اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الحب يوسّع دائرة الوجود وينقلنا من الأنا الزائفة إلى التجرّد عن الذات. ينبغي أن نكون شاكرين لمن أحببناهم؛ فهم يحوّلون ديدان وجودنا إلى فراشات، ويصبحون، في الحرمان، أرضاً لميلاد جديد.

صديق قطبي:
ما أجمل أن نحب أحدًا. ينبغي أن نكون ممتنين لمن نحبهم لأنهم يمنحوننا سعةً ونتسنى لنا تذوق طعم "الانخلاع عن الذات" الفريد. يخبرنا العارفون أننا حين نكون مع أنفسنا (ذواتنا الزائفة)، نكون "أسيرى غيمة غم" و"كخريف ذابلين". وحين ننخلع عن ذواتنا، نصبح جليس القمر ويصبح زماننا ربيعًا. تلك الأنفاس حيث أنت مع ذاتك أسير غيمة غم وتلك الأنفاس حيث أنت منخلع عن ذاتك يأتيك القمر جليسًا تلك الأنفاس حيث أنت مع ذاتك كخريف ذابل وتلك الأنفاس حيث أنت منخلع عن ذاتك يأتيك الأمس كالربيع (مولانا)
محبة شخص ما توسع دائرة وجود المرء. حين يأكل هو، فكأنك أنت أكلت. وحين يشرب، فكأنك أنت ارتويت. آلامه وأحزانه تسري إليك أيضًا. تقلق قلق الأم وترعاه رعاية الممرض. تتسع دائرة أحزانك. تدرك جيدًا لماذا قال بوذا: أحب العالم كما تحب الأم طفلها الوحيد.
ينبغي أن نكون ممتنين لمن نحبهم أو أحببناهم يومًا. كان سهراب يقول: "والعشق/ وحده العشق/... قادني إلى سعة أحزان الحياة". بأجنحة المحبة نستطيع أن نتحرر من الهواء الراكد والمياه الآسنة وأن نختبر أبعادًا من الحزن لم نكن نستطيعها من قبل. تجربة المحبة تجعلنا قريبين من الأشجار. أشجار تمل من الهواء الراكد: "أنا من سلالة الأشجار استنشاق الهواء الراكد يملني" (فروغ)
كوننا أحببنا شخصًا ما، هو لطف صنعناه بأرواحنا. بالمحبة، نكون أولاً قد خدمنا ذواتنا الحقيقية. ينبغي أن نقول بصدق لكل من نحبهم أو أحببناهم، كم نحن شاكرون وممتنون لأننا وجدنا هذه الإمكانية ولأنهم رافقونا حتى نستطيع أن نحبهم.
صحيح أن المحبة تسير جنبًا إلى جنب مع الحزن والحرمان والوحشة. صحيح أننا حين نفقد من نحب، نشعر أننا قد انتهينا. نشعر أننا فقدنا كل شيء. لكن هذا الحدث نفسه، من وجوه وجوانب، قيم جدًا. مجرد أن يتسبب حدث في أن نشعر أننا فقدنا كل شيء، يمهد لولادة جديدة. حياة أخرى تتعلم فيها ألا تعرّف نفسك بما تملك، وفي نهاية العمر، تكون جملة واحدة فقط هي حكاية حياتك: "لقد أحب..." "أيها العالم حين أرحل احفظ لي هذه الكلمة في صمتك: 'لقد أحببنا'" (رابندرانات طاغور)
حينها لا يستطيع الموت أن يسترد منا شيئًا، لأننا صرنا واحدًا مع المحبة: "يومًا ما سأعرف هذا أن الموت أبدًا لا يملك الجرأة على أن يسلب منا ما وجدته أرواحنا، لأن ما وجدته صار واحدًا معها." (رابندرانات طاغور)
المحبة ترهق المرء، تفتته وتسلخ جلده. لكن العارفين كانوا يستقبلون هذا الانسلاخ: "ذات يوم اشتكى أحدهم قائلاً: قال لي فلان العالم: لأسلخن جلدك. فقال مولانا: بخٍ بخٍ لهذا الرجل! إننا في شوق ليل نهار إلى أن نسلخ الجلد، ونتخلص من عناء الجلد لنصل إلى رحمة الصديق. إياك أن تخاف، ليتخلصنا من جلدنا."(1) انزعني من ذاتي فإن في تلك الحال حريات أنا عبد تلك النسمة التي هم من ذواتهم أحرار (مولانا)
المحبة... المحبة التي تقود المرء إلى سعات الحزن غير المجربة، المحبة التي تقود المرء إلى قلب الحقيقة، والحقيقة، لكي تمنح الخلاص، تميت أولاً: "كل حضور حقيقي ماحق. ما يقوله الكتاب المقدس بلغته الطوفانية - أنه لا يستطيع أحد أن يرى الله دون أن يموت في الحال - أستطيع أن أقوله بلغة أكثر ابتذالاً، ولكن بنفس القدر من اليقين: لا يمكن لأي لقاء حقيقي أن يحدث دون أن يطرحنا أرضًا في الحال. لا لقاء خارج الحب حقيقي، ولا حب لا يبدأ بإماتتنا."(2)
«يجب أن نولد مرتين لنحيا قليلاً، قليلاً فقط. يجب أن نولد أولاً بالجسد ثم بالروح. هاتان الولاّدتان تشبهان انسلاخاً. الأولى تُلقي بالجسد إلى العالم، والثانية تحمل الروح إلى السماء. لقد بدأت ولادتي بلقائك... شكراً لك يا جيزلين، بفقدانك فقدت كل شيء، وعلى هذا الحرمان أشكرك.»(3)
«يمكننا أن نمنح من نحبهم أشياء كثيرة: كلمات، سكينة، لذة. أنت منحتني أثمن شعور: الحنين.»(4)
فن الشكر ينبغي تعلّمه. شاكرين أولئك الذين أحببناهم، فقط لأننا أحببناهم. وشاكرين أيضاً أولئك الذين أحبونا وحوّلوا، بهذا الحب، ديدان وجودنا إلى فراشات:
«دودة قبيحة وقذرة تغفو داخل كل كائن بشري، حتى لو كان هذا الإنسان أزهد الزهاد... انحنِ وقل لهذه الدودة بهمس: "أنا أحبك!" ففي الحال تنبت على ظهر هذه الدودة أجنحة وتتحول إلى فراشة.»(5)
«أعتقد أنه لكي يكون المرء حياً، يجب أن يكون قد نظر مرة على الأقل، أن يكون قد أحب مرة على الأقل، أن يكون قد غاب عن وعيه مرة على الأقل. وبعد ذلك، عندما يكون ذلك الشيء قد مُنح لك، يمكنك أن تكون وحيداً - الوحدة ليست سيئة. حتى لو لم يغوك أحد، حتى لو لم يحببك أحد، حتى لو لم ينظر إليك أحد بعد ذلك، فإن ذلك الشيء الذي مُنح قد مُنح حقاً، لقد كان مرة واحدة وإلى الأبد. في مثل هذه اللحظة يمكنك أن تمضي نحو العزلة كما يمضي السنونو محلقاً نحو السماء.»(6)
«كلنا لا نبحث في الحياة إلا عن شيء واحد: أن نفيض به، أن نتلقى قبلة نور في قلبنا المتجمد، أن نختبر رقة حب لا يموت. أن نكون أحياء يعني أن نُرى، أن ندخل نور نظرة مفعمة بالمحبة: لا أحد يُستثنى من هذا القانون.»(7)
«أنا مستعد لأن تزول جميع كتبي وكتابي القادم عدا هذه الجملة: "اليقين بأن أحداً ما قد أحبنا يوماً، ولو لمرة واحدة، هو ما يجعل القلب يحلق حتماً في النور." قد يُؤخذ مني كل شيء، لكن هذه الجملة منقوشة فيّ بقدر ما هي منقوشة في كتبي.»(8)
الحب، أكثر من أن نُحَب، هو ما يجعل قلوبنا تستضيف القبلات المضيئة والأغاني البيضاء... أولئك الذين نحبهم لهم علينا حق عظيم.
يمكننا أن نحب، وهذه السعادة تكفي.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.