يتناول آرش نراقي، في ردّه على تصريحات عبد الكريم سروش في العدد ۱۰۱ من مجلة «أنديشه بويا»، قضايا التنوير الديني، والدفاع عن حقوق الأقليات، والتمييز بين «امتلاك الحق» و«كون المرء على حق». كما ينتقد استخدام تعبيرات من قبيل «الفرقة الضالّة» في وصف الأقليات الدينية، ويناقش العلاقة بين الخطاب العام وحقوق الإنسان والأخلاق المدنية.

أشار السيد عبد الكريم سروش مؤخرا، في مقابلة (أنديشه بويا، العدد ۱۰۱)، إشارة مقتضبة إليّ، وذكّر قرّاءه بأمرين: أولهما أنه عدّني «مدافعا ومروّجا» لفئة من الأقليات الجنسية (أي المثليين جنسيا)؛ وثانيهما أنه ذكّر قرّاءه بأنني ألقيت كلمة أمام «فرقة ضالّة».
أما أنا، فقد سعيت دائما، وبكل اعتزاز، إلى أن أؤدي، بقدر استطاعتي المتواضعة، واجبي الأخلاقي في الدفاع عن حقوق الأقليات ــ ومنها الأقليات الجنسية والدينية ــ ويسعدني، من هذه الناحية، أن جهودي المتواضعة في هذا المجال لم تغب عن أنظار شخصيات مرموقة مثله. غير أنني أرى أن ثمة نقاطا عدة في تصريحاته في تلك المقابلة تستحق الوقوف عندها:
أولا، يبدو أنه مستاء من أنني اعتبرت الصيغة المتأخرة من التنوير الديني نوعا من «الفرقة». وقد بيّنت بالتفصيل في كتاباتي أن برنامج «إصلاح الفكر الديني» لدى سروش المبكر تحوّل مع مرور الزمن إلى مشروع «إعادة بناء الدين». وفي هذا المشروع الأخير، تضاف مصادر جديدة للشرعية إلى المصادر التقليدية للدين الأم. فإذا عُدّت حجية هذه المصادر الجديدة تابعة لمصادر الحجية في الدين الأم، أو مساوية لها تقريبا، كانت النتيجة ظهور «فرقة» في داخل الدين الأم؛ أما إذا أصبحت حجية المصادر الجديدة حاكمة على حجية المصادر الأصلية للدين الأم ومهيمنة عليها، فعندئذ يولد «دين» جديد. فعلى سبيل المثال، يمثل التشيع والتسنن فرقتين داخل الإسلام: أضاف الأول حجية قول الإمام، وأضاف الثاني حجية قول صحابي النبي، إلى مصادر الحجية في الإسلام (أي القرآن والسنة النبوية). غير أن مصادر الشرعية الجديدة هذه تُعرّف إلى جانب حجية القرآن والسنة النبوية أو بوصفها تابعة لها، لا حاكمة عليها. أما ظهور الإسلام فكان ظهور دين جديد، لأن مصادر الشرعية الجديدة هنا (أي القرآن والسنة النبوية) جعلت حجية مصادر الأديان السابقة تابعة لها. (وقد شرحت هذه النقاط بالتفصيل، من جملة مواضع أخرى، في مقال بعنوان «التجديد الديني في ثلاثة فصول».) وعلى هذا الأساس، يمكن بوضوح اعتبار مشروع التنوير الديني، وفق صيغة سروش المتأخرة، مصداقا لـ«فرقة». وإذا كان السيد سروش يرى هذا التحليل خاطئا، فعليه بطبيعة الحال أن يبيّن أسبابه بوضوح. أما كوني مدافعا أو مروّجا لهذه الفرقة أو تلك (على فرض صحة ذلك)، فلا صلة له بصحة حجتي أو بطلانها بشأن كون التنوير الديني فرقة.
ثانيا، لا يعني الدفاع عن حقوق الأفراد بالضرورة الدفاع عن أفكارهم أو الترويج لها. فمن أهم أركان التسامح أن نميّز بين «امتلاك الحق» و«كون المرء على حق». ولا علاقة لصواب معتقدات الأفراد أو خطئها بحقوقهم الإنسانية والاجتماعية. والفرق بين «الأخلاق الفئوية» و«الأخلاق المدنية» يكمن هنا تحديدا: ففي الأخلاق الفئوية ــ بخلاف الأخلاق المدنية ــ يُنظر إلى الأفراد بوصفهم أصحاب حقوق إنسانية واجتماعية لمجرد انتمائهم إلى قبيلتنا أو جماعتنا الفكرية أو الإيمانية؛ فإذا كانوا خارج تلك الجماعة عُدّوا خارج دائرة الحقوق أيضا. وفي إطار الأخلاق الفئوية، لا يكون للدفاع عن حقوق شخص ما معنى إلا إذا اعتبرنا معتقداته أيضا حقا. ويبدو أن هذا هو الأساس الذي يحمل أنصار الأخلاق الفئوية على اعتبار الدفاع عن حقوق الأقليات بمثابة «الدفاع عن معتقداتهم أو أنماط حياتهم والترويج لها». أما في الأخلاق المدنية، فالأفراد يتمتعون بحقوق إنسانية واجتماعية بصرف النظر عن معتقداتهم، والدفاع عن حقوقهم مستقل عن صواب تلك المعتقدات أو خطئها. وفي إطار الأخلاق المدنية ــ بخلاف الأخلاق الفئوية ــ يقع على الجميع واجب أخلاقي في الدفاع عن الحقوق الإنسانية والاجتماعية للمواطنين، من دون اعتبار لصواب معتقداتهم أو خطئها. إن محاولة طمس الحد الفاصل بين الدفاع عن الحقوق الإنسانية للأقليات من جهة، والدفاع عن معتقداتهم أو الترويج لها من جهة أخرى، محاولة غير أخلاقية لاختزال الأخلاق المدنية في الأخلاق الفئوية. ويسعى المدافعون عن الأخلاق الفئوية، بهذه الحيلة الباردة، إلى رفع كلفة الدفاع عن حقوق الأقليات ونزع الجرأة من المدافعين عنها.
ثالثا، يصف المسلمون التقليديون الديانة البهائية بأنها «ضالّة» لأنهم يرون أنها ابتعدت عن كثير من التعاليم المركزية في الإسلام (ومنها، على وجه الخصوص، مسألة ختم النبوة). ولكن إذا كان السيد سروش، موافقا في ذلك التقليديين، يرى الديانة البهائية «ضالّة»، فعليه أن يجيب عن هذا السؤال: هل يمكن، على هذا الأساس، اعتبار التنوير الديني «الفرقة الناجية»؟ قارنوا تصور الديانة البهائية لله، ونبوة نبي الإسلام، وطبيعة القرآن، والمكانة الميتافيزيقية للجنة والنار، وما إلى ذلك، بتصور التنوير الديني لهذه المسائل، لتروا أيهما أقرب إلى التقليد الإسلامي. وإذا كان إنكار ختم نبوة نبي الإسلام يجعل أتباع الديانة البهائية مستحقين لوصف «الضلال»، أفينبغي أن يُعدّ «ضالّا» بالاعتبار نفسه أولئك المتنورون الدينيون الذين يدّعون اتصالا مباشرا بالوحي، أو التشيع الذي يرى السيد سروش أنه ينكر الخاتمية؟!
رابعا، والأهم، أن استخدام تعبيرات مهينة ونازعة للإنسانية في وصف أقليات واقعة أصلا تحت الضغط وضحية للعنف الممنهج يُعدّ من أبرز مصاديق «خطاب الكراهية». ومن حقنا، بالطبع، أن نرى معتقدات الآخرين باطلة أو أن نعدّ أنماط حياتهم غير مقبولة. لكن نزع الإنسانية عنهم لا يسهّل ممارسة العنف ضدهم فحسب، بل هو في ذاته شكل من أشكال العنف. والسيد سروش، الذي كان هو نفسه مدافعا ومروّجا لخطاب حقوق الإنسان في المجتمع الإيراني المعاصر، مطالب أكثر من المواطن العادي بأن يحرص على النزاهة الأخلاقية للغته في المجال العام. فوصف الأقليات الجنسية بأنها «حثالة ونفايات»، أو وصف أتباع أقلية دينية بأنهم «ضالّون»، خطاب ينطوي على الكراهية، ولا يليق به ولا بأولئك الضحايا.
وتنبّه هذه الملاحظات القرّاء إلى ضرورة إبداء مزيد من الدقة والتمحيص عند تقييم آراء السيد سروش في القضايا السياسية والاجتماعية، والتعامل بمزيد من الحذر مع دعاواه بشأن الحرية وحقوق الإنسان.
ومن حق السيد سروش، بالطبع، أن يجلدني بسوط العتاب لأنني اقترفت ذنب انتقاد بعض آرائه؛ ولكن هل يليق، من أجل معاقبة ناقد أو تصفية حساب شخصي معه، أن يحرق السوق بأكمله ويقدّم الصالح العام قربانا؟
آرش نراقي
۱۴ يوليو ۲۰۲۶

نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.