يتناول آرش نراقي، في ردّه الثاني على عبد الكريم سروش، تصريحاته في العدد ۱۰۲ من «أنديشه بويا» بشأن حقوق البهائيين والمثليين جنسيا. وإذ يرحّب نراقي بتصريح سروش بحقوق هاتين الأقليتين، فإنه يطرح أسئلة حول نطاق هذه الحقوق، وصلتها بالمساواة في المواطنة، ومدى اتساق لغة سروش ومواقفه السابقة مع هذا التصريح.

أشار السيد عبد الكريم سروش في رسالته الأخيرة في مجلة أنديشه بويا (العدد ۱۰۲) مرة أخرى إشارة مقتضبة إليّ، ولعل التأمل في بعض ما ورد فيها لا يخلو من فائدة. وبالطبع، أفضّل أن أتجاوز الكلمات «الأرقّ من ورق الورد» التي وجّهها إليّ مرارا وفي مناسبات مختلفة، وآمل أن تتجاوز هذه الحوارات حدود العتاب والمجادلات الشخصية، وأن تتركز على قضايا أعمّ ترتبط ارتباطا أوثق بالصالح العام.
في رأيي، أهم ما ورد في مقال السيد سروش الأخير هو تأكيده أنه يقرّ بحقوق البهائيين والمثليين جنسيا. وأرى أن هذا التصريح خطوة إيجابية في اتجاه الخير. فقد كان في السابق يعرّف الديمقراطية التي ينشدها على أساس رأي الأغلبية وحده، من دون مراعاة حقوق الأقليات. ولم يبدأ إلا في السنوات الأخيرة، وبالتدريج، في إدراج احترام الحقوق الأساسية للأقليات ضمن تحليلاته (ولو إلى حدّ ما، وعلى الهامش). والانتقال من نقطة البداية تلك إلى هذا الدفاع الصريح إلى حدّ ما عن حقوق البهائيين والمثليين جنسيا مسافة طويلة قطعها السيد سروش، وأرى أن من الجدير الترحيب بها.
غير أنني أعتقد، لأسباب عدة، أن تصريحاته بشأن حقوق الأقليات ينبغي أن تُتلقّى بشيء من الحذر:
أولا، علمتنا التجربة التاريخية لإيران المعاصرة أن ننظر بعين الشك إلى ادعاءات أنصار الإسلام السياسي. فلا يزال الإيرانيون يذكرون أن قادة الإسلام السياسي، حين كانوا خارج بنية السلطة، كانوا يتحدثون عن جمهورية على النمط الفرنسي، لكنهم ما إن استولوا على السلطة السياسية حتى عزفوا لحن ولاية الفقيه المطلقة. وقد جعلت هذه التجربة التاريخية الإيرانيين ــ وبحق في رأيي ــ متشككين في المتدينين الذين يخوضون غمار السياسة قولا وفعلا. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المتدينين المشتغلين بالسياسة غير صادقين فيما يقولون، لكنه يعني بالتأكيد أن معايير الحكم على صدقهم النظري والعملي قد أصبحت أكثر صرامة. ومن ثم، فإن الاطمئنان إلى نزاهة المتدينين المشتغلين بالسياسة وصدقهم يحتاج إلى أكثر من مجرد «حاشا وكلا».
ثانيا، يبدو في بعض الحالات أن المتدينين المشتغلين بالسياسة يسلكون، عند طرح آرائهم السياسية، مسلك السياسيين ــ أي إنهم يتعمدون تغليف كلامهم بالغموض والإبهام كي يتمكنوا لاحقا من تطويعه بحسب الجمهور. دعوني أضرب مثالا. من الجيد أن السيد سروش يعدّ نفسه «مقرّا» بحقوق البهائيين والمثليين جنسيا ــ لكنه لا يوضح قط ما الحقوق التي يقصدها تحديدا. وتظل تصريحاته في هذا الشأن، في الغالب، عامة ومبهمة. وفي المواضع النادرة التي يكتسب فيها كلامه قدرا من الصراحة، يبدو أن احترام حقوق الأقليات لا يعني سوى مراعاة الحد الأدنى من حقوقهم. أي إنه، مثلا، لا ينبغي قتل أفراد الأقليات أو حرمان أبنائهم من التعليم. لكن النقطة المهمة هي أن التمتع بالحقوق الأساسية، في المنظومة الفكرية للسيد سروش، لا يعني المساواة القانونية بين المواطنين. فكثير من حقوق المواطنة يتجاوز «الحقوق الأساسية أو الدنيا»، ومن منظور السيد سروش لا تتمتع الأقليات ــ خلافا للأغلبية المسلمة ــ بهذه الحقوق بمجرد كونها مواطنين. أي إن الأغلبية المسلمة، في النظام القانوني الذي يدافع عنه السيد سروش، تتمتع من حيث المبدأ، وبمجرد كونها مسلمة، بحقوق مواطنة (مثل حق التبشير بالدين) لا تتمتع بها، مثلا، الأقليات الدينية أو غير المؤمنين. فهل إصرار السيد سروش على ضرورة مجلس صيانة الدستور ومشروعيته في البنية السياسية التي ينشدها يهدف إلى ضمان هذه القيود التمييزية في مجال حقوق المواطنة؟
ثالثا، ينبغي للدفاع عن حقوق الأقليات أن يتجلى في اللغة والممارسة معا. ففي برنامج «پرگار» على بي بي سي، حين يسأل مقدم البرنامج السيد سروش عن قلة اكتراثه بحقوق الأقليات، ومنها صمته إزاء انتهاك الحقوق الأساسية للبهائيين، يدافع السيد سروش أولا عن أنشطة جمعية الحجتية في مواجهة البهائيين في إيران، ثم يضيف على الفور: وهل دافع البهائيون عن حقوقي المنتهكة حتى أدافع أنا عن حقوقهم؟! ولنأخذ مثالا آخر. بحسب رواية السيد سروش، دُعي بعد سقوط صدام حسين في العراق إلى اجتماع في لندن لإبداء رأيه في مسودة الدستور العراقي الجديد. ويبدو أن المسودة كانت تتضمن بندا بشأن ضرورة احترام حقوق الأقليات الجنسية. ويروي السيد سروش أنه كان الوحيد في ذلك الاجتماع الذي عارض هذا البند، ثم يضيف: «أصررت على معارضة ذلك البند إلى أن حذفوه من مسودة الدستور.» (ليست لديّ معرفة مستقلة بالاجتماع نفسه ولا بما دار فيه من حوارات، وما أقوله هنا ليس سوى رواية السيد سروش لذلك الاجتماع.) ومثل هذه المواقف ــ على الأقل للوهلة الأولى ــ لا تبدو منسجمة مع سلوك المدافعين الصادقين عن حقوق الأقليات.
رابعا، إن لغة السيد سروش في حديثه عن الأقليات ــ ومنها الأقليات الجنسية والبهائيون ــ ليست نزيهة، ولا تحمل ما يدل على احترامه لحقوق تلك الأقليات. ففي محاضرته «النيوليبرالية المسلحة» يصف المثليين جنسيا بأنهم «حثالة ونفايات»، وفي مقابلته مع أنديشه بويا يصف الديانة البهائية بأنها «فرقة ضالّة». والأسوأ من ذلك أنه يستعير، في المقابلة نفسها، لغة الفقهاء الاحتسابية في حديثه عن المثليين والبهائيين، فيصفهم بـ«الكفار»، ويصفني أنا بـ«عابد الأصنام» لجرمي المتمثل في الدفاع عن حقوقهم. ولا يضيرني، بالطبع، أن يصفني بعابد الأصنام. ولكن بأي منطق من منطق حقوق الإنسان يمكن وصف البهائيين والأقليات الجنسية، وهم ضحايا أصلا لأشكال مروعة وممنهجة من العنف، بالكفار؟
وفي الختام، أود أن أضيف ملاحظة بشأن كون التنوير الديني فرقة. أعتقد أنني بيّنت بما يكفي أن مشروع سروش المتأخر (في قراءة متعاطفة معه) قد اتخذ صورة «فرقة». وقد شرحت بدقة ما أعنيه بـ«الفرقة»، وبيّنت بوضوح أسبابي للقول بظهور مثل هذه الفرقة. ومن ثم، فإذا كنت قد اقترفت ذنبا، فليس ذنبي سوى تحليل ظاهرة قائمة في مجال دراسة الدين في إيران المعاصرة. ولكن هل إنشاء الفرق أمر حسن؟ وهل فرقة التنوير الديني هي الفرقة الناجية؟ هذه الأسئلة، وإن كانت جديرة بالتأمل في ذاتها، لم تكن ضمن نطاق تحليلي، ولم أبد رأيا فيها، نفيا أو إثباتا. إن تاريخ الأديان ــ ومنه تاريخ الإسلام ــ حافل بشتى أنواع الفرق المتنوعة، ولا أظن أن حطّ هذا الطائر على ذلك الجبل سيضيف إليه شيئا.
آرش نراقي
۲۹ سبتمبر ۲۰۲۶

نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.