اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يضعنا صموئيل بيكيت في روايته «مالون يموت» أمام «مسألة الموت»؛ حيث يتحول الموت، في غياب السرديات الكبرى المانحة للمعنى، إلى أزمة معنى. يسعى العجوز جاهداً إلى منح انهيار «الأنا» وموته معنى عبر خلق سردية.

١. يجعلنا صموئيل بيكيت في «مالون يموت» نقف وجهاً لوجه أمام الموت. إنه يُجلسنا في زورق نظر رجل روايته العجوز، ويُجدّف بنا رويداً رويداً نحو مستنقعات تجربة الموت الضبابية. إننا نتقاسم تجربة الاحتضار مع عجوز القصة. لكن انشغال بيكيت في هذه الرواية لا يقتصر على إعادة خلق حالة الموت وإعادة اختبار «تجربة الموت»، فهو يصارع بعمق «مسألة الموت» أيضاً. «مسألة الموت» متميزة عن «تجربة الموت» و«السؤال عن الموت». الموت تجربة حتمية ينساب ظلها على كل لحظة من لحظات حياتنا، ويجلس صابراً في انتظارنا في نهاية الطريق. إن جلال هذه التجربة الفريدة من الشأن بحيث يواجهنا لا محالة بـ«السؤال عن الموت». السؤال عن الموت ناشئ عن حيرتنا وعجزنا إزاء جلال الموت المولّد للقلق: لماذا نموت؟ ما معنى الحياة في ظل موت محتوم؟ لكن أياً من هذا ليس «مسألة الموت». تبدأ «مسألة الموت» من حيث نعجز عن الإجابة عن سؤال الموت. في العالم ما قبل الحديث، كان السؤال عن الموت يجد إجابة مطمئنة إلى حد ما في إطار السرديات الكبرى الدينية أو الفلسفية: ثمة عقل أسمى مشرف على كل تفاصيل هذا العالم، وكل ورقة تسقط من الغصن إنما تسقط عن حكمة. ووجودنا نحن البشر ليس حجراً مقذوفاً في قلب ظلام عدمي تائه. نحن نعتلي مسرح العرض الإلهي العظيم في هذا العالم واحداً تلو الآخر، يؤدي كل منا دوره المقدّر في هذه المسرحية ثم يغادر المسرح. كانت السرديات الكبرى ما قبل الحديثة تضفي معنى على حياتنا في هذا العالم، وبهذا كانت تجعل موتنا ذا معنى. كان السؤال عن الموت يُطرح، لكنه كان يجد إجابة واضحة إلى حد ما في ذهن تشبّع وتعلّم بسرديات العصر الكبرى، ولم يكن ليتحول إلى «مسألة». لكن في العالم الحديث، فقدت السرديات الكبرى المانحة للمعنى سابقاً مقبوليتها لدى كثير من البشر إلى حد كبير، أو واجهت على الأقل منافسين أقوياء ومقتدرين. في غياب السرديات الكبرى المهيمنة التي تمنح الحياة الإنسانية معنى، يتحول «السؤال عن الموت» إلى «مسألة الموت»: حين تصير الحياة بلا معنى، يفقد الموت أيضاً معناه. «مسألة الموت» هي مسألة انعدام معنى الحياة وبالتالي انعدام معنى الموت- «مسألة الموت» هي مسألة أزمة المعنى، أزمة فقدان السرد.
٢. الجميع يموتون، لكن مسألة الموت لا تكتسب راهنيتها إلا لدى أولئك الواعين بذواتهم وبفنائهم. «مسألة الموت» حصيلة نوع من الوعي الذاتي. ترتبط «ذاتنا» الإنسانية ارتباطاً عميقاً بـ«الوعي». من منظور فلاسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) فإن جوهر «الوعي» هو القصدية. «الوعي» هو دوماً «وعي بـ». وفقاً لهذا التحليل، يتلاشى الوعي دون موضوع للوعي. موضوع الوعي هو ما يمنح الوعي تعيّنه. هذا الوعي المتعيّن أو المركّز يمكنه أن يتخذ ذاته موضوعاً للوعي أيضاً وأن يعي تحولات «الذات» وتقلباتها. لكن ما هي «الذات» أو «الأنا»؟ على الأقل من المنظور الظاهراتي، «الأنا» هي الوعي المركّز المتموضع «الآن» و«هنا». يرتبط هذا الوعي المركّز بالمكان والزمان عبر «الجسد»: «هنا» هو المكان الذي استقر فيه الجسد، و«الآن» هو الزمان الذي يمضي «هنا». وفقاً لهذا التحليل، فإن تركيز الوعي- على الأقل إلى حد ما- رهن بعلاقته بالمكان والزمان. بمجرد أن تضطرب وتختل علاقة «الأنا» بمكان وزمان تموضعها، أي حين يعجز الفرد عن إدراك «هنا» و«الآن»، يتجه تركيز الوعي- الذي هو النواة المركزية لـ«الأنا»- نحو التشتت، وتقف «أنا» الفرد على عتبة الانهيار. «الموت» بمعنى من المعاني هو تلاشي الوعي وانهيار «الأنا». ووعي الإنسان بذاته، أي إشرافه المعرفي على أحوال «الأنا» وتحولاتها، يتيح له أن يستشعر طلائع انهيار «الأنا» مسبقاً. الوعي بالموت، هو في الواقع وعي مسبق بعملية انهيار الوعي.
۳. الرجل العجوز في قصة بيكيت على أعتاب الموت. يمكن تلمّس علامات هذا الموت في اختلال علاقته بالزمان والمكان. لا يدري العجوز أين هو: هل هو في زنزانة سجن؟ أم في غرفة بمأوى للمسنين؟ لا يدري. لقد ضاع منه الزمان أيضاً: لا يدري إن كان الوقت الآن نهاراً أم ليلاً، صباحاً أم بعد الظهر، هل مرّ يوم واحد أم أيام منذ آخر مرة يتذكرها. حدود الزمن تتلاشى في ذهنه. الخيط الوحيد الذي يصله بالعالم خارج الغرفة هو نافذة. لكن لا يتسرب الكثير إلى داخل الغرفة من وراء النافذة: زاوية من السماء، سطوح المنازل، وإن استطاع أن يطلّ برأسه، فلمحة خاطفة إلى الشارع. ذاكرته ووعيه أيضاً على شفا الأفول. لقد نسي العجوز أشياء كثيرة، ويعرف أنه يفقد وعيه بين الحين والآخر. وهكذا، ينقطع خيط وعيه من حين لآخر، ويصير استمرار وعيه عرضة للأفول أكثر فأكثر. الفجوات بين لحظات الوعي تتسع يوماً بعد يوم. وهكذا، فإن وعي العجوز المركّز معرّض للانهيار من جهتين: من المنظور الخارجي، يفقد وعيه اتصاله بالمكان والزمان وبهذا يضمحل تركيزه؛ ومن المنظور الداخلي، ينقطع خيط وعيه باستمرار، وذاكرته التي تصل «حاضره» بماضيه في طريقها إلى الخمود، وبهذا لا يكون التركيز فحسب، بل استمرار وعيه أيضاً على شفا الأفول. وعيه المركّز يتمدد من جهتين (الداخل والخارج)، ووعيه الذاتي المتزعزع يدرك أن «أنا» الخاصة به ستنهار عاجلاً أم آجلاً- صوت خطوات الموت قريب. لكن الموت الذي يأتي نحوه عبثي وبلا معنى: رجل عجوز عليل، ضعيف الذاكرة، فاقد للوعي أحياناً، منقطع عن العالم الخارجي، تائه في فضاء الداخل الضبابي- دون أن يعرف بالضبط من هو، ومن أين أتى، وأين هو. لا توجد أية سردية متماسكة تضفي على حياته في هذه الغرفة معنى واضحاً. كل شيء غارق في ضباب كثيف، الأمور غالباً مبهمة، ووجود العجوز مثل بالون في أصابع طفل مرتعشة قد ينفلت في أية لحظة بلا هدف ويضيع إلى الأبد.
۴. لكن العجوز يحاول أن يجد سبيلاً لمواجهة الموت- لا لكي لا يموت، بل لكي يضفي على موته معنى ومكانة. لا يريد أن يتغلب على الموت، لكنه يريد أن يحلّ مسألة الموت لنفسه. يريد أن يموت لا أن يتلف. من الواضح تماماً أن عجوز بيكيت لا يعلّق قلبه وفكره على السرديات الكبرى الدينية أو الفلسفية. عليه أن يجد سبيلاً، قبل انهيار «الأنا»، ليخلق سردية لحياته يجد الموت فيها معناه. لكن كيف؟ العجوز، لكي يؤجل عملية الانهيار، يحاول أن يحافظ على تركيز وعيه من خلال عدّ وحصر الأشياء من حوله في الغرفة. الأشياء التافهة في الغرفة تصير مرساة يتعلق بها. علاقته بأشياء غرفته تتحول إلى علاقة بالغة التعقيد والعمق. هذه الأشياء تصير أعمدة خيمة «أنا» المتزعزعة. حصر الأشياء وعدّها ومراجعتها المتكررة هي بوصلة يجذب بها «أنا» الضائعة من فضاء اللاوعي الضبابي إلى شاطئ الوعي. الأشياء تؤجل انهيار «الأنا». لكن ترميم علاقة «الأنا» المتزعزعة بالزمان والمكان (أو الواقع الخارجي) ليس كافياً. داء آخر قد نخر «الأنا» أو «الوعي المركّز» للعجوز من الداخل: تلاشي الذاكرة. الذاكرة هي ضامن استمرارية هويتنا عبر الزمن. مع اضمحلال الذاكرة واتساع الفجوات بين لحظات الوعي، تتلاشى «الأنا» شيئاً فشيئاً. يحاول العجوز، من خلال الكتابة أو تدوين الوقائع، أن يحدّ إلى حدّ ما من فرار الذكريات وأن يصل بهذه الطريقة خيط وعيه المنقطع. قلم الرصاص الذي يكتب به مقرّر له أن يكون سيفه في مواجهة غول النسيان. هذه هي محاولات العجوز لتأجيل عملية الموت أو انهيار الوعي المركّز (أو «الأنا»)- إنها طريقته في التصدي للموت.
٥. غير أن العجوز يعرف أنه سيموت قريباً. ويعرف جيداً أن مواجهته للموت حيلة مؤقتة ومحكوم عليها بالفشل قطعاً. سعيه لتأجيل الموت لا ينبع من خوفه منه. إنه لا يخشى الموت، بل يخشى الموت بلا معنى، يخشى التلاشي. إنه يسعى لشراء الوقت، ليس ليطيل حياته، بل ليجد فرصة للتغلب على مسألة الموت. إنه لا يفر من الموت، بل يفر من التلاشي. ولكن كيف يسعى عجوز بيكيت إلى حل عقدة مسألة الموت وإضفاء معنى على موته؟ عجوز بيكيت يشتري الوقت ليخلق لنفسه سرداً شخصياً. لقد اختلت علاقته بـ«الواقع الموضوعي»، لذا يسعى إلى خلق «واقعه الخاص». في «مالون يموت» ثمة ثلاث قصص جارية: قصة العجوز أو مالون، وقصة صبي اسمه سابو، وقصة رجل اسمه ماك مان. العجوز هو راوي القصص الثلاث. لكن ليس من الواضح ما إذا كانت قصة سابو وماك مان حكاية عن حياة العجوز نفسه أم لا، وما إذا كانت هذه القصص حقيقية بالأساس أم من نسج خيال العجوز أم خليطاً من الاثنين. العجوز يكتب قلقاً ومتعجلاً على أمل أن يُتم قصصه قبل الموت. لكن لماذا يُعد خلق هذه السرديات (أو تسجيل هذه الذكريات؟) بهذه الأهمية القصوى بالنسبة له؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن العجوز يسعى، من خلال خلق (أو تسجيل؟) هذه السرديات، إلى تأليف قصة يستطيع في متنها أن يضفي معنى على حياته، وبالتالي على موته. تصير قصص العجوز نقطة ارتكاز يمد بها جسوراً بين لحظات وعيه المتقطعة، وبهذه الطريقة ينقذ استمرارية الوعي، وبالتالي هويته الشخصية. إنه يضع نفسه في متن تلك القصص، وبهذه الطريقة يخلق قصة لحياته ليستطيع العودة إليها في لحظات النسيان والضياع، ويجد نفسه في سرد تلك القصص. الرجل الذي يستعيد وعيه بذاته، يموت، لكنه لا يتلاشى. جواب العجوز على مسألة الموت هو خلق سرد فني شخصي لتوحيد الأجزاء المتقطعة والمشتتة لـ«أنا» تائهة ومضطربة. سرد تصبح الحياة، وبالتالي موت ذلك الشخص، ذات معنى في متنه. هذا السرد من جنس السرد الفني – سرد هو، على عكس السرديات الكبرى الدينية أو الفلسفية، جزئي وشخصي قبل كل شيء.
هل يرى بيكيت أن تجربة عجوز قصته في مواجهة الموت فعالة وجديرة بالتوصية للآخرين؟ لا يُرى في كتابات بيكيت أي ميل مطلقاً نحو السرديات الكبرى. وضع كل إنسان هو من الخصوصية بحيث إن شخصيات قصصه، من وجهة نظره، ليست سوى ما تبدو عليه. يفر بيكيت فراراً عميقاً من التعميم، ولا يستسيغ تأويل قصصه. لكن في التجربة الفريدة لعجوز قصته، يبدو أن مبدأً إرشادياً كامناً لا يتعارض مع أفكار بيكيت وحياته الشخصية: السبيل الوحيد للخلاص هو الفن، النوع الوحيد من السرد الذي يمكنه أن ينقذ موت الإنسان الحديث من اللامعنى والعبث هو خلق سرد فني. مسألة الموت تجد جوابها في الخلق الفني.
هل يتعاطف بيكيت مع هذا التفسير؟
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.