اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا يتجلى وجود الحق في الأحكام الأخلاقية، بل في النظام المؤسسي السياسي العادل؛ فالعدالة قاعدة جوهرية لا معنى لنقيضها، وهي أساس الطاعة السياسية وضمان الحرية المتساوية للمواطنين في مواجهة الدولة.

دفاعاً عن الكينونة القانونية-السياسية[1] للحق: في أثر نظرية العدالة
بحث تحليلي في العدالة؛ إرث الدكتور محمد راسخ[2] الأقل تقديراً لأكاديمية القانون والفلسفة في إيران
علي مختاري[3]
يمكننا نحن الإيرانيين أن نفخر بأننا في تراثنا الحضاري قد اعتنقنا الحق قبل الأوروبيين وبأكثر منهم بكثير. ففي منشور كورش الشهير أوامر يمكن تطبيقها على حقوق الإنسان اليوم، ورسالة الحقوق للإمام الرابع للشيعة مفعمة بالتعاليم المؤسسة على حق الآخرين؛ لكن مع كل هذا، إذا كنا صادقين مع أنفسنا، لا يمكننا اعتبار مجتمعنا قريباً حتى من معنى "المحوريّة الحقوقية" بالسياق الحديث، أي امتلاك الحق لا كون الشيء حقاً. سنبحث في السطور التالية لماذا أن "الحق الأخلاقي" -بمعنى تبرير مضمون الحقوق- رغم التوسل بعقلانية كونية شاملة، لم يتسرب من الماضي إلى الحاضر فحسب، بل إنه لا يمكنه اليوم أيضاً أن يكون كافياً لإرساء الحق بمعناه الجديد، وذلك إجمالاً لأنه لا يتموضع في التحصّل التاريخي للدولة الحديثة بوصفها واقعاً موضوعياً؛ إنه يتحدث إلى السلطة بالفعل التواصلي للغة، أي القائم على صدق الكلام واعتباره، وبالتالي لا يوفر الحماية القوية وعنصر ضمان الادعاء بغض النظر عن المحتوى، وهو ذاك الجانب المستحدث للحق. في المقابل، سعينا لأن نبين أن: الحق الحديث يُفهم في ظهوره النهائي بوصفه الأجزاء المكونة لـ"نظام مؤسسي سياسي عادل"، بغض النظر عما إذا كان مدرجاً في النظام القانوني الناشئ عن النظام السياسي القائم أم لا. الحق كينونة سياسية تشكل أجزاء نظام قانوني يوفر، استناداً إلى العدالة، التبعية السياسية للمواطنين للدولة -وبتعبير فيبر[4]، الإمكانية المشروعة والاستثنائية لممارسة القوة أو انتهاك حرية الفرد- مقابل حماية عنصر "الامتلاك" في المعنى الجديد للحق، ويُفهم النظام القانوني في هذا التعبير على نحو يتجاوز قاعدة الاعتراف (الوضع والقانون الموضوع). في الخطوة الأخيرة، طُرح مفهوم تحليلي للعدالة بوصفها المبدأ الجوهري للفلسفة السياسية بهدف تبرير شروط التبعية السياسية، وفي الوقت نفسه، كأساس مبرر للحق من جملة أمور: "مبدأ العدالة أو الحرية المتساوية، شأنه شأن مبدأ الكونية، ليس قاعدة شكلية محضة في خطاب القيم. العدالة هي "قاعدة جوهرية للسلوك فريدة منطقياً".[5] يكمن الفارق المنطقي بين مبدأ العدالة والقواعد الأخلاقية في حقيقة أن نقيضه لا معنى له، في حين أن نقيض القواعد الأخلاقية ذو معنى. على سبيل المثال، يمكن تأييد فعل خيري بشكل ذي معنى لكونه غير خيري، أي يمكن الاعتقاد بنظام أخلاقي يؤيد ذلك الفعل، لكن لا يمكن تأييد فعل ظالم لكونه ظالماً لأنه (على سبيل المثال) بغض النظر عن ماهية القيم الأخلاقية للفرد، لا معنى لأن يدعي المرء لنفسه قدراً أكبر من الحرية مقارنة بالآخرين، وهو ادعاء يتضمن في الوقت نفسه امتناعاً متناسباً من جانب الآخرين عن تلك الحرية؛ لأن ادعاء الحرية للنفس، وبالتالي، ترك الفعل من جانب الآخرين، يتضمن منطقياً اختلاف الأشخاص حول القيم أو المبادئ الأخلاقية."[6] وهذا الاختلاف منتفٍ؛ بسبب الحياد القيمي غير القابل للانتزاع عن المفهوم السلبي للحرية[7] الذي هو تعبير آخر عن مبدأ المساواة القيمية بين البشر.
على أية حال، تشير العدالة إلى أن الأفراد الخاضعين للسيادة لا يقبلون ممارسة السلطة إلا إذا كانت تلك السلطة مبررة استناداً إلى العدالة، أي من جملة أمور، أن تضمن امتلاك الأفراد للحق القائم على ملكية الذات؛ كما أن العدالة لا تتجاهل حقيقة أن امتلاك الأفراد للحق هو تابع للفرص وموارد الحياة والإمكانيات الفيزيائية للفعل في كامل نطاق الدولة-الأمة، ومن ثم؛ فإن هذه القراءة للعدالة، بينما لا ترفض الأساليب المتناسبة والمبررة لإعادة توزيع الموارد (على سبيل المثال رسم السياسات[8])، فإنها توصي، بالقدر نفسه أو أكثر، بزيادة هذه الموارد (الثروة) على المستوى الكلي ولكل فرد؛ هذا الفهم للعدالة، التحرري والميال للمساواة، هو من جملة أسس المطالبة بـ"التنمية" أيضاً.
تهدف هذه المذكرة إلى بيان أن الفهم غير الانضمامي وغير الفينومينولوجي للحقوق[9] - أي بوصفها إدراكاً لـ«تجربة امتلاك حق معين» فحسب - الذي يؤسسها على نوع من الحكم الماهوي (الاعتقاد بالخير والإرادة نحوه) والقائم على الإقناع (بالاستناد إلى الضبط الداخلي)، هو فهم قاصر وغير مستقر. إن أساس الحق إذا كان شيئاً غير نظرية العدالة - من قبيل الأخلاق الاجتماعية - فإنه، علاوة على عجزه عن توفير جوهر ضمانية الحق، يوقعه في شرك علاقات المعرفة-السلطة ويؤول إلى الشمولية (التوتاليتارية)؛ ذلك أن لغة الحق، فقط في وظيفتها الاستراتيجية[10] (غير التواصلية) الموجهة نحو السيادة، بوصفها دعوى قوة وفاعلية لا دعوى اعتبار وصدق، هي التي يمكن أن تُعتبر مهادنة للقابلية للاستتباع أو التبعية السياسية، وأن تتيح العنصر الفارق بين الحق الحديث وما قبل الحديث، ألا وهو الضمان المجرد من المضمون من قبل السلطة السياسية. تبدو نظرية العدالة، التي تشتمل أيضاً على لغة الحق الخاصة، بفضل سمات متفردة عديدة، سيتم تفصيلها بقدر المجال في الجزأين الأخيرين، العملية الوحيدة الجديرة بالثقة لتبرير الحق. هذه السمات بإيجاز هي: 1) أصبحت العدالة دليلاً معيارياً لتنظيم علاقة الفرد بالمجتمع السياسي، مما يجعل الأساس المبرر للحق متلازماً مع الأساس المبرر لتأسيس السلطة السياسية وممارستها وحفظها ونقلها. 2) تقدم العدالة تبييناً منطقياً متفرداً لقاعدة السلوك لا يمكن تصور نقيضه، على خلاف قواعد سائر المجالات المعيارية الماهوية (الأخلاقية، الدينية، إلخ). 3) العدالة من منظور ما، لا تفترض بالضرورة الإرادة الحرة (بالمعنى الدقيق للكلمة)، وبالتالي، من جملة أمور، سببية المعرفة (الدليل) لفعل الذات، بل يكفي لتطبيق قواعد العدالة مجرد إرادة الحياة أو تجربة القرار أو تجربة الاختيار[11] - بصرف النظر عن كل أو أي تعين خارج عن الوعي الذاتي ومؤثر فيه في الآن ذاته - لأن العدالة من هذا المنظور هي، في جملة ما هي، قاعدة توزيع الحرية السلبية؛ والسلوك المطابق لقاعدة العدالة، أي في حدود الحرية المضمونة للفرد، يمكن اعتباره، بحسب الحالة أو الموقف الفلسفي، تلقائياً بالكامل أو لا.
كُتب هذا النص في فرص متقطعة بهدف استمرار الحوارات بين أساتذة الجامعة الإيرانية وتقديم فهم إجمالي لبعض المساعي النظرية المنافسة في حقل الحق؛ لذا، مع الشكر للسيد محمد حسيني على بدئه هذه الحركة المفيدة والقيمة في مذكرته «نظرة تقييمية حول توجهات وافتراضات الدكتور محمد راسخ المسبقة بشأن مفهوم الحق وعلاقته بالمفاهيم الموجودة في فضاء البحث الأخلاقي»، أعتذر عن الفاصل الزمني الذي حدث ويسعدني أن يكون لي نصيب من هذا التقليد الحسن. آمل بكل تواضع أن أكون قد خطوت، ولو خطوة صغيرة، نحو إيضاح المفاهيم وتصحيح الأخطاء المحتملة في الهاوية الخطيرة لنظرية الحق. لقد سعيت إلى تحليل الموضوعات بدقة ومن دون مقدمات مملة لكي لا أحرم نفسي من مجال الانتقادات الأكثر حدة من أهل النظر، غير أن طبيعة النقاش المعقدة قد تكون قللت من جاذبيته؛ لذلك يُقترح على القراء الذين لا يتسع وقتهم للقراءة الكاملة ألا يغفلوا على الأقل عن القسم الذي يحمل العنوان الرئيسي نفسه، وهو الكينونة القانونية-السياسية للحق: في أثر نظرية العدالة. أتقدم مسبقاً بالشكر لجميع الأساتذة الأفاضل الذين يقرؤون هذه المسودة، وأرجو منهم، مع تجنب الحكم الاجتزائي أو الاستنتاج المبسط أو نقد الدوافع والوصم، ألا يحرموا هذا الأقل من نقدهم ونظرهم. آملاً أن أكون قد أسهمت، من جهتي، في تسليط بصيص ضوء على خرطوم الفيل في الغرفة المظلمة، فمع أن أبعاد الفيل ولونه وحاله لا تزال بحاجة إلى بحث واسع، إلا أننا على الأقل نعرف أنه فيل لا وحيد قرن!
يبدو أن قلة من المفكرين ذوي الرؤية الثاقبة الذين يكتبون عن الحق بمعناه الحديث في الفضاء المعرفي الإيراني، منشغلون بشرح العلاقة المنطقية بين سلسلة من المفاهيم، بحيث يرتبط الحق في نهاية المطاف -بالمعنى الذي استُخدم منذ أواخر العصور الوسطى وقُبل في أوائل العصور الحديثة، وبالشكل الذي كفلته إعلانات الثورات منذ عصر التنوير فصاعداً والدساتير في العالم الجديد- بمنظور معياري كوني، لكي تتوفر أرضية مشتركة في ذهن ولسان الناس والحكام الإيرانيين للالتزام به؛ وهذا انشغال قيّم، لكن ربما تدفع حدة المشاعر المتعاطفة مع الشعب الإيراني الجليل والمعذب إلى ألا تُطرح على النحو اللائق الأسئلة الصعبة التي يستقر في رأس أكثرها سؤال «لماذا»، في ظل الهدف المباشر المتمثل في الإعمال الواقعي والعملي لحقوق الإنسان للإنسان الإيراني، أو أن يُختزل السؤال إلى سؤال عن «الكيف». أعتقد أن الادعاء بـ"الحق الأخلاقي" هو في الواقع إجابة عن سؤال "كيف نُعمِل حقوق الإنسان لبشر معينين موجودين في أرض معينة؟" ولم يفحص على النحو اللائق هذا السؤال الأصيل: «هل يمكن للأمر الأخلاقي أن يكون أساساً مبرراً للحق الحديث؟» ويكفي لأهمية فحص هذا السؤال أنه بدون فهم تأسيسي صحيح لصورة مسألة الحق، فإن طريق الاقتراب من تحقيق المثل العليا القائمة على الحق في المجتمع سيكون أبعد، وسيؤدي دفع تكاليف باهظة في هذا الطريق إلى النتيجة المرجوة في وقت متأخر. سنحاول في هذه المذكرة معالجة هذا السؤال.
قبل الدخول في الشرح التفصيلي، يبدو أن تقديم ردود قصيرة على الادعاءات الرئيسية للسيد محمد حسيني إزاء الافتراضات الفلسفية للدكتور محمد راسخ سيكون مفيداً للقراء.
«يمكن تلخيص أهم افتراضات راسخ المثيرة للجدل في بضع نقاط؛ فبرأيه:
«والأهم من كل ذلك،
في مقالة "الأمر الأخلاقي والحق"، تم التنبيه أيضاً إلى أن الكونية، والعقلانية، واعتبار الإنسان غاية هي وجوه مشتركة بين جميع المنظومات المعيارية. لكن السؤال هو عن وجوه التمايز. ما هي وجوه تمايز المنظومات المعيارية المختلفة (القانون، الأخلاق، والسياسة)؟
لـ (أ) حق على (ب) بسبب (Y) في (X).
يمكن التعبير عن بنية الجملة أعلاه كتعريف منطقي للحق. والآن، لفهم الدعوى المندرجة في تركيب "الحق الأخلاقي"، يجب التمييز بين تصورين على الأقل لصياغة الحق بوصفه هوية أخلاقية؛ 1) كون الحق أخلاقياً، قد يعني من جهة تمهيد أساس لاستقاء مضمون الحقوق من الواجبات الأخلاقية؛ أي أن (Y) أو (X) في البنية أعلاه يتم تحديدهما على أساس الأخلاق، بالمعنى الدقيق للكلمة؛ 2) ومن جهة أخرى قد يُعتبر تمهيد أساس لدعم كوني، غير قابل للسلب، وقائم على الكرامة لوجود الحقوق بالاستعانة بالضمير الأخلاقي العام؛ الصياغة الثانية التي يمكن تفسيرها على أنها توظيف للضمير الأخلاقي في إطار فضيلة أو واجب المطالبة بالحق أو المطالبة بالعدالة، هي ما يمكن تسميته بـأخلاق الحق أو أخلاق العدالة، والتي يُعبّر عنها في هذه الجملة: من الجيد أن: بناءً على العدالة، لـ (أ) حق على (ب) بسبب (Y) في (X). وكما هو واضح، فإن هذه الصياغة تحتل مكانة من الدرجة الثانية بوضوح بالنسبة لمحتوى وتبرير حق معين، ولا تطمح إلى تحديد (X) أو (Y)؛ ومن ثم تبدو قابلة للدفاع. في هذه الكتابة، الصياغة الأولى، أي تبرير مضمون الحق من منطلق الأخلاق، والتي طُرحت في فضاء الفكر الإيراني من قبل الدكتور فنائي[13]، هي موضع نقد وتقييم. يكتب:
«عندما نتحدث عن الواجب الأخلاقي تجاه الآخرين، ينبغي لنا أن نميز بين نوعين من الواجب تجاه الآخرين: أحدهما "الواجب إزاء الآخرين" والآخر "الواجب بخصوص الآخرين". النوع الأول من الواجب تجاه الآخرين هو ضرب من الدَّين للآخرين؛ وهذا النوع الخاص من الواجب تجاه الآخرين يقابل حقًا للآخرين في ذمتنا. ولهذا السبب، فإن الاعتبار المعياري الذي يعبر عنه هذا النوع الخاص من الواجب أو يبرزه يمكن صياغته والتعبير عنه أيضًا في قالب "حق" الآخرين. وعليه، فلا فرق في هذه الحال بين أن نقول: "أ" عليه واجب إزاء "ب"، أو أن نقول: "ب" له حق على "أ"؛ ففي كلتا الصورتين نكون قد عبرنا أو أفصحنا عن اعتبار معياري واحد»[14]وبتعبير آخر؛ أي واجب/حق لدينا؟ ولماذا؟ يتحدد أساس هذا الواجب/الحق بناءً على الأخلاق. وللمقارنة بشكل أفضل بين المقاربتين المذكورتين آنفًا للحق الأخلاقي، انتبهوا إلى هذا المثال: لننظر في الحق في الجنسية (المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، إن حمل جنسية بلد ما يجعل القوانين الجنائية لذلك البلد على الأقل قابلة للتطبيق على الفرد، والآن إذا كانت قوانين البلد y تحتوي على مواد ظالمة قابلة للتطبيق على ذلك الفرد المعين أيضًا من حيث الاختصاص الشخصي الفاعل أو الإقليمي، فهل يمكن الدفاع أخلاقيًا عن حق الفرد x في جنسية البلد y؟ بتعبير آخر، هل يمكن إلقاء واجب أخلاقي على عاتق الفاعل الأخلاقي "أ"، كموظف الجوازات مثلًا، يقضي بمراعاة حق x في الجنسية وهو الذي سيتعرض لعقوبة غير عادلة في بلده؟ وفقًا للمقاربة الثانية (أخلاقية الحق)، وبما أن السبب الأخلاقي ينطبق لا على مضمون الحق بل على وجود الحق (الجملة الكاملة في بداية هذا القسم)، فإنه يمكن الدفاع عن حق الفرد x في جنسية البلد y بأسباب إلزامية، من جملتها الأسباب الأخلاقية. في المقابل، ووفقًا للمقاربة الأولى (التبرير المضموني للحق الأخلاقي)، فإن هذا الدفاع ينطوي على تناقض لأنه لا ينسجم مع الواجب الأخلاقي لنفي الظلم وقبول الظلم ولا يُعد خيرًا، ذلك أن مضمون الحق (x في الجملة الأولى من هذا القسم) والذي هو هنا الجنسية، هو ذاته أمر غير أخلاقي، ولا يمكن للسبب الأخلاقي أن يبرر أمرًا غير أخلاقي بشكل مباشر أو أن يبرهن على واجب أخلاقي بفعل أمر غير أخلاقي. في تتمة هذه المذكرة، كلما جرت الإشارة إلى نظرية الحق الأخلاقي، فالمقصود هو المقاربة الأولى (التبرير المضموني للحق).
على أية حال، كون نوع خاص من الحق موجودًا يعبر عن اعتبار أخلاقي أو يوجد سبب أخلاقي لصالح ذلك النوع الخاص، ليس أمرًا عبثيًا إذا ما أكسب هذه الحقوق، من حيث أنها تَحققت وجودًا كحقوق، خصائصَ لا يمكنها أن تتحلى بها إلا لكونها أخلاقية فحسب. أي أن الإلزام الأخلاقي المقابل للحق لا يكون عبثيًا إذا ما ألزم الفاعل الأخلاقي بنوع خاص من الإلزام بحيث يحافظ هذا الإلزام على وصفه الأخلاقي دون إدخال نية الفاعل ودافعه؛ هذه نقطة دقيقة ينبغي على القائلين بالحق الأخلاقي أن يوضحوها. أي حق هو الذي، فقط من حيث كونه أخلاقيًا (أي يعبر عن اعتبار أخلاقي أو له سبب أخلاقي)، يكون قد تَحقَّق وجوده كحق، أي أنه على الأقل مطالبة مضمونة؟ هذا القول يختلف عن القول بأن مضمون الحقوق يتداخل أو يتقابل أحيانًا مع مضمون الواجبات الأخلاقية، لأن هذا لا يعني ارتكاز تلك الحقوق على الواجبات الأخلاقية؛ وبتعبير آخر، لو لم تكن الواجبات الأخلاقية المشار إليها موجودة، لما اختل كون تلك المطالبات حقوقًا [من النوع الذي يُحاز]، لأنه من منطلق الفلسفة السياسية ومبادئ العدالة أيضًا يمكن/ينبغي الاستدلال لصالح الحقوق دون حاجة إلى أساس أخلاقي.
في الواقع، ليس واجب المخاطَب بالحق في السلوك بناءً على حق صاحب الحق هو ما يشكل جوهر ماهية الحق، بل حرية صاحب الحق في السلوك بناءً على حقه، والتي قد تستتبع أحيانًا واجبًا آخر بسبب ضمانها السياسي، هي الجوهر الأساسي للحق. لذلك، لكي يُدَّعى أن للحق، بالإضافة إلى استخداماته ومعانيه غير الأخلاقية، معنى واستخدامًا أخلاقيًا أيضًا؛ يجب أن يُبين أن بعض الحقوق على الأقل ليس لها سوى تبرير أخلاقي؛ أو أن التبرير الأخلاقي للحق - بافتراض تجرد الدافع عن هذا التبرير - يضفي عليه خصائص مميزة. وفي كلتا الحالتين، فإن التبرير الأخلاقي للواجب المقابل للحق ليس كافيًا، بل المطلوب هو تبرير الحرية السلبية لصاحب الحق، والتي تستتبع أحيانًا الواجب المقابل وأحيانًا لا.
انظروا إلى الحق في ارتكاب الخطأ (عملياً) أو في أن يكون المرء على باطل (فكرياً) باعتباره المَضِيقَ الأساسي لفهم الحق الحديث: هذا الحق يسمح لصاحبه بأن يُقدِم على فعلٍ منافٍ للأخلاق دون تعرض من المجتمع أو النظام القانوني (شريطة ألا يكون ذلك الفعل المنافي للأخلاق مُجرَّماً، وتلك مسألة أخرى) أو أن يعتنق اعتقاداً مخالفاً للحقيقة. والطريف أنه قيل إن هذا الحق أخلاقي أيضاً لأنه يقابل واجباً أخلاقياً على المجتمع، سواء على مستوى بناء المؤسسات ورسم السياسات أم على مستوى الأفراد، يقضي بعدم فرض معتقداتهم على الفرد صاحب الحق.
وبصرف النظر عن الخلط بين المفهوم الأخلاقي للتسامح والتساهل والحق في الخطأ، يمكن أن نتساءل: بما أن الحق المذكور آنفاً يقابل واجباً معيارياً، فما الداعي إلى اعتبار الواجب المشار إليه واجباً أخلاقياً بعدم فرض الاعتقاد الصادق أو الفعل الجيد، لا واجباً معيارياً لكنه غير أخلاقي[15] (وليس لاأخلاقياً) بترك واجب قول الحقيقة أو التوصية بالفعل الجيد؟ بعبارة أخرى، يمكن القول إنه عند ممارسة (ألف) للحق في الخطأ، أي اعتناق اعتقاد خاطئ أو ارتكاب فعل منافٍ للأخلاق، يمكن أن نُجري تحليلين لإلزام الآخرين بمراعاة هذا الحق. الأول: واجب أخلاقي سلبي على الآخرين يُنشئ حقاً لـ (ألف)، ويتمثل في واجب عدم فرض الاعتقاد الصادق أو عدم فرض الفعل الجيد. الثاني: أن حق (ألف) يمنحه حريةً تستلزم إمكانية إلزام الآخرين بترك واجبهم الأخلاقي في قول الحقيقة أو التوصية بالفعل الجيد.
يشترك كلا التحليلين في أن الحق يوجب واجباً مناظراً على الآخر، غير أن الانتباه إلى إحدى السمات الأساسية للحق سيرشدنا إلى اختيار التحليل الصائب، الذي يبدو أنه التحليل الثاني. تلك السمة هي الطابع الإمكاني لـ«ممارسة» الحق. أي أن الحق يقتضي أن يتمكن (أ) من الإبقاء على الإلزامات الملقاة على الآخرين والناشئة عن حقه، أو رفعها، بشرط إرادته الحرة فحسب. وهنا تحديداً يتجلى أن تبرير المضمون المعياري للحق من منبع أخلاقي يفتقر بوضوح إلى ثبات الوصف الأخلاقي في الواجب المناظر؛ ذلك أن الواجب الذي يقتضي الحق استقراره لمخاطَب الحق (لا لصاحب الحق) يكون قابلاً للإسقاط إذا أراد صاحب الحق ذلك، وفقط إذا أراده؛ ومن ثم فإن ادعاء امتلاك واجب مخاطَبي الحق لوصف أخلاقي لا يمكن أن يكون مستقراً، لأنه حين يُسقط (أ) (صاحب الحق في (الفعل أو الاعتقاد) الخاطئ) حقه، فإن ذلك يستلزم ادعاءين متناقضين من جانب مخاطَب الحق في الخطأ، الذي هو فاعل أخلاقي [بحسب دعوى القائلين بالحق الأخلاقي] ملزَم بالفعل فحسب. الأول: لا ينبغي أن أُقنِع (أ) باعتقادي الصائب/ لا ينبغي أن أصف الفعل الجيد لـ(أ) إذا كان بإمكاني، وفقط إذا كان بإمكاني، أن أريد هذا الإلزام للجميع. الثاني: ليس الأمر أنه لا ينبغي أن أُقنِع (أ) باعتقادي الصائب/ لا ينبغي أن أصف الفعل الجيد لـ(أ) إذا كان بإمكاني، وفقط إذا كان بإمكاني، أن أريد هذا الإلزام للجميع. وذلك لأن صدق القضية الأخيرة ناشئ عن اختيار (أ) في إسقاط حقه، وما يترتب على ذلك من زوال الواجب المناظر والناشئ عنه لمخاطَبي الحق. ومن الضروري الانتباه إلى أن هذه المشكلة لا تظهر إذا طبقنا الواجب الأخلاقي للتسامح والمساهلة ولم نخلطه بالحق؛ ذلك أن إسقاط (أ) للحق في الخطأ لا يؤثر في حسن واجب الآخرين في التسامح. ومن جهة أخرى، فإن إسقاط الحق في الخطأ، وفقاً للتحليل الثاني أيضاً، يزيل السبب الإيجابي وغير الأخلاقي في آنٍ (لا المضاد للأخلاق) لترك واجب الصدق الذي كان الحق منشأه، ولا يعود مخاطَب الحق تحت هذا الإلزام، وإن كان لا يزال من الممكن أن يكون مخاطَباً بالإلزام الأخلاقي للتسامح. بعبارة أخرى، إن الإلزام الأخلاقي – غير المحتاج إلى دافع – المناظر للحق يزول بإسقاط الحق، لكن الإلزام الأخلاقي للتسامح يبقى قائماً حتى لو أزال الفاعل الخاطئ حقه في الخطأ. من هنا يمكن أن نفهم أن وجود الحق أو عدمه لا يغير سوى وضع الفاعل العقلاني إزاء هذا الواجب، أي هل ينبغي له أن يترك الصدق أو الوصف الأخلاقي لمصلحة حرية الفعل المضمونة لصاحب الحق أم لا؟ لأنه إذا لم يُمارَس الحق في الخطأ أو لم يوجد، فإن الواجب الأخلاقي للتساهل والتسامح، القائم على موقف معرفي، وكذلك الواجب الأخلاقي لإرشاد الجاهل، لا ينتفيان، وينبغي للفاعل الأخلاقي أن يتخذ القرار الأفضل تبعاً لسائر شروط الموقف؛ وفي المقابل، إذا مورس الحق في الخطأ، فإن صاحب الحق، باستعماله لحريته، يجعل الواجب الأخلاقي لإرشاد الجاهل مستحيلاً، ويضيف إلى الواجب الأخلاقي المدفوع بالدافع للتسامح، واجباً عقلانياً لكنه غير أخلاقي وغير مدفوع بالدافع لعدم التعرض، يكون إلزامه مستقلاً بل وأقوى.
وعليه، فإن مشكلة الحق الأخلاقي في الخطأ (الفكري أو العملي) هي مشكلة التوافق المتبادل وإمكانية تعايش الواجبات الأخلاقية بعضها مع بعض ومع الحق؛ لأنه وفقاً لتصور أخلاقية هذا الحق، فحين يمارس (أ) حقه، يكون حق خاص، في الوقت الذي يناظر فيه إلزاماً من جنس الواجب الأخلاقي (عدم فرض الاعتقاد أو الفعل)، مناظراً أيضاً لإلزام غير أخلاقي (ترك واجب الصدق أو وصف الفعل)؛ وهذان الإلزامان لا يمكنهما أن يكونا، في آنٍ واحد ومع الحفاظ على وصفهما الأخلاقي/غير الأخلاقي، أساساً لفعل مخاطَبي الحق، لأنهما يستلزمان تناقضاً منطقياً. ومن الضروري الانتباه إلى أنه وفقاً لأساس المعتقدين بالحق الأخلاقي، لا مدخلية للنية والدافع في إلزام مخاطَبي الحق بالقيام بالفعل الذي يقتضيه، ومن ثم فإن المشكلة المذكورة آنفاً، أي تعارض الإلزام بترك الصدق والإلزام بعدم فرض الاعتقاد، لا يمكن حلها بالرجوع إلى دافع الفاعل. وفي الواقع، فإن مشكلة مفهوم الحق الأخلاقي تكمن، ضمن أمور أخرى، في العجز عن تنظيم العلاقة المعيارية المتجانسة والمتوافقة تبادلياً بين صاحب الحق ومخاطَب الحق، والحقوق في ترابطها بعضها مع بعض.
للإجابة عن: لماذا ينبغي للأمر الأخلاقي أن يكون الأساس المبرر للحق؟، ينبغي أيضاً أن نسأل: هل الأخلاق والأخلاقيات، بالتقرير المقبول عند إيمانويل كانط، بوصفها قضايا عقلانية [مطابقة لقاعدة كلية] معيارية [مطابقة لمبدأ الغاية]، تغطي كامل مجال القضايا الوجوبية للعقل العملي البشري؟ وبدقة أكثر: هل النسبة المنطقية بين الأمر الوجوبي العقلاني والأمر الأخلاقي هي نسبة تساوٍ؟
جواب القائلين بالحق الأخلاقي عن هذا السؤال، بناءً على لوازم مدعياتهم، ينبغي أن يكون إيجابياً؛ ولا سيما بالنظر إلى إحالتهم إلى تقسيم كانط لمجال الواجبات الأخلاقية برمته إلى تطبيقات المبدأ العام للفضيلة والمبدأ العام للعدالة (القضاء)[16]، والذي يترتب عليه أننا لا نستطيع أن نجد أي مبدأ كلي ملزم عقلاً للفاعل [المثالي] لا يندرج تحت أحد هذين المبدأين، مع فارق أن النية والدافع الحسن شرط في مصاديق الفضيلة، أما في مصاديق العدالة فمجرد تحقق الفعل من الفاعل لازم، ومن ثم؛ فالحالة الأخيرة قابلة للإكراه الخارجي عبر القانون أيضاً، والأخلاق الاجتماعية، بحسب المدعى، تشير إلى النمط الأخير من الواجبات الأخلاقية.
على النحو الذي بيّنه الدكتور فنائي[17]، فإن الحق يتبرر بالاستناد إلى الأخلاق الاجتماعية، لأن امتلاك الحق يستدعي دوماً آخرَ في المجتمع إلى واجب إيجابي (فعل) أو سلبي (ترك فعل) إزاء صاحب الحق، والواجب الأخير لا يحتاج إلى نية ودافع حسنين، ومن ثم فإن مضمون مثل هذا الحق أخلاقي أصالةً، ويمكنه أن يرتدي لبوس القانون أيضاً. وعليه: «فبعض الواجبات الأخلاقية فقط، أي الواجبات المناظرة للحقوق الأخلاقية، تملك القابلية للتحول إلى قانون وضعي. من منظور منطقي، نسبة الأمر الأخلاقي إلى الأمر السياسي والأمر القانوني ليست نسبة تباين، بل نسبة عموم وخصوص؛ لدينا نوعان من الأمر الأخلاقي، أحد نوعيه قابل لأن يرتدي لبوس القانون الوضعي ويقترن بالإكراه الخارجي، أما النوع الآخر فلا يملك هذه القابلية.»[18]
كما نُقل، فإن نسبة الأمر الأخلاقي إلى الأمر الحقوقي (القانوني) اعتُبرت، من قِبل أحد المدافعين عن الحق الأخلاقي، عموماً وخصوصاً، وإن لم يُشر بفطنة إلى كونها مطلقة أو من وجه؛ لكن السؤال الأساسي عن نسبة الأمر الأخلاقي إلى الأمر المطلق (المعيار العقلاني) باقٍ. هل الأمر الأخلاقي قسم (أو تطبيق) إلى جانب أقسام أخرى من الأمر المطلق، أم هو المَقْسَم نفسه؟ هل من معنى خاص في الأمر الأخلاقي يمكن، بحذفه، أن يظل لدينا أمر وجوبي عقلاني لكن غير أخلاقي؟ إن لم يوجد، فمفهوم الحق الوجوبي أساساً، وليس الأخلاقي بالضرورة، يكون زائداً. وإن وجد، فما نسبة ذلك المعنى إلى الحق بوصفه موجودية وجوبية؟ في الواقع، الأخلاق بهذا المعنى العام الذي يندرج الحق تحته أيضاً، تشير إلى كامل المجال القيمي (الأمر الوجوبي)، وإذا لم نعتبر هذا، شاهداً على سائر تصريحات كانط الماهوية بشأن الأمر المطلق بمنزلة نظرية عامة للقيمة، أو لم نعتبره سهواً في تسمية القسم باسم المَقْسَم (على الأرجح لأسباب تاريخية ولعدم تشكل التخصصات المعيارية المستقلة)، فإنه يمكن القول حينئذ: إن «الأخلاقي» لا يشير بأي معنى زائد على معنى «الوجوبي/المعياري»، واستعمال moral بدلاً من normative صحيح؛ وبعبارة أخرى، ليس منطقياً أن يكون لدينا أمر معياري سياسي أو أمر معياري اجتماعي أو أمر معياري حقوقي أو أمر معياري عرفي دون أن تكون هذه الأمور أخلاقية قبلاً. بعبارة أخرى، كل أمر معياري هو أمر أخلاقي والعكس صحيح؛ إذن فسائر الأمور المعيارية ينبغي ردها إليه.
هذه النتائج خاطئة لأنها من جهة أولى تخالف التجربة والحدس المعياري البشري؛ فعلى سبيل المثال، حين تُقال كذبة لمصلحة إنقاذ حياة، ورغم إمكان تطبيق الأمر المطلق عليها، أي يمكن القول إن الإنسان قد اعتُبر غاية في ذاته وتمت إرادة كونها قانوناً كلياً؛ وبالتالي يكون الكذب معياراً عقلانياً. إلا أن هذا لا يزيل قبح الكذب حتى في هذا الموقف الخاص ولا يجعله «خيراً»؛ ومن جهة أخرى، فإن تحليل الأمر المطلق يناقض بوضوح هذه النظرة الاختزالية؛ فما يقع في مركز الأمر المطلق هو اختيارنا ككائنات عاقلة، وكون هذه القاعدة مطلقةً تُطبق على الجميع دون النظر إلى غاياتهم وأهدافهم الخاصة، يكمن بالتحديد في أن الكائن العاقل حين يعقد الإرادة على الفعل، يمكنه/ينبغي له أن يطبق الأمر المطلق على سلوكه، ولا حاجة إلى أي افتراض مسبق أو مادة أولية أخرى سوى الفعل الاختياري، وبالطبع فإن هذا الفعل، مع انطباقه على الأمر المطلق، يمكن أن يكون معللاً أو مدللاً أو معبراً عن معنى سياسي أو قانوني أو اجتماعي أو عرفي أو اقتصادي أو أخلاقي.
لذا فإن الفعل الذي يُنجز انطلاقاً من الأمر المطلق، وإن كان صحيحاً، إلا أنه لا يزال بوسعنا أن نتساءل بشكل ذي معنى: هل ذلك الفعل خير؟ على سبيل المثال، صاغ الدكتور راسخ وزملاؤه[19] هذا التمييز على النحو التالي: «يمكن القول إن الأمر الأخلاقي يتميز عن سائر الأمور المعيارية بخصائص كونه «ماهوياً»، و«منحازاً»، و«موجداً للفضيلة»، و«مرغوباً لذاته»، و«شاملاً»». وبالطبع ينبغي الانتباه إلى أن التحليل المفهومي للأمر الأخلاقي من حيث كونه أخلاقياً، أي صفاته المميزة الماهوية، لا يخل ببساطة معنى «الخير» في اللغة التحليلية.
وهناك تقسيم مهم وشائع آخر بشأن الإلزام، تناوله روس[20]، وكان له أثر بالغ في النظرية الأخلاقية وفهم ما وراء الأخلاق (المجال المطلق للأمور الوجوبية). يقسم روس الإلزام إلى طيفين: «الإلزام المطلق»[21] و«الإلزام للوهلة الأولى»[22]. الإلزام التام أو «الإلزام المطلق» يعني الإلزام بفعل ما ينبغي للمرء فعله «مع أخذ كل شيء بعين الاعتبار»[23]؛ وفي المقابل، الإلزام للوهلة الأولى يعني الإلزام بفعل ما ينبغي للمرء فعله «مع أخذ كل الأشياء ذات الصلة بسياق معين بعين الاعتبار». مثلاً، ما ينبغي للمرء فعله مع أخذ كل الأمور الأخلاقية بعين الاعتبار هو «إلزام للوهلة الأولى». الإلزام التام يتضمن إلزامات مختلفة للوهلة الأولى.[24]
لقد سعينا إلى بيان أن التمييز المفهومي بين الصحيح/الخير هو تمييز ذو معنى ومفيد، وفي الواقع يمكن الادعاء بأنه وإن كانت جميع الأفعال الأخلاقية توصف بالصحة والخطأ، إلا أن ما يحدد في نهاية المطاف كونها أخلاقية أو لا أخلاقية هو خاصية معنوية بسيطة أخرى تُدعى الخيرية، وعليه فإن وجود حيز خالٍ من الأمر الخير في الدائرة المعنوية للأمر الصحيح، يتمثل في اللا-خير أو المحايد أخلاقياً أو غير الأخلاقي أو اللاأخلاقي (وليس المضاد للأخلاق)، هو أمر مبرر منطقياً وقابل للتطبيق عملياً. العبارات التالية تعبر عن هذا التمييز:
1) كل شرير هو خاطئ من حيث كونه شريراً.
2) كل خير هو صحيح من حيث كونه خيراً.
3) ليس كل خاطئ شريراً من حيث كونه خاطئاً.
4) ليس كل صحيح خيراً من حيث كونه صحيحاً.
أبدأ هذا القسم بمقارنة بين الأخلاق الاجتماعية والعدالة. تأملوا هذا التقرير للأخلاق الاجتماعية:
«الأخلاق الاجتماعية ليست جزءاً من الأخلاق الفردية، ولا تابعةً لها، بل هي الوعاء والسياق الذي يتيح، في ظلّه، إمكانية العيش السلمي استناداً إلى تصورات مختلفة للأخلاق الفردية لأتباع هذه التصورات. رسالة الأخلاق الاجتماعية هي تأمين وضمان وتوزيع منصف لفرصة العيش وفقاً للأخلاق الفردية لجميع المواطنين بلا استثناء. بوسع الحكومة فقط أن تسنّ الواجبات المتعلقة بالحق والعدالة في صورة قانون، وأن تستخدم الإكراه، عند الاقتضاء، لإجبار المواطنين على أداء هذه الفئة من الواجبات الأخلاقية.»[26]
يشكل تصور خاص للأخلاق الاجتماعية أو الأخلاق الموجهة نحو الغير جزءاً مهماً من استدلال القائلين بالحق الأخلاقي. وبناءً على التقرير المنقول، فإن المعيار الحقوقي أو القانون الخاص يصف دوماً قاعدة السلوك بحيث يكون أداء ذلك السلوك بالنسبة للمخاطَب: في المرتبة الأولى واجباً ناشئاً عن الأخلاق. وفي المرتبة الثانية، يكون هذا الواجب الأخلاقي ناتجاً عن المبدأ العام للقضاء (الحق والعدالة) بالتقرير الكانطي، بمعنى أنه لا يحتاج إلى نية ودافع خيّرين ليكون أخلاقياً. وفي المرتبة الثالثة، فإن عيش المخاطَب وفقاً للأخلاق، ومنه السلوك المطابق للقانون، قد أصبح ممكناً بفعل سيادة الأخلاق الاجتماعية في المجتمع. إن امتداد هذه الخطوات الثلاث عينها يرشدنا إلى حكم أفضل بشأن الأخلاق الاجتماعية؛ ففي المرتبة الرابعة ينبغي أن نسأل: كيف تصبح الأخلاق الاجتماعية نفسها ممكنة؟ هل هي قابلة للتحقق أساساً؟ ما هي نسبة الأخلاق الاجتماعية إلى العدالة الاجتماعية؟ هل الأخلاق الاجتماعية هي الافتراض المسبق للعدالة الاجتماعية أم العكس؟
يتبين من التقرير أعلاه أن الفصل المميّز الوظيفي للأخلاق الاجتماعية هو كونها وعاءً وسياقاً للتعايش السلمي لأتباع عدة أخلاق فردية متخالفة، غير أن هذه الوظيفة مشروطة بوصفها قواعد مستقلة عن الأخلاق الفردية وسائر المجالات المعيارية. لنقرأ توضيح كيف تقوم الأخلاق الاجتماعية [بحسب المدّعى] بهذا العمل:
«إذا لم يُعترف بحق (ألف) في العيش وفقاً لقيم الأخلاق الفردية التي يؤمن بها، في الأخلاق الاجتماعية المقبولة لدى (ألف) وسائر المواطنين، أي إذا لم تكن الأخلاق الاجتماعية السائدة في المجتمع الذي (ألف) مواطن فيه قائمة على الحق واحترام الأشخاص، وبالتالي على احترام حقوق الأشخاص، وإذا لم يكن (ألف) حراً في اختيار قيم أخلاقه الفردية والعيش وفقاً لهذه القيم من الإكراه والفرض الخارجي، وإذا ما اعتبر الآخرون (سواء من المواطنين أو الحكومة) أن من حقهم فرض قيم أخلاقهم الفردية التي يؤمنون بها على (ألف) بالقوة والإكراه، فإن العيش وفقاً للأخلاق الفردية يصبح مستحيلاً وبلا موضوع بالنسبة لـ (ألف)»[27]
لفهم الأخلاق الاجتماعية، ينبغي أولاً معرفة ما ليست هي إياه، أي أنها ليست اللا أخلاق، بما في ذلك ضد الأخلاق وغير الأخلاق (كالمعيار السياسي مثلاً). وثانياً، ليست الأخلاق الفردية التي تنظم علاقة الفرد بنفسه وبالغير دون تدخل المؤسسات والأفراد الآخرين. يبدو أن الأخلاق الاجتماعية، وفقاً لتعريفها الوظيفي، لا يمكن أن تكون من سنخ قاعدة السلوك لفاعل عقلاني معين، بل هي تصوير لوضعية مثلى ينبغي أن تسود العلاقات المتشابكة لمؤسسات المجتمع وأفراده، لكي تصبح الأخلاق الفردية المستقلة ممكنة في سياقها. وبعبارة أخرى، ليس من المعقول أن يلتزم فرد أو مؤسسة بمفرده بالأخلاق الاجتماعية أو لا يلتزم بها.
لذا، فإن الإشكال الأول لهذا المفهوم هو كون الأخلاق الاجتماعية بلا فاعل؛ فأي فرد أو مؤسسة هو المحقق لسيادة الأخلاق الاجتماعية؟ إن قلتم الجميع، بمعنى إحالتها إلى الإجماع الأخلاقي، فحصوله معلوم الاستحالة وغير ممكن، وإن قلتم مؤسسة بناء المؤسسات، أي الدولة-الأمة، فأين الوصف الأخلاقي لهذه القاعدة التي تستدعي أكثر مؤسسات المجتمع تسييساً؟ هل بوسع الدولة أن تفضل تصوراً خاصاً للأخلاق الاجتماعية وتطبقه؟ وبفرض أنها تستطيع، فإذا فعلت ذلك، أيمكن القول إن هذه الأخلاق الاجتماعية ليست عادلة بالنسبة لأولئك الذين لم يقتنعوا بها؟ والإشكال الأكبر في هذه المفهمة للأخلاق الاجتماعية هو جعلها للعدالة بلا معنى ومستحيلة. طبعاً، لا العدالة التي تُفهم كجزء من الأخلاق، بل العدالة بمعنى مجال معياري مستقل وغير أخلاقي. يبدو أنه لو استبدلنا بالأخلاق الاجتماعية، في الفقرة الأولى المنقولة، لفظ العدالة، لكان الكلام يُفهم على نحو أفضل.
من الأخطاء الأخرى للتسويغ الأخلاقي للحق، والمتجذرة أيضاً في الاختزال المذكور آنفاً، اعتبارُ الطبيعةِ الأصيلةِ الحقوقيةِ لبعض قواعد السلوك في المجتمع الإنساني أمراً عارضاً أشبهَ باللباس؛ وبعبارة أخرى، اختزال الحقوق[28] إلى القانون واختزال قاعدة السلوك إلى الأخلاق. وهذا شرَكٌ خادعٌ مدمّرٌ، وهو للأسف شائع بين غير الحقوقيين. ليس الأمر أن الأخلاق تقتضي قاعدة سلوك ما، ثم تختارها أجهزة الحكم، لسبب أو بلا سبب، فتتحول إلى قانون منذ اليوم التالي لإقرارها، ويشكل تراكم هذه القوانين النظامَ القانوني. بل إن كثيراً من قواعد السلوك، لأسباب حقوقية، ساريةٌ في علاقات المجتمع حتى قبل أن تعترف بها المؤسسات التشريعية، ويمكن أحياناً تمييزها بسهولة عن القواعد الأخلاقية، وإن كانت قاعدة سلوكية معينة، في حالات كثيرة أيضاً، ذات أساس أخلاقي وحقوقي معاً. فمثلاً، الوفاء بالعهد، حيث لا ينتهك مضمون هذا الوفاء قاعدة أخلاقية أهم، هو أخلاقي أيضاً، لكن إذا كان مضمون الوفاء نفسه منافياً للأخلاق، فإن تسويغ الوفاء بالعهد، حتى بدون قانون مكتوب أو تدخل قاضٍ، ينبع فقط من حس التوازن العقدي الذي هو ظاهرة حقوقية. تأمل عقداً يقوم على دفع المال مقابل شرط ضرب شخص: الوفاء بهذا العقد لا يجد تسويغاً أخلاقياً، لكنه مسوَّغ من الناحية الحقوقية.
هذا القول بأن للحق أنواعاً، بعضها قانوني وبعضها أخلاقي وبعضها سياسي وبعضها عرفي[29]، إن قيل بهدف تعليمي فليس خاطئاً؛ لكنه يواجه، من الناحية المعرفية، مشكلةَ أنه ينظر إلى الحق بوصفه هوية مجردة ذات أقسام غير متجانسة ومتداخلة (لأن منشأ الحق لا يحدد بالضرورة سنخه، فالحق العرفي يمكن أن يكون مضموناً سياسياً أو أخلاقياً، وهكذا)، أو أنه يطرح فكرة إمكان الاقتناع بحق ما، والإقناع به، استقلالاً بحجة أخلاقية، أو استقلالاً بحجة عرفية، وهلم جراً.
يبدو أن التقسيم أعلاه لا يمكن أن يشكل أساساً لمعرفة نوع مستقل من الحق، بما في ذلك الحق الأخلاقي، لأنه لا ينظر إلى الحق بوصفه كياناً عينياً في الانضباط المعياري الاجتماعي المتجلي عبر الدولة؛ ذلك الكيان المعقّد المختلط بكل هذه الأنواع في سياقه التاريخي والاقتصادي؛ فالحق الحديث أساساً من حيث إنه حق متعيّن في الوجود، أي ادعاء مضمون؛ ليس له أنواع، الحق من حيث هو حق له نوع واحد فقط، وهو الحق القانوني-السياسي[30]. هذا لا يعني أن الحقوق التي يُعترف بها في نظام قانوني معين هي وحدها الجديرة بوصف الحق (الحقوق الموضوعة)، ولا يعني أيضاً أن الحقوق قابلة للبناء أو التحديد أو التوسعة انطلاقاً من قاعدة نظرية خالصة وغير متناسبة مع وجودها النهائي - كالأخلاق مثلاً. بل يعني أن ثمة معرفة معيارية مستقلة تشتمل على مبادئ وجوبية حاكمة لعلاقة الفرد (المواطن) بالمجتمع السياسي (مبادئ العدالة على سبيل المثال) تبرر الحقوق وتعبر عنها، لكنها تتجه صوب وضعية عينية وشاملة ومأسسة من السيادة السياسية الخاصة في إقليم خاص بين سكان معينين، أي تتجه صوب الدولة القومية الخاصة بوصفها الفاعل النهائي الضامن أو المنكر العملي للحق. لذا، فرغم أن مبادئ هذه المعرفة المعيارية قد لا تكون قد تجلت بعد في النظام القانوني، فهي أصلاً تقتضي حقوقاً، ويجب التعبير عن هذه الحقوق بلغة موجهة إلى الدولة القومية، أي بدعوى الفاعلية والقوة لا بدعوى الاعتبار والصدق. بعبارة أخرى؛ يطرح فهماً للمعرفة القانونية يمتلك الصلة الأكثر أصالة بالأمر السياسي (التعارض الأساسي غير القابل للحل) وبطبقاته المؤسسية القائمة والتي في طور التشكل، بوصفها واقعاً، لكنه لا يُختزل إلى الأمر السياسي؛ لأن الوحدة السياسية المتمثلة في الدولة القومية، سواء في القراءة الإرادية أو القراءة العقلانية، ليست هي المنشأ الحصري والآني لتحديد أو وجود هذه المبادئ المكوّنة للحقوق، لكنها المُحقِّق الحصري والمقرّ الدائم والمستفيد النهائي من إقامة (ضمان) الحقوق عبر زيادة سلطة الحكم. ومن هنا تضطلع المعرفة القانونية، مستعينة بالعلوم الاجتماعية ذات الصلة وبطريقة مكتفية بذاتها لكنها حسّاسة للواقع السياسي المؤسسي، بمهمة التعبير عن الحقوق وتنظيمها بلغة موجهة إلى السلطة السياسية. القانون بهذا المفهوم يشمل ثلاثة مستويات: القانون، والقانونية، وما فوق القانونية[31].[32] وتجدر الإشارة إلى أن الحقوق الطبيعية والحقوق الناشئة عن تقاليد المجتمع تُدرج، بحسب الحالة، في أحد هذه المستويات الثلاثة التي يُعاد التعرف عليها بتطبيق المنهج القانوني المناسب، وليس بالضرورة في المستوى الأول. وبالطبع، لا يمكن أن تكون قائمة الحقوق المضمونة في هذا المفهوم من الانضباط القانوني قائمة كونية، حتى لو وجدت اشتراكات بلا استثناء في قوائم الدول المختلفة.
على أية حال، يُفهم الحق الحديث في ظهوره النهائي بوصفه الأجزاء المكوّنة لـ"نظام سياسي مؤسسي عادل"، بصرف النظر عن كونه مدرجاً في النظام القانوني الناشئ عن النظام السياسي القائم أم لا. الحق كينونة سياسية تشكل أجزاء نظام قانوني قائم على العدالة، يوفّر التبعية السياسية للمواطنين للدولة - وبالمقابل، وبتعبير فيبر[33]، الإمكانية المشروعة والاستثنائية لممارسة القوة أو انتهاك حرية الفرد - مقابل حماية عنصر "الامتلاك" بالمعنى الجديد للحق، ويُفهم النظام القانوني في هذا التعبير على نحو يتجاوز قاعدة الاعتراف (الوضع والقانون الموضوع).
بعبارة أخرى، كانت صياغة مفهوم الحق الحديث صعبة بشكل خاص لأنها تبرر نوعاً من الاستدعاء للعنف بمعناه العام [السيادة]، لأنها تستلزم نوعاً من الحكم السياسي، وتستوجب عند الاقتضاء تدخلاً بوليسياً، مقارنة بأنواع الأدلة والاعتبارات التي تعبر عن قيمة ما بلغة وجوبية. بعبارة أخرى، الأمر القانوني هو/ينبغي أن يكون المستوى الأخير والأشد من الأمر المطلق[34] الذي يعمل/ينبغي أن يعمل في ظل المبدأ السياسي للعدالة بوصفه المبدأ الناظم للأوامر الأخرى - الأمر الأخلاقي، والأمر العرفي، والأمر النفعي، والأمر الديني وغيرها؛ وبشكل عام، المبدأ القانوني هو المبدأ الحاكم للمقايسة بين القيم الجوهرية الكونية والتاريخية للأفراد والجماعات والمجتمع، وليس من الضروري لهذه الوظيفة أن يكون موضوعاً. في التحليل النهائي، نظرية الحق هي أحد فروع نظرية العدالة بوصفها الأساس النظري القابل للدفاع عنه لتبرير التبعية السياسية للدولة والنظام القانوني.
الحقوق الحديثة، من دون عنصر موجِّه من الضمان السياسي-القضائي، ليست شيئاً مختلفاً عن أسلافها أي الحقوق الطبيعية التي تقترح إلزامات معيارية شديدة الإقناع للجميع (الفرد، الفرد في المجتمع والمؤسسات الخاصة بمفردها وفي ارتباطها معاً)، تماماً مثل الأخلاق الاجتماعية إذا ما تُصوِّرت أساساً للحق، لأنه بالإضافة إلى اختلاطها الشديد بمفهوم العدالة وبالطبع عدم شمولها لأنواع الحق غير الحدسية، فإن ضمان الحقوق وتحقيقها يظل مرهوناً بالاتفاق الأخلاقي العام أو على الأقل الأغلبية المؤثرة أو الاتفاق الأخلاقي القائم على دعاوى الصدق والاعتبار مع السلطة الحاكمة، وهو أمر لا يمكن التنبؤ به ولا الرجاء في أفق الزمان.
إن تبرير الحقوق القائم على الإقناع والمتوجه إلى إرادة الفاعلين العقلانيين، بافتراض إمكانية اتفاق اجتماعي شبه شامل، من دون أن يعبِّر عن هذه الوظائف بلغة سياسية-قانونية لتكون أساساً مشروعاً لتأسيس السلطة الناشئة عن وحدة الجمع الكثير واستعمالها وحفظها، ليس أساساً لوجود الحق في العالم الواقعي لأن العنصر اللازم والفارق للحقوق في العالم الجديد هو ضمان الدولة-الأمة لها، وهذا الأمر يتطلب إرادة السلطة وقبولها، وليس للسلطة مع الإقناع والفعل التواصلي للغة القائم على دعاوى الصدق والاعتبار صلة. علاوة على ذلك، إذا ما اقتنعت السلطة السياسية بنوع خاص من الأخلاق الاجتماعية وحوَّلت أحكامها إلى قانون، فإن تنفيذ هذه الأحكام بحق أفراد من المجتمع لا يقبلون تلك الأخلاق الاجتماعية سيظل غير عادل وفرضاً، والأهم من ذلك أن هذه الفئة لن يكون لديها سبب مبرر للاتباع السياسي. يمكن القول إن تلك اللغة السياسية-القانونية التي ترتقي، من جملة ما ترتقي به، بالادعاءات الأخلاقية المتناسبة، في أرض واقعية ومليئة بالمحدوديات، مكونة من بشر واقعيين ومليئين بالصراع، إلى مستوى الحق، أي تجعل السلطة السياسية، في مقابل الاتباع السياسي للمواطنين، ملتزمة بضمان تلك الادعاءات بقطع النظر عن طبيعتها الأخلاقية، هي فلسفة سياسية قائمة على نظرية تحليلية للعدالة بهدف تبرير شروط الاتباع السياسي. إن الوحدة بين الأساس المبرِّر للحق والأساس المبرِّر لتأسيس السلطة السياسية وممارستها وحفظها ونقلها وشروط الاتباع لها، هي سر دخول الحقوق من العالم البينذاتي ومن التحقق الحالي، إلى العالم العيني والتحقق المؤسسي (المستمر والدائم) من قبل الدولة القائمة على الحق.
نعرف العدالة عادةً بالعدالة التوزيعية ولكن في هذا المجال يُقصد مقاربة خالصة للعدالة بوصفها المبدأ الجوهري للفلسفة السياسية التي تتمثل رسالتها في التبيين القضوي والتحليلي للعادل/غير العادل في العلاقات الإنسانية المعقدة داخل المجتمع السياسي. والحق أيضاً هو أحد مقتضيات العدالة إلى جانب منافع الحياة الجمعية أو المصلحة العامة.
العدالة مبدأ قيمي أو وجوبي، لكنها تقدم تبييناً منطقياً مختلفاً بالمقارنة مع المبادئ الأخلاقية، وهو تبيين قائم على مشكلة واقعية هي: تبعية أفعال الأفراد لبعضهم البعض وإمكانية التزاحم بين تلك الأفعال في حين يمكن لهؤلاء الأفراد أن يعتقدوا بشكل ذي معنى بمبادئ أخلاقية متنوعة بل ومتضادة.[35] إن تعريف الحق بوصفه جزءاً مكوناً للعدالة[36] يتبرر من هنا بأنه يقدم حلاً معيارياً مصوناً من الاعتراض الأخلاقي لهذه الوظائف المتبادلة المتضادة بحيث يصبح ممكناً، من جملة ما يصبح ممكناً، التعايش بين الحقوق الفردية في ظل مقتضيات العدالة.
تصوروا موقفاً يريد فيه الفاعل الأخلاقي أ، لأسباب مقنعة، أن يقوم بالفعل الأخلاقي س؛ إنه لا يعتبر أي إنسان أداة ويستطيع أن يريد الفعل الذي هو على وشك القيام به كقاعدة كلية. وفي الموقف نفسه، يكون الفاعل الأخلاقي ب، بكل الأوصاف المذكورة، على وشك القيام بالفعل الأخلاقي ص. أضيفوا إلى هذه الصورة واقعتين أخريين: الأولى، أن الفعلين الأخلاقيين س وص ينفيان إمكانية تحقق بعضهما البعض فيزيقياً. الثانية، أن أ وب يقيمان منطقياً سلوك الآخرين بناءً على التوصية الكلية التي قبلوها. إن معنى شخصانية الأخلاق التي يؤكد عليها الدكتور راسخ تُفهم بشكل أفضل في هذا الموقف، ذلك أن الحكم الأخلاقي، رغم أنه يحدث في النهاية لأسباب موضوعية أو بينذاتية وبناءً على توصية كلية مقنعة، إلا أنه يحدث بشكل لا مفر منه «من قِبَل الشخص الفاعل ولأجل نفسه»، لا من قِبَل مؤسسة وبشكل غيري.
يوجد حل أولي لمثل هذا التزاحم الأخلاقي العملي، وهو مشروط بالتوصل إلى اتفاق على مبدأ أخلاقي ناظم يحدد أولوية السلوك في ظروف التزاحم، لكن الاختلاف حول المبدأ الأخلاقي الناظم لا يمكن تجنبه أيضاً وقد لا يكون الاتفاق متاحاً؛ في مثل هذا المأزق الأخلاقي العملي، يبرز مفهوم العدالة الذي يظل نوعاً من المبدأ الوصفي الكوني لسلوك الفرد، والذي يحل منطقياً وبشكل حتمي التزاحم المذكور آنفاً. الحقوق هي المكونات الأساسية لهذا المفهوم من العدالة، وهي تخول صاحب الحق، بطريقة مقبولة لدى المخاطب بالحق، أن يختار، استناداً إلى حريته المضمونة، الطرف الملزم بترك الفعل الأخلاقي في ظروف التزاحم. وهذا العمل هو، في التحليل النهائي، توزيع متساوٍ ومتوافق بشكل متبادل لعناصر الفعل وأجزائه الفيزيقية (وهو ذات المفهوم السلبي المحض للحرية) بحيث يبقى محايداً تجاه مضمون الأفعال ويزيل مأزق التزاحم العملي للأخلاقيات بتعيين الفاعل الحر للفعل.
«إن مبدأ العدالة أو الحرية المتساوية ليس، كمبدأ الكونية، قاعدة شكلية محضة في الخطاب القيمي. العدالة هي "قاعدة جوهرية للسلوك فريدة منطقياً".[37] يكمن الفارق المنطقي بين مبدأ العدالة والقواعد الأخلاقية في حقيقة أن نقيضه لا معنى له، في حين أن نقيض القواعد الأخلاقية ذو معنى. فعلى سبيل المثال، يمكن بشكل ذي معنى تأييد فعل خيري لكونه غير خيري، أي يمكن الاعتقاد بنظام أخلاقي يؤيد ذلك الفعل، لكن لا يمكن تأييد فعل ظالم لكونه ظالماً لأنه (على سبيل المثال) بغض النظر عن ماهية القيم الأخلاقية للفرد، لا معنى لأن يدعي المرء لنفسه قدراً من الحرية أكبر مما للآخرين، ويدعي في الوقت ذاته امتناعاً متناسباً مع تلك الحرية من جانب الآخر؛ ذلك أن ادعاء الحرية للنفس، وبالتالي، ترك الفعل من جانب الآخرين، يتضمن منطقياً اختلاف الأشخاص حول القيم أو المبادئ الأخلاقية. [وهذا الاختلاف منتفٍ؛ بسبب الحياد القيمي غير القابل للانتزاع عن المفهوم السلبي للحرية[38] الذي هو تعبير آخر عن مبدأ المساواة القيمية بين البشر.]
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن استخلاص عدالة أنظمة اجتماعية وسياسية معينة من هذا التحليل للعدالة وحده، بل يجب أن نضيف إلى هذا التحليل أنواعاً مختلفة من الأحكام غير الأخلاقية[39]. تدور هذه الأحكام، على سبيل المثال، حول أسئلة من قبيل: هل ينبغي اعتبار العناصر الفيزيقية المختلفة الموجودة في حيز التوزيع قابلة للقسمة إلى ما لا نهاية أم محدودة الإتاحة في نهاية المطاف؟ فقط من خلال تقديم أحكام جوهرية حول هذه الموضوعات ومزجها مع مقتضيات العدالة المذكورة، يمكننا القول ما إذا كان مجتمع معين عادلاً أم لا».[40]
الحقيقة هي أنه ربما يمكن القول إن العدالة نفسها نوع من الشر الضروري، ذلك أنها تستلزم بشكل لا يمكن تجنبه ما هو ضد الأخلاق أيضاً. وفي الختام ينبغي القول: إن الافتراض المسبق الإلزامي للعدالة ليس أن التوزيع المتساوي للحرية/الأموال هو الأمر المرغوب الوحيد الذي ينبغي على المجتمع أن يسعى إليه؛ وإن كان يؤكد على أن حق الأفراد في التملك القائم على ملكية الذات[41]، هو تابع للفرص وموارد الحياة والإمكانات الفيزيقية للفعل في كامل حيز الدولة-الأمة، ومن ثم؛ فإن هذه القراءة للعدالة، بينما لا ترفض الأساليب المتناسبة لإعادة توزيع الموارد، فإنها توصي، بنفس القدر أو أكثر، بزيادة هذه الموارد على المستوى الكلي ولكل فرد؛ وهذا الفهم للعدالة، التحرري والمساواتي[42]، يمكن أن يكون أيضاً أساساً من أسس المطالبة بـ"التنمية".
[1] political-jurisprudential
[2] أستاذ فلسفة القانون والقانون العام في جامعة الشهيد بهشتي
[3] خريج ماجستير القانون العام من جامعة بهشتي [email protected]
[4] «الدولة هي تلك المنظمة السياسية الإجبارية التي تدعي احتكار الاستخدام المشروع للقوة الفيزيقية في إقليم معين.»
Weber, Max. "Politics as a Vocation." in Max Weber: Essays in Sociology. Translated and edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. Oxford: Oxford University Press, 1946. pp. 77-128.
[5] logically unique substantive rule for conduct
[6] Steiner, Hillel. "The Concept of Justice." in Justice: The Essence of Political Philosophy. Edited by John Arthur, Oxford: Oxford University Press, 1984.pp15-53.
[7] الحرية السلبية تعني باختصار غياب المانع أمام الفرد الذي يريد تحقيق إرادته في الفعل.
See: Berlin, Isaiah. "Two Concepts of Liberty." in Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1969.
[8] policy making
[9] في جميع أنحاء هذه الكتابة، يُلحظ التمييز الأساسي بين أن يكون للمرء حق (to have right) في مقابل أن يكون على حق (to be right).
[10] على خلاف الوظيفة التواصلية ومبدأ الخطاب اللذين يتضمنان، في المنعطف اللغوي عند هابرماس وأصحابه، دعوى صدق وكونية.
[11] sense of agency
[12] راسخ، محمد، تسخیری، مائده، اسکندری، علیرضا، عامری، فائزه. (1398). امر اخلاقی و حق، فصلنامه تحقیقات حقوقی، شماره 87، صص 19-48.
[13] أستاذ مساعد للفلسفة وفلسفة الأخلاق في جامعة مفيد.
[14] فنائی، ابولقاسم، حسینی، سید محمد، حسنخانی طاسکوه، سمیه. (1399). 'حقِ اخلاقی: امکان یا امتناع؟'، دوفصلنامۀ بینالمللی حقوقبشر، صص15-40. ص 35.
[15] amoral (rather than immoral)
[16] Schaller, W. E. (2000) “Kant on Right and Moral Rights”, The Southern Journal of Philosophy, 38(2), pp. 321-342.
[17] فنایی، ابوالقاسم و همکاران. (1399). 'حقِ اخلاقی: امکان یا امتناع؟'، دوفصلنامۀ بینالمللی حقوقبشر، صص15-40.
[18] المصدر نفسه، ص 25.
[19] راسخ، محمد، تسخیری، مائده، اسکندری، علیرضا، عامری، فائزه. (1398). امر اخلاقی و حق، فصلنامه تحقیقات حقوقی، شماره 87، صص 19-48.
[20] Look: Ross, W. and Stratton-Lake, P., 2009. The Right and The Good. Oxford: Clarendon Press.
[21] Absolute/Overall Obligation
[22] Prima Facie Obligation
[23] All things considered
[24] Michael J, Zimmerman. 1951. The concept of moral obligation. Cambridge University Press. P,6.
[25] political-jurisprudential
[26] فنائي، أبو القاسم وآخرون. (1399). 'الحق الأخلاقي: إمكان أم امتناع؟'، المجلة الدولية نصف السنوية لحقوق الإنسان، ص15-40.
[27] المصدر نفسه، ص 37
[28] in French: droite
[29] Wenar, L. (2020) “Rights”, Stanford Encyclopaedia of Philosophy. URL= < https://plato.stanford.edu/entries/rights/>
[30] political-jurisprudential
[31] Super legality
[32] See, Loughlin, M. (2018) Political jurisprudence. Oxford: Oxford University Press.
المفهوم السياسي للقانون (1402)، ترجمة محمد راسخ، نشر ني.
[33] «الدولة هي تلك المنظمة السياسية الإجبارية التي تدعي احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية في إقليم معين.»
Weber, Max. "Politics as a Vocation." in Max Weber: Essays in Sociology. Translated and edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. Oxford: Oxford University Press, 1946. pp. 77-128.
[34] categorical imperative
[35] شتاينر، هيلل (1382). "مفهوم العدالة" في «الحق والمصلحة: مقالات في فلسفة القانون، فلسفة الحق وفلسفة القيمة»، ج2، الطبعة الخامسة، طهران، نشر ني، ص317-347.
[36] راسخ، محمد (1398). "الحق جزء مكون للعدالة" في «مجموعة مقالات المؤتمر الوطني لتكريم المقام العلمي للأستاذ محمد جعفر جعفري لنغرودي»، الطبعة الأولى، طهران، كنز دانش، ص1699-1713.
[37] logically unique substantive rule for conduct
[38] الحرية السلبية باختصار تعني غياب المانع أمام الفرد الذي يريد تحقيق إرادته في الفعل.
See: Berlin, Isaiah. "Two Concepts of Liberty." in Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1969.
[39] non-moral غير أخلاقي وليس ضد أخلاقي:
[40] شتاينر، هيلل (1382). "مفهوم العدالة" في «الحق والمصلحة: مقالات في فلسفة القانون، فلسفة الحق وفلسفة القيمة»، ج2، الطبعة الخامسة، طهران، نشر ني، ص317-347.
Steiner, Hillel. "The Concept of Justice." in Justice: The Essence of Political Philosophy. Edited by John Arthur, Oxford: Oxford University Press, 1984. pp15-53.
[41] self-ownership
[42] left libertarianism
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.