اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نشر نصر الله بورجوادي مذكراته الطلابية عن دروس أحمد فرديد، مقدمًا بذلك نظرةً أكثر اعتدالًا عنه؛ ويرد داريوش آشوري بتحليل لشخصية فرديد وأثره في ذهنية جيلين من المثقفين.

مضى بعض الوقت منذ أن اكتشف نصرالله پورجوادی، أستاذ الفلسفة والباحث الدؤوب والساعي في مجال التصوف والعرفان، في أيام شيخوخته ذوقاً جديداً ودخل ميدان فيسبوك وبدأ ينشر فيه ملاحظات نقدية وممتعة للقراءة. أعرف پورجوادی عن قرب منذ أيام رئاسته لجهاز مركز نشر الجامعة. كان هذا الجهاز قد أنشئ لنشر كتب جامعية، وكان بصدد مغادرة الأسلوب القديم في نشر هذه الكتب، الذي كان إرثاً من جهاز نشر جامعة طهران وكان ينشر الكتب خام وغير محررة وبلا برنامج، والأخذ بأساليب حديثة. الزخم الثوري لسنوات ما بعد الثورة الأولى فتح لآفاقاً جديدة من الآمال والتطلعات للقوى الشابة والناشئة، وتطلب للأعمال الشاقة همماً عالياً. كان نصرالله پورجوادی أحد أصحاب هذا الهمّ، فسعى بإدارة سليمة وعطوفة، وبجمع الكوادر ذات الخبرة، إلى رفع مستوى النشر الجامعي في إيران من حيث الكمية والكيفية، وليطبع الكتب بأساليب تحرير حديثة. وقد نجح. فبعد صادق همايون الصنعتزادة وجهاز نشر فرانكلين اللذين كانا رائدي التحديث الجوهري للتنظيم والتكنولوجيا وأساليب النشر في إيران، كان لـپورجوادی وجهاز نشره الجامعي دور مهم في تجذير إنجازات نشر فرانكلين.
بهمته انعقد في تلك السنوات الأولى بعد الثورة ندوتان حول اللغة الفارسية ومشاكلها كانتا من نوعهما فريدة. قدّم فيهما متخصصون مقالات، بعضها حقاً يتضمن آراء وحجج جديدة. أراد پورجوادی أن تكون الندوة الأولى بعنوان دراسة مشاكل الخط الفارسي، لكن في استشارة بيني وبينه اقترحت عليه أن يسميها دراسة مشاكل اللغة العلمية في اللغة الفارسية. وقبل. على أي حال، شاركت أنا في هاتين الندوتين الافتتاحيتين ببحثين نُشرا لاحقاً في مجموعتين. طالما كنت في إيران، كنت أساهم في مجلة نشر الدانش التي أسسها بهمته وتصدر بإدارته بمقالات من حين لآخر. كما تعاونت مع فريق تدوين المصطلحات العلمية في مركز نشر الجامعة بدعوة من الدكتور رضا منصوري، وكنت أحضر جلساته. من ذكرياتي من تلك الفترة واحدة تتعلق بأن قرأت في الندوة الثانية بحثاً كان يكاد يقع موقع البحث الثاني من پورجوادی وني. فقد ذكرت فيه باحترام أحمد كسروي ونظرياته، وهذا العمل أثار استياء بعض "الإخوة" الحاضرين في الجلسة، يبدو أنهم كانوا يريدون ضربي. لكن بتدخل پورجوادی والدفاع عني لدى "السلطات العليا"، انتهت القضية. ومن آثار تلك الندوات صورة وضعها في فيسبوك لي ولـ حميديان وصادقي في لوحة واحدة، أحيت لي ذكرى من أيام الشباب تلك. لكن الحافز الذي دفعني لكتابة هذا المقال شيء آخر في كتابته. وذلك تناوله لأحمد فريد. غير أن الفرصة سنحت أيضاً لذكر محاسن هذا الرجل الشريف.
اكتشف پورجوادی في هذه فترة التقاعد فرصة لمراجعة أوراقه وملفاته القديمة. وعثر مؤخراً في بينها على دفتر من ملاحظات أيام دراسته الجامعية يحتوي على تسجيلاته من محاضرات فريد. أدى هذا الاكتشاف "الأثري" إلى أن يكتب مقالة عن ذكراه من كونه تلميذاً في محاضرات فريد، وكما هو الحال مع أي موضوع عن فريد، كانت لها صدى لدى جماعة من معارفه القريبين والبعيدين. نشرتها مجلة أندیشةیِ پویا أيضاً. في تلك المقالة ذكر پورجوادی بالتفصيل مقالة كنت نشرتها قبل سبع أو ثماني سنوات عن اضطراب شخصية فريد وعقليته وهراء أقواله، واعتبر رأيي الإجمالي عن فريد صحيحاً وسماه شارلاتان. لكن استناداً إلى تلك الملاحظات من دفتر فترة الدراسة الجامعية أبدى رأياً مفاده أن شارلاتانية فريد تتعلق أكثر بفترة ما بعد الثورة، وأنه في فترة ما قبل الثورة لم تكن كل أقواله مضطربة وهراء، بل كان يطرح أحياناً في خضم هذا الهراء أقوالاً تشي بدقة بصيرة نظرية وشم فلسفي عنده.
نشر هذه المقالة جعل إدارة مجلة «فكر متطور» تأتي إليّ وتطلب مني المشاركة في هذا النقاش. لكن رحلة كنت سأقوم بها تأخرت هذا العمل شهرين. رغم أنني في الأصل لم أكن أملك الرغبة الكبيرة في هذا العمل ولم أرد أن تتجدد معركة النقاش حول فريدون، إلا أنني من جهة أخرى رأيت من الضروري العودة مرة أخرى إلى هذا الميدان. لأنه بغض النظر عما كان عليه شخص فريدون وما فعله مع من فعله، فإن انعكاس أفكاره وكلماته في جيلين من شباب عصرنا—وأنا نفسي من ضمنهم—يدل على وجود إنسان «ذي وجود»، أي مؤثر. التأمل في تفاصيل كلماته وسلوكه والانعكاس الواسع السلبي والإيجابي لذلك في ذهنية جزء من الشخصيات الفكرية والمثقفة لجيلين، ومعنى هذا الانعكاس من جوانب مختلفة، بالنسبة لمن يعتني بالتأمل في أحداث عصره، له أهمية كبيرة بحيث لا يمكن تجاوزه بسهولة. وبالتالي لم أستطع مقاومة وساوس النفس الأمّارة التي كان فريدون نفسه أسير لها بشدة— وأمسكت بالقلم، الذي أصبح الآن لوحة مفاتيح أو بقول بعض المتخصصين «لوحة المفاتيح»، بيدي.
كان فريدون يعاني من عبء العلم والمعرفة بشكل خاص في ميدانين. أولاً في ميدان تاريخ الفلسفة الغربية، بطبيعة الحال بالفهم الذي كان قد اكتسبه تحت تأثير تفسير مارتن هايدغر لها. وثانياً، عرض مذهل ومرعب لمعرفته بعدد كبير من اللغات الحية والميتة. من بين اللغات الحية، الأهم والأكثر إظهاراً كانت معرفته باللغات الألمانية والفرنسية والعربية والفارسية. العودة إلى جذور الكلمات في لغات عديدة لإثبات وجود لغة «الأمة الواحدة»، بحسب رواية القرآن، كانت إشارة دائمة في خطاباته. بطبيعة الحال، بدء هذه القصة يعود أيضاً إلى تعامله مع كتابات هايدغر والطريقة الخاصة لتعاطيه الهرمنيوطيقي مع اللغة. لكن هايدغر لم يطمح أبداً إلى ادعاءات فريدون في علم اللغة التاريخي ولم يتجاوز حدود علم اللغة التاريخي الألماني واللاتيني واليوناني. يبدو أنه لم يحقق شيئاً من تلك الدفاتر التي كان يتحدث عنها في هذا الميدان. لأن منزله، جنباً إلى جنب مع مكتبته وما تبقى من كتاباته، تم شراؤه بميزانية البلدية وتم تحويله إلى مركز تعليمي وبحثي فلسفي. لكن، بقدر ما نعلم، لم يتم القيام بعمل جاد ومستمر في التعليم والبحث هناك، ولا من خلال التنقيب عن كنز الكتابات الفلسفية في مكتبة وأوراق فريدون من قبل الباحثين، باستثناء بعض التعليقات الهامشية على بعض الكتب، لم يتحقق شيء ملموس.
بشأن مقدار معرفة فريدون بالسنسكريتية واليونانية واللاتينية، التي كان يفتخر بها، على أساس ما نُشر من خلال محاضراته، خاصة بعد الثورة، لا يتم الحصول على شيء صحيح وصريح وقابل للفهم. لكن بقي لدينا نص ترجمة له من نيتشه، أعتقد أنه قد يكون قادراً على إظهار مقدار إتقانه للألمانية. وبطبيعة الحال، مع الأخذ في الاعتبار الإعجاب اللامحدود له بمارتن هايدغر و«ألفته» مع أعمال هايدغر، على ما يبدو، في اللغة الأصلية، وأن اسم هايدغر لم يكن يفارق لسانه، فإن هذا النص الترجمي الذي تركه يستحق التأمل.
أصل هذه الفقرة، بعنوان «المجنون» (der tolle Mensch)، في كتاب العلم المرح (Die fröhliche Wissenschaft) لنيتشه، الجزء الثالث الرقم ١٢٥، قد وردت فيه. كان فريدون يقرأ هذه الترجمة في فصوله الدراسية. وبعد الثورة أعطى محاضرات في مجالس خاصة كانت تجذب إليها مجموعة من الشباب الثوريين من صفوف الشيعة الاثني عشرية المؤيدين لـ «الولاية المطلقة»، لأن كلامه كان يصيب وتراً في قلوبهم. سرعان ما انضم قسم منهم إلى صفوف المريدين والمناصرين الغيورين له، وشكّلوا حلقات تحت رايته. وقد نشروا هم أنفسهم هذه الترجمة في «سنوية ثقافية فنية» باسم موقف (السنة الأولى، العدد الأول، شهريور ١٣٨٢) مصحوبة بالنص الألماني الأصلي. يمكن العثور على هذا النص على الأقل في أحد مواقع مريديه. كما ترجم صديقا دوستار هذه الفقرة أيضاً برفقة تفسير بروح هايدغر، ونُشرت للمرة الأولى سنة ١٣٥٦ في مجلة الفلسفة التي كانت تصدرها قسم الفلسفة بكلية الآداب، كما يمكن العثور عليها أيضاً في موقع دوستار. وقد ترجمت أنا أيضاً هذه الفقرة برفقة تفسير لها، ونُشرت في مجلة بخارى (العدد ٨٢، مرداد-شهريور ١٣٩٠) وهي متاحة أيضاً في مدونتي، جستار
أما ما أثار دهشتي حقاً عند قراءتي لترجمة فريدون، فهو أن الترجمة بالمقارنة مع النص الألماني كانت بدائية جداً وغير حاذقة وفوضوية. بالرغم من أن النص الأصلي سردي وبسيط ولا يتجاوز حجمه صفحة ونصف وليس فيه أي تعقيد لغوي، إلا أن فيه كم هائل من سوء الفهم والتقصير والاختلال! أي شخص له معرفة متوسطة باللغة الألمانية، مثلي، يفهمه بسهولة، في حين أن مريدوه والمعجبون به، رغم كل إظهارهم للتضلع في اللغة الألمانية في نفس المجلة، لم يفهموا أي هفوة كبيرة اقترفها أستاذهم، وإلا لما نشروا مثل هذا الشيء بكل هذا الحماس. حسناً، لكي لا تبقى هذه الملاحظة بلا دليل، سأورد هنا مقاطع من ترجمة فريدون مصحوبة بالأصل الألماني وتليها ترجمتي:
الجملة الأولى من النص في ترجمة فريدون غامضة ولا توصل المعنى بشكل صحيح: «لم تسمعوا خبراً عن ذلك الرجل المجنون» (Habt ihr nicht von jenem tollen Menschen gehört…). الترجمة الأصح والأفضل يجب أن تكون هكذا: «ألم تسمعوا قصة ذلك المجنون....» وفي سطور أقل بقليل، «ألم يتخبط مثل طفل» هي ترجمة خاطئة لـ Hat er sich verlaufen wie ein kind ?. الترجمة الصحيحة لها هكذا: «ألم يكن صبياً وضاع طريقه؟» وهناك سؤالان آخران بعد ذلك قد أسقطهما من ترجمته، وفي ترجمتي هما على النحو التالي: «أم اختبأ؟ أم هو يخشى منا؟»
Oder hält er sich versteckt ? Fϋrchtet er sich von uns?
فريدون لا يتقيد بالنص ويتصرف فيه بحرية. فمثلاً يترجم Markt (السوق) بـ «السوق المضطربة» وفي سطرين أقل أدناه يُدرجها بلا مبرر في النص مع أنها ليست موجودة في النص الأصلي.
ترجمة فريدون: «وهكذا كان الناس في هذه السوق المضطربة يصرخون ويضجون وينطلقون بضحكات عالية...» النص الأصلي: so schrieen und lachten sie durcheinander
وترجمتي: «هكذا كانوا يصيحون ويضحكون فيما بينهم.»
أما الفاجعة فتكمن في السطور الأخيرة التي تعج بالتقصير والسوء الفهم والترجمة الخاطئة:
Aber wie haben wir diess gemacht ? Wie vermochten wir das Meer auszutrinken? Wer gab uns den Schwamm, um den ganzen Horizont wegzuwischen ?
ترجمة فريدون لهذه الجمل الثلاث هكذا، حيث أسقط الجملة الأولى وشوّه الجملة الثانية والثالثة وجعلهما بلا معنى: «كيف نستطيع أن نمسح هذا الذبح من البحر؟ من الذي قد يعطينا سحابة لنمسح بها كل الشاطئ؟»
ترجمتي: «لكن كيف تمكنا من فعل هذا؟ كيف استطعنا أن نشرب البحر؟ من أعطانا الإسفنج لنمسح به الأفق كله؟»
فريد في هذه الترجمة مارس التذوّق اللغوي وأراد أن يضفيها بفارسية خالصة. ولهذا السبب وقع في خطأ فادح حين ترجم كلمة (Horizont) بـ «الحافة». علاوة على ذلك، وضع في النص، على ما أظن، عدّة ألفاظ مختلقة مثل «فرنافته»، أو من اللغة الفهلوية مثل «مرگیمیدار» و«اهرای»، وهي على كل حال ليست فارسية وقد استخدمت بشكل بلا معنى وغير مناسب. أتجاوز عن أجزاء أخرى من هذه الترجمة، التي لا تخلو من عيوب في الموضع أو سوء الفهم، وأريد فقط أن أشير إلى أن فريد بتساهله وتسرّعه المعهود ترجم بشكل خاطئ ضميرين في هذه الجملة قد أشرت إليهما بأحرف سميكة أدناه.
Diese That ist ihnen immer noch ferner, als die fernsten Gestirne--- und doch haben sie dieselbe gethan.
ترجمة فريد: «هذا الفعل العظيم أبعد منا حتى من أبعد النجوم ولكنكم أنتم من قمتم بهذا الفعل العظيم.»
ترجمتي: «هذا الفعل لا يزال أبعد عنهم حتى من أبعد النجوم مع هذا فإن الفعل هو فعلهم.»
ألا يجب القول بأنه لم يكن يعرف الفرق بين الاستخدام الكتابي والمعنوي لـ ihnen و Ihnen وكذلك sie و Sie ، أي أنه لم يكن يعرف قاعدة أساسية من قواعد الكتابة في اللغة الألمانية وقد ضلّ في فهم النص بسبب هذا الجهل؟
على أي حال، الألمانية لغة كان ينبغي لفريد، بنظر إلى تعلقه بالفلسفة الألمانية وكل تلك المشاعر بالتطابق النظري مع هايدغر (الذي كان يصرّ على أن نكتبها: هايدغر)، أن يعرفها جيداً. لكن هذا النص يثبت العكس. ألا يمكن على هذا الأساس أن نقيّم ادعاءاته حول إتقانه للغات اليونانية واللاتينية وغيرها؟ كما قال بورجوادي أيضاً، فريد في رأيي كان كاذباً وشعبذياً. ألم تكن انتقاداتي لادعاءاته المبالغ فيها حول إتقان اللغات وتأويلاته الخاطئة للأصول الكلامية صحيحة؟ وهل كانت الذنب في نشرها، كما يُدعى، على عاتق محمد مددبور الذي أصدرها للسوق دون تحرير؟ والآن وقد بدأوا بإصدار كلاماته (بنفقة الدولة) محررة للسوق، ما مدى التدخل في إخفاء الأخطاء واللامعنى فيها؟
لن أعود مرة أخرى إلى بحث فلسفته، لأنني في المقالة السابقة قد قلت ما بدا لي صحيحاً. أريد فقط أن أكرر مرة أخرى أن إعادة صياغة فكر هايدغر بلغة التصوف الأصيل لدينا أمر خاطئ تماماً. لكن فريد فعل ذلك. وربما كان السبب أن اللغة التقليدية لثقافتنا كانت لغته الأم ولغة تعليمه وكان يعرفها جيداً وألفها، لكنه كان يعرف لغة الطرف الآخر بشكل مكسور وضعيف.
أن يكرر هذا البيت من جامي مراراً في شرحه المعنوي لـ «التفكر» عند هايدغر في كل درس ومجلس (وهو ما يفعله رضا داوري أيضاً)، في رأيي، يشير إلى سوء فهم جوهري منه لمعاداة هايدغر للميتافيزيقا:
التفكر ذهاب من الباطل إلى الحق / برؤية الكل المطلق في الجزء
أساس هذا البيت ليس سوى الأنطولوجيا الميتافيزيقية اليونانية ذاتها، وخاصة الأفلاطونية، التي تقسم الوجود إلى معقول ومحسوس وتعطي الواقعية الوجودية للمعقول وتعتبر المحسوس ظلاً له وتحقّره وتنكر قيمته وواقعيته. هذا التقسيم ذاته عندما يدخل عالم الإلهيات المسيحية وبعدها الإسلامية، يكتسب الوجود الثنوي الميتافيزيقي اليوناني بعداً أخلاقياً وميتافيزيقياً ديني، ويقسم، كما يظهر في ذلك البيت، إلى «حق» و«باطل». وهذا هو عكس الأنطولوجيا عند هايدغر الذي يريد أن يبتعد كثيراً عن الميتافيزيقا اليونانية والإلهيات المسيحية وليس للحق والباطل بالمعنى الديني موضع فيها. لفهم الجذور الأصلية للأنطولوجيا عند هايدغر يجب الالتفات إلى علاقته بالعرفان الصيني (الداوية) والزن البوذي حيث غياب إله شخصي فيهما يضع فوارق جوهرية بينهما وبين العرفان في الأديان التوحيدية. وهذه قصة قام الباحثون بدراستها بجدية خاصة بعد وفاة هايدغر. فهم فريد لهذه المسائل، القائم على وحدة الوجود عند ابن عربي وعلم الأسماء، يتسم على نحو غريب بـ «اليونانية» جداً وهو بعيد عن هايدغريته!
بورجوادي بالعودة إلى دفتر ملاحظاته في الحصص الدراسية للفريدي، يقيّمه على النحو التالي: قبل الثورة، وإن كان لسانه غير مفهوم وكانت محاضراته فوضوية، إلا أنه كان لديه أشياء يقولها. أما بعد الثورة فهو يصبح محتالاً بالكامل ويضحي بالفكر والفلسفة عند أقدام المسؤولين. المثال الذي يسوقه بورجوادي من أقوال الفريدي في الحصة الدراسية في هذا السياق هو أن ظاهراتية هوسرل تؤمن بالماهية وظاهراتية هايدغر تؤمن بالوجود. بالطبع، بقدر ما تمكنت من قراءة أشياء حول هوسرل وهايدغر، أو منهما، فإن هذا القول لا يبدو لي غير صحيح. لكن المشكلة هي أنه في نفس هذا العرض من الفريدي، وكما هو الحال دائماً، لا يتجاوز نقاشه الأساسي جملة أو جملتين ولا يحظى بأي شرح أو توسيع، على النحو الذي تستحقه المحاضرة الفلسفية، على النحو الذي كان هايدغر معلماً فريداً فيه. بل بلا أي مناسبة أو منطق، في الجملة الثانية والثالثة يقفز إلى صادق هدايت ويصدر حكماً على طبعه وطبيعته، وما يليه ربما يكون طرباً من المحرجات حول محمد علي فروغي أو أي شخص آخر يتذكره في تلك اللحظة. (من الجيد أن ينشر بورجوادي كل تلك الملاحظات حتى يكون لدينا دليل آخر على أقوال الفريدي وأسلوب خطابه.) كان الجاذب الأساسي للفريدي بالنسبة للشباب الثوريين ذوي الجذور الإسلامية في أنه في تلك الأجواء المتوهجة كان يخيط وينسج، عبر الألاعيب الكلامية، فكرة هايدغر حول نهاية الميتافيزيقا - بالطبع بفهم وروايته الخاصة لها - مع أسطورة انتظار نهاية الزمان الشيعية بطريقة تعلق تلك الأفكار في قلوب أولئك الشباب. حتى أن مجموعة منهم تحول إلى مريدين دائمين لمدرسته، وأنشؤوا عدة مواقع على الإنترنت باسمه ولجمع «آثاره» أو للهجوم على «أعدائه»، بما في ذلك برموز من «الحرس الثوري» وأجهزة أخرى علنية وسرية.
حسناً، بغض النظر عن كل ما يمكن أن نقوله في نقد الفريدي وطبعه وسلوكه، فإنه في تاريخ التنوير الفكري لدينا، الذي يمثل فترة الالتقاء مع الغرب والحداثة تحت ضغط الاستعمار الأوروبي، هو شخصية مؤثرة وذات معنى. لفهم معنى حياته وموقعه في نسيج هذا التاريخ، يجب أن ننظر إلى ما وراء علم نفسه وأن نرى موقعه في نسيج تاريخ التنوير الحديث لدينا والفضاء العقلي الجماعي له، والذي فيه، بسبب الاضطراب التاريخي، يحدث تحول في عقلية روادنا الفكريين والثقافيين. هذا التحول، من وجهة نظري، هو نتاج تاريخ الهبوط من «الشرق» إلى «العالم الثالث». نتيجة هذا الهبوط هي الوقوع في براثن الاستياء (Ressentiment)؛ استياء يبحث عن سبب لعجزه وإذلاله في هذه علاقة القوة. إن الحجاجة برؤية تاريخية هي، بالطبع، عمل الفيلسوف؛ سواء أمسكنا بلاعب العرب والإسلام باعتبارهما علة قديمة لعجزنا وإذلالنا وتحاملنا عليهما، أو بـ «الغرب» تحت عنوان الغربانية، الذي كان الفريدي حاملاً لرايتها. ربما يكون أحد الأسئلة الفلسفية الأساسية بيننا هو: في مثل هذا الفضاء التاريخي الخانق، في «العالم الثالث»، كيف يمكن للمرء أن يكون فيلسوفاً وفي أي موضوع يمكن للمرء أن يمارس الفلسفة؟ بعبارة أخرى، بلغة كانط، أن نفكر في شروط إمكانية الفلسفة بيننا. كان الفريدي، مع كل مواهبه وأمراضه وسوء سلوكه، الممثل الأول البارز والأصيل (original) لهذه شروط الإمكانية بيننا. من بين جميع أساتذة الفلسفة في جامعاتنا، يجب أن نعطي الفريدي فضيلة جديرة بالثناء. وهي أنه في محاضراته المشوشة، في كومة المعلومات المبهمة والمشوشة التي لا تنتهي، كان يطرح أيضاً مسألة أساسية كانت لها جاذبية للعقول الشابة الباحثة والمستقصية. وتلك المسألة هي أنه وراء الصيغ الهندسية عن تخلفنا مقابل العالم المتقدم، أو الصيغ الماركسية-اللينينية حول علاقة الإمبريالية والاستعمار، التي أساسها هو نفس معوقات التطور، بصيغة الوضع التاريخي الذهني لنا كإنسان «مغرب الهوى»، اكتسبت مسألتنا بعداً فلسفياً وجودياً. وهذه هي نفس المسألة التي شغلت ذهن أشخاص، بما في ذلك أنا، طوال هذه السنوات. ومن هذه الناحية أعتبر نفسي مديناً للفريدي.
حسناً، هذا حوار يتطلب فرصة أخرى.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الأدب
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
عالی بود کاش نوشته دکتر پورجوادی هم بازنشر بشه ممنون از زحماتتون