اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
صُلح الحسن أشدّ مظلوميةً من عاشوراء الحسين؛ فالدفاع عنه من شأن النخبة. لقد قَبِل الإمام المجتبى (ع) بالمصالحة صوناً لكيان الدين، وحفظاً لدماء المسلمين، ودرءاً لقتل الخلفاء؛ ويتناول رضا بابائي سبعة أسبابٍ لهذا الخيار بالتحليل.

لا يشك أحد في ضرورة ثورة سيد الشهداء (ع)؛ لكن فهم صلح الحسن (ع) يتطلب فهماً وإدراكاً أعمق؛ لأن الناس – عادةً وبشكل غريزي – يعطون الحق للمظلوم في أن يقاتل ويأخذ حقه بأسنانه ومخالبه؛ لكنهم يلومونه على وقف إطلاق النار والمصالحة. من هنا، فإن صلح الحسن (ع) أشد مظلومية من عاشوراء الحسين (ع)، والدفاع عنه لا ينهض به إلا النخب والمؤرخون وأصحاب البصيرة النافذة. ولا يستطيع أن يدرك تضحية الإمام (ع) بنفسه في صلحه مع معاوية ويُعجب بها إلا العارفون بالتاريخ ومصالح الأمة؛ وذلك بخلاف بسطاء القلوب الذين لا يرون الحق إلا في ثوب القتال.
. بعض الخلفيات والأسباب التي دفعت الإمام الحسن (ع) إلى قبول الصلح، باختصار، هي على النحو التالي:
إن حفظ الدين عند أئمة الشيعة الكرام (ع) أوجب من حفظ الحكومة. لقد أخرج الصلح الحكومة من يد أهل البيت (ع)؛ لكنه أنقذ الدين من خطر جسيم مدمر.
لماذا لم يقاوم الإمام الحسن (ع) كأخيه حتى حد الشهادة؟ ألم يكن التاريخ ليصدر حكماً أفضل عليه لو أنه لم يرضخ للصلح وبقي في ساحة القتال حتى آخر قطرة من دمه؟ ألم تكن المقاومة الدموية في وجه أطماع معاوية لتورط جهاز الشام في الفضيحة والانهيار، كما ألقت شهادة الحسين بن علي (ع) بحكومة يزيد في منحدر السقوط والفضيحة حتى انهارت في النهاية؟ الجواب هو أن موقع الإمام الحسن (ع) في تلك الحقبة كان مختلفاً عن موقع أخيه سيد الشهداء (ع). كان الإمام المجتبى (ع) خليفة، ولو قُتل كخليفة على يد مخالفيه أو في الحرب، للقي مصيراً كعثمان، ولتجهت الأحكام نحو أن المسلمين المعترضين والساخطين قتلوا خليفتهم. لم تكن الشهادة في منصب الخلافة لتثير أمواجاً عاتية، وكانت ستعني أن الخليفة قُتل على يد الناس! أما سيد الشهداء (ع) فكان مواطناً معترضاً، وكانت شهادته تتهم الحكومة بالظلم والاستبداد والجور على الناس. وكانت مقدمات ذلك متوفرة. كان الإمام الحسن (ع) يعلم أن الانتصار على جيش الشام غير ممكن، وكان يعلم أيضاً أن شهادته في ميدان القتال لن تؤرق ضمير المسلمين كثيراً؛ لأنهم سيقولون: حاكمان تقاتلا وانتصر أحدهما! هذا كل ما في الأمر. كانت الشهادة في مثل هذا الميدان تُعتبر قتلاً في سبيل حفظ الحكومة؛ لا حفظ الدين وكيان الإسلام. أما شهادة الحسين بن علي (ع) في كربلاء، فكانت تُعتبر شهادة من ثار على ظلم الحكومة واستُشهد مظلوماً.
كانت سيرة علي (ع) وأبنائه تقوم على حفظ منصب الخلافة من التلوث بالدماء. لقد سعى علي (ع) بكل طاقته ألا يُراق دم الخليفة. إن دفاعه عن منصب الخلافة وتنزيهه عن الدماء بلغ حداً جعله يقول في نهج البلاغة: لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثماً: «خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً».
كان وضع المجتمع الإسلامي آنذاك على نحو لو نشبت حرب وانتصر فيها بنو أمية، لما تقيدوا بأي تعهد ولما اعتبروا أنفسهم مدينين لأحد. وفي وضع كهذا، كان بإمكانهم إلحاق أضرار بتراث النبي (ص) لا يمكن تداركها. لقد قيد الصلح يدي معاوية إلى حد ما. فلو كان معاوية قد استولى على الحكومة عن طريق الحرب، لا الصلح، لما قبل حتى هذا المقدار من الالتزام الذي تحمله في وثيقة الصلح، ولما كان معلوماً أي طريق كان سيسلك.
كان ثمة دافع آخر للصلح، وهو وجود عدو مشترك كان قد توجه نحو حدود الإسلام، ولو لم يتصد له أحد، لربما لم يبق حتى اسم للدولة الإسلامية. ووفقاً للتقارير التاريخية، كانت روما الشرقية في ذلك الوقت قد استعدت لمهاجمة الأراضي الإسلامية، وكان معاوية – أياً كانت دوافعه – قادراً على دفع هذا الخطر. لذا، لم يكن استمرار الحرب في صالح الكوفيين ولا في صالح الشاميين، بل كان سيهيئ الأرضية لهجوم عسكري روماني وانتصاره على العالم الإسلامي.
كان منعُ مقتل المزيد من المسلمين سبباً آخر دفع الإمام المجتبى (ع) إلى قبول عرض الصلح؛ إذ كتب في رسالة إلى معاوية: «لو أردتُ قتال أحدٍ من أهل القبلة (المسلمين ظاهراً) لقاتلتُك، غير أني كففتُ يدي عنك، وصالحتُك حِفاظاً على صلاح الأمة الإسلامية وحقناً لدماء المسلمين.»
وثمة سبب آخر لقبول وثيقة الصلح، وهو أن ما حصل عليه الإمام الحسن المجتبى من خلال الصلح لم يكن ليتحقق له قط عبر الحرب. فقد أتيحت للإمام (ع)، مع حفظه لنفوس المسلمين وأموالهم، فرصة سانحة وموقعية مغتنمة ليمضي بين الناس ويؤثر في عقولهم وقلوبهم؛ أي أنه وجد الفرصة لتحويل الجبهة العسكرية إلى جبهة ثقافية، وهي الأهم بكثير، بل والأكثر حيوية في ذلك الزمان. علاوة على ذلك، ألزم حكومة الشام بتأمين الدعم المالي لشريحة واسعة من مسلمي المدينة والكوفة، ولا سيما أسر الشهداء.
كان الإمام الحسن المجتبى (ع) يعلم أن الصلح، بقدر ما هو في صالح العالم الإسلامي، ستكون له عواقب وخيمة عليه شخصياً، إذ سيهينه فريق من المسلمين، وسيوبخونه ويعيرونه بجرم مصالحته معاوية؛ غير أن التدبير والحكمة كانا يقتضيان خلاف ذلك. إن مراعاة المصالح العامة هي الاستراتيجية الأكثر حكمة التي يتبناها القادة المخلصون والمحبون للحرية، ولا سيما القادة الإلهيون، لأنهم لا يضحون أبداً بالمصالح العامة فداءً للمصالح الفردية والجماعية ولسمعتهم.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.