اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نقدُ من لا يملك فرصة الدفاع عن نفسه ليس بالضرورة نقدًا غير أخلاقي؛ لأن تعطيله بحجة غياب إمكانية الرد يزيد من ركود سوق النقد. وفي فضاء منغلق يميل فيه النقد إلى فقدان المعنى، فإن الاستمرار فيه يخرق الفضاء أكثر مما يخرقه التوقف عنه.

تضرب خصمًا مكتوف اليدين؟!
هل نقد من لا يملك فرصة الدفاع عن نفسه أمر غير أخلاقي دائمًا؟
لربما سمعتم أيضًا من يقول: «لا تنتقد إلا من يملك إمكانية الرد» أو بعبارة أخرى «في الظروف التي لا يملك فيها فرد أو تيار إمكانية الرد على نقد ما (خاصة بسبب «الرقابة» وكون الفرد أو التيار المنتقَد «ممنوعًا من الكتابة») فإن نقد ذلك الفرد أو التيار ليس جائزًا من الناحية الأخلاقية». أسعى في هذه الكتابة إلى مخالفة هذا الادعاء، وبدلًا من ذلك، أجادل بتردد وحيرة لصالح هذا الادعاء البديل القائل إنه على الرغم من أن الحساسية إزاء ردود فعل النقد، وبشكل خاص إساءة استخدام النقد استبداديًا -نقد يُفترض ألا يكون في خدمة الاستبداد- هي دائمًا أمر جائز بل وواجب، فإن تعطيل النقد بحجة حرمان المنتقَد أو المدافعين عنه من الرد، هو أمر لا يمكن الدفاع عنه على الأرجح. والنتيجة التي أريد استخلاصها من هذه الفكرة هي أنه حتى لو ضُيّق نطاق الأمور «المسموح» نقدها من قبل أصحاب السلطة تضييقًا شديدًا، فربما كان من الأفضل مع ذلك ألا نزيد سوق النقد الكاسدة كسادًا بأيدينا عما هي عليه.
إن الحكم المنغلق أو شبه المنفتح، بحكم انغلاقه وبقدر ما هو منغلق، يفرض خطوطًا حمراء كثيرة على المجتمع وعلى أهل الثقافة بشكل خاص. ومع ذلك، حتى في ظل حكم منغلق، يمكن (أو يُؤمل على الأقل أن يكون بالإمكان) إيجاد مسائل تكون أولًا مشكلات حقيقية للمجتمع، وثانيًا يكون تناولها نقديًا محتملًا إلى حد ما من قبل الحكم (والمجتمع أيضًا). لكن، عند تناول هذه المسائل، من الممكن تمامًا أن يصل الأمر إلى نقد أشخاص سلبهم الحكم أو حتى المجتمع (أو كلاهما) إمكانية الرد، بشكل دائم أو مؤقت. فماذا ينبغي أن نفعل حينها؟ أحد الإجابات التي تبدو معقولة تمامًا للوهلة الأولى هي أنه في مثل هذه الحالة، لا ينبغي أخلاقيًا نقد ذلك الفرد أو التيار. لأن هذا يشبه تمامًا أن تُكتف يدا الخصم الملاكم في مباراة ملاكمة، ثم يُطلب منك أن تتبارى معه. من الواضح أن الدخول في هكذا حلبة وتوجيه اللكمات لخصم مكتوف اليدين هو أمر غير جائز تمامًا. لكن هذا الكلام، إن كان صادقًا في الماضي، فإنه يبدو أقل قبولًا اليوم. في الماضي، حين لم يكن لفرد أو تيار داخل حكم منغلق حق الرد، لم يكن هناك تقريبًا مكان آخر يرد فيه. أما اليوم، فإن البحر الافتراضي ووسائل الإعلام الفضائية قد تسللت سيولها إلى شقوق وثغرات الحكومات المنغلقة (باستثناء كوريا الشمالية طبعًا)، بحيث يمكن للفرد أو التيار المحروم من الرد أن يوصل رده عبر هذا البحر إلى داخل ذلك الحكم. ومن ثم، فإن الامتناع عن النقد في مثل هذه الحالة لا يفعل شيئًا سوى حرمان المتلقي من المنافذ الافتراضية والهوائية القليلة التي -على الرغم من الحكام الذين يمنعون النقد- ما زالت مفتوحة للنقد.
أما المدافعون عن عدم جواز نقد الفرد أو التيار المحروم من الدفاع، فقد يتراجعون في نهاية المطاف عن وجهة نظرهم ويقولون: حسنًا، لنفترض أن النقد في مثل هذه الحالة ليس غير جائز أخلاقيًا، لكن في مجتمع لا يملك فيه سوى الحاكمية حق الكلام، لا يكون أي نقدٍ نقدًا في الواقع أصلًا حتى يمكن بعد ذلك الحديث عن جواز «النقد» أخلاقيًا أو عدم جوازه. وبتعبير آخر، في المجتمع المنغلق كل شيء مؤجل، فأين النقد؟ في نظري أن هذا الإشكال أكثر جدية من إشكال عدم الجواز الأخلاقي لنقد الفرد أو التيار الأعزل، بل ويبدو لي أن هذا الإشكال ينبغي أن يكون واردًا في الواقع. دعوني أوضح أكثر. الشرط الضروري للنقد هو إمكانية الحوار، والشرط الضروري للحوار هو الثقة بين الناقد، والمنقود، وجمهور النقد. في مجتمع لا يملك فيه سوى الحاكمية حق الكلام، تتلاشى هذه الثقة، فينتفي الشرط الضروري للنقد وهو إمكانية الحوار، وفي هذه الحالة يصبح نقد الفرد الأعزل، حتى لو لم يكن غير جائز أخلاقيًا، نقدًا بلا معنى. ولا يمكن الرد على هذه المشكلة بالاستناد إلى موجة الأقمار الصناعية وبحر الإنترنت الافتراضي، لأنه عندما تنتفي الثقة كشرط ضروري للحوار، لم يعد هناك فرق بين أن يستطيع الفرد المحروم من الدفاع الرد على الانتقادات عبر طريق آخر أم لا، لأن هذا الأمر لا يعيد الثقة. وهذا الإشكال هو في الواقع تعبير آخر عن المقولة المنسوبة إلى علي شريعتي: «في مجتمع لا يملك فيه سوى شخص واحد حق الكلام، لا تصدقوا أي كلام». لا أملك إجابة مقنعة على هذا الإشكال الجاد، لكن يبدو لي حدسيًا أنه حتى في الفضاء المنغلق الذي يميل فيه النقد إلى فقدان المعنى، فإن عدم التخلي عن النقد قد يكسر فضاء اللامعنى هذا أكثر مما يفعله التخلي عنه.
للاطلاع على نموذج لفقدان المعنى لا في النقد فحسب، بل في الخبر والكلام والعلاقة، شاهدوا الفيلم الألماني «وداعًا لينين» (2003 ميلادية)، وانتبهوا بشكل خاص إلى مشاهد قراءة الأخبار الملفقة.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.