اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انتهاك الكرامة الجسدية هو ضرب من العنف في نطاق العلاقات الجنسية، يمكن أن يتحول إلى أداة لفرض الهيمنة. يمحّص آرش نراقي، عبر استعراض أربعة منظورات حول ماهية الاعتداء الجنسي، أسباب عدم مشروعيته الأخلاقية وكيفية التصدي له.

انتهاك الكرامة الجسدية هو نوع من العنف في مجال العلاقات الجنسية، ويمكنه، شأنه شأن سائر أشكال العنف (خصوصاً في الأنظمة الأبوية)، أن يتحول إلى أداة لفرض الهيمنة. أود في هذه المقالة أن أتناول بإيجاز بعض جوانب ظاهرة "انتهاك الكرامة الجسدية" أو "الاعتداء الجنسي"، خصوصاً من منظور الأخلاق وفلسفة الحق. سيتركز نقاشي بشكل أساسي على الأسئلة الأربعة التالية:
السؤال الأول: ما هي ظاهرة "انتهاك الكرامة الجسدية"؟
السؤال الثاني: لماذا تُعد ظاهرة "انتهاك الكرامة الجسدية" غير مشروعة أخلاقياً؟
السؤال الثالث: كيف ينبغي مواجهة ظاهرة "انتهاك الكرامة الجسدية" بوصفها أداة للإذلال وفرض الهيمنة؟
ما هي ظاهرة "انتهاك الكرامة الجسدية" أو "الاعتداء الجنسي"؟ حول ماهية هذه الظاهرة، توجد أربع وجهات نظر مهمة على الأقل:
وفقاً لوجهة النظر الأولى، ينبغي اعتبار الاعتداء الجنسي "فعلاً جنسياً قسرياً"، أي فعلاً جنسياً يتم باللجوء إلى القوة الجسدية. بعبارة أخرى، يقوم المعتدي بترهيب ضحيته وإخضاعها بالقوة الجسدية أو بالتهديد باستخدامها، ويحطم مقاومتها ويفرض نفسه عليها. ووفقاً لهذه الوجهة، فإن الاعتداء الجنسي يلازمه عنف أو تهديد بالعنف ضد الشخص الضحية.
لكن هذا التصور ليس جامعاً ولا يشمل جميع مصاديق الاعتداء الجنسي. على سبيل المثال، افترض أن رجلاً يحتجز طفل امرأة كرهينة، ويهددها بأنه سيقتل طفلها إن لم تلبي مطالبه الجنسية. إذا استسلمت هذه المرأة في هذه الظروف لإنقاذ حياة طفلها أمام المطالب الجنسية لذلك الرجل، فإنها تظل ضحية اعتداء جنسي، رغم أنها لم تكن هي نفسها ضحية مباشرة للعنف أو التهديد بممارسة العنف. لذلك، ورغم أن الاعتداء الجنسي يقترن في غالب الحالات بممارسة القوة ضد الشخص الضحية، فإن هذا النوع من ممارسة القوة ليس شرطاً ضرورياً لوقوع الاعتداء الجنسي.
تسعى وجهة النظر الثانية إلى تلافي قصور وجهة النظر الأولى. وفقاً لوجهة النظر الثانية، ينبغي اعتبار الاعتداء الجنسي "فعلاً جنسياً إكراهياً"، أي فعلاً جنسياً يُكره فيه الشخص الضحية، في ظل ظروف معينة، على الخضوع للعلاقة الجنسية. هنا لا يلجأ المعتدي بالضرورة إلى القوة والعنف ضد ضحيته، ولا حتى يهددها مباشرة بممارسة القوة أو العنف، لكنه يعرض ضحيته بطرق أخرى لتهديد جدي، مثلاً (كما في المثال أعلاه) يضع أحباءها في ظروف شديدة الخطورة بحيث تضطر الضحية قسراً إلى الخضوع لمطالبه الجنسية. في هذه الظروف، إذا تحطمت مقاومة الشخص إزاء هذه التهديدات واضطر بالتالي إلى الاستسلام لتلك المطالب الجنسية، يكون الاعتداء الجنسي قد وقع. لذلك، وفقاً لهذه الوجهة، يقع الاعتداء الجنسي عندما يهيئ المعتدي ظروفاً لا تجد فيها ضحيته نفسها إلا أمام خيارين: إما أن تتوقع خطر عنف جدي ضدها أو ضد أحبائها، أو تضطر إلى الخضوع للمطالب الجنسية للمعتدي. وفقاً لهذه الوجهة، يمكن للمعتدي أن يعتدي جنسياً على ضحيته دون أن يكون قد مارس بالضرورة عنفاً أو قوة جسدية ظاهرة ضد شخص الضحية. لذلك، يمكن اعتبار جميع مصاديق "الفعل الجنسي القسري" "فعلاً جنسياً إكراهياً"، لكن لا يمكن اعتبار جميع مصاديق "الفعل الجنسي الإكراهي" مصداقاً لـ "الفعل الجنسي القسري".
أما التصور الثاني (أي "الفعل الجنسي القسري") فلا يشمل بدوره جميع مصاديق الاعتداء الجنسي. على سبيل المثال، لنفترض أن امرأة تعاني ضائقة مالية شديدة لإعالة نفسها وأطفالها، وأملها الوحيد هو أن تجد عملاً في إحدى الدوائر. إذا اشترط صاحب العمل في هذه الظروف توظيفها مقابل تقديم خدمات جنسية، واضطرت المرأة يائسة إلى الخضوع لمطالب صاحب العمل الجنسية، فينبغي اعتبارها ضحية اعتداء جنسي. في هذه الحالة، لا تتعرض المرأة أو المقربون منها لخطر أو عنف جسدي من جانب صاحب العمل. لكن ضغط الظروف (وهي هنا ظروف اقتصادية) يبلغ حداً تضطر معه المرأة إلى الخضوع لمطالب صاحب العمل الجنسية رغماً عنها. أو لنأخذ مثالاً آخر، لنفترض أن سائقاً في صحراء نائية، في وسط اللانهاية، يجد فجأة امرأة مصابة على جانب الطريق. تطلب منه المرأة المساعدة، لكن السائق يشترط لمساعدته أن تخضع المرأة لمطالبه الجنسية. هنا يضع السائق المرأة أمام خيارين: إما أن تبقى في ذلك المكان النائي بجسدها المتألم ساعات طوالاً تحت الشمس الحارقة حتى تموت، أو أن تخضع لمطالبه الجنسية. في مثل هذه الحالات، لا تقوم العلاقة الجنسية على أساس "القوة" أو "الإكراه" (بالمعنى المفترض في التصور الثاني)، لكن الفرد يجد نفسه في ظروف يضطر فيها أحياناً إلى الخضوع لعلاقات جنسية رغماً عنه. هذا النوع من العلاقات الجنسية ينبغي أيضاً اعتباره مصداقاً للاعتداء الجنسي. لذلك، ورغم أن الاعتداء الجنسي يقترن في أغلب الحالات بنوع من الإكراه، فإن الإكراه (بالمعنى المفترض في التصور الثاني) ليس شرطاً ضرورياً لوقوع الاعتداء الجنسي.
التصور الثالث يسعى إلى تدارك مواطن الخلل في التصور الثاني. وفقاً للتصور الثالث، ينبغي اعتبار الاعتداء الجنسي "فعلاً جنسياً غير طوعي"، أي فعلاً جنسياً تخضع له الضحية رغماً عن ميلها وإرادتها أو بشكل غير إرادي على نحو اضطراري. إذن، كلما اضطر الفرد تحت الضغط ورغماً عن ميله إلى الخضوع لعلاقات جنسية، يكون الاعتداء الجنسي قد وقع. هنا، "الضغط" أعم من "القوة" و"الإكراه"، ويشمل أي ظروف أخرى يُجبر فيها الفرد الضحية على الخضوع لمطالب شخص آخر الجنسية رغماً عنه. على سبيل المثال، وفقاً لهذا التصور، فإن الأستاذ الذي يخيّر طالبته بين العلاقة الجنسية أو الفصل من الجامعة، إذا تمكن تحت هذا الضغط من إقامة علاقة جنسية مع طالبته، يكون في الواقع قد ارتكب اعتداءً جنسياً. إذن، جميع مصاديق "الفعل الجنسي القسري" و"الفعل الجنسي الإكراهي" هي مصاديق لـ "الفعل الجنسي غير الطوعي"، لكن ليس كل "فعل جنسي غير طوعي" هو بالضرورة من جنس "الفعل الجنسي القسري" أو "الفعل الجنسي الإكراهي".
لكن التصور الثالث لا يخلو بدوره من إشكاليات. على سبيل المثال، لنفترض أن رجلاً يخدع طفلاً ويقيم معه فعلاً جنسياً. يمكن الافتراض أنه لا قوة ولا إكراه في هذه الظروف، وأن الطفل قد خضع لتلك العلاقة بميله الخاص. لكن يبدو أنه حتى في ظل تلك الظروف الافتراضية، ينبغي اعتبار سلوك ذلك الرجل مصداقاً للاعتداء الجنسي، حتى لو كان الطفل قد دخل في تلك العلاقة بميله الخاص. كمثال آخر، لنفترض أن رجلاً يسقي امرأة عقاقير مهلوسة، فتصبح المرأة، دون أن تكون في وعيها، متقبلة تماماً بل ربما متلهفة للخضوع لمطالب الرجل الجنسية. في هذه الظروف، لا وجود بالطبع للقوة والإكراه، والمرأة ظاهرياً منخرطة في علاقات جنسية "بميلها الخاص". لكن دون شك، هذا النوع من العلاقات الجنسية ينبغي أيضاً اعتباره مصداقاً للاعتداء الجنسي. لذلك، ورغم أن الاعتداء الجنسي يتم في أغلب الحالات رغماً عن ميل الضحية، فإن ميل الضحية ورغبتها في إقامة العلاقة الجنسية لا ينافي بالضرورة وقوع الاعتداء الجنسي.
وأخيراً، يسعى التصور الرابع إلى التغلب على صعوبات التصور الثالث أيضاً. وفقاً للتصور الرابع، ينبغي اعتبار الاعتداء الجنسي "فعلاً جنسياً بدون رضا"، أي فعلاً جنسياً تُجبر الضحية على القيام به دون رضا واتفاق طوعي وواعٍ. إن القيام بفعل على أساس الرضا والاتفاق يختلف عن القيام بذلك الفعل عن ميل ورغبة. "الرضا" و"الاتفاق" (بالمعنى المقصود هنا) يستلزمان حداً من النضج الفكري، ومجالاً للتأمل، ووعياً، وإرادة حرة عند اتخاذ القرار. الفرد الذي يقوم بفعل عن ميل ورغبة تحت تأثير العقاقير المهلوسة مثلاً، لا يكون بالضرورة قد رضي بالقيام بذلك الفعل.
(أ) الفعل الجنسي مع الأطفال، حتى لو رضي الطفل بالعلاقة الجنسية بمحض إرادته؛
(ب) الفعل الجنسي مع من اختلت قواهم العقلية بشكل مؤقت أو دائم، كشخص تحت تأثير العقاقير المهلوسة أو يعاني من تخلف عقلي (يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة، في ظل ظروف معينة، بما في ذلك بإذن وليّهم، أن يرضوا بعلاقة جنسية.)؛
(ج) الفعل الجنسي مع من تعرضوا لمعلومات خاطئة ورضوا بعلاقات جنسية بناءً على خداع (مثلما يحدث عندما يقيم طبيب، على سبيل المثال، علاقة جنسية مع مريضه تحت عنوان الفحص الطبي).
في جميع هذه الحالات، حتى لو لم يكن هناك عنف أو إكراه، ورضي الفرد بالعلاقات الجنسية بمحض إرادته، ينبغي اعتبار الفعل الجنسي مصداقاً للاعتداء الجنسي، لأن الضحية ليست مطلقاً في وضع يسمح لها بأن تعلن عن موافقتها ورضاها بإقامة علاقات جنسية عن وعي واختيار.
جميع أنواع "الفعل الجنسي القسري"، و"الفعل الجنسي الإكراهي"، و"الفعل الجنسي غير الاختياري" هي مصاديق لـ"الفعل الجنسي بدون رضا"، لكن العكس ليس صحيحاً. لذلك، يبدو أن المنظور الرابع يتمتع بقدر أكبر من الشمولية، وبإمكانه أن يشرح ماهية "الاعتداء الجنسي" بشكل أكثر دقة.
لكن لماذا تعتبر ظاهرة "الاعتداء الجنسي" غير مشروعة من الناحية الأخلاقية؟ القبح الأخلاقي للاعتداء الجنسي ناشئ عن الأضرار التي تفرض على الفرد الضحية نتيجة لهذا الفعل. يمكن تقسيم هذه الأضرار إلى فئتين: الأضرار الذاتية، والأضرار العرضية.
(أ) المقصود بـ"الأضرار الذاتية" تلك الأضرار الناجمة عن الاعتداء الجنسي التي تكون ذاتية لذلك الفعل، أي أنها بمجرد وقوع الاعتداء الجنسي تتحقق حتماً وبشكل لا يتخلف. أهم ضرر ذاتي ناشئ عن الاعتداء الجنسي هو انتهاك حرمة وكرامة الضحية الجسدية. الإنسان مالك لجسده، وبالتالي فإن أحد أهم مصاديق حقوق الإنسان الأساسية هو حقه تجاه جسده. بعبارة أخرى، يحق للإنسان أن يقرر بنفسه ما يجري في جسده وعليه. من الجيد أن أضرب مثالاً لتوضيح هذا المعنى. افترضوا أنني أجلس في المكتبة وأشعر بملل عميق. فجأة أرى في زاوية المكتبة شخصاً منهمكاً في المطالعة، له عنق طويل وجميل. أنهض من مكاني، وأقترب منه، وأقبّل عنقه بهدوء. افترضوا أنه ليست لديّ هنا أية نية سيئة، ولا يسبب عملي أي ضرر جسدي أو نفسي لذلك الشخص. لكن هل هذا الفعل مني لائق ومشروع أخلاقياً؟ يبدو أننا جميعاً نعتقد أن ذلك الفعل غير مشروع أخلاقياً، لأنني انتهكت الحرمة الجسدية لذلك الفرد دون إذنه ورضاه – تماماً كما لو دخلت بيت شخص دون إذنه. حق الفرد تجاه جسده يسمى أحياناً "حق الكرامة الجسدية". في الاعتداء الجنسي، يُنتهك هذا الحق، لأن المعتدي يقيم اتصالاً جسدياً بجسد الضحية دون رضاها، وينتهك حرمة جسدها دون إذنها.
حق الفرد تجاه جسده هو منبع لحق آخر أيضاً: بما أن العلاقات الجنسية تقترن حتماً بنوع من الاتصال الجسدي، وبما أن لكل إنسان الحق في أن يقرر من يدخل إلى حرمته الجسدية وإلى أي مدى، لذلك، يحق لكل إنسان أن يحدد بنفسه شريكه الجنسي وكذلك نوع ومستوى علاقاته الجنسية معه. المعتدي في الواقع ينتهك حق الضحية في اتخاذ القرار في مجال علاقاتها الجنسية.
من ناحية أخرى، يستهدف المعتدي بفعله (عن وعي أو دون وعي) استقلالية الفرد الضحية أو حريته، ذلك أن استقلالية الفرد أو حريته لا تتحقق إلا إذا تمكن الفرد من تقدير مصلحته واتخاذ القرار بشأن مصيره بناءً على تشخيصه العقلاني، وأن ينفذ تلك القرارات (ما لم تخل بحقوق الآخرين). وفي هذه الحال، من الواضح أنه إذا أُنكر حق الفرد في جسده، فسيصعب على ذلك الفرد أن يحقق تقديراته العقلانية لمصلحته على أرض الواقع. وبتعبير آخر، ينبغي اعتبار حق الفرد في جسده شرطًا مسبقًا لاستقلاليته وحريته، وإذا لم يُحترم هذا الحق، فإن استقلالية الفرد وحريته ستواجهان تهديدًا خطيرًا. إن الاعتداء الجنسي ينتهك حق الضحية في جسدها، ومن ثم ينتهك استقلاليتها وحريتها في الرأي.
وأخيرًا، فإن المعتدي بفعله يغترب بضحيته عن هويتها الإنسانية. ففي الواقع، يرى المعتدي ضحيته في الخطوة الأولى كائنًا جنسيًا محضًا، أي أنه يختزل هويتها بأكملها في جانبها الجنسي، ثم يهاجمها باعتبارها كائنًا جنسيًا بالكامل. ففي نظر المعتدي، ليست الضحية سوى وسيلة لإشباع رغباته الجنسية. وبهذه الطريقة، يحوّل المعتدي ضحيته من شخص إلى شيء، ويدفعها أيضًا (على الأقل بشكل مؤقت) إلى النظر إلى هويتها من خلال عيون المعتدي. هذه العملية هي جوهر "الاغتراب عن الذات"؛ فالاعتداء الجنسي (ولو بشكل مؤقت) يؤدي إلى اغتراب الضحية عن ذاتها.
(ب) أطلقنا على الفئة الثانية من الأضرار الناجمة عن الاعتداء الجنسي اسم "الأضرار العرضية". وما أعنيه بـ "الأضرار العرضية" هو الأضرار التي لا تلازم فعل الاعتداء الجنسي لزومًا وضرورة، وإن كانت تترتب عليه عمليًا في غالبية الحالات. وبقدر ما يتعلق الأمر بضحايا الاعتداء الجنسي، يمكن تقسيم الأضرار العرضية للاعتداء الجنسي بشكل رئيسي إلى نوعين:
(۱) الأضرار الجسدية، مثل إصابة أو تمزق الأعضاء التناسلية، وكسور العظام، والكدمات والجروح في الأعضاء غير التناسلية، وأنواع العدوى المختلفة، بما في ذلك الأمراض المنقولة جنسيًا، و(في حالة النساء) الحمل، وما شابه ذلك.
(۲) الأضرار النفسية والروحية، مثل الشعور بالخوف وانعدام الأمن الدائم، والشعور بالقلق، واضطرابات الشخصية، وأزمة الهوية، وما شابه ذلك.
وكما أشير، فإن الاعتداء الجنسي في غالبية الحالات يكون مصحوبًا بأضرار جسدية ونفسية حادة ومدمرة للغاية. ولكن حتى لو لم تعانِ الضحايا من أي من هذه المضاعفات الجسدية والنفسية، فإن فعل الاعتداء الجنسي يظل، باعتباره انتهاكًا لبعض الحقوق الأساسية للفرد الضحية وتقويضًا لاستقلاليته، فعلًا شنيعًا وغير أخلاقي.
النقطة الأولى، هي أنه يمكن النظر إلى مسألة الاعتداء الجنسي، بمعنى عام وبسيط للغاية، على أنها أمر يقع بوضوح في نطاق القانون: فكما رأينا، فإن الاعتداء الجنسي هو قبل كل شيء وقبل أي شيء آخر انتهاك لبعض الحقوق الأساسية للفرد الضحية. لذلك، فإن إحدى أهم واجبات الحكومة هي أن تمنع، من خلال سن القوانين المناسبة والالتزام بتنفيذها، انتهاك حقوق المواطنين، بما في ذلك انتهاك حقوقهم من خلال الاعتداء الجنسي.
لكن ينبغي هنا التمييز بين نوعين من انتهاك حقوق المواطنة: في أي مجتمع، يخل المواطنون العاديون أحيانًا، وفي ظروف معينة، بواجباتهم تجاه الآخرين وينتهكون حقوقهم عمدًا أو عن سهو. ينبغي اعتبار هذا النوع من انتهاكات حقوق المواطنة تحت عنوان "الجريمة". لكن في بعض الحالات، ينتهك أصحاب السلطة أو موظفو الحكومة، علنًا أو سرًا، حقوق المواطنين بأنفسهم، أو يدعمون انتهاك حقوقهم، أو يتغاضون عن انتهاك تلك الحقوق من قبل جماعات معينة. في هذه الحالات، لا يمكن اعتبار الانتهاك المخطط والمنظم لحقوق المواطنين من قبل الحكومة مجرد ارتكاب "جريمة" (وإن كانت فادحة)، بل ينبغي عده مصداقًا لـ "انتهاك حقوق الإنسان". للأسف، ومنذ قرون، تستخدم بعض الدول الاغتصاب الجنسي كسلاح في ساحة الحروب الداخلية والخارجية ولتحطيم معنويات أعدائها. يُعتبر الاغتصاب المنهجي للنساء اليوم في ساحة الحروب الأهلية أو الدولية من مصاديق الجرائم ضد الإنسانية. على سبيل المثال، ينبغي اعتبار الاغتصاب الجنسي المنهجي للنساء المسلمات في فاجعة كوسوفو على أيدي الجنود الصرب مصداقًا واضحًا لانتهاك حقوق الإنسان ومن مصاديق جرائم الحرب. [1]

لكن ما الفرق بين "الجريمة" و "انتهاك حقوق الإنسان"؟ المواطن العادي الذي يرتكب "جريمة" فحسب، إنما يخرق القانون وينتهك حقوق الآخرين بشكل مستقل عن الحكومة وغالبًا على نحو غير منظم. هنا أولاً- عدد الذين يتضررون من فعل ذلك الفرد محدود جدًا في غالب الحالات؛ ثانيًا- لا يشوّه تخطي ذلك الفرد وخطؤه أصل فكرة الحق والعدالة التي هي أساس العقد الاجتماعي في المجتمع. لكن عندما تنتهك الحكومة أو موظفوها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبنحو مخطط ومنظم، حقوق المواطنين، فإن فعلهم يتجاوز بكثير مجرد خرق قانون معين وحرمان مواطن أو بضعة مواطنين من حقوقهم. هنا، أولاً- عدد الأفراد الذين يتضررون من انتهاك حقوق المواطنة من قبل الحكومة أو موظفيها غالبًا ما يكون أكثر عددًا بكثير؛ وثانيًا- والأهم من ذلك، أنه في هذه الحالات يُنتهك أصل مفهوم الحق والعدالة الذي هو أساس شرعية الحكومة، والشرط الضمني أو الصريح في العقد الاجتماعي. على هذا الأساس، إذا قام بقال الحي، على سبيل المثال، بقتل زوجته في نزاع عائلي، فإنه يكون قد ارتكب جريمة فحسب، أما إذا أقدمت حكومة على قتل المواطنين أو أطلقت يد موظفيها في قتل المعارضين، فإنها لا تكون قد ارتكبت جريمة فحسب، بل وأعلى من ذلك، ينبغي اعتبار فعلها مصداقًا لانتهاك حقوق الإنسان.
على هذا الأساس يمكن التمييز بين نوعين من الاغتصاب الجنسي: "الاغتصاب الجنسي بوصفه جريمة"، و "الاغتصاب الجنسي بوصفه مصداقًا لانتهاك حقوق الإنسان". إذا قام رجل، على سبيل المثال، باغتصاب امرأة تحت تأثير شهوة عابرة، فإنه يكون قد ارتكب جريمة (وإن كانت فادحة) فحسب. لكن إذا سمحت الحكومة لموظفيها أو جنودها باغتصاب معارضيها أو أعدائها جنسيًا، أو تغاضت عن هذا الفعل من قبل موظفيها، ففي هذه الحالة لم يعد بالإمكان اعتبار هذا النوع من الاغتصاب الجنسي مجرد جريمة إلى جانب المخالفات المتعارفة الأخرى في النظام القانوني. هنا الاغتصاب الجنسي مصداق واضح لانتهاك حقوق الإنسان. "الاغتصاب الجنسي بوصفه انتهاكًا لحقوق الإنسان" هو في الواقع أداة تستخدمها بعض الحكومات لقمع المعارضين وفرض هيمنتها، ومن ثم لا ينبغي اعتباره في عرض واحد مع المخالفات القانونية الأخرى التي يرتكبها المواطنون العاديون.
النقطة الثانية، أن الدول التي تستخدم الاغتصاب الجنسي كأداة للقمع وفرض الهيمنة، غالبًا ما تسعى إلى صياغة ظاهرة الاغتصاب الجنسي لا على أساس "انتهاك حقوق المواطنة" بل بوصفها "تدنيسًا لشرف الفرد الضحية".
هنا يوجد على الأقل اختلافان مهمان بين "الاغتصاب بوصفه انتهاكًا لحق مواطن" و "الاغتصاب بوصفه تدنيسًا لشرف ضحية":
يتمثل الفارق الأول في أننا إذا صغنا فهمنا لـ"الاعتداء الجنسي" استنادًا إلى مفهوم "الحق"، فإن المعتدي هو الذي سيكون، قبل أي شخص آخر، مستحقًا للملامة والخزي. في التصور القائم على الحق، لا يوجد أي مبرر للوم الضحية أو إشعارها بالعار. إن المعتدي هو الذي تخلى عن واجبه وانتهك حق غيره، وبالتالي فإن كل العار والملامة من نصيبه وحده.
أما إذا صغنا فهمنا لـ"الاعتداء الجنسي" استنادًا إلى مفهوم "العِرض" (وهو أمر شائع خصوصًا في المجتمعات الأبوية)، فإننا (بصرف النظر عن جميع المشكلات النظرية لهذه الصياغة) نكون قد مهدنا الطريق عمليًا لخزي الضحية وإهانتها. وفقًا للتصور القائم على العِرض، فإن الضحية، بعد أن تمر بتجربة الاعتداء الجنسي المروعة، تتحول إلى فرد "ملوث" و"فاقد لماء الوجه"، وعليها بعد تلك التجربة المؤلمة أن تحمل عبء وصمة العار أيضًا. في معظم الحالات، يكون معاناة "فقدان ماء الوجه" أشد إيلامًا للضحية من تجربة الاعتداء نفسها. التصور القائم على العِرض يضحي بالفرد المعتدى عليه مرتين.
![مشهد ذو دلالة من فيلم البائع[3]](https://dl.3danet.net/pic/the%20salesman.jpg)
لكن لماذا يساوي التصور القائم على العِرض بين الاعتداء الجنسي و"فقدان ماء الوجه"؟ يزدهر هذا التصور خصوصًا في سياق المجتمع الأبوي. للمجتمع الأبوي سمتان مهمتان على الأقل تمهدان الطريق لتشكل وانتشار التصور القائم على العِرض:
السمة الأولى هي أن الرجال في المجتمعات الأبوية يمتلكون اليد العليا في هرم السلطة، وبالتالي، فإن "كون المرء رجلاً" يُعد أمرًا بالغ الخطورة والأهمية. ومن هنا فإن المفهوم المحوري للأخلاق الأبوية - أي المفهوم الذي يشمل جميع الفضائل الأخلاقية "السامية" - هو "المروءة" (من الجذر العربي "مرء" بمعنى "الرجولة") أو "virtue" (من الجذر اللاتيني "virtus" بمعنى "الرجولة"). في سياق هذه الأخلاق الذكورية، غالبًا ما يُصنف ما يُعتبر "رذيلة" تحت مسمى الصفات "الأنثوية". لذلك، يرتبط الأمر الجنسي في هذه المجتمعات ارتباطًا عميقًا ببنية السلطة، والدور الذي يؤديه الأفراد في العلاقة الجنسية يحدد إلى حد كبير هويتهم وقيمتهم ومكانتهم في أعين الآخرين.
السمة الثانية هي أنه تنشأ في هذه المجتمعات رابطة عميقة بين هوية الأفراد ودورهم في العلاقات الجنسية. في هذا الإطار، يقترن الدور الذكوري بمفهوم القوة والهيمنة، والدور الأنثوي علامة على الضعف والخضوع للهيمنة. لغة العلاقات الجنسية تشبه إلى حد كبير لغة الحرب (التي هي لغة علاقات القوة): في هذه اللغة، "يستولي" الرجل على خصمه الجنسي، و"يخضعه". ومن هنا، يمكن للفعل الجنسي في إطار المجتمعات الأبوية أن يكتسب وظائف سياسية واضحة، وأن يُستخدم لممارسة الهيمنة والإذلال.
في هذا السياق، يولد التصور القائم على العِرض للاعتداء الجنسي. وفقًا لهذا التصور، فإن الاعتداء الجنسي المصحوب بالإيلاج الجنسي يستهدف صميم هوية الفرد الضحية، ويسعى من خلال ذلك إلى إذلاله باعتباره فردًا "تم الاستيلاء عليه" و"تم قهره". في إطار هذا التصور، يُوحى إلى الفرد المعتدى عليه أنه قد أضاع "عِرضه" أو "ماء وجهه" أو "كرامته".
أما الفارق الثاني بين النظرة الحقوقية والنظرة القائمة على العرض فهو كالتالي: في النظرة الحقوقية للاعتداء الجنسي، يُعدّ انتهاك حق الضحية مصداقاً للظلم، ومن المنظور الأخلاقي، فإن أهم رد فعل عاطفي يتناسب مع هذا الوضع هو الغضب. "الغضب الأخلاقي المشروع" هو رد فعل عاطفي فاعل ينبع من الإدراك في مواجهة الأضرار والأذى غير العادل. من أهم خصائص مواطني أي مجتمع قابليتهم للتضرر من الأذى الذي يلحقه بهم الآخرون. "الغضب الأخلاقي المشروع" يُبقي أفراد المجتمع في حالة يقظة وتأهب إزاء هذه التعديات، ويمنحهم الدافع والحماسة للدفاع عن أنفسهم ودرء الشرور. بهذا المعنى، ينبغي النظر إلى "الغضب الأخلاقي المشروع" كقوة عاطفية فاعلة يمكنها، إذا ما اقترنت بالبصيرة الكافية، أن تعمل كقوة بناءة وتصحيحية في صون الكرامة، وعزة النفس، واستكمال الشخصية، فضلاً عن حرية عمل المواطنين. في النموذج الحقوقي، تعتبر ضحية الاعتداء الجنسي تلك الواقعة تضييعاً لحقها الإنساني، ونتيجة لذلك تتأجج في كيانها شعلة الغضب البناء. هذا الغضب ليس للانتقام وممارسة العنف المتبادل، بل هو علامة على حسها وحساسيتها العاطفية الإيجابية تجاه العدالة، ويبقيها متقدة النشاط في مقام جبر ذلك الظلم واستعادة حقوقها المهضومة.
لكن في إطار النظرة القائمة على العرض، فإن رد الفعل العاطفي للضحية تجاه تجربة الاعتداء الجنسي هو، قبل أي شيء آخر وفوق كل شيء، شعور "بالخزي" و"الخجل". النظرة القائمة على العرض تدفع الضحية إلى أن ترى نفسها بعين المعتدي، أي أن ترى نفسها إنساناً تلخصت هويته بالكامل في جانبه الجنسي، وأن فعل الإيلاج الجنسي قد لطخ كرامته وحيثيته وأنزله إلى مرتبة إنسان أدنى. النظرة القائمة على العرض تدفع ضحية الاعتداء إلى أن ترى ماء وجهها أو عرضها قد ضاع، ونتيجة لذلك تجد صورة عن نفسها تبتعد عن الصورة المثالية لها ولمجتمعها عن الإنسان الطاهر والفاضل. إدراك هذه الفجوة يثير شعور الخزي أو الخجل في روح الضحية ونفسها. "الخزي" هو رد الفعل العاطفي السلبي للفرد إزاء ملاحظة نقائص الذات (أو على الأقل ما يعتبره نقائص للذات) - عاطفة سلبية تشل روح الضحية وتعرض وحدة شخصيتها للخطر. الحكومة التي تستخدم الاعتداء الجنسي كأداة للقمع وفرض الهيمنة تسعى في الواقع إلى غرس هذا الشعور المدمر بالخزي والخجل في نفس الضحية. هذا الشعور المدمر يأخذ تلقائياً وبدون تدخل الفرد المعتدي في تآكل روح الضحية وشخصيتها شيئاً فشيئاً كالسوس حتى يصل بها إلى حافة الانهيار.
يبدو أن النظرة الحقوقية تتفوق على النظرة القائمة على العرض من الناحيتين النظرية والعملية، وتوفر أساساً أكثر دفاعاً من الناحية الأخلاقية وأكثر بناءً لفهم مقولة الاعتداء الجنسي ومواجهتها.
.
.
[1] يُقدّر أن ما بين 20,000–50,000 امرأة وفتاة، معظمهن من مسلمات البوسنة، تعرضن للاغتصاب خلال الحرب. وقد وُصف ذلك بأنه "اغتصاب جماعي" استخدمته قوات صرب البوسنة كسلاح في الحرب. ولأول مرة في تاريخ القانون القضائي، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن "الاغتصاب المنهجي" و"الاستعباد الجنسي" في زمن الحرب يندرجان ضمن الجرائم ضد الإنسانية. وقعت عمليات الاغتصاب الجماعي في الغالب في شرق البوسنة (بما في ذلك خلال مذابح فوتشا ومذابح فيشيغراد). كانت النساء والفتيات يُحتجزن في مراكز احتجاز مختلفة في ظروف لا تُحتمل وغير صحية، ويتعرضن لأشكال متعددة من سوء المعاملة. كانت هناك عدة معسكرات للاغتصاب في فوتشا. وكان "بيت كارامان" أحد أشهر هذه المعسكرات.
[2] البائع فيلم من تأليف وإخراج أصغر فرهادي. قُدّم هذا الفيلم بصفته ممثّلًا لإيران إلى أكاديمية الأوسكار لجائزة الأوسكار لعام 2017، ونجح في شهر مارس/آذار من عام 1395 هـ.ش في الفوز بجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية. في قصة هذا الفيلم، يدخل رجل غريب شقةً – كانت تقطنها رعنا وزوجها عماد – ويحاول الاعتداء على رعنا (ترانه عليدوستي). يدور حوار مهم بعد فرار الرجل الغريب بين رعنا وعماد (شهاب حسيني):
- رعنا: أنا لو كنتُ رفعتُ سمّاعة الباب (الآيفون) وسألتُ كلمة واحدة "مين؟" ما كان صار هيك.
عماد: إذا كانت بهالسهولة، روحي قولي للجيران نفس الشي. دقّي الباب واحد واحد وقوليلهم: آسفة، كان لازم أرفع سمّاعة الباب وأقول "مين؟"
- رعنا: ليش عم تدخّل الجيران بالموضوع؟
عماد: هما عارفين شو صار بهالبيت، مو هيك؟
- رعنا: لو ما كانوا عارفين، ما كان عندك مشكلة؟!
.
الفن
الفن
الفلسفة
الأدب
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.