اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أصبحت حادثة آتنا أصلاني ذريعةً للاصطفافات السياسية والمطالبة بالعقاب، لكن ينبغي أن نتساءل: لماذا لم يُصلح النظام الاجتماعي الجاني؟ فبدلاً من كراهية المذنب، يقي التحليل العلمي والنفسي من تكرار الفاجعة.

منذ تلقّي خبر حادثة ابنتنا الفاجعة «آتنا أصلاني» يتردد في ذهني باستمرار هذا الشعر لشاملو:
على خلفية الصباح الرصاصية الفارس صامتٌ يقف ...
«إلهي إلهي! لا ينبغي للفرسان أن يقفوا حينما يُعلن الإنذار بالحادثة...
بجانب السياج المحترق الفتاة صامتةٌ تقف وتنورتها الرقيقة في الريح تخفق إلهي إلهي ...» [مقتطف من قصيدة لإبراهيم في النار]
في الأساطير الإغريقية، آتنا، هو اسم إلهة؛ ربة الحكمة والشجاعة، طاهرة وعذراء، محبة لأبيها. وإن كان أبوها زيوس، قد خشي في البداية من تفوقها، لكن بعد أن كبرت وشهد رزانتها، صارت أحب الأبناء إلى قلب الأب، بل وموضع حسد أبناء زيوس الآخرين!
Athena; it takes its name from her epithet Parthenos, which means "Virgin"!
مرة أخرى، تُضحى فتاة بريئة. من الصعب جداً أن نضع أنفسنا مكانها، في اللحظة التي تعرضت فيها لذلك السلوك الشنيع. إنه لأمر محطم أن نتصور أنفسنا مكان عائلة آتنا. لكن للحادثة أبعاد أوسع.
للأسف، في مجتمعنا المسيّس، تحول موضوع آتنا مرة أخرى إلى ذريعة لزيادة حدة الاصطفافات السياسية!
ليتنا نستطيع القول: أيها الأصدقاء، توقفوا لحظة! لوجه الله، دعونا نتعامل مع الحادثة بقدر أكبر من التعاطف، وألا يكون رد فعلنا الأول إلقاء اللوم على الطرف المقابل. في هذه الحادثة، كان رد فعل أصدقائنا الإصلاحيين: لو تم تنفيذ 2030 لما وقعت هذه الحادثة! ورد فعل الطرف المقابل: لو تم الالتزام بالحجاب والعفاف وحدود المحارم وغير المحارم في المجتمع، ولو روعيت الحدود الشرعية -على سبيل المثال- في تعاملات آتنا ووالدها المظلوم مع صاحب محل الصباغة [التعس]، لما وقعت تلك الحادثة! وانخرط مستخدمو كل من الطرفين، في صراع مع مواقف الطرف المقابل، حتى أنهم سفهوا تحليل واقتراح الطرف الآخر. لكن، ويا للعجب، يجب أن أقول إنه يمكن، من موقف أكثر تعاطفاً، إيجاد قواسم مشتركة بين هذين الموقفين. ففي خطاب التيار التقليدي، تُفترض ضرورة تعليم العفة كأمر رادع، وفي خطاب التيار الأكثر حداثة، توجد تعاليم بأدبيات أخرى لها أيضاً جانب رادع! حسنٌ جداً، ما المانع من أن نركز، على الأقل في الخطوة الأولى، على المشتركات، وفي الخطوات اللاحقة، إذا لزم الأمر، نتناول تقييم نقاط الاختلاف! بصرف النظر عن ردود فعل مستخدمي العالم الافتراضي، فإن تغطية الإعلام الرسمي (التلفزيون) لم تكن متزنة بالقدر الكافي. فالمراسلون، إلى جانب تغطيتهم الإخبارية لمواقف قوى الأمن والمسؤول القضائي في المنطقة، اكتفوا بإبراز العزم على معاقبة من وُصف بالجاني والقاتل والمعتدي، مظهرين بذلك جهداً يبدو أنه كان يهدف إلى تهدئة غضب الناس. الناس الشرفاء الذين كان رد فعلهم، في كراهيتهم للفرد ومكان الفاجعة، إضرام النار في دكان القاتل! لكن أحداً لم يتطرق إلى تحليل: من هو القاتل؟ من قبيل الصدفة، اسم ذلك الشخص الذي يُدعى الآن "قاتل" هو "إسماعيل"! اسم إسماعيل يدل على أنه ولد وترعرع في أسرة كانت لها انتماءات دينية. ففي القصص الدينية، إسماعيل هو من جملة الأنبياء وجد النبي الكريم محمد! على ما أعتقد، لا ينبغي لأحد أن يشك في أن إسماعيل ذا الأربعين عاماً، والذي يُختزل كامل كيانه الآن إلى "قاتل-معتدٍ"، كان عند ولادته، كما يُقال، "معصوماً". لماذا لا نسأل: في أي بيئة تربوية واجتماعية ترعرع إسماعيل حتى ارتكب هذه الجريمة؟ لقد قيل إن لإسماعيل سوابق خمس في اختطاف الأطفال وأفعال منافية للعفة! حقاً، كيف كان تعامل نظامنا الاجتماعي مع إسماعيل بعد اكتشاف جرائمه السابقة؟ لو كان نظامنا الاجتماعي، بعد مخالفاته السابقة وقبل فاجعة آتنا، قد أبدى سلوكاً إصلاحياً قائماً على الاستشارات النفسية والاجتماعية بدلاً من الاكتفاء بالمعالجة القضائية، ألم يكن مصير آتنا وإسماعيل ليكون مختلفاً؟
لقد قال إسماعيل في اعترافاته الرسمية إنه طمع في ذهب آتنا، وعندما أراد أخذ ذهب الفتاة، أثارت ضجة، فوضع إسماعيل يده على فم الطفلة لإسكاتها، فوجد جسدها فجأة بلا حياة. لا نعلم حالياً مدى صحة هذا الادعاء! لكن أمنيتي القلبية أيضاً هي ألا تثبت التحقيقات الإضافية وقوع اعتداء قبل القتل. وإن كنت، إذا كان ذلك السلوك المشؤوم قد حدث، فإن واجب الجهاز القضائي هو كشفه. لكن هل ينبغي أن ينحصر كل اهتمام المجتمع في كشف الجريمة ومعاقبة المجرم؟ هل يجب ربط "تشفي خاطر أسرة المقتولة" بأشد العقوبات وإعلان نهاية القصة هنا؟
الوصية الذهبية للحكماء والعقلاء كانت دوماً: يجب أن نصب الكراهية على "الذنب" لا على "المذنب"! أعتقد أن قضية آتنا البريئة لها أربع ضحايا: 1- آتنا المظلومة نفسها، 2- إسماعيل الذي هو قاتل وهو أيضاً ضحية بشكل ما، 3- أسرة آتنا التي لن تلتئم جراح قلوبها بسهولة، وحاجتهم الحقيقية ليست تعميق جذور الغضب والانتقام، بل الأساليب العلمية والدينية للمواجهة الصحيحة للمصائب والالتئام والعودة إلى الحياة، 4- أسرة إسماعيل التي يبدو أنها لن تنال سوى الخزي المزمن، في حين أنهم بشر أيضاً ولهم الحق في العيش بكرامة. أسأل نفسي: أين علماء اجتماع المشكلات الاجتماعية والمحللون النفسيون وعلماء النفس الاجتماعي ليقدموا تحليلاً علمياً للحادثة؟ ولماذا تخلو وسائل الإعلام العامة من الحضور الفوري وتحليل هؤلاء المتخصصين، ولا يُعكس فيها سوى ظهور الأجهزة الأمنية والقضائية؟
ليت أبعاد الواقعة لا تُختزل في «الجريمة والاغتصاب» فحسب، ويُصار إلى دراسة سلوك إسماعيل بوصفه تجلياتٍ لنوعٍ من «المرض»، ومن خلال التحليل العلمي السليم يُتخذ سبيل الوقاية من تكرار حالات مماثلة. لعلّ بتبني هذا المنهج، تكون روح إلهتنا البريئة «آتنا أصلاني» أكثر اقتراناً بالسكينة؛ لا بمجرد النفخ في نار الانتقام!
ليت الفرسان الصامتين لا يقفون مكتوفي الأيدي حين تُنذر الحادثة. هنا يوجَّه الخطاب إلى مديري الشؤون العامة وعلماء الاجتماع والأطباء النفسيين وعلماء النفس، وإلى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المعنية بالمسائل الاجتماعية في إيران.
محاور مقترحة ليعالجها المتخصصون ووسائل الإعلام:
- الأبعاد النفسية لظاهرة إيذاء الأطفال والقتل وربما الاعتداء الجنسي
- الأبعاد الاجتماعية والثقافية للإجرام
- الأضرار النفسية قبل الجريمة وبعدها لدى الفرد الذي يُوصف بالمغتصب/الجاني، وسبل تحسين حالته النفسية بوصفه إنساناً
- الأضرار النفسية التي تلحق بأسرة الفرد المُعتدى عليه وسبل استعادتهم للصحة النفسية
- الأضرار النفسية والاجتماعية التي تلحق بأسرة الفرد المعتدي وسبل تحسين أوضاعهم
- توصيات استراتيجية للأسر، لاتخاذ أساليب سلوكية صحيحة في المسافة المنطقية الفاصلة بين وضعين: التقييد الشديد للأبناء خوفاً من حوادث مماثلة من جهة، وترك الأبناء في مجتمع مهيأ لوقوع حوادث مماثلة من جهة أخرى.
ليت الأكاديميين والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات البحثية، إلى جانب الصحافة والإذاعة والتلفزيون ومراكز مثل إدارة الشؤون الاجتماعية في قوى الأمن الداخلي (ناجا) والسلطة القضائية، ينتهجون هذا المنظور الشامل والتحليل العلمي، وألا يُكتفى بموجات الغضب التي تثور فوراً وتخبو في زمن وجيز، وألا تُفسح المجال لحادثة أخرى.
.
.
.
.
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.