. در ایران، که در سدههای متأخر عرفانیات و شعر مذهب مختار مردم آن بوده است، و در دهههای سی تا پنجاه نیز با طیفی از نظریههای ضدِّ اجتماعی، از ایدئولوژی فداییان اسلام تا نظریههای جنگهای چریکی ژنرال جیاپ و مائو تسه دون، در همآمیخت «عقل دستخوش خسوفی» بیسابقه شد و فهم اجتماعیـ «سیاسی» ملّت را ضایع کرد.
اینکه عنوان این یادداشتها را «انقلاب “ملّی” در انقلاب اسلامی» قرار دادم، اگر درست فهمیده شده باشد، این نبود که در آن انقلاب نخست میبایست انقلاب دومی میشد. نسل پنجاه و هفت، که ایدئولوژی شریعتیـ چپی چشم بسیاری از آنان را کور کرده بود، توان دیدن زوایای پنهان مناسبات جدیدی را که کشور را به قهقرا میبُرد نداشت. همین نسل، با آن درجه از دید و آن مایه از شعور اجتماعی و «سیاسی»، توان فهم منطق پیچیدۀ این ضرورت «انقلاب در انقلاب» را نداشت. ایدئولوژی شریعتیـ چپی، به عنوان ایدئولوژی، مانند هر نظام ایدئولوژیکی دیگر، به گونهای تدوین شده بود که نوعی بیهوشی موضعی ایجاد کند. شعور سیاسی اکثریت نسل پنجاه و هفتی، که فریفتۀ این ایدئولوژی شدند، حتیٰ بسیاری از رهبران گروههای سیاسی، اگر تعارفِ مُزورِّانه را کنار بگذارم، در حدِّ فاجعهبارِ «این بره، عبیدالله بیایه» بود، و پس از انقلاب هم در همان حدِّ نازل ماند. تا جایی که من در چهار دهۀ گذشته افراد نسل پنجاه و هفت را زیر نظر داشتهام، میتوانم بگویم که اینان، با این درجه از شعور «سیاسی»، هرگز نمیتوانستهاند آن «انقلاب در انقلاب» را به انجام برسانند. اینجا، میبایست گسستی از نظام گفتاری انقلاب ایجاد میشد، اما تردیدی نیست که عاملان این گسست نسل پنجاه و هفت نمیتوانستند باشند. نسل پنجاه و هفت، هر فضیلتی که داشت، از فضیلت ملّی بودن یکسره عاری بود؛ آن نسل، از ملّیون تا سازمانهای چریکی افراطی، در خدمت پیکار با امپریالیسم جهانخوار بودند و به یکسان آب در آسیاب نظام امّتمداریـ میهن سوسیالیسم میریختند. اینان، در گیجی مزمن ایدئولوژیکی، هرگز نتوانستند بفهمند که نظام امّتـ میهن سوسیالیسم به بنبست رسیده، شکست فاجعهباری خورده و نشانههای عصر نوزایش ملّتها نیز در افق پدیدار شده است. در این ناتوانی مزمن نسل پنجاه و هفت بود که از دو دهه پیش گسلی در ژرفای وجدان بخشی از ملّت، که انقلاب نکرده بود و، به عنوان فرزندان انقلابیان سابق، گواهِ ناتوانی اجتماعی و شعور اندک «سیاسی» پدران و مادران خود بود، یعنی به این نکته التفات پیدا کرده بود که انقلاب آنان همچون زدن نقش کاخی باشکوه بر روی آب بوده است، پدیدار شد. در همۀ کشورهای متمدن، یکی از وظایف آکادمی بررسی این گسلهاست، اما قدرت سیاسی، در توهّم «وحدت کلمۀ» ابدی، نیازی به دانشگاه و نهادهای پژوهشی مستقل نداشت، بلکه به «انبوه بیتحرک» استادانی را میخواست که نمونۀ دستچین آنها را چند روز پیش در تلویزیون دیدیم، و ما خجالت کشیدیم.
في أوساط جميع قادة ثورات العصر الحديث، من الثورة الفرنسية إلى أكتوبر وسبعة وخمسين، ساد وهمٌ مفاده أن تلك الثورة تفتتح حقبة جديدة في التاريخ، وأن قواعد التحول الاجتماعي السابقة فقدت اعتبارها بفعل ثورتهم. كان روبسبيير أول من قال إن الثورة الفرنسية قد بدأت حقبة جديدة في التاريخ العالمي؛ ومن بعده ادعى ماركس، في بيان الحزب الشيوعي، أن تاريخ العالم حتى زمانه لم يكن سوى تاريخ صراع طبقي، وأنه بانتصار الثورة الاشتراكية لن تعود هناك طبقات. وكان لدى لينين الوهم نفسه بأن ثورة أكتوبر هي بداية حقبة جديدة في التاريخ العالمي. في كل هذه الحالات، وحالات أخرى كثيرة، كانت المشكلة أن التحول التاريخي لا يخضع لنظريات الرجال السياسيين والمنظرين. فالحكومات التي تحكم بنظريات مسبقة الصنع، قد تدرك خطأها عاجلاً أم آجلاً، لكن هذا الوهم في بعض الحالات يكون أطول عمراً من أن يستطيع الرجال المفتونون بالإيديولوجيا أن يعوا أخطاءهم. منشأ فشل كلتا الثورتين، الفرنسية وأكتوبر، كان هذا الوهم عينه بكونهما ثورتين استثنائيتين منفردتين، ويجدر بنا أن نقول: وثورة سبعة وخمسين أيضاً! الحكم أمر تاريخي، ولا يمكن لأي رجل سياسي، من جهة، أن يجهل تاريخ البلد الذي يحكمه، ومن جهة أخرى، ألا يكون له هو نفسه موضع في التاريخ. لا توجد نظرية يمكن تطبيقها دون أي «مراجعة»، ولكن لا يوجد أي إيديولوجي لا يرى في مراجعة نظريته العدو الأكبر لإيديولوجيته. وفي هذا السياق، تؤدي الإيديولوجيات دورين مهمين: من جهة، وبالتعبير الذي استخدمته سابقاً، تذر الرماد في عيون الناس لكي تنتصر الثورة «على عمى عيون الناس»، ولكنها، من جهة أخرى، بخداع الرجال السياسيين بأوهامها، تمهد الأرضية لفشل تلك الثورة المنتصرة ذاتها. لقد أدت إيديولوجية شريعتي ـ اليسارية هذين الدورين على أفضل وجه: أنجحت الثورة المعادية للقومية، ولكنها، مع نهضة الأمة والفكر القومي، مهدت أيضاً لفشلها، لأنه لم يكن في تلك الإيديولوجية مكان لـ «الوعي القومي». الرجل السياسي الذكي هو من يستطيع أن يستفيد من الإيديولوجية بنفس الكيفية التي قالها مولوي بشأن السلم:
چون شدی بر بامهای آسمان سرد باشد جست و جوی نردبان
الحكم ليس ممكناً إلا بمراعاة الواقعيات وبالواقعيات. الوهم الذي تخلقه الإيديولوجيات السياسية، يبهت لونه بانتصار الثورة، إذا ما انتصرت، وفي مواجهة الواقعيات. وإذا لم يتأتَّ الوعي بهذا الأمر بين الثوريين، ولتأمين مصالحهم، فإن بذرته ستُعقد، عاجلاً أم آجلاً، بين معارضي الثورة ولتأمين مصلحتهم! نقطة اللاعودة في مسار فشل الثورة هي هنا بالتحديد. أهم سبب لانتصار أو فشل أي ثورة هو تشخيص زمن ظهور نقطة اللاعودة هذه ومكانها. جميع العوامل الأخرى، ولا سيما البحث عن عامل في الخارج والعثور عليه، فرع عن هذا القانون الحاكم على الثورات. كل ثورة تفشل، أو تنتصر، من الداخل وفي الداخل. الخطيئة الأولى لقيادة أي ثورة هي ألا تعلم متى ينبغي لها أن تتخلى عن سلم الإيديولوجيا؛ والخطيئة الثانية، التي تقترب من «الخطأ»، هي أن تصر، عندما يبلغ النظام نقطة اللاعودة، على «خطأ» عدم الفهم. [3] وكما قال علماء الطبيعيات قديماً: الطبيعة تمقت الفراغ؛ والوعي أيضاً يمقت الفراغ، وعند نقطة اللاعودة هذه بالتحديد ينتقل الوعي من مقام الحكام إلى مقام المحكومين! هذا ما حدث في إيران خلال العقدين الماضيين.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم الثاني عشر
جواد طباطبايي
مع نهاية عصر الإيديولوجيات وعودة عصر الدولة ـ الأمم، وفي غياب رجال سياسة ذوي دراية بالظروف وواقعيين، كما أشرتُ سابقاً، انتقل الوعي الوطني في إيران إلى أقرب موضعٍ كان قد نشأ فيه الفراغ الأساسي. في كلا عنصري التلفيق الإيديولوجي الشريعاتي ـ اليساري، لم يكن هناك مكان للأمة والدولة والوعي الوطني التاريخي؛ بل على العكس، كانت تلك الإيديولوجيا، بوصفها إيديولوجيا ثورية، على حد تعبير أحد نواب رئيس الجمهورية، «تعاني مشكلة» مع ما هو تاريخي، وأرادت عبر «الهندسة الثقافية» أن تخلق إنسانها الطراز الجديد. كان من المفترض أن تضطلع الثورة الثقافية بمهمة «الهندسة الثقافية» الكبرى هذه، والتي انحصرت حتى الآن في إهانة نساء البلاد و«التهام الحليم» من قِبَل أعضائها.[4] لا يوجد مصطلح بقدر مصطلح «الهندسة الثقافية» هذا يعبّر عن الجهل بطبيعة الثقافة. الثقافة أمر تاريخي، والأمة هي التي تبدعها في تحولها التاريخي. حتى الآن، لم تُصنع الثقافة حسب الطلب في أي بلد، لأن الثقافة ليست «قابلة للصنع». وفي البلدان التي حاولت صنعها، كالصين أثناء الثورة الثقافية، ومعسكر الاشتراكية وغيرها… كانت النتيجة عكسية.[5] ما تعلمناه من هذه التجارب التاريخية هو أنه لم تؤدِّ أي «هندسة ثقافية» إلى «صنع» ثقافة طراز جديد، بل على العكس، خلقت فراغاً مريعاً في أذهان الناس، يمكن لعواقبه أن تعرّض وجود أي نظام سياسي للخطر. هذا الفهم «اللا ثقافي» للثقافة دخل إلى نظام الخطاب الثوري عبر التلفيق الشريعاتي ـ اليساري. في حسينية الإرشاد، كان شريعتي نفسه قد خاض تجربة ناجحة في «الهندسة الثقافية»، وقد لعبت هذه الهندسة الثقافية، التي كان جانبها السلبي بارزاً جداً، دوراً بالغ الفعالية في انتصار الثورة، ولكن في نظام الخطاب لخُطبائها المهمين، لم يكن هناك، من الناحية الإيجابية، أي شيء يرتبط بإدارة شؤون العالم الجديد. كان شريعتي يتصور أن في تلفيقه الإسلامي ـ السوسيولوجي الماركسي إجابة عن جميع أسئلة العالم الجديد، كما كان مطهري يظن أيضاً أن جميع العلوم الحديثة يمكن استخراجها من إسلامه (أشرتُ سابقاً إلى تدوينه لعلم الاقتصاد). جميع القوى التي أسهمت في انتصار الثورة، من أطياف اليمين الإسلامي إلى اليسار المتطرف، كانت ترتوي من تُركة «الثورة الثقافية» وتظن أن خلق «الإنسان الطراز الجديد» الإسلامي أو الماركسي أمر ممكن. ورغم أن الثورة انتصرت حين كانت الثورة الثقافية و«الهندسة الثقافية» قد باءت بالفشل بأشكال مختلفة في جميع بلدان المعسكر اليساري، من الصين وألبانيا إلى الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، إلا أن منتصرِي الثورة، في خضم الانتصار وبجثة السلطة التي بقيت على أيديهم، لم يمتلكوا القدرة على فهم علل وأسباب هذا الفشل. كان الأصل هو أنه ينبغي إدارة الثورة، لكن فقدان أشخاص مثل شريعتي ومطهري، الذين مهدوا الطريق للاستيلاء على السلطة، كان يؤدي إلى أن يدير المنتصرون بلداً معقداً وهم صِفر اليدين. قلتُ سابقاً أيضاً إنه حتى أشخاصاً مثل منتظري فكروا بعد انتصار الثورة في صياغة نظرية لها.[6] إدارة البلاد هذه في ظل فراغ نظرية حكم متماسكة أدت إلى أن يرتكب المسؤولون الخطأ نفسه الذي ارتكبه قادة المعسكر اليساري، أي أن يوفروا من «الهندسة الثقافية» مسكّناً لفراغ نظرية الحكم. الجمهورية الإسلامية، في محاصرة القوى المشاركة في الثورة وادعاءاتها بالمشاركة في السلطة السياسية، كانت مضطرة إلى أن تلجأ إلى التركيبة الإيديولوجية الشريعاتية ـ اليسارية وتضع «الهندسة الثقافية» على جدول أعمالها. تلك التركيبة الإيديولوجية، كما أشرتُ سابقاً أيضاً، كانت مجموعة لا تاريخية، وكان فرضها على بلد كان تاريخياً على الدوام وكان أهله يمتلكون دائماً فهماً معقداً لمصيرهم التاريخي، أكبر خطأ ارتكبته الجمهورية الإسلامية. كلما ازداد هذا الفرض حدة، ازداد رد الفعل عليه، ولكن هنا أيضاً ارتكب مدّعو «الهندسة الثقافية» الخطأ نفسه الذي ارتكبه أنصار «الثورة الثقافية» في البلدان الاشتراكية من قبل، أي أنه كلما تجلت علامات فشل الاشتراكية أكثر، زادوا من حدة الثورة الثقافية، وهذا الأمر نفسه كان يؤجج المقاومة ضد النظام الاشتراكي القائم.
في إيران، باعتبارها بلدًا تاريخيًا، ذا نسقٍ شعائري-فكري هو نتاج تاريخها المعقد ووحدتها الوطنية التاريخية، فإن الحكام الذين تربوا مخبريًا خارج التاريخ – يمكن الرجوع إلى أقوال كجويان، الأستاذ الجامعي وعضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية – لم يكن بإمكانهم تصور التحولات في أعماق ذهن شعب البلاد، ولا سيما شبابها. إن تبديد الإمكانات المادية والمعنوية للبلاد في سبيل «الهندسة الثقافية» لم تكن له نتيجة سوى خلق «طبقة جديدة» ريعية لا تؤمن البتة بمبدأ «الهندسة الثقافية» – أكل حداد عادل للحليم الذي أشرت إليه سابقًا – ولكنها مستعدة للدفاع عن مصالحها ما أمكن. في عصر الإعلام حيث كل شيء في متناول الجميع، كلما ازداد عدم إيمان المسؤولين بمسؤوليتهم وتم استعراضه، تسارع عدم إيمان الشعب بهم. كانت الصدوع المرعبة بين الشعب، ولا سيما الشباب، والمسؤولين من نتائج انعدام الإيمان المتبادل هذا. الحكومة المتجانسة، التي كان يُفترض أن تؤدي إلى التجانس في جميع شؤون البلاد، كانت بمثابة الكنجبين الذي زاد الصفراء، ولكن بما أنه يبدو أن «قول الرجال واحد» بين الطبقات عديمة الثقافة، فليس من المقرر أن يعرف المسؤولون أين ضلوا الطريق. الآن، اصطف انعداما الإيمان في مواجهة بعضهما، صف متراص من شعب لا يؤمن بالنظام، وصفوف متفرقة من مأمورين معذورين لا يؤمنون حتى بـ«أنفسهم».
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الثالث عشر
جواد طباطبائي
قلت إنه في ظروف أزمة العقود الأربعة الماضية، ولا سيما في العقدين الأخيرين حيث تعمقت الأزمة أكثر فأكثر جراء عدم كفاءة ساكني الأكواخ الحاكمين، كان الوعي الوطني الإيراني يبحث عن ملاذ جديد. بانتصار الثورة المضادة للوطنية، كان الوعي الوطني الإيراني، الذي فقد مسكنه الأصلي، إن جاز القول، في هجرة طويلة الأمد بحثًا عن ملاذ. بذلت التربية والتعليم، ونظام التعليم الجامعي، والإذاعة والتلفزيون، وسائر الأجهزة الدعائية العريضة والطويلة للجمهورية الإسلامية جهودًا مضنية لإفراغ ذهن الأجيال الجديدة من الوعي الوطني وإحلال أيديولوجيا شريعتي-اليسارية الرسمية محله. كانوا يظنون أنهم بهذه الطريقة سيتمكنون من توطيد دعائم حكمهم. في ذلك الوقت، كانت تجارب البلدان الاشتراكية، وفشل ثوراتها الثقافية، متاحة، وقد أشرت إليها سابقًا، لكن ثوريي إيران، شأنهم شأن جميع الثوريين، ظنوا أن تجارب الآخرين لا تنفعهم وأنه يمكن بـ«قلب جميع المعادلات العالمية» بالدعاية الكثيفة. بالنسبة لجميع من لديهم أدنى تصور عن الإنسان، ولا سيما الإنسان الإيراني، كانت نتيجة غسيل الدماغ هذا معلومة مسبقًا. إيران بلد تاريخي، وجميع شؤونها الوطنية تكونت بشكل طبيعي وعلى مر قرون طويلة. السبب في أن أيا من الحكومات غير المثقفة السابقة من العرب والترك والمغول لم تقدم على غسيل دماغ واسع كهذا، ربما، كان أنهم حتى هم كانوا يعرفون بالفطرة على أي بلد سيطروا. يمكن القول إن هؤلاء اللا إيرانيين كانوا قد أدركوا هذه النقطة الأساسية في التاريخ الوطني، وهي أنهم إذا تعلموا من «نحن» فسيكونون هم الرابحين، لأنهم لا يملكون شيئًا يقدمونه لأمة مر عليها تاريخ وتعلمت تجارب كثيرة من التاريخ. كان من حسن حظهم أن أذهانهم لم تكن مشوبة بأوهام أيديولوجيا شريعتي-اليسارية للحكام حديثي العهد. كان الدين الأيديولوجي للحكام الجدد يعاني من إشكال رئيسي هو أنه لم يكن دينًا خالصًا ولا أيديولوجيا يمكن شرح منطق تحولها وتشخيص طرق الضلال. كان يحكم هذا الدين الأيديولوجي منطق مزدوج من الدين القديم والأيديولوجيا الجديدة، وكان تركيبه المنطقي خليطًا أعوج يستحيل فهمه حتى على خالقه، شريعتي. كان شريعتي شابًا ذا معرفة شحيحة للغاية وشخصًا ذا أغراض كثيرة، أدى دور «المريد الصغير» لصائدي الثعابين؛ كان يعرف التعويذة اللازمة لإخراج الثعبان من الجراب، لكنه لم يكن يعرف التعويذة اللازمة لإعادة الثعبان إلى الجراب، أي أنه لم يتعلمها، لأنه لم يكن له معلم، ومثل جميع الناس المتخلفين كان قد اكتشف كل شيء بنفسه.
كانت الجماعة التي سيطرت على أجهزة الدعاية وغسيل الأدمغة إثر انتصار الثورة، جميعها، على تفاوت، ملوثة بفيروس إيديولوجيا شريعتي اليسارية، وكان كثيرون منهم مهندسين مسلمين لا يعرفون من الهندسة شيئاً ولا يتدينون حتى كمهندسين سيئين. وكان جميع هؤلاء ملوثين بفيروس «القومية كفر» إلى حدٍّ لم يعد ينفع معهم أي علاج. وهكذا، ظنُّوا جميعاً أنهم بتسريع وتيرة العمل الإيديولوجي يمكنهم بلوغ النتيجة المنشودة. كانوا، كسائر أهل الإيديولوجيا، أسرى وهم أن إيديولوجيتهم لا تُقهَر، لكن ما لم يعرفوه، بصفتهم لاإيرانيي داخل الحدود، هو أنهم يحكمون بلداً جميع شؤونه وطنية، وبالطبع وطنية. كان مثال جهاز الدعاية في الجمهورية الإسلامية في كل ما يعرضه، هو مثال «الطفل المرشد» الذي لم يتعلم سوى نصف حيل صيد الأفاعي. فعلى سبيل المثال، استطاعت وزارة التربية والتعليم أن تفرغ أذهان المراهقين والشباب في البلاد بنجاح، لكنها لم تكن تملك شيئاً لملء ذلك الفراغ. وحين انتبه الحكام إلى هذا الفراغ، طرحوا، بصفتهم «أطفالاً مرشدين»، رأياً اتضح أنهم عاجزون فيه عن تشخيص الداء. كانت الحكومة قد أفرغت أذهان المراهقين والشباب تماماً وبنجاح من كل ما هو ثقافة وطنية، لكنها لم تكن تملك شيئاً لتقدمه لهم، ولأنه لم يكن مقرراً أن نكون نحن المذنبين، كان لا بد أن نجد عدواً نلقي على عاتقه كل الذنوب. هذا الإدراك للوضع الذي نشأ، والذي كان عين عدم الفهم، كانت له هذه الحسنة أيضاً: أن ذيل كبريائنا «النحن» لا يتلوث، وأن فزاعة تُوجد يمكننا أن نرتجز أمامها عمراً بأكمله، بل أن نحاربها على طريقة دون كيشوت دون أن نقدم قتيلاً واحداً. والحكام، غافلين عما جلبه المهندسون المسلمون على رؤوسهم، حاربوا طوال سنين بسيف نظرية «الغزو الثقافي» الصدئ في جبهة لم يكن فيها عدو. كانت لهذه الحرب حسنة أن النصر فيها كان من نصيب «نحن»، لأنه كان من صنع «نحن» أنفسنا. كانت صورة المسألة بسيطة جداً: سكان الأكواخ، في عزلتهم اللاثقافية، لا يرون الفراغ الثقافي الذي أوجدوه بأنفسهم، لكنهم يرون المخلوقات الخيالية التي اختلقوها، وكلما حاربوا أكثر في جبهة «الغزو الثقافي» الخالية بخيالاتهم المختلقة، كانوا يتباهون بأنفسهم «كشهداء أحياء» دون أن يقدموا قتيلاً. ما كان يحدث في جبهة القتال الحقيقية، ولم يكن مقرراً أن يراه أحد، هو تعمق الفراغ يوماً بعد يوم، لأنه حين يحارب جيش في جبهة خالية، فإن «العدو» يتقدم في جبهة أخرى. كلما حارب الحكام أكثر في تلك الجبهة الخالية من عدو «الغزو الثقافي»، كان الفراغ الثقافي يزداد عمقاً في الجبهة الأخرى، لكن، كما أشرت سابقاً، المشكلة هي أن حقل الثقافة، كالطبيعة، يخاف من الفراغ. ما حدث في العقدين الأخيرين هو أن المراهقين والشباب استطاعوا أن يجدوا وعياً عميقاً إزاء الفراغ الثقافي. تدريجياً، وفي كفاح تحت أرضي، استطاعوا أن يقوموا بتصفية حساب أساسية مع كل ما كان يُفرض عليهم. ومع زوال الدوار الناجم عن تلقي ضربة إيديولوجيا شريعتي اليسارية للثورة، وعلى خلاف العادة، ملأوا الفراغ بثقافة كان مقرراً ألا يبقى لها أثر بظهور الجيل الجديد. هنا ملأت الفكرة الوطنية محل الفراغ الثقافي الناشئ. فبينما كان الحكام يظنون أن الإيديولوجيا الجديدة ستدخل من طريق الغزو الثقافي، كان شبح الفكرة الوطنية واقفاً على عتبة باب قسم كبير من المراهقين والشباب الإيرانيين. بقي هذا الشبح خفياً عن أعين الحكام لأسباب عديدة. أولها أن أنصار نظرية المؤامرة يبحثون دوماً عن المؤامرة في الأماكن البعيدة. وثانيها أن هذه الفكرة الوطنية نفسها، بصفتها جزءاً مهماً من ثقافة إيران، كانت ممتزجة بجميع شؤون هذه الثقافة وتجلياتها، ولم يكن بمقدور سكان الأكواخ الحاكمين تمييز جميع أجزائها. كانوا قد تحصنوا حول البيت الأبيض وكانوا في حلم المعركة الأخيرة المنتصرة التي يحولونه فيها إلى حسينية بإمامة جماعة الأستاذ حسن عباسي. كانت جميع مقدمات بدء نشاط بركان الوعي الوطني لدى المراهقين والشباب جاهزة. ما خرج حتى الآن وإلى هنا على هيئة فقرة هو جزء يسير من البركان الهائل للسخط العام، وغفلة المسؤولين، والوعي الوطني.
سأتحدث عن ظهور هذا الوعي الوطني بين المراهقين والشباب، وخصائصه، في قسم آخر، ولكن لا بد لي أن أقول هنا إن من نتائج عدم اكتراث الحكام المزمن أن كل مساعيهم لخلق «إنسان نموذجي جديد» إسلامي قد ذهبت أدراج الرياح بحيث لن يكون من الممكن بأي حيلة استعادة تلك الفرص الضائعة، والأفضل أن يكف الحكام عن تكرار هذه التجربة الفاشلة. قيل قديماً إن «الإنسان محل السهو والنسيان»، نعم! مرة واحدة، أما الخطأ الثاني فمن علامات عدم الفهم المزمن.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
القسم الرابع عشر
جواد طباطبايي
وكأن الوعي الوطني الباحث عن ملاذ كان قد أدرك أيضاً أنه لا يمكن تعليق أي أمل على معظم أفراد الجيل الذي قام بالثورة. لقد كانت الأيديولوجيا الثورية قد أفسدت روح الجيل الثوري وجسده أكثر مما يسمح بالأمل في خلاصه. ومن الأمثلة المثيرة للشفقة على هذا الجمع الخامل من الثوريين بقية السيف للمنظمتين الكبيرتين اليسارية والدينية: تلك الجماعة الأخيرة تتألف من جمع يزيد متوسط أعمارهم عن الستين عاماً، يعانون جميعاً من اكتئاب عميق، ويعيشون في خلية لا تملك نساؤها حتى حرية اختيار لون الحجاب وعقدته. هؤلاء المكتئبون التاريخيون، مثل أمة كوريا الشمالية، يضحكون جميعاً معاً ويبكون جميعاً معاً، وكما تقول فروغ مثل «الموتى المتحركين يلتقون وعندها ستحكم الشمس على فسادهم»: أعمار أُهدرت في غبائهم وطموحات قيادة المنظمة، أوهام مصحوبة بكوابيس مرعبة، أقنعة جامدة شديدة الاكتئاب، خاوية من كل إنسانية، وكأنهم في انتظار أبدي لظهور مسعود الغائب! وعلى العكس من ذلك، حظيت المجموعة الأولى، بدرجة من الغباء في الاتجاه المعاكس وتساويها، بفرصة أن «الرفاق السوفييت»، في حالة البارانويا الدائمة للأجهزة المخابراتية المرعبة في المعسكر الاشتراكي، ومنذ اليوم الذي شدت فيه «المنظمة» الرحال إلى وطن السوفييت، كانوا يعتبرونهم جواسيس وفقاً لتقليد ذلك الوطن، وأنزلوا بالعناصر بلاءً أنسى الكثيرين منهم الاشتراكية. وساعدهم الحظ مرة أخرى أن الرأسمالية لم تكن قد انهارت بعد، وكان بالإمكان، مصداقاً لوجود أفاعٍ في جهنم يلوذ المرء من خوفها بالتنين، أن يجدوا مكاناً في ذلك النظام الفاسد ويناضلوا من الداخل لإسقاطه.
على أية حال، ليس قصدي من الإشارة إلى بؤس الرفاق والإخوة أن أُظهر فضائلهم أمامهم؛ بل على العكس، أريد أن أقول إن «الثورة الوطنية» كان ينبغي لها أن تتأخر حتى يظهر جيل آخر كان «إنكاراً» لهم وليس «عداءً» لتينك المجموعتين اللتين ألقى بهما تاريخنا «الوطني» في مزبلة التاريخ. لقد تساءل كثير من الإيرانيين، وحتى الأجانب ممن كانت لديهم أدنى فكرة عن إيران، مراراً ولا يزالون يتساءلون: كيف أمكن للثورة الإسلامية أن تنتصر في إيران، وأن تستمر أربعين عاماً رغم كل هذا العجز؟ هاكم أحد تلك الأسباب! لقد أشرت مراراً إلى رماد أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية؛ هذه الأيديولوجيا حوّلت ذهن كلتا المجموعتين الكبيرتين للبلاهة في سنوات ما قبل الثورة وما بعدها إلى سبخة لا ينبت فيها إلا شوك القتاد. كان من خلاف المعتاد أن يؤخر سيطرةَ ثوارِ الثورةِ «الوطنية». لقد بذل جهاز التعليم والتربية العريض الطويل، ومؤسسات التعليم العالي، وشتى وسائل الإعلام العامة الرسمية الحكومية جهودها لتنفير الجيل الذي كان يظهر من أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية، لكن بقايا هيمنة المنظمات الداعمة للبلاهة لم تكن تسمح بإيجاد بديل لتلك الأيديولوجيا. كان لا بد أن يمضي عقدان حتى يظهر جيل عاش انحطاط كلتا مجموعتي الحكام وبؤس المنظمات وجرّبه. لقد استطاع هذا الجيل أن ينقل نفسه إلى خارج خلية الحكومة والمنظمات الهشة، ولكن بما أن كلا مجموعتي الحكام والمنظمات لم يكونا قادرين على تصور مدى ما وراء أوهامهم، فقد استطاع الجيل الجديد أن يتخفى طويلاً في شقوق وفرج «النظام» وأن يدخل الميدان في اللحظة الموعودة من النقطة العمياء لرادار «النظام». كان سعدي قد قال: «لا تظنن كل زاوية خالية/فلربما كان النمر فيها رابضاً!» مشكلة الأنظمة الشمولية أنها لم تكن تعلم أنه لا يوجد أي مجتمع، ولا أي سلطة مهما كانت كاملة، يمكن مراقبة جميع «زواياه». لا أريد أن أضرب مثلاً من منظري دار الكفر حتى لا يغضب العلماء الأعلام، لكن لا يسعني إلا أن أشير إلى توما الأكويني، القديس المتأله المسيحي في القرن الثالث عشر الميلادي، الذي كان يقول، بلغة السادة: لا إكراه في الدين؛ فإن وُجد إكراه، آمن الناس بشيء، وعملوا بشيء آخر! هنا تكمن العتبة التي يبدأ بعدها انحلال أي حكومة. المعرفة الضرورية للحكم هي ذاتها العلم بالشقوق والفرج، أو «كل زاوية» عند سعدي، ولا يمكن لأي حكومة ألا تعلم ما يجري فيها، لكن الفرق بين الحكومات ذات السلطة الحقيقية والحكومة الهشة المدعية «للسلطة» هو أن مدعي هذه «السلطة» يظنون أنهم يستطيعون سد جميع تلك الشقوق والفرج، أما حكومات النوع الأول، صاحبة «السلطة»، فتراقبها، ولكنها، لعلمها بعلم السياسة، لا تسدها، لأنها تعلم أنه لا يوجد مجتمع يمكن سد جميع «زواياه»؛ فهناك دائماً إمكانية أن تجد «النمور زوايا أخرى أكثر خفاءً». لم يكن لدى الحكام علم بالحكم، ولم يتعلموه بعد أربعة عقود.
من البديهي أنهم، بحسب وهمهم، قد أنشأوا جامعة بأساتذة ملتزمين كثيرين يُفترض أنها ستُستخدم ليوم الحاجة، ولكن هنا أيضاً، كالعادة، مر السادة على جوهر الموضوع؛ هؤلاء لم يعلموا، ومرجع تقليدهم شريعتي لم يعلم أيضاً، أن كل عالم ملتزم بعلمه لا بسياسة الحكام! عندما يكون معيار الاختيار هو الالتزام بـ «خاتم عقيق وسبحة وكوفية»، تكون النتيجة أنه في يوم الحاجة يأتي جمع من هذه النخب، رئيسا جامعة أو ثلاثة، وعميدا كلية أو ثلاثة، ووزير واحد، ونائب وزير سابق أو اثنان، وبضعة أساتذة كراسي متميزين وأستاذ أو اثنان من آكلي الحلوى، ليدبروا أمراً، ولكن «هؤلاء المحترقين فارقتهم الروح وما صدر عنهم صوت». ليس هناك ما يدل على حيرة الحكام في رد فعلهم على الوضع الراهن أكثر من هذا الاجتماع، وكلمات السادة والسيدات: نوع من البصق في وجه الريح، بل وأسوأ من ذلك!
درس آخر في السياسة الجديدة هو أن هذا «الاحتجاج» الراهن، الذي هو نتاج تراكم أثر الإهانة الموجهة للناس وصداه في أذهانهم على مدى سنوات طويلة، لا يمكن علاجه بالتدابير الترقيعية لـ«الجمهور الساكن» من هؤلاء الأساتذة وجلساتهم المماثلة؛ لم يطرأ إشكال يمكن لتلك التدابير الترقيعية أن تحله، لأن كثيرين من هؤلاء هم أنفسهم من ممارسي سياسة إهانة الكرامة الإنسانية. على العكس، بهذه التدابير يتحول «الاحتجاج» إلى عصيان. هذا «الاحتجاج» الراهن، بالنظر إلى ما قلته في الأجزاء السابقة أيضًا، هو «ثورة وطنية» وسنده تراكم الوعي الوطني وتبلوره في جيل نشأ وترعرع خارج خلية الحكام والمنظمات ولم يُعمِ رماد أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية عينيه (ليس من شأني أن أشرح كيف حدث هذا الأمر. إن شاء الله سيقوم مستشارو الحكومة بشرحه). الإمكانيات النظرية للسياسة في العالم الإسلامي، إن كان ثمة شيء من هذا القبيل، لا تملك القدرة على فهم وشرح كل هذه المفاهيم والأحداث المستجدة. لا يوجد في أيديولوجيا الحكام والمنظمات أي شيء يمكنه أن يلقي ضوءًا على زوايا هذا الوضع المستجد. في هذا الشأن، وعلى مدى أربعة عقود، بُذلت كل الجهود الممكنة؛ ومن المستبعد أن يُسمع من الآن فصاعدًا صوت من هؤلاء القتلى في التاريخ المظلم. في الدول الوطنية الراهنة، حتى تلك التي لا هي بدولة ولا هي بأمة، لا يوجد مكان يخلو من الوعي الوطني والمطالبة بحقوق الأمة. في بداية الثورة، لم ينتبه الحكام إلى هذه النقاط الدقيقة في السياسة الجديدة، أما الرفاق والإخوة في تلك المنظمات الذين جلسوا قسرًا على الهامش وأطلقوا صيحات «عرقِلوه»، فعلى الأقل قادتهم، كانت أذهانهم متعفنة لدرجة أنه لم يكن مقدرًا لهم أن يكونوا تصورًا عن عالم كان في طور التجدد. القاسم المشترك بين كل هؤلاء، في المعارضة والموافقة، كان شيئًا في حدود «النظرة الكونية والاقتصاد التوحيدي»، أي بيان هزيمتهم الذاتية وكارثة للبلاد. الآن، تحقق هذا البيان وبرنامجه. وكما يقول أخوان، جثمان بلد شهيد على أيدينا، وجيل حي نضر مسلح بالوعي الوطني وجهًا لوجه أمام السادة! «لم يقدم أحد على قتل نفسه بهذه الفظاعة كما أقدم [السادة] على الحياة!»
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء الخامس عشر
جواد طباطبايي
شرحت كيف أن الوعي الوطني، بعد عقود من انتصار الثورة الإسلامية، وجد ملاذًا له لدى الشباب، في جيل لم يقم بالثورة، لكنه نشأ وترعرع في الجمهورية الإسلامية. كان واضحًا إلى حد ما لمن لديه نصيب ولو يسير من علم السياسة الجديدة ومنطق الدولة الوطنية، أن أمة تاريخية عريقة قائمة لا يمكن تحويلها إلى جزء من أمة موهومة. ما يبدو مخالفًا للعادة ومدهشًا في هذه المرحلة من تطوره وظهوره الخارجي هو أن الوعي «الوطني»، على عكس كثير من البلدان الأخرى التي ظهرت فيها النزعات الوطنية ـ أو الأجدر بي أن أقول: النزعات القومية ـ في صورة كراهية الأجانب وحتى العنصرية، هو وعي عالمي أيضًا ـ سأعود إلى هذه المسألة بشيء من التفصيل. يبدو ظهور الوعي الوطني العالمي هذا مخالفًا للعادة من حيث إن الأيديولوجيا الرسمية للثورة الإسلامية، في العقود الأربعة الماضية، كانت ناظمة لتصدير الثورة و«قلب المعادلات العالمية». هاتان الدعويان، إن لم تكونا مجرد لغو لسان، كانتا في النظر عديمتي المعنى، وفي العمل محكومًا عليهما بالفشل. وكما قلت مرارًا من قبل، لم يكن الجالسون على أريكة السلطة يعرفون السياسة، ولم تكن لديهم دراية بلوازم مثل هذه الادعاءات. من جهة، لم يتجاوز هؤلاء في سياساتهم العلاقات القبلية لصدر الإسلام، ومن جهة أخرى، لأنهم لم يعرفوا السياسة، كانوا قد وضعوا زمام أمورهم بأيدي بضعة نشطاء سياسيين قادمين من الخارج، ومجموعة من المهندسين، وكانوا يظنون أن هؤلاء محيطون بكل علوم العالم. من أولى الطامات التي ارتكبها هؤلاء المهندسون أنفسهم في سبيل تصدير الثورة وقلب المعادلات العالمية، كان احتلال «وكر التجسس» للولايات المتحدة واحتجاز دبلوماسيي ذلك البلد كرهائن، مما أظهر أن السادة ـ بتعاون سيدة واحدة كان البلاء ينهمر من رأسها ووجهها، ولا يزال ينهمر ـ لا يعرفون شيئًا عن السياسة فحسب، بل ليست لديهم تصور واضح عن حجم ووزن البلدان. وكأن الشباب المسلمين، في ارتكابهم للبلاء الأعظم، لم ينظروا إلى أنفسهم في المرآة ليعرفوا كم هم ضئيلون وما هي العواقب التي يمكن أن تترتب على النزال مع غول العصر.
رجال الدين الذين تفاوضوا مع أمريكا ومهدوا الطريق للوصول إلى السلطة، لو كان لديهم ذرة من عقل أو أدنى فهم لمنطق العلاقات الدولية، لاستطاعوا أن يضعوا الشباب الفضوليين في حجمهم، لكن العقل بين الثوريين، على حد تعبير ديكارت، كان شيئًا «موزعًا بالتساوي»، أي أنهم جميعًا، من الشيخ إلى الشاب، كانوا على درجة واحدة من الخلو من عقل المعاش. وسبب ذلك، وأكرر، أن العلماء لم يكونوا يعرفون السياسة، والشباب المسلمون المهندسون كانوا قد تسمموا بمزيج من أيديولوجيا شريعتي اليسارية وقليل من «الرياح والأمطار في القرآن» لدرجة أن شيئًا لم يعد يُرجى منهم، كما لم يُرجَ منهم شيء حتى الآن. كل معرفتهم بالسياسة كانت تلك النظرية البدعية «الضغط من الأسفل والمساومة من الأعلى». هذه النظرية فسرت كل شيء في الجمهورية الإسلامية، لكن المشكلة أنها كانت بلا معنى في السياسة، ولن أخوض في ذلك، لكن ما لم يعرفه صاحب النظرية وأنصاره هو أنه بين ذلك الأعلى وهذا الأسفل، أي أمة نازي آباد، كان هناك وسط لم تكن لدى الثوريين صورة واضحة عنه. لقد قلت إن الثورة الإسلامية كانت نقيضًا للثورة الدستورية التي أدخلت إيران في العصر الحديث، وكان من سماتها ظهور طبقة وسطى نمت على مدى أكثر من سبعة عقود وخلقت آدابها وأنماط سلوكها وذوقها وذائقتها وثقافتها. هذه الطبقة الوسطى، التي ظنت بفعل «خديعة» أن الثورة ستلبي مطالبها، كان لها دور مهم في انتصار الثورة، لكنها أُقصيت منذ البداية، وبخاصة مع صعود سكان الأكواخ.
كان أحد أهداف احتلال سفارة الولايات المتحدة، الذي كان قادته أولئك «أبناء نازي آباد» أنفسهم، هو تمهيد الأرضية لصعود سكان الأكواخ هؤلاء، وإن كانوا وقت ارتكاب الجريمة لا يستطيعون التكهن بذلك. كان ذلك الإجراء الأحمق فشلًا ذريعًا من جميع النواحي، وبخاصة مكافحة الإمبريالية! فعندما اضطر مسؤولو الجمهورية الإسلامية إلى الدخول في مفاوضات لحل مشكلة الرهائن، لم يكن لدى النظام حتى فقيه قانوني واحد كفؤ - أي موثوق - يمكنه أن يظهر أمام المفاوض الأمريكي ويدافع عن الموقف غير القابل للدفاع لـ «طلاب خط الإمام». ولم تبقَ لدى إيران سمعة بين الدول تمكنها من العثور على وسيط مقبول، فاضطرت إلى اللجوء إلى الجزائر التي كانت تُعتبر دولة «تقدمية»، لأنها كانت أحد مخابئ إرهابيين مثل كارلوس وأنيس نقاش، قاتل شابور بختيار لاحقًا، وكانت الدولة الوحيدة ذات الهيئة الحاكمة التي كان مسؤولوها يضاهون بهزاد نبوي خاصتنا في التخلف.[7] البلد الذي قام بثورة لقطع التبعية، وجعله علماؤه الأعلام، بفعل جهل مجموعة من الشباب، الذين يمكن القول مع كثير من التساهل إنهم كانوا بُلْهًا، إن لم نقل إنهم كانوا ضحية تلاعب، تحت راية البلد الصديق الشقيق، عبدًا لدولة متخلفة ومسؤوليها الإرهابيين. سأكتفي هنا باعتراف واحد من أحد زعماء الإرهاب ورئيس تحرير صحيفة المجاهد الرسمية، والذي كان سفيرًا للجزائر في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. رضا ملك يعترف في مقابلة مع إحدى شبكات التلفزيون الفرنسية بدهشة بالغة: «لقد منحنا الإيرانيون ثقة كاملة (مع التشديد على هذه الكلمة: كااااااااااملة) لدرجة أنهم كانوا يسألوننا في كل أمر: ماذا نفعل؟» بالطبع، ما لا يظهر في هذه الترجمة، لكن يُحس في نبرة السفير، هو استغاثة ذلك السائل الذي يقول «ماذا نفعل؟» ولا بد أن ذلك الشخص هو «المقاتل العجوز» المهندس بهزاد نبوي.
في رأيي، كان الجزائريون الثوريون، وكوادرهم اللاحقة، الذين تلقى كثير منهم تعليمهم في جامعة باريس، من أكثر عرب شمال أفريقيا تخلفاً، وبمساعدة هؤلاء الإخوة "التقدميين" أنفسهم، ألبسوا "الغوريلا العجوز"، وبالطبع الأمة الإيرانية، طاقية، كما اعترف أحد كبار المسؤولين الأمريكيين بعد ذلك بقوله: "لقد أنزلنا بالإيرانيين بلاءً بحيث لا يجرؤ أحد بعدهم على الإقدام على مثل هذه الأعمال."[8] على أية حال، كانت لاحتلال السفارة عواقب كثيرة على النظام، كان من أهمها خنق الطبقة الوسطى، بوصفها الطبقة الحاملة للتحديث، حيث تقرر، حتى ظهور طبقة سكان الأكواخ الجديدة، ألا "نعطي شعرة واحدة" من هؤلاء لكل تلك الطبقة الوسطى "الفاسدة". إن الانقلاب الذي قام به مهندسون جهلة في السياسة ضد الطبقة الوسطى، أخرج طبقة اجتماعية كبيرة ومعتدلة من الساحة السياسية في البلاد لعقود. لقد نال الإخوة والأخت الناطقون، لقاء الخدمات التي قدموها، ثروة على حساب بؤس البلاد وشقاء فئات كبيرة من الناس، وما زالوا حتى الآن يتمتعون بالمزايا القانونية لتلك الخدمات، ولكنهم بهذه الجريمة التي ارتكبوها لم يخونوا الشعب فحسب، بل دقوا أيضاً أوتاداً للنظام بدأ صوتها يصل إلى الآذان شيئاً فشيئاً منذ بضع سنوات. قد يُسأل: ما علاقة الوضع الراهن باحتلال السفارة واحتجاز الرهائن؟ سأجيب بالنظر إلى الكارثة التي وقعت آنذاك: لم تكن المؤسسة الدينية الحاكمة في البلاد تعرف شيئاً عن السياسة ومنطق العلاقات العالمية، وكانت مرعوبة من هؤلاء المهندسين الشباب أنفسهم الذين يحملون على أكتافهم حقيبة من أيديولوجيا شريعتي ـ اليسارية بنكهة "الرياح والأمطار في القرآن". بالنسبة لبعضهم، كان احتجاز الرهائن هذا "نعمة"، لأنه أخرج بعض المنافسين من الميدان؛ أما البعض الآخر فربما لم يكونوا يعتقدون بمثل هذه المغامرة، لكنهم لم يتصوروا أن "شبابنا الملتزمين" يستطيعون أن يلبسوهم طاقية بهذا الاتساع، فلم يقولوا "لا" انتهازياً. وهكذا، خرجت طبقة اجتماعية كبيرة من الدائرة لعقود، وتنفس الحكام الصعداء، لكن عليّ أن أكرر مرة أخرى أنه، بما أنهم لم يكونوا يعرفون البلد الذي يحكمونه ولم تكن لديهم أي صورة عن منطق تطور الدولة القومية الإيرانية، لم يستطيعوا أن يعرفوا أنهم يجلسون على بركان يبدو خامداً، وأن هذا البركان يمكن أن ينشط من جديد يوماً ما. في مثل ذلك اليوم، لن ينفعهم علم المهندسين المسلمين القليل، الذي يختزل في السياسة إلى قليل من المساومة في الأعلى وقدر من الضغط من الأسفل، كما أنه لا ينفعهم الآن. تلك الطبقة التي قُمعت طوال أربعة عقود، والتي ظن الحكام أنهم "جعلوها" مغلوبة لسكان الأكواخ، رفعت رأسها الآن وأظهرت "الاقتدار الحقيقي" لبلد.
الثورة "الوطنية" في الثورة الإسلامية
الجزء السادس عشر
جواد طباطبايي
كل الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الجمهورية الإسلامية، والتي لم أُشر إلا إلى بعضها إشارة عابرة، كانت تهدف إلى نوع من «غسل الدماغ» – أو بتعبير الثورة الثقافية المحلية: «الهندسة الثقافية» – لمحو الوعي الوطني وتكبيل روح الحرية الإيرانية، وفي خضم هذه «الهندسة الثقافية» المعادية للوطنية بالتحديد، باءت كل تلك الهندسة بالفشل. إن إشارتي المتكررة، في معظم الأقسام السابقة تقريبًا، إلى الطابع التاريخي والطبيعي للوحدة الوطنية والثقافية والإقليمية لإيران، وكون الحكام لا يعرفون أين يحكمون، تعود إلى هذه النقطة الجوهرية وهي أن إيران بلد يختلف عن جميع الوحدات السياسية المحيطة به، وهو بلد استثنائي يخالف المألوف. لا ينبغي الاغترار بالقليل من العلوم الاجتماعية المستوردة، من النوع الأيديولوجي الشريعاتي – اليساري تحديدًا، الذي يرى الإنسان نتاجًا لظروف متغيرة ويتوهم أنه بتغيير الظروف يمكن تغيير الإنسان أيضًا. أحد الفروق بين إيران وسائر البلدان المحيطة بها هو أن وحدتها الإقليمية ووعيها الوطني كانا أمرًا تاريخيًا وطبيعيًا، وأن شعبها تاريخيًا كان يغير كل المهاجرين، لكنه هو نفسه لم يكن يتغير. قصة «المجتمع قصير الأمد» أو «المجتمع الهش» يعرفها الجميع، ولأنها من بديهيات العلم في جامعاتنا المحلية التي علمها عين سياستها، يروج لها عوام علمائنا المحليين باعتبارها نظرية «إيران الصامدة»، لكن لا أحد يسأل: إذا كانت إيران، بمجتمعها الذي يمتد لألفين وخمسمائة عام والذي صمد في وجه الإسكندر والعرب والترك والمغول والأفغان والروس والإنجليز، «مجتمعًا هشًا»، فماذا ينبغي أن يقال إذن عن جميع البلدان المحيطة بإيران وكثير من بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا الأخرى؟[9] إيران، بكل ما فيها من عيوب، بلد تاريخي وجميع شؤونه طبيعية، ولهذا السبب كان التغلب عليه تاريخيًا أمرًا مستحيلًا. لا أعني بذلك انتصار الأعداء الأجانب عليه فحسب، بل أعني بشكل خاص الأصدقاء والأعداء الداخليين أيضًا. يمكن التغلب على إيران، ويمكن احتلالها، لكن استمرار هذا الحكم وإدارتها لم يكن أبدًا أمرًا سهلًا وفي متناول كل «حمار». أحد الأمور الخارقة للمألوف في الحكم في إيران، وعليها، هو أنه لا يمكن إقامة حكم مستقر فيها إلا بفهم عميق لثقافتها الشاملة. كان الغزنويون والسلاجقة الأتراك يعرفون ذلك أيضًا، وعملوا به قدر استطاعتهم. لم يستطع أي من الغزاة أن يحكم إيران بالاعتماد على نظامه الطقوسي أو «أيديولوجيته»، وسعوا إلى تعلم الأدب والآداب الإيرانية منهم. كان أحد أهم أخطاء كثير من الحكام الحاليين أنهم ظنوا – وما زالوا يظنون – أنه يمكن حكم إيران بقليل من إنشاءات شريعتي – اليسارية، وأنهم، كما نقلت سابقًا عن أحد نواب رئيس الجمهورية، «كانت لديهم مشكلة مع الدولة والأمة الإيرانية». تدمير «الصخرة الصماء» لإيران، كما قال غوبينو، أمر مستحيل، ولا يمكن لأحد – كما أظهر التاريخ – أن «يتعامل بمشكلة» معها دون أن يفقد عرضه. الإيرانيون، تاريخيًا، في العصر الإسلامي، باستثناء حالات قليلة، لم يكونوا محاربين عظامًا، لكنهم كانوا حماة جيدين لبلدهم. وكما قال فلاسفة التاريخ، فإن الأمم ذات «الثقافة الشاملة» ليست محاربين جيدين في مواجهة الأقوام الهمجية. الأقوام البدائية، العرب والترك والمغول، الذين لم تكن لديهم ثقافة، تغلبوا باستمرار على الأمم المثقفة في ميدان القتال، لكنهم، إلا في حالات نادرة، لم يخرج منهم حكام صالحون. الإيرانيون، منذ بداية التاريخ القديم، وفي العصر الإسلامي أيضًا، كانوا شعبًا «واعيًا بذاته»، وقد واصلوا هذا الوعي الذاتي تاريخيًا. لذلك، يمكن القول إن بقاء إيران أصبح ممكنًا بالاعتماد على هذا الوعي الذاتي، وإذا كان لا يزال هناك إيراني، رغم الهجرات والغزوات، يتمتع ببعض الاعتزاز، فبفضل هذا الوعي الوطني بالتحديد. لا حاجة للقول إن الإشارة إلى هذا الوجه من بقاء إيران ليست شعارًا قوميًا لا أساس له في الواقع التاريخي، بل هي معطى من معطيات تاريخنا الوطني. إذا كانت إيران لا تموت، فالسبب في ذلك هو أن روح الوعي الوطني قد تجسدت في جسدها. ذلك الوعي الذاتي ليس فانيًا، وإلا لجاز على جسد إيران الفناء كما يجوز على أي بلد آخر، كما انفصلت عنه في فترات أجزاء مهمة من الوطن الأم، لكن إيران لم تمت. الوعي الذاتي هو أساس الحياة الاجتماعية لكل أمة، وقد امتلكه الإيرانيون منذ زمن بعيد. وبهذا الاعتبار أيضًا، فإن الإيرانيين أمة عريقة وتاريخية وطبيعية. الاستمرارية الوطنية للإيرانيين ليست مقولة في العلوم الاجتماعية الحديثة.
قال المؤرخ في مطلع العصر الإسلامي، محمد بن جرير الطبري، إن «تاريخ الإيرانيين تاريخ اتسم بالاستمرارية». وكان الطبري يرى أن هذه الاستمرارية تُعد حالة استثنائية بين الأمم القديمة.
من المحتمل جداً أنه، بصفته مؤرخاً للفترة الإسلامية، كان يعتقد أن زمن هذه الاستمرارية قد انتهى بظهور الإسلام، ولكن حتى هو لم يستطع إدراك أهمية استمرارية الوعي الذاتي الوطني الإيراني. فمؤرخ بداية الفترة الإسلامية، بصفته مؤرخاً، لم يكن بوسعه أن يتصور هذه الطبيعة العنقاوية للقومية الإيرانية، وروح التحرر والوعي الذاتي لديها. ففي القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين، كان عنقاء إيران قد وُلد من رماده، لكن الأسلوب الكلامي في التأريخ عند الطبري لم يمنحه منظومة مفاهيم فهم تاريخ إيران.
ومع ذلك، يمكن القول، باعتبار ما، إن الحق كان مع الطبري، لأن جميع الأقوام الأخرى التي كان يكتب تاريخهم انصهروا في الخلافة العربية واندثروا، أما إيران فلم تبقَ فحسب، بل تحولت إلى بؤرة النهضة في الفترة الإسلامية. هذا الوعي الذاتي المولود من جديد، في العصر القديم، استمر حتى العصر الناصري وتهيئة مقدمات حركة المطالبة بالدستور، ومع أولى تعرفات الإيرانيين على فكر التحديث، ظهر ظهوراً جديداً في صورة جديدة، كان من نتائجها انتصار المشروطية وتأسيس أول حكومة قانون في بلد إسلامي. تاريخ استمرارية الوعي الذاتي هذا تاريخ معقد، وأنا لا أشير إليه إلا لأقول إنه لا يحق لأحد أن "تكون له مشكلة" مع هذا الوعي الوطني لهذا البلد. مع حكومة "ساكني الأكواخ" لأحمدي نجاد وأعوانه، بُذل جهد غير مسبوق ومهم لتكبيل إيران بالكامل، لكن ما لا يمكن لأي ساكن كوخ، الذي وطنه في الكوخ، أي عديم الوطن، أن يعرفه هو أن تكبيل جسد إيران أمر ممكن؛ أما روح إيران فلا يمكن أسرها. هذه الروح الحرة هي التي تحركت الآن، في هذه الثورة الوطنية.
الثورة «الوطنية» في الثورة الإسلامية
الجزء السابع عشر
جواد طباطبايي
منشأ الثورة الوطنية الإيرانية هو نهضة الوعي الوطني والوعي الذاتي لشعبها. وكما قلت سابقاً، من خصائص شعب إيران، بصفته أمة تاريخية، هو وعيهم الذاتي هذا الذي تكون منذ زمن بعيد وجرى في جميع الفترات التاريخية لهذا البلد وفي جميع الشؤون الثقافية أيضاً. في الواقع، إن تاريخ إيران، بصفته بلداً شاذاً عن المألوف، هو تاريخ فترات ظهور هذا الوعي الذاتي، وهذا الظهور للوعي الذاتي الوطني واستمراريته في تاريخ هذا البلد هو الذي ضمن بقاءه. مع بداية العصر الحديث لتاريخ إيران، فقد تقليد التأريخ القديم اعتباره أيضاً، وحل محله أسلوب تأريخ جديد كان بمثابة ناحية في التأريخ الجديد الأوروبي. كان المؤرخون الإيرانيون الأوائل، في أفضل الأحوال، مقلدين للمؤرخين الأوروبيين.[10] لذا، فرغم أنه تم تدوين نوع من التأريخ القومي في البداية، إلا أن تاريخ الوعي الوطني لم يُكتب أبداً. لقد كان لإيران، منذ بداية فترتها التاريخية، "حقبتان" (Epoch) قديمة وجديدة، و"فترتان" (period) تاريخيتان كبيرتان، الفترة القديمة والفترة الإسلامية. يمكن تقسيم هذه الفترات التاريخية في الحقبة القديمة، من حيث الوعي الوطني، إلى ثلاث فترات: الأخمينية والبارثية والساسانية. في كل واحدة من هذه الفترات التاريخية الثلاث، وجد الإيرانيون نوعاً من التصور للوحدة في الكثرة القومية والثقافية، وفي كل فترة جددوا تلك الوحدة أيضاً. في الفترة الأخيرة من الحقبة القديمة، وعلى الرغم من الهزيمة العسكرية لإيران، انتقلت مجموعة من منابع النظام التقليدي، التي تم تدوينها في الفترة الساسانية، إلى الفترة الإسلامية. كان انتقال المنابع هذا إلى الفترة الإسلامية حالة استثنائية في انتشار الإسلام في المناطق الأخرى من الإمبراطورية، وقد أوجد هذا الإمكانية لأن تتمكن إيران من تحرير نفسها من مجال جاذبية الخلافة ونظام الأمة. معنى انتقال منابع التاريخ الوطني هذا إلى الفترة الإسلامية هو أن الإيرانيين استطاعوا نقل وعي الفترة القديمة إلى الفترة الإسلامية. إن ما قلته سابقاً من أن محمد بن جرير الطبري كان قد أبرز الاستمرارية التاريخية لإيران كان مهماً من هذه الناحية، وهي أنه رغم أنه كان يكتب تاريخه بعد ثلاثة قرون من ظهور الإسلام، إلا أن منظومته النظرية، بصفته مؤرخاً كلامياً للفترة الإسلامية، لم تكن تسمح له بأن يدرك معنى التحول الذي كان هو نفسه شاهداً عليه في تاريخ إيران. فهو لم يلتفت إلى هذه النقطة المهمة في تاريخ إيران، وهي أن الإيرانيين، وحدهم، استطاعوا فيما وراء القطيعة التي حدثت في الفترة الإسلامية أن يحافظوا على استمراريتهم القديمة.
تكتسب هذه الاستمرارية في العصر الإسلامي أهميتها من أن الإيرانيين، كما قال الطبري نفسه، كانوا الشعب القديم الوحيد الذي امتلك تاريخاً متصلاً. وكانت هذه الاستمرارية في العصر الإسلامي، إن جاز القول، استمراريةً للاستمرارية القديمة ذاتها. وإذا أردت التعبير عن معنى رأي الطبري بلغة اليوم، أمكنني القول إن الإسلام لم يستطع من هذه الناحية إحداث قطيعة في الوعي القومي للإيرانيين، لأن الإيرانيين كانوا قد امتلكوا في عصر التاريخ القديم وعياً عميقاً بذاتهم، وبمكانتهم في العالم القديم، وكان ذلك الوعي قد تغلغل في أعماق نفوسهم وأرواحهم تغلغلاً لا يمكن معه لأي عاصفة أو مطر أن ينال من «صخرة إيران الصمّاء» ووعي شعبها القومي. وفي عصر النهضة الإيرانية، بُذلت محاولة لترسيخ أسس هذا الوعي ذاته. يكتب البلعمي في تاريخه أن نبي الإسلام قال إن «العرب أخذوا ثأرهم من العجم» في نهاية المطاف؛ كان الإيرانيون يعلمون أنهم خسروا معركة بهزيمتهم العسكرية، لكنهم أدركوا أيضاً أنه بانتصار «العرب على العجم» ثمة حرب أكبر تنتظرهم، أي، بتعبير البلعمي، «كان على الإيرانيين أن يأخذوا ثأرهم من العرب». والواقع أن الإيرانيين وحدهم هم الذين استطاعوا أن يأخذوا ثأرهم من الغزاة، أو «الديوان» كما يقول الدينوري في تاريخ الطوال، لأنهم كانوا الشعب الوحيد الذي أنشأ، قبل أكثر من ألف عام، نظاماً للوعي القومي. كان جهاز الخلافة، منذ البداية، يحمل تصوراً عن «ثأر العرب من العجم»، وحين عجز عن إدامة هيمنته على إيران، سلّط عليها الغلمان الأتراك الذين كانوا في خدمة الخلفاء، غير أن الأتراك المهاجرين باعتناقهم الأدب والآداب الإيرانية، استطاع الإيرانيون، مرة أخرى، أن يديموا وعيهم القومي، ومع انقضاء حكم الأسر الإيرانية من الطاهريين والسامانيين إلى آل بويه، بدأ عصر آخر في بسط الوعي القومي القديم، واستمر بتحولات حتى تهيأت مقدمات الحركة الدستورية. وفي غضون ذلك، كان دور الصفويين مهماً، لأن صعودهم تزامن، خصوصاً، مع تقوية خلافة أخرى في روما الشرقية، وكذلك مع ظهور قوى قومية وسياسية جديدة في أوروبا، واستطاع الشاهات الصفويون أن يرتقوا بإيران إلى مقام قوة بين أوروبا والعثمانيين. استمر هذا الشكل الجديد من الوعي القومي حتى حروب إيران وهزيمتها، وكما شرحت بالتفصيل في موضع آخر، فقد تهيأت في تبريز، قبل قرنين، أرضية لتحصيل وعي جديد هو شكل الوعي القومي الإيراني في العصر الحديث. لقد وفر انتصار الدستورية وتأسيس حكومة القانون أساساً راسخاً لتقف إيران على أعتاب العصر الحديث.
لم تستطع الكتابة التاريخية الإيرانية حتى الآن أن تكتب تاريخ مراحل استمرارية هذا الوعي الوطني، ولكن، مع ذلك، استطاع نوع من الاستبصار التاريخي والطبيعي أن يتواصل، رغم كل الأحداث التاريخية، خيرها وشرها. هذا الوعي الوطني، بسابقته الطويلة في تاريخ إيران، وبما أن الأمة الإيرانية استطاعت أن تديم استمراره بصورة طبيعية، ليس أمراً يمكن للحكومات أن تتغلب عليه، أو أن تكيّفه مع الأهداف التي تسعى إليها. تقف إيران كالصخر الجرانيتي على هذا الوعي الوطني ولا يمكن تدميره. كل الحكومات التي حاولت، خاصة في المئتي عام الماضية، أن تحرفه عن مساره الطبيعي نحو أهدافها وتستخدمه، قد باءت بالفشل. ثمة نقطة مهمة في هذا البسط للوعي الوطني الإيراني في هذين المئتي عام الأخيرين، وهي أن ذلك الوعي قد اكتسب وجهاً كونياً أيضاً. كانت الثورة الإسلامية، وإيديولوجية شريعتي اليسارية، رد فعل على هذا الشكل الجديد من الوعي الوطني الإيراني الحداثوي. جيل، في الفترة ما بين شهريور عشرين وحتى عقدي الأربعين والخمسين، لم يكن قد استطاع بعد أن يألف هذا الشكل الجديد «فنهض لقتل نفسه فجيعاً»، لكنه سرعان ما أدرك أن تركيب إيديولوجية شريعتي اليسارية مع وعيه الوطني التاريخي غير متوافق. ومع ذلك، وكما أشرت سابقاً، فإن ذلك الجيل التائه حتى لو استطاع أن يفهم نظرياً كيف أنه «نهض للقتل فجيعاً»، فإنه عملياً لم يكن بالإمكان توقع الكثير منه. هنا، وبتعبير استخدمته سابقاً، وجد الوعي الوطني ملاذاً جديداً. كانت أرواح وقلوب النساء، والشباب عموماً، هي موضع هذا الملاذ. الفرق الأساسي بين الجيل الذي ترعرع في العقد الأخير، في «هذا الزمان الغريب»، والجيل الذي سبقه هو أنه لم يكن لديه من الوهم ما يجعله لا يعرف أنهم «على النار يشوون السوسن والياسمين والكناري». كان هذا الجيل يعرف، وقد تعلمه من آبائه، أنه «ينبغي إخفاء النور في مخدع البيت». الآن، خرج هذا الجيل إلى الميدان؛ هؤلاء هم «السربداران» في زماننا، وليس لهم رأس يمكن وضع القبعة عليه. هذا الجيل، على خلاف آبائه الذين كانوا يعيشون «عملياً» في العصر الحديث، لكنهم كانوا ينبذونه «نظرياً»، وفي أحدث موديلات سياراتهم كانوا يحلمون «بالعودة إلى المحراث»، يعيش «في الحال»، في عصر هو «معاصر» له حقاً. للمرة الأولى في تاريخ إيران المعاصر، لا يتحسر جيلها الجديد على كربلاءات الماضي الكثيرة، بل، «بيدٍ كأسُ بادةٍ وبيدٍ زلفُ حبيب»، أتى إلى وسط الميدان وهو مستعد للرقص. ما يثير الدهشة في ظهور هذا الجيل الجديد، ويجعل الصدام معه صعباً بالطبع، هو أن ساحته الكونية والحداثوية لم تمنع بسط ساحة وعيه الوطني. جيل مختلف من الإيرانيين وطئ الميدان، وستنشأ عنه عجائب؛ ما أستطيع قوله هو أنه لن يخرج من الميدان!
النهاية
.
.
[1] تُرجم هذا المقال في ذلك الوقت نفسه إلى الفارسية المكسرة ونُشر في مجلة نكين، برئاسة تحرير محمود عنايت، شقيق حميد عنايت.
[2] نص الآية التي أشير إليها وترجمتها الفارسية هو: «و البته نباید کسانى که کافر شدهاند تصور کنند این که به ایشان مهلت مىدهیم براى آنان نیکوست؛ ما فقط به ایشان مهلت مىدهیم تا بر گناه [خود] بیفزایند، و [آنگاه] عذابى خفتآور خواهند داشت.» وَلَا یَحْسَبَنَّ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِی لَهُمْ خَیْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِی لَهُمْ لِیَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِینٌ. الآية 178، سورة آل عمران.
[3] أورد هذا الاستخدام لكلمة «خطأ» مع إشارة إلى جملة لرجل السياسة الفرنسي، بوليه دو لا مورث، الذي قال عند سماعه نبأ مقتل دوق آنغان، أحد المقربين من الملك الفرنسي المقتول: «هذا أسوأ من جريمة، إنه خطأ!» c’est pire qu’un crime, c’est une erreur أي أن الخطأ في السياسة أسوأ من الجريمة. نُسبت هذه الجملة أيضاً إلى أشخاص آخرين، منهم تاليران.
[4] شاهد الجميع هذه الأيام أحد ممثلي المرشد في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وهو من الأساتذة البارزين في العلوم الاجتماعية بالجامعة الأم أيضًا، وهو يقدم «تحليلاً» لامعًا لشعار المحتجين، قائلاً: المرأة، الحياة، الحرية هي ذاتها حرية الفحشاء للنساء! وفي صورة أخرى خرجت من جلسة المجلس نفسه، رأينا أحد أرباب العمائم يلقي خطابًا، بينما الرئيس الرفيع المقام لأكاديمية البلاد، في تجاهل تام للمتحدث، يلتهم الحليم بنهم شديد وكأنه أحد مشردي حفرة زنبورك خانه. يبدو أن سيدات وسادة المجلس كان من المقرر أن يبتكروا تدبيرًا للاحتجاجات و«يصنعوا ثقافة»!
[5] زرت بولندا عام 1975 مع مجموعة من طلاب العلوم الإنسانية الفرنسيين. صادفت أيام وجودنا في وارسو عيد الفصح المسيحي. في ليلة العيد، بينما كانت بولندا تحتفل بالعام السادس والثلاثين لبناء الاشتراكية، ذهبنا أيضًا لمشاهدة المراسم التي أقيمت في كاتدرائية المدينة بحضور رئيس الأساقفة. كانت درجة الحرارة أقل من عشر درجات تحت الصفر، لكن الإنسان البولندي الحديث الطراز، الذي خضع لغسيل الدماغ لما يقرب من أربعة عقود، بينما كان يرتجف من البرد كعود الخيزران، اصطف لمسافة كيلومترات خارج الكنيسة ليصل إلى مذبح الكنيسة ورئيس الأساقفة ويؤدي لهما الاحترام. ومع انهيار الاشتراكية، عاد الناس إلى دينهم التاريخي، لأن «الاشتراكية ذهبت، وهم بقوا بل وضحكوا!»
[6] كان الدكتور عبد الحسين علي آبادي، المدعي العام في طهران وأحد أبرز أساتذة القانون الجنائي في كلية الحقوق، من مؤسسي حسينية الإرشاد. كان تصوره عن حسينية الإرشاد هو إبعاد الشباب عن «النزعة المادية»، وليس تهيئة الأرضية لانتصار الثورة الإسلامية. بعد انتصار الثورة، لم يكن له منصب ولزم بيته. كان يعرف من السياسة بقدر ما يعرف كثير من أساتذة الحقوق الآخرين في الكلية نفسها، وعلى رأسهم كريم سنجابي الذي كان يعرف من السياسة بقدر علي آبادي، لكنه على خلافه لم يكن حقوقيًا مهمًا!
[7] في هذا الشأن أيضًا، كما في حالات كثيرة جدًا أخرى، لم يطرأ أي تغيير مهم بعد أربعة عقود. كبير مفاوضي الجمهورية الإسلامية في محادثات «الاتفاق النووي» لا يعرف لغة ولا يملك دراية بعلم الدبلوماسية، لدرجة أنه لا يستطيع حتى أن يعبر عن موقف بلاده للصحفيين، أعني بالفارسية بمساعدة مترجم، لكن ثمة فرق كبير بين تلك المفاوضات الأولى وهذه، وهو أن ممثل روسيا حل محل ممثل الجزائر. هذا الممثل الروسي له هذه الميزة الكبيرة أنه يفاوض لمصالح بلاده، وكذلك لمصالح بلده على حساب إيران، الأمر الذي يعد أحد تجليات «اقتدار» البلاد ونوعًا من الابتكار غير المسبوق في الساحة الدبلوماسية والعلاقات العالمية.
[8] في مقابلة أجرتها شبكة «راه دانا» الإخبارية مع محمود كاشاني، أستاذ الحقوق، يسأله المحاور بعد أن يسمع الانتقادات الموجهة لاتفاقية الجزائر: «بالتأكيد طالب سنة أولى في العلوم السياسية والحقوق لا يوقع على مثل هذه الاتفاقية؟» يجيب كاشاني: «نعم، هذا صحيح! هؤلاء لم يستشيروا خبيرًا قانونيًا على الإطلاق، ولم يكن بينهم في مجموعتهم حقوقي متمكن. في هذه المفاوضات غير المتكافئة، وعلى خلاف جميع القواعد العالمية، بإنشاء حساب بقيمة مليار دولار، قبلوا مسبقًا افتراض إدانة إيران في هيئة التحكيم هذه أيضًا.»
[9] بالنظر إلى ما يجري هذه الأيام في إيران، يمكن إدراك أهمية هذه التنظيرات ومتانة أسسها، إذ لم تمضِ على صدورها بضع سنوات، ولم يحن بعد "موت المؤلف"، حتى أخذها الواقع العنيد للتاريخ الإيراني ينكرها إنكارًا لا يبقي معه لأي مُنظِّرٍ ثرثارٍ مجالًا للكلام. ومن عجائب التاريخ الإيراني أن كثيرًا من الأجانب قد كوّنوا تصورًا أدقّ له من الإيرانيين أنفسهم. ومن الأمثلة الجديرة بالانتباه رأي آرتور دو غوبينو الذي قال إن إيران صخرةٌ صمّاء لا تنال منها الرياح والأمطار. ويبدو أن صخرة إيران الصمّاء هي التي تتصدى الآن، مرة أخرى، للرياح والأمطار، لتكون ملاذًا لأبنائها.
[10] إذا كان هناك ما يُسمى بكتابة التاريخ الإيراني الجديد في الجامعة التي عصفت بها الثورة الثقافية، فإن كتابة التاريخ هذه ليست حتى أوروبية، بل هي في الغالب نتاج حثالات كتابة التاريخ اليسارية الأمريكية، وهي أحط أنواع كتابة التاريخ. وقد أشرتُ سابقًا إلى حالة يرفاند أبراهاميان وترجمة كتبه التي تُعدّ أيضًا من أهم المصادر الدراسية الجامعية. هذه الترجمات، التي يقوم في بعض الحالات الأساتذةُ أنفسهم ممن اجتازوا غربال الثورة الثقافية بترجمتها وفرضها على الطالب والجامعة، هي البرهان القاطع على فشل الثورة الثقافية ومحاولة "الصناعة الثقافية"، إذ أن مدّعيها لا يملكون "ثقافة" ليُشكّلوا بها الناس، فيضطرون إلى اللجوء إلى أكثر مؤرخي التاريخ انعدامًا للثقافة. ينبغي أن يكون من أولى أهداف "الثورة" الثقافية للثورة الوطنية الراهنة تصفيةُ الحساب مع غسيل الأدمغة هذا للشباب ومع الأساتذة الناطقين بلسان التيارات المعادية للأمة والمرتهنين للأجنبي.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١٣ تعليق
ایشان در این مقاله دن کیشوت وار به همه و همه جا حمله کرده و بدون اینکه ماخذی و آدرسی برای سخنانش بیاورد همه را محکوم کرده هرچند که ای ایشان امروز در میان ما نیستند ولی از کسانی که خودشان را پیرو راه او میدانند میخواهم این سوال را بپرسم که شریعتی چه نسبتی با مصباح و یزدی علم الهدی دارد که ایشان وضعیت امروز ما را تقصیر شریعتی میداند
لاتین نه انگلیسی. جالب است که متوجه می شوید که متنی انگلیسی(نه لاتین!) هم می تواند خطا باشد. همین برای من کافی است که فردی prowest در ایران را اینقدر متوجه کنم که نحوه بیان صدق به همراه ندارد. خوب اگر به سطحی بالتر برویم ، اتوریته فلسفه غرب را هم بهش فکر کنید آنوقت هدف من که به فکر انداختن شماست برآورده شده. بهمان علتی که شما فرمودید ، این که کسی از textbookهای "معتبر" دانشگاه معتبر quote بیاورد و یا تحصیکرده غرب باشد و یا فلسفه یا تاریخ غرب بگوید ، نباید باعث غش کردن شما بشود. بشین فکر کن عزیزم ! من بد! professionalism ارائه شده به نام ساینتیسم (نه دانش) را بشناس.
این همه واژه، عبارت و جملههای انگلیسی ترجمهپذیر به کار بردن در متن فارسی چه دلیلی به جز فضلفروشی و ژرفنمایی دارد؟ البته شاید هم تسلط کافی به زبان فارسی نداشته باشی، و مثلاً بزرگشدهی خارج باشی، که در این صورت موضوع قابلفهم است و من عذر میخواهم. اما اگر این زبانپریشی تعمدی است، فکر نمیکنم این حرکات در جهانی که هر نوجوانی تا حدی انگلیسی بلده فضیلت به حساب بیاد.
ناامید شدم آقا جان! ادامه بده جانم! ادامه بده!
authority مرجعیت باصطلاح علمی به جای معرفت ، دانش، مطالعه ، مشاهده و اندیشه نشسته. لحن سخن و intensity جهت گیری و موضع سخنش می تواند نشانگر عدم پایبندی سخنگو به انصاف، دانش و تعمق باشد. یک آکادمیک می تواند فحاش باشد و می تواند اهل مداقه و شنیدن باشد. صرف این که کسی post-doc است (که در مورد طبطبا یی این گونه نیست) در ایران برابر با صدق موضع او گرفته می شود. حال گیریم در علوم طبیعی ان هم در مورد گزاره های مشاهدتی و آزمایشی موردی و تعریف شده در مورد اشیاء این گونه باشد (که نیست) ، یک تحصیلکرده human sciencesبر چه مبنایی توهم صدق و علمی بودن ادعاهای پر از هتاکی اش را دارد؟ طباطبایی را از سطح خود خارج و در نظرگاه فلسفه علم و فلسفه تحلیلی ارزیابی بفرمایید . هیچ از او نمی ماند. با نگاه انصاف و عقلانیت به او بنگرید، ضعف هایش نمایان میشود. منطق جاری در کلامش را دنبال کنید ، بی دقتی و خطاهای بیشمار از آن بیرون می زند.
دوست گرامی آوردن کلمات لاتین در بین شطحیاتی که می بافید باعث موجه شدن و علمی شدن ادعای شما نمی شود.لطفا ادعاهای خود را بی پیرایه و واضح با زبان شیرین فارسی بیان بفرمایید.
موضع آقای طباطبایی در سطحی بالاتر از ارائه نظر و در مقام ارزیابی منطق بیان و شواهد مؤید و شواهد مبطل اشکالاتی دارد: اشکال 1: ملی گرایی طباطبایی قادر به ارائه موضعی قابل قبول و موفق نیست. ملت ایران و ملل دیگر در صورت اتخاذ نگاه و منش و روش برآمده از نگاه طباطبایی در سطح روابط بین الملل دچار تعارض و درگیری می شوند. اشکال 2: طباطبایی تکیه بر صدق و موجه بودن نگاه مللی دارد که با ایران در تعارضندو به ایران در تاریخ تهاجم کرده و باعث صدمات و خسارات سنگینی بر ملت ایران شده اند. به گونه ای سخن می گویند که گویی روابط بین الملل مبتنی بر حسن همجواری است. در صورتی که رئالیسم موضع رایج international relations روابط بین کشورهاست و بسیاری آن را مبتنی بر power politics می دانند. ادعای ملی گرایی با تأیید نگاه نژادی متخاصم با ایران و ایرانی ناسازگار است. اشکال 3: وقتی حتی از رسانه های غربی به راهپیمایی هوادارن حکومت نگاه کردیم باز یورش هواداران مذهبی و یا ملی مذهبی ایرانی ، در کشور دیده شد. دوم، حکومت روحانیون علیرغم تصویری که ژورنالیسم غربی به من و امثال من ارائه می کند دوام پیدا کرد. به نظر نمی رسد جوانانی که پرچم کشورشان ا آتش می زنند و فحاشی می کنند و یا خشنونت علیه سربازان کشور خودشاتن نشان می دهند از سر آگاهی و اندیشه رو به رفتار این چنینی آورده باشند و یا این رفتار manifestation تجسم آگاهی ملی باشد بلکه ظاهرا شواهد ضد ملی در رفتار آن ها دیده می شود.
غیر ایرانی و ضد ملی و شیفته دیکته اینترنتی بودن cause هدف افرادی که در چند ماه گذشته طبق حق آزادی اندیشه و اعتراض با حکومت کشور شما مخالفت کردند شواهدی دارد. نسبت ایرانی و ملی دادن به این cause از مصادیق وصله پینه کردن موضع غیر علمی و غیر منطقی تحصیلکرده های ایرانی است. این که آقای دکتر طباطبایی به یک پیامبر که اصل سخنش برابری همه انسان ها در پیشگاه خدا و نفی تفاوت سیاه و سفید و نژادهاست ، با یک جمله نقل قولی! نسبت انتقام گیری قومی از قومی دیگر می دهند ، نشان دهنده همان تعصب و عدم عقلانیت و بی انصافی دانشگاه ایرانی علیه خود، فرهنگ خود و پدران و مادران و ملت خود است. صدا نت منتشر نمی کند باشد که لااقل خود صدا نت بخواند. شاید احترام به فرهنگ خود و اندیشه پیشه کند.
اعتراضات اخیر را ملی خواندن یک misnomer نام غلط واضح است. آـش زدن پرچم ایران، فحش های رکیک دادن، رفتارهای hooliganism مجرمانه و قتل سرباز و شهروند ایرانی، تبعیت مطلق از رسانه خارجی ، نشانده ملیت است یا غیر خارجی بودن و ضدیت با ملت و کشور ایران؟ نگرانی شدید از وجود اینترنت در میان مخالفین حکومت روحانیون در ایران، آیا نشانه استقلال و اصیل بودن و ملی بودن Cause اعتراضات دارد و یا وابستگی مطلق به بیگانه؟ کوخ نشینان را که سرمایه یک مردم و کشور هستند را ضد ملی خواندن تنها از قشر دانشگاهی بی هویت جویایی شهرت برمی آید. کسی نیست از طباطبایی بپرسد در زمان اضطرار کی از مرزهای کشور شما دفاع می کند؟ نمی توان از طباطبایی انتظار داشت که در سطحی بالاتر یعنی meta-history , meta-politics بیاندیشد . اما برای این که ایشان کمی فکر کند ار ایشان می پرسم که آیا فقط ایران ملت و ملیت دارد یا کل ملل ملتند و ملیت دارند؟ حال اگر ملت داشتن مختص به ایران نیست چگونه با موضع و تعریف طباطبایی بریا ملت و کشور می توان روابط بینالملل موفق و صلح آمیز داشت؟ طبعا جهان نیاز به روابط بین الملل معقول ، حافظ حقوق بشر و صلح آمیز دارد ان چه از دایره تبیین طباطبایی بیرون می افتد صلح بین الملل است چون نگاه او در سرا فرا ملت به جنگ و مخاصمه می انجامد. مهمتر این که در مقابله ملت و امتی که طباطبایی با جهل خود نسبت به conceptualization درک مفهوم امت مطرح کرده باید دید کدام مفهوم معقول، سودمند و کاراست که قطعا امت کارا تر از ملت نظری و تئوریک طباطبا یی است.امت حاوی ملیت نیز هست و امت بود که صدام را کنر زد و کشور ایران را بریا ملت ایران حفظ نمود.
در مقابله ملت و امامت اتفاقا این ملت است که کارا و سودمند تر و معقول تر است و یک پارچگی کشور را می تواند حفظ کند و حتی سیاست های خارجی خود حکومت را نیز بعضا موجه جلوه دهد. این که ادعا می کنید امت صدام را کنار زد و کشور ایران را برای ملت ایران حفظ نمود مربوط به دهه ی ۶۰ و اول انقلاب است . اشتباه شما و طیف همفکران شما این است که فکر می کنید اکثریت ملت ایران همان ملت دهه ی ۶۰ هستند . اکثریت ملت ایران برخلاف دهه ۶۰ و قبل از انقلاب که مذهبی بوده اکنون اگر نگوییم بی دین و لامذهب اما عمدتا غیرمذهبی هستند و تعداد قابل توجهی از نسل جوان که بعضا حتی از اسلام خارج و مرتد شده و به مسیحیت ، زرتشتی و یا بی دینی روی آورده است . برای چنین مردمی و نسلی که اکثرا غیرمذهبی و بعضا لامذهب و بی دین بوده و چه بسا اصلا اسلام و یا هیچ دینی را قبول ندارند شما نمی توانی بر مفهوم امت که یک مفهوم دینی است تکیه کنی چون با آن نمی تواند ارتباط برقرار کرده و بپذیرد . چنان چه بخشی از طیف غیرمذهبی ها و حتی لامذهب ها که به اسلام اعتقاد نداشته و قبول ندارند گرد شخصی به نام امید دانا جمع شده و این طیف که خود را ایران گرایان نوین می نامند طرفدار جمهوری اسلامی و سیاست هایش در منطقه بوده و از آن به عنوان یک حکومت روحانیون دفاع می کنند چرا که آن را موجب اقتدار کشور و ایرانی و کشور ایران و باعث تبدیل شدن ایران به یک قدرت و مطرح شدن وی با سیاست هایش در جهان می دانند در حالی که بعضا نه به اسلام و نه به روحانیون کوچکترین اعتقادی ندارند که مخالف هم هستند . حال جمهوری اسلامی چگونه بر مبنای مفهوم امت این طیف ایران گرای بعضا بی دین و لامذهب اما طرفدار خود و سیاستهایش را می تواند بر مبنای مفهوم دینی امت دور خودش جمع کرده و هم چنان نگه دارد و توجیه کند ؟ به همین دلیل حتی خود حکومت و حاکمیت هم که در ابتدای انقلاب با برکشیدن مفهوم امت اسلامی و ضدیت با مقوله ملیت ایرانی و ملی گرایی بر سر کارآمد اکنون به جایی رسیده است که بر مفهوم امت و امت گرایی چندان تکیه نکرده و در گفتمانش به حاشیه رفته و اگر نه به طور صریح ولی ضمنی و تلویحی بر ملیت ایرانی تاکید می کند . کافی است که نگاهی به مناسبت های مختلف مثل راهپیمایی های حکومتی و انتخابات بیاندازیم که صدا و سیما چه قدر شعرهای وطنی و ملی و در باب ایران پخش می کند . یا کارگردانی مثل آقای مسعود ده نمکی که یک کارگردان ارزشی محسوب می شود و قبلا هم جز گروه انصار حزب الله بود در پایان فیلمی که می سازد ایرانیان و همین طور تیتراژ پایانی اش سرود ای ایران ای مرز پرگهر مرحوم بنان را که از آن به عنوان سرود ملی غیر رسمی هم یاد می کنند نمایش داده و پخش می کند نه سرود رسمی جمهوری اسلامی و یا مذهبی و انقلابی دیگر را ! یا در باب سوریه ته استدلالی که برای حضور و دخالت نظامی کشور ما و موجه ساختن آن برای اقشار مردم می آورند این است که اگر ما برای مقابله و جنگ به داعش نمی رفتیم اکنون باید در داخل کشور و شهرهای ایران با داعش می جنگیدیم و تمامیت ارضی کشور به خطر می افتاد . در این استدلال دیگر جای چندانی برای دفاع از مردم سوریه و نجات ملت این کشور و یا سایر مردم منطقه که جز همین امت اسلامی بوده از چنگ داعش اثری نمی بینیم بلکه در درجه اول دفاع و جلوگیری از به خطر افتادن تمامیت ارضی کشور و ملت و ملیت ایرانی برجسته و مطرح می شود . اینها نشان می دهد که همین حکومتی که بنا به گفته ی ایشان در ابتدا با ضدیت با ملیت ایرانی و ملت ایرانی و برکشیدن مفهوم امت و تکیه و تاکید بر آن بر سر کار آمد و جز سیاست هایش بود ؛ اکنون حال برخلاف تصور آقای طباطبایی دیگر بر همان مفهوم امت و امت گرایی تکیه نکرده و مبنا قرار نداده بلکه بیشتر بر همان ایران گرایی تکیه می کند چون می داند دیگر این امت اسلامی و امت گرایی که زمانی آن را در مقابل ملی گرایی و ایران گرایی برای کوبیدنشان و نفی برجسته کرده بود اکنون دیگر حنایش رنگی ندارد و برای توجیه سیاست های خود و همراهی اکثر مردم و ملت ایران بهتر است به همان ملی گرایی و ناسیونالیسمی که البته برخلاف دوران پهلوی ضد اسلام نباشد و وطن پرستی و همین طور ایران گرایی بچسبد تا امت اسلامی !
اتفاقا بر خلاف ادعای شما مفهوم امت قابلیت کشاندن دنیا به جنگ و مخاصمه را بیشتر دارد تا تکیه بر ملت و ملیت تکیه بر ملت و ملیت زمانی می تواند سبب جنگ و نزاع و درگیری شود که مثل فاشیسم و نازیسم مبتنی بر یک نژاد پرستی افراطی که بقیه ملت ها را مقهور و زیر دست خود بداند باشد . اتفاقا مفهوم امت قابلیت بیشتری برای به خطر انداختن صلح بین الملل و جنگ و درگیری و نزاع بین ملل و کشورها دارد . امت مفهومی فراگیرتر از ملیت و انترناسیونال و در برگیرنده ی ملیت ها و کشورها است تا یک کشور و ملت . لذا یکی اگر یک کشور قدرمتند که قصد توسعه طلبی دارد می تواند به بهانه امت فراگیر صلح بین الملل را به خطر انداخته و با کشورهای اطراف و منطقه ی خود جنگ و نزاع راه بیاندازد . مثلا یک کشور قدرتمند تر می تواند به بهانه ی این که ما امت اسلام یا امت عربی یا امت سیاه بوده و کشور متحده ی اسلامی یا عربی یا متحده ی سیاه باید تشکیل شود با همسایگان خود نزاع کرده و یا اقوام مرزی را تحریک به جدایی طلبی برای پیوستن به خود کند . در واقع با مفهوم امت نمی توان یک پارچگی ملی و اقوام را حفظ کرد . در چارچوب مفهوم امت اقوام می توانند بگویند ما نمی خواهیم جز این کشور باشیم و می خواهیم به همسایگان خود در کشورهای همسایه که قوم و هم زبان ما بوده بپیوندیم . مثلا بلوچ ها به بلوچستان پاکستان ، عرب ها به عراق ، آذری ها به آذربایجان ، ترک ها به ترکمنستان و کردها به کردستان منطقه برای تشکیل یک کشور مستقل می توانند ادعا کنند و شما با تکیه بر مفهوم امت که قادر به حفظ هویت ملی و جمعی کشور نبوده نه فقط که خلع سلاح شده که آب به آسیاب آنها هم خواهید ریخت . اما در باب ملت این گونه نیست . چرا که ملیت اگر چه ممکن است در برگیرنده ی اقوام مختلف باشد اما اگر مثل مثلا زمان پهلوی اول یا رضاشاه یا یوگسلاوی بعد از مرگ مارشال تیتو در چارچوب یک قومیت مثلا فارس ها یا صرب ها قرار ندهیم و نخواهیم اقوام دیگر و زبان آنها را نادیده بگیرم نه فقط تحریک به جدایی طلبی نشده که در قالب همین ملت و ملیت ضمن به رسمیت شناختن تمام اقوام در قالب یک ملت و ملیت مثلا ایران می توان یک پارچگی کشور را در قالب یک ملت و هویت ملی و تاریخی و حافظه جمعی مبتنی بر آن حفظ کرد .
جز فحش و کینه چیزی در حرف های آقای جواد طباطبایی ندیدم اهورا مزدای بزرگ به ایشان آرامش دهد و آثار خشم و نفرت انباشته در کلامشان، را از ایشان دور بدارد.آمین
جواد طباطبايي ، جدا از محتواي نظرات او ، به علت لحن پرخاشگرانه و پر نيش و خار منش او ؛ از عوامل افت فرهنگ گفت و شنود سنجيده در ايران بوده است .