اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كشفت مناظرة حول بناء الحضارة والدين عن تقاطع الحاجة إلى أطر عقلانية مع كون الحضارة مشروعاً. برفض الاحتكارية، يُنظر إلى الأخلاق بوصفها عقلية ومستقلة عن النقل، ويُعلَّق تحقيق الحضارة على العقل الجمعي والنظام العضوي.

بُثَّت مؤخراً مناظرة حول بناء الحضارة والدين من برنامج زاوية كانت بعض أجزائها تستحضر، أكثر من أي شيء آخر، المناقشات الجدلية وعبارة ديوجين "diogenes" حول أنتيسثينيس "antisthenes" الذي وصفه بأنه بوق لا يسمع إلا نفسه. بدايةً، سأقدم ملخصاً لوجهات نظر طرفي المناظرة، ثم أرغب في طرح بعض النقاط لنقد الطرفين.
فكرة بناء الحضارة هي مسألة زائفة وليست بأي حال من الأحوال قضية اليوم في هذا الديار، وهي تبعدنا عن الأولويات. بناء الحضارة، وفقاً لنظرة علماء الحضارة، يتطلب سياقات غير متوفرة حالياً. خلافنا يكمن في تعريف النظام؛ النظام اللازم لبناء الحضارة هو النظام العضوي، أي أن يشارك فيه الجميع ويشعر الجميع بتحقيق الذات. وهذا النظام العضوي هو شرط مسبق لتحقق الحضارة. ونحن لم نصل إلى النظام بعد تشكيل الحكومة، وإلا فإن النظام الأدنى والسطحي الناتج عن النظام موجود حتى في القبائل، ومثال على ذلك نظام العراق، حيث أظهر المجتمع بعد رحيل دكتاتورية صدام أنه لا يمتلك نظاماً عضوياً. نحن (بدلاً من إدارة النظام العالمي والحضاري) في مرحلة أن لا نكون حفاة، وأن نتنفس هواءً نقياً، وألا نموت من المجاعة.
➖ التسامح ➖ الحوار ➖ الأسس النظرية الفلسفية مع هذا التوضيح: أولاً: دخلت فلسفة يونانية نتجت عنها ثلاث روايات. ثانياً: بإجماع جميع الخبراء، العالم الإسلامي ضعيف في الفكر السياسي والنظرية والآثار والمحتوى.
الحضارة هي مشروع (لأن الإنسان كائن مختار) ولذلك نخطط لها. الغرب أيضاً، مثل العراق، يفتقر إلى سياق بناء الحضارة، لأنه مثلاً في الغرب، مع غياب المراقبة الكاملة وانقطاع الكهرباء، يغرق المجتمع في الفوضى. أنا أعتقد أن السياقات المسبقة للحضارة موجودة، والاختلافات الرئيسية بين الحضارة الغربية والشرقية تكمن في النظرة الإلهية المحور والنظرة الإنسانية المحور، وفي الغرب لا يُرى إلا الدنيا.
التسامح يجب أن يكون تسامحاً إسلامياً و {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}
أرضية الحوار لبناء الحضارة (موجودة بشكل مطلق في كامل هيكل السلطة والمؤسسات العلمية والثقافية) لأننا رحبنا بجميع الأفكار في دعواتنا لنشر المقالات. لذا ندعوكم من هذا المكان أيضاً. بناء الحضارة الإسلامية يدعو المخالفين؛ بناء الحضارة الذي نناقشه لا علاقة له بالعمل التنفيذي، ثانياً، يجب أن تتوفر في منفذيه عملياً شروط الدولة الإسلامية. نحن نعتقد أن التسامح يصل إلى حد الاستفادة من أفكار الآخرين، وكل من لا يقبل الحضارة الإسلامية لن يكون له مكان في هذا المشروع بطبيعة الحال. يجب أن ننتقل من الدولة الإسلامية إلى المجتمع الإسلامي، ومن المجتمع الإسلامي إلى الحضارة الإسلامية، وشرط ذلك هو امتلاك رؤية حضارية.
الأخلاق أمر عقلي ومستقل عن النقل. والدين يتناول الأخلاق في إضفاء المعنى وتربية وتهذيب البشر بناءً على فهمهم الفطري. لذلك، إذا كان التسامح مبدأً أخلاقياً، فإن مفهوم الليبرالي وغير الليبرالي أو الديني وغير الديني لا ينطبق عليه.
نسبة الأصولية المعتدلة إلى النبي (بأنه يجب حذف المخالفين، وهو ما يُعتبر اليوم رذيلة أخلاقية في البديهيات الأخلاقية لعقلاء العالم) بحجة {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}، بالإضافة إلى كونه وهناً للدين وإهانة لنبي الإسلام، فهو مخدوش منطقياً لأن روح الشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم، غير عوارضها التاريخية في المجتمع القبلي للحجاز.
إن امتلاك نظرة إلهية المركز أو عدم امتلاكها يرتبط بمعنى الوجود وهو من مقولة الإيمان لا العمل، فالعمل الصالح يظل صالحاً حتى بدون إيمان. ولذلك لا يمكن القول بأن عمل الحضارة الغربية فاسد لمجرد أنها ذات نظرة مادية افتراضاً. في الدور الأخلاقي للدين يمكن القول بهذا القدر إن الدين يمكن أن يكون تبريراً للأخلاقية كما يمكن أن يكون نتيجة للأخلاقية. أما الأخلاق بذاتها فهي أمر عقلي وفطري تماماً، ولذا فإن الحضارات من حيث المقاربة الأخلاقية (الأخلاق بمعنى جميع المقاربات الإدارية والمعيارية) يمكن أن تكون مشتركة بين جميع البشر وقائمة على العقل الجمعي، وإن كانت كل منطقة بخصائصها تصل عملياً إلى وصفة محلية من العقل الجمعي. وعليه فإن النظرة الإلهية ليست منطقياً شرطاً مسبقاً لبناء الحضارة ولا يمكن أن تكون كذلك أساساً، لأن بناء الحضارة في نقطته الجنينية بل وفي استمرار حياته يحتاج إلى العقل الجمعي، والإيمان مع أصالته ليس منافساً له بل هو محتاج إلى العقل والعقل الجمعي.
وكما أشار بعض أصحاب الرأي (مثل الدكتور أبو القاسم فنائي) فإن من الفروق الجدية بين عالم التقليد والعالم الحديث أنه في عالم التقليد كانت العدالة وصفاً للشخص وكانوا يعتقدون أنه إذا كانت الثروة والسلطة و... بيد الإنسان العادل، فإن العدالة الاجتماعية ستتحقق أيضاً، أما في النظرة الحديثة فالعدالة صفة للبنية والمؤسسة (راجع: أخلاقيات معرفة الدين)؛ ونتيجة لذلك، وبدون النظر إلى كون رؤية مؤسسة اجتماعية للعالم إلهية أم مادية، يتم تقييم إجراءاتها وأدائها العادل، وبتعبير آخر فإن حسن العدالة الفعلي هو الهدف لا حسن نية الفاعلين؛ وبالطبع فإن هذا الفصل الذي يعتبر العدالة صفة للمؤسسة، لا يعني أن معنوية البشر ليست مهمة، بل بالإضافة إلى ضمان العدالة التي تصونها من كراهية المسؤولين واستحسانهم، هو نوع من تقسيم المهام لا يُدخل الأمور الفردية بذاتها في السلوك الاجتماعي.
والطريف أنه بالإضافة إلى تقديمه صورة خشنة وإقصائية عن نبي الإسلام، يدّعي غاية التسامح والفضاء الحر لجميع المنتقدين، ويتخذ صورة مصطنعة تماماً عن الغرب أساساً له ويسعى لتصوير جميع الناس وكأنهم، كما في بداية الثورة، معادون للحضارة الجديدة، وبدلاً من الرد على نقد الناقد القائل بأن النظام العضوي لم يترسخ في مجتمعاتنا، يلجأ إلى الإسقاط والتجني على الغرب، ومن جهة أخرى فإن مدّعي الحوار والحرية هذا يغلق باب التسامح مع أقرب الناس إليه أي المثقفين الدينيين الذين لديهم فهم عقلاني للشريعة المحمدية، ويظل حتى نهاية المناظرة يكرر دعواه، منهمكاً في النفخ في بوق عدم استماعه، ويصر على أنه يريد نيابة عن جميع المسلمين أن يتخذ مع رفاقه الأشاعرة الآخرين قرارات تاريخية لمصير جميع الناس - ولا أدري أينظر إلى الناس بعين الاحتقار والسفاهة أم لا.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.