اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد آرش نراقي المجددين الدينيين قائلاً إن ديمقراطيتهم العلمانية غير ليبرالية، لأنها ترسم حدود «الحق في أن يكون المرء على خطأ» وفق أسس دينية داخلية؛ ويقترح أن تعمل الجماعات ذات التوجه الديني على تقوية المؤسسات المدنية بدلاً من تولي السلطة.

محسن كديور في مقاله «التجديد الديني والاجتهادات الشخصية» أورد نقاطاً مفيدة وتنويرية رداً على مقالتي المعنونة «التنوير الديني ودوره في المستقبل السياسي لإيران». يسعدني كثيراً ويغمرني الامتنان أنه فتح باب هذا الحوار العلمي بأسلوب رصين. وأود هنا، استكمالاً لمقالتي السابقة وبالنظر إلى مقالة كديور، أن أعرض بعض النقاط حول المشروع السياسي للمجددين الدينيين، بمن فيهم كديور.
أصل دعواي في مقالة «التجديد الديني ودوره في المستقبل السياسي لإيران» هي كما يلي:
(۱) الديمقراطية العلمانية التي يطرحها المجددون الدينيون، أمثال سروش وكديور، هي ديمقراطية غير ليبرالية.
(۲) الليبرالية التي أشير إليها في هذا السياق هي الاعتراف بـ«حق أن يكون المرء على خطأ» في المجال العام. ووفقاً لهذا التصور، ينبغي تحديد نطاق تطبيق هذا المبدأ في المجال العام على أساس الأدلة العرفية والعقلية، والاحتكام إلى أدلة دينية بحتة لهذا الغرض أمر غير جائز.
(۳) الديمقراطية العلمانية عند سروش وكديور، في التحليل النهائي، هي حكم/سياسة في حدود الدين (بطبيعة الحال وفق القراءة التجديدية له). أي أنه على الرغم من أن سروش وكديور يقبلان مبدأ حق أن يكون المرء على خطأ، إلا أنهما يحددان نطاق تطبيق ذلك الحق (من جملة ما يستندان إليه) على أسس دينية بحتة. مثال حقوق الأقليات الجنسية ليس سوى حالة واحدة تُظهر كيف تؤدي معتقدات المجددين الدينيين، بل وأحياناً تعصباتهم الدينية، دوراً حاسماً في تحديد نطاق «الأخطاء التي لا يمكن التسامح معها». سروش وكديور، دون تقديم أي دليل عقلي وعلمي مستقل، واستناداً فقط إلى معتقداتهم وأحياناً تعصباتهم الدينية، يذهبون إلى تقييد الحقوق الإنسانية والمدنية للأقليات الجنسية في المجال العام. وهذا من جملة الأدلة التي تُظهر أن تصورهم للحكم الأمثل هو بالضرورة تصور غير ليبرالي.
(۴) يرى المجددون الدينيون، بمن فيهم سروش وكديور، أن نموذجهم في الحكم، أي الديمقراطية العلمانية (التي هي في نهاية المطاف نموذج حكم المؤمنين الديمقراطيين)، أفضل لمستقبل إيران السياسي مقارنة بالنماذج المنافسة. وهم يرون أن المؤمنين الديمقراطيين، بسبب قاعدتهم الاجتماعية الأوسع، لديهم فرصة أكبر للوصول إلى السلطة السياسية والحفاظ عليها، وأن وجودهم في السلطة سيصون القيم المدنية والديمقراطية ويحفظ في الوقت نفسه القيم الدينية للأغلبية المتدينة في المجتمع.
(۵) يبدو أن المجتمع الإيراني يشهد ميلاً لطيفاً (وحاداً أحياناً) لصالح المتدينين. وإذا كان الأمر كذلك، ففي غياب مؤسسات مدنية مستقلة وقوية تراقب السلطة السياسية للدولة، فإن حكم المؤمنين الديمقراطيين الذي ينشده سروش وكديور سيكون عاجلاً أم آجلاً عرضة لاستغلالات غير مشروعة للسلطة السياسية، وسيواجه أيضاً عاجلاً أم آجلاً معضلة: إما أن يضحي بقيمه الديمقراطية والمدنية في سبيل التزامه بدين الأغلبية من أجل الوصول إلى السلطة السياسية والحفاظ عليها، أو أن يتخلى عن التزامه بدين الأغلبية (على الأقل في المجال العام) من أجل الحفاظ على القيم الديمقراطية والمدنية.
(۶) نظراً لأن المجتمع الإيراني في الظروف الراهنة يفتقر إلى مؤسسات مدنية مستقلة وقوية، فإن اقتراحي هو أن تتجنب التيارات والجماعات ذات التوجه الديني (بوصفها دينية) الدخول المباشر في بنية السلطة السياسية، وأن تؤدي دورها ورسالتها السياسية ليس من خلال السعي للاستيلاء على جهاز الدولة (بمعناه الواسع)، بل من خلال تقوية المؤسسات المدنية المستقلة والقوية في المجتمع الإيراني.
من الجيد أن نفحص مواضع خلاف كديور مع هذه الدعاوى واحدة تلو الأخرى:
أولاً. يبدو أن كديور يتفق معي في الرأي على أنه إذا فُهمت الليبرالية بالمعنى المذكور في القضية (۲)، فإن القضية (۱) ستكون صادقة، أي أن الديمقراطية العلمانية التي يقصدها لن تكون «ليبرالية» بهذا المعنى. لكنه يرى أن هذا الفهم لليبرالية «ذاتي» و«شخصي» و«رومانسي»، ولم يقبله أي من «أبرز فلاسفة الليبرالية السياسية في القرنين الأخيرين». غير أن هذا الادعاء لا يبدو صحيحاً. ففي حدود ما أراه، فإن العلاقة المفهومية بين الليبرالية وحق أن يكون المرء على خطأ واضحة تماماً. فعلى سبيل المثال، حين نتحدث عن «حق حرية التعبير»، لا نعني بذلك أن الأفراد أحرار في التعبير عن الآراء التي نستحسنها أو نعتقد أنها على حق. إن جوهر حق حرية التعبير وقيمته الأساسية تكمن في أن نعترف ونضمن حق التعبير عن الأفكار التي تُعتبر من منظورنا خاطئة. ولهذا السبب، على سبيل المثال، كرّس جون ستيوارت مل جزءاً مهماً من كتابه «عن الحرية» للدفاع عن ضرورة وأهمية الحق في الطرح العلني للآراء «الكاذبة» (سواء كانت آراء كاذبة بالفعل، أم آراء تُعتبر كاذبة من منظورنا). أو حين نتحدث عن «حرية الدين والوجدان»، لا نعني بذلك أن الجميع أحرار في الالتزام والانضواء تحت الدين أو المعتقد الذي أعتبره أنا أو من هم على شاكلتي حقاً، بل إن الادعاء الأساسي هو أن للأفراد الحق في تنظيم حياتهم على أساس الإيمان والمعتقد الذي يرونه هم حقاً (ولو كان من منظوري ومنظور من هم على شاكلتي باطلاً). ومن هنا، على سبيل المثال، يجادل جون لوك بالتفصيل في كتابه «رسالة في التسامح» بأن على المجتمع أن يتسامح مع أولئك الذين لا يشاركوننا إيماننا ومعتقداتنا الدينية (أي الذين يُعتبرون من منظورنا على خطأ)، وأن يعترف بحقهم في العيش وفقاً لمعتقداتهم الدينية. أي أن جوهر الحرية، في جميع أشكالها، في كل هذه الحالات، هو الاعتراف بـ«حق أن يكون المرء على خطأ». لقد نوقش مفهوم «حق أن يكون المرء على خطأ» بصفته جوهر الليبرالية بالتفصيل في أعمال أبرز المفكرين الليبراليين المعاصرين، بمن فيهم رونالد دوركين (Ronald Dworkin)، وجيرمي والدرون (Jeremy Waldron)، وجوزف راز (Joseph Raz) وغيرهم الكثير، وقد قدمت أنا أيضاً في بعض كتاباتي إيضاحات حول التحليل الفلسفي لهذا المفهوم والأدبيات المتعلقة به، ولا يبدو تكرارها هنا ضرورياً.
ثانياً. من قبيل الصدف أن كديور نفسه يدافع في بعض كتاباته عن الحرية بوصفها حق أن يكون المرء على خطأ. فهو، على سبيل المثال، يطرح في أحد مكتوباته هذا السؤال: «هل يُقبل حق أن يكون المرء على خطأ في المجتمع الديني؟» ويجيب قائلاً: «في المجتمع الذي هو إسلامي وفقاً لتصوري، يُعترف بحق أن يكون المرء على خطأ، ولكن مع أخذ ملاحظات بعين الاعتبار: مثلاً، لدينا حالات لا يُسمح فيها للأفراد بأن يكونوا على خطأ في بعض المواضع، كالحالات التي يلحق فيها الضرر بالغير، وخصوصاً الضرر بالحقوق الاجتماعية. أما إذا كانت تبعات الفعل، بمعناه العام المحض، تعود على الفرد نفسه، فـ[لهذا الفرد] الحق في أن يكون على خطأ. له الحق في ألا يكون مسلماً، له الحق في ألا يكون شيعياً، له الحق في ألا يكون من أنصار الحكومة الدينية، كل هؤلاء لهم الحق (لا أنهم على حق، بل هم مجازون). أما تعلق العقاب الأخروي بهم فذاك بحث آخر. لكن من الناحية الدنيوية، ليس الأمر بحيث يُحرم كل من كان على خطأ من جميع الحقوق الاجتماعية في المجتمع الديني. هذه الأمور يجب بحثها حالةً بحالة، ولا يمكن إصدار حكم كلي فيها.» وعليه، لا يبدو أن كديور نفسه يعاني من مشكلة مع مبدأ «حق أن يكون المرء على خطأ». فمشكلته الأساسية تتعلق بمعايير تحديد حدود «الأخطاء الجديرة بالتسامح». يجادل العديد من منظري الليبرالية (بمن فيهم رولز، وهابرماس، ونوسباوم، وآخرون) بالتفصيل بأن هذه الحدود ينبغي تحديدها على أساس العقل أو الاستدلالات العرفية التي تكون في متناول جميع المواطنين (بصرف النظر عن تصوراتهم الشاملة للخير). لكن كديور يعتقد أن قسماً من «الأخطاء» يمكن، استناداً إلى أدلة دينية محضة (لا تكون في المتناول إلا لأتباع دين معين)، اعتبارها غير جديرة بالتسامح وإقصاؤها من المجال العام أو تقييد حضورها فيه. فهو، على سبيل المثال، يعتقد أن العقل العرفي لا يحيط بكثير من الجوانب المتعلقة بالأمور الجنسية، ومسائل الأسرة والزواج (المناكحات)، وبالتالي، يحق للأكثرية المتدينة في هذه الحالات، وبصرف النظر عن أحكام العقل العرفي، أن تُخضع تصور الشريعة الإسلامية لهذه الأمور بصفته قانوناً على المجال العام، وبهذا تُقصي الأشكال والتصورات البديلة من المجال العام أو تقيد حضورها. أعتقد أن إحدى نقاط الخلاف الرئيسية تكمن هنا.
يكتب كديور في هذا الشأن: «الافتراض الضمني لمثل هذا القيد [أي فكرة أن سياسات المجال العام، ومنها تحديد دائرة الأفعال الخاطئة الجديرة بالتسامح، ينبغي أن تُحدَّد على أساس العقل العرفي المتاح لجميع المواطنين لا الأدلة الدينية المحضة] هو الحجر على المواطنين المتدينين. [وفقاً لهذا التصور] تعاني الأدلة الدينية من قصور دائم، ولا تكون مقبولة ما لم يُعوِّض عجزها وحجرها دليلٌ عقلي مستقل. ولا يُسمح للمواطنين المؤمنين بممارسة حقهم في التشريع إلا تحت ولاية دائمة من الفلاسفة.» ثم يضيف: «[في مقام وضع القانون] عدم التمتع بتبرير عقلي مستقل عن الدين لا يُسقط أي قانون عن اعتباره. طرحُ مثل هذه القيود هو انتهاك لحقوق الأكثرية بناءً على تصورات شخصية وعقلانية قصوى.» لكن السبب في أن الأدلة الدينية المحضة لا ينبغي أن تكون أساساً للسياسات والخطط المحدِّدة للمجال العام ليس هو أن المواطنين المتدينين محجور عليهم أو قاصرون. السبب هو أن المجال العام ملك مشاع لجميع المواطنين (سواء كانوا مؤمنين بالدين أو غير مؤمنين به)، وتحديد السياسات والخطط التي ترسم مصير جميع المواطنين يجب أن يقوم على أسس تكون متاحة من حيث المبدأ (معرفياً وقيمياً) لجميع المواطنين. على سبيل المثال، لنفترض أن شخصاً متديناً ادعى أن الإجهاض يجب أن يُمنع قانوناً لأن حديثاً معتبراً عن المعصوم قد حرَّم ذلك الفعل. إذا لم يكن هناك دليل عقلي مستقل لمنع الإجهاض، فعلى أي أساس (غير القوة) ينبغي للأفراد الذين لا يؤمنون بحجية قول المعصوم أن يعتبروا ذلك المنع مبرراً؟ بالطبع، إذا كان مثل هذا الحديث موجوداً حقاً، فمراعاته مفروضة على من يؤمنون بحجية قول المعصوم. لكن لماذا ينبغي لهذا الاعتقاد الديني الباطني أن يصبح أساساً لعمل وحياة من لا يحملون هذا الاعتقاد مطلقاً؟ بالطبع، إذا استدل الشخص المتدين دفاعاً عن اقتراحه بمنع الإجهاض قانوناً بأن «حق الحياة لجميع البشر محترم، والجنين البشري يمتلك حق الحياة، وبالتالي فالإجهاض ينتهك حق الجنين في الحياة، وبهذا الاعتبار يجب أن يُمنع قانوناً»، فإن سائر المواطنين في المجتمع الذين لا يشاركونه معتقداته الدينية يمكنهم، إثباتاً أو نفياً، أن يناقشوا ويحكموا على صحة أو خطأ هذا الاستدلال العقلي والعرفي، ونتيجة هذا النقاش العقلي في المجال العام يمكن أن تكون حجة لطرفي الحوار (بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية أو غير الدينية). لكن الاستناد إلى قول المعصوم (ولو كان موثقاً ومدعوماً نقلياً وتاريخياً) لا يثبت شيئاً لمن لا يؤمنون بحجية قول المعصوم. والسؤال الآن هو: إذا اعتبرنا المجال العام ملكاً مشاعاً لجميع المواطنين، فهل يحق لنا أن نرسم مقدرات جميع المواطنين (متدينين وغير متدينين) على أساس (مثلاً) حجية قول المعصوم، أم أن مبدأ الإنصاف والعدالة يقتضي أن نطرح ونقدم السياسات والخطط المحدِّدة للمجال العام على أساس أدلة واستدلالات تكون قابلة للفهم والقبول (من حيث المبدأ) لجميع المواطنين؟ الافتراض الضمني لهذا السؤال هو مبدأ العدالة ومقتضياته، لا افتراض الحجر والقصور على المؤمنين بالدين.
ثالثاً. بالطبع، من وجهة نظري، لا يكفي أن تسعى أغلبية المتدينين في المجتمع إلى عرض مقترحاتهم الدينية في قالب اللغة والحجج العرفية. بل ينبغي أن يتحلوا في هذا المسعى بـ«الصدق المدني» أيضاً. بقدر ما يتعلق الأمر بالمتديّنين، فإن الصدق المدني يعني أن يرجّح المتدينون، في مقام المشاركة في الساحة السياسية، مصلحة المجتمع وخيره العام على تحقيق مقاصدهم الدينية الخاصة. بطبيعة الحال، في كثير من الحالات، يتداخل الخير العام مع المقاصد الدينية الخاصة، ويؤدي تحقيق أحدهما إلى تحقيق الآخر. ولكن إذا لم يتوافق الخير العام مع المقاصد الدينية الخاصة في موضع ما، فإن الصدق المدني يقتضي ألا يعرض الفرد المتدين مقاصده الدينية الخاصة بتكلّف في غلاف من الحجج التي تبدو عرفية ظاهرياً، وألا يضحي (ما دامت مصالح الساحة العامة هي المنظورة) برسالته المدنية في سبيل رسالته الدينية. بالطبع، يحق للمؤمنين أن يحققوا آمالهم وقيمهم الدينية الخاصة (مع مراعاة بعض القيود) في تجمعاتهم الدينية الطوعية، وأن ينظموا حياتهم وفقاً لمقاصدهم الدينية. ولكن في مقام ممارسة السياسة ورسم السياسات للساحة العامة (باعتبارها ملكاً مشاعاً لجميع المواطنين) ينبغي أن يعملوا بصفتهم مواطنين مسؤولين وملتزمين بمبادئ التعايش المدني، لا بصفتهم مبشرين يسعون للهيمنة على الساحة العامة. بطبيعة الحال، لا يمكن إجبار المواطنين بقوة القانون على الالتزام بـ«الصدق المدني». فالالتزام بهذه الفضيلة المدنية ينبغي أن يكون جزءاً من تربية المواطنين وثقافتهم العامة في مجتمع متحضر (سواء أكانوا متدينين أم غير متدينين).
رابعاً. بالطبع، لا يدّعي كديور أبداً أن لأغلبية المتدينين في مجتمع ما الحق، بحكم كونهم أغلبية، في فرض الأحكام التي يجدونها مبررة على أسس دينية محضة على الساحة العامة. وهو يقبل، عن صواب، قيداً آخر على هذه العملية: مراعاة حقوق الأقليات وملاحظتها. بعبارة أخرى، من وجهة نظره، فإن رأي الأغلبية المتدينة لا يكتسب اعتباراً حقوقياً/قانونياً ويمكن أن يسود على الساحة العامة إلا إذا لم يكن ناقضاً لحقوق الأقليات. ولكن بشأن هذا القيد المهم، أي مراعاة حقوق الأقليات، ينبغي التوقف عنده بمزيد من التأمل. من وجهة نظر كديور، فإن قيد «مراعاة حقوق الأقليات» يعني مراعاة وضمان «الحقوق الأساسية» أو «الحقوق الدنيا» أو «الحقوق الجوهرية» لهم. بعبارة أخرى، فإن حكم الأغلبية يكون ذا اعتبار قانوني ما لم ينقض الحقوق الدنيا والأساسية للأقليات. وهو يصرح بوضوح أن اعتبار القوانين السائدة على الساحة العامة يخضع لشرطين: «الرجوع إلى رأي الأغلبية مع مراعاة الحقوق الأساسية للمواطنين.» على سبيل المثال، عندما يدور الحديث عن حقوق البهائيين في إيران، يكتب: «يتمتع جميع البشر بحقوق الإنسان بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية. لا يمكن حرمان أي إنسان بسبب معتقداته الدينية - حتى لو كانت من وجهة نظرنا خاطئة وغير صحيحة - من الحد الأدنى من حقوق الإنسان (الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين).» (التأكيد مني) وفي موضع آخر يكتب: «المسلمون (وليس الشيعة فقط) متفقون بلا أي خلاف على أن الإسلام هو آخر الأديان الإلهية وأن محمد بن عبد الله (ص) هو آخر رسل الله. أي مذهب ينقض هذا التعليم الأساسي للإسلام هو من منظور المسلمين باطل وغير حق وضلال. [...] لكن التمتع بـالحقوق الأساسية هو حق لكل إنسان. لا دخل للدين والعقيدة والجنس والعرق واللون والموقف السياسي و... في التمتع بهذه الحقوق الأساسية. كل إيراني، سواء أكان مسلماً (شيعياً وسنياً) أم من أهل الكتاب (زرادشتيين ومسيحيين ويهود) وكذلك غير المتدينين أو المعتقدين بمذاهب أخرى (بما في ذلك البهائية)، يتمتع بحقوق المواطنة. الحرمان من الحقوق الأساسية وحقوق المواطنة لأي إيراني، بمن فيهم البهائيون، مرفوض.» (التأكيدات مني)
هذه الآراء، بالطبع، بالمقارنة مع الرأي السائد بين فقهاء الشيعة، تمثل قطعاً خطوة كبيرة إلى الأمام، وينبغي الترحيب بها. ولكن ينبغي هنا الانتباه إلى عدة نقاط مهمة:
النقطة الأولى هي أنه من وجهة نظر كديور (وسروش بالطبع) فإن قيد «مراعاة حقوق الأقليات» يعني فقط مراعاة «حقوقهم الدنيا أو الأساسية». في الديمقراطية العلمانية المنشودة لدى كديور وسروش، الحكومة مكلفة بمراعاة الحقوق الدنيا/الأساسية/الجوهرية للأقليات، لا مراعاة حقوق الأقليات. وعليه، فإن الأغلبية المتدينة في المجتمع، وفقاً لرأي سروش وكديور، ليست مكلفة بمراعاة حقوق الأقليات، بل هي مكلفة بمراعاة حقوقهم الدنيا.
النقطة الثانية هي أن الأقليات لا تتمتع بهذه الحقوق الأساسية بصفتها أقليات، بل بصفتها مواطنين فحسب. أي أن البهائيين، على سبيل المثال، يصبحون واجدين للحقوق الأساسية والحد الأدنى بوصفهم مواطنين فقط (وليس بوصفهم بهائيين). وبتعبير آخر، فإن حقوقهم الدنيا تُبرَّر باستدلال من هذا القبيل: «جميع المواطنين واجدون لحقوق دنيا، والبهائيون مواطنون، إذن فالبهائيون بوصفهم مواطنين (لا بوصفهم بهائيين) واجدون لحقوق دنيا.» وهنا يتحقق تمتع البهائيين بحقوقهم الدنيا على حساب عدم الاعتراف بهويتهم الدينية.
النقطة الثالثة هي أن تأمين الحقوق الفردية للأقليات لا يعني بالضرورة ودائماً تأمين حقوق الأقليات. فمجرد تأمين الحقوق الأساسية لأفراد مجموعة أقلية (بوصفهم مواطنين في المجتمع) لا يضمن بالضرورة تأمين الحقوق الأساسية لتلك الأقلية بوصفها مجموعة. فعلى سبيل المثال، تأمين الحقوق الأساسية للمواطنين الكرد لا يضمن بالضرورة تأمين الحقوق الأساسية للأكراد بوصفهم مجموعة قومية أو وطنية. فالأكراد، بوصفهم مجموعة قومية، واجدون للحق الأساسي في تقرير المصير، لكن تأمين حقوق المواطَنة للأفراد الكرد لا يؤمن مطلقاً حقهم في تقرير المصير بوصفهم مجموعة قومية. فالأقليات، بالإضافة إلى كونهم واجدين لحقوق أساسية كأفراد، هم واجدون أيضاً كمجموعة لحقوق أساسية لا يمكن تحقيقها دون الاعتراف بهويتهم المستقلة كمجموعة.
النقطة الرابعة هي أنه بمجرد أن نختزل قيد «حقوق الأقليات» إلى قيد «الحقوق الدنيا للأقليات»، نكون قد أطلقنا يد الأكثرية في انتهاك حقوقهم غير الدنيا. فعلى سبيل المثال، يعتقد كديور أن أساس تشخيص كون الحق أساسياً أو لا هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعهداه. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعترف للإنسان بحق تغيير الدين والإظهار العلني للمعتقدات الدينية، لكنه لا يشير بوضوح وبشكل مباشر إلى حق التبشير بالدين. وبالتالي، فليس من الواضح ما إذا كان ينبغي اعتبار حق التبشير بالدين من جملة الحقوق الدنيا للمواطنين أم لا. فبعض خبراء القانون الدولي لا يعتبرون حق التبشير الديني من الحقوق الأساسية المدرجة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعهديه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأكثرية المسلمة في المجتمع الإيراني يمكنها، بهذا الاعتبار الديني الداخلي القائل بأن البهائية بسبب إنكارها للخاتمية والمهدوية (بتعبير كديور) هي ديانة «باطلة وغير حقة وضلالة»، أن تصوت على أنهم لا يملكون حق التبشير بدينهم بحرية، وأن تسنَّ قانوناً يمنع التبشير الديني للبهائيين (بل وحتى لجميع الأقليات الدينية الأخرى). فهل هذا القانون مبرَّر من منظور كديور؟ يبدو أنه بناءً على المبادئ يكون الجواب بالإيجاب. وذلك أولاً- لأن هذا القانون (بحسب الفرض) قد أُقرَّ عبر عملية ديمقراطية بتصويت أكثرية المجتمع (أي المتدينين المسلمين)، وثانياً- أنه لم ينتهك الحقوق الأساسية والجوهرية لتلك الأقليات (بحسب فرض التفسير الضيق للإعلان العالمي)، أي أنهم لا يزالون قادرين على ممارسة دينهم بحرية وعلانية دون أن تُنتهك حقوقهم الأساسية كمواطنين (مثل الحق في التعليم، والحق في الزواج، والحق في محاكمة عادلة، وما إلى ذلك). ويبدو أن المنع القانوني لحق التبشير الديني للأقليات الدينية، بناءً على معايير كديور (التي تتشابه إلى حد كبير مع المعايير المقبولة لدى سروش)، واجد للاعتبار القانوني وواجد للاعتبار الحقيقي معاً.
دعوني أضرب مثالاً آخر. إن حق إنتاج ونشر المنتجات الإباحية أو حق بيع المشروبات الكحلية ليس من مصاديق الحقوق الأساسية للمواطنين. ولهذا السبب، ووفقاً لتصور كديور وسروش، يحق للأغلبية المتدينة في مجتمع ما، فقط استناداً إلى اعتبار أن هذه الأمور محرمة من منظور الشريعة الإسلامية، أن تسن قانوناً يمنعها. وهذا القانون، وفقاً لتصور كديور وسروش، يتمتع بالمشروعية القانونية والحقيقية. وبهذه الطريقة، في نموذج الحكم المنشود عند كديور وسروش، يمكن لأحكام الشريعة، شريطة أن تستند إلى رأي الأغلبية وألا تنتهك الحقوق الدنيا للأقليات، أن تتحول إلى قانون حاكم على المجال العام، وأن تشكل مصائر المواطنين وأساليب حياتهم وفقاً لمقتضى قانون الشريعة. في نموذج الإسلام السياسي لدى أشخاص مثل آية الله الخميني أو سروش وكديور في مرحلتهما المبكرة، تفرض الحكومة الشريعة على المجال العام من أعلى وبصورة آمرة، أما في نموذج الإسلام التجديدي لدى سروش وكديور في مرحلتهما المتأخرة، فإن المجتمع الديني يفتح الطريق من أسفل وبصورة ديمقراطية لسيطرة الدين على المجال العام. وبهذا، يبدو أن مَثَل تأسيس الدولة الإسلامية ما يزال حياً بين المجددين الدينيين، فقد سعت الأجيال السابقة لتحقيق هذا المَثَل بأساليب آمرة، بينما يسعى الجيل الجديد لتحقيقه بأساليب ديمقراطية. ألا يفتح تصور سروش وكديور للحكم المنشود الطريقَ في نهاية المطاف لتأسيس دولة إسلامية ديمقراطية على غرار الدولة الديمقراطية اليهودية في إسرائيل؟
خامساً. في الواقع، تعود إحدى أهم نقاط التمايز بين الديمقراطية العلمانية المنشودة عند سروش وكديور من جهة، والديمقراطية الليبرالية من جهة أخرى، إلى اختلاف تصور هاتين الرؤيتين بشأن حقوق المواطنين: يبدو أنه في نموذج الحكم المنشود عند سروش وكديور، يتساوى المواطنون في حقوقهم الأساسية أو القاعدية، ويحتاج التمتع بمستويات أعلى من الحقوق الأساسية إلى دليل. أي أن إثبات الحق (فيما يتجاوز الأساسي) يحتاج هنا إلى دليل. أما في سياق الديمقراطية الليبرالية، فالمواطنون يتمتعون بحقوق متساوية (سواء كانت أساسية أو غير أساسية)، وسلب حقوقهم يحتاج إلى دليل. أي أن سلب الحق (سواء كان أساسياً أو غير أساسي) يحتاج هنا إلى دليل.
سادساً. برأيي يمكن التعبير عن «مسألة المجددين الدينيين» برمتها في علاقتها بمقولة السياسة بطريقة أخرى: لقد تعامل المجددون الدينيون غالباً مع مخاطبين متدينين يعيشون في سياق نظام سياسي وديني غريب عن القيم الديمقراطية والمدنية أو معادٍ لها. لذلك كان أحد أهم هواجسهم التوفيق بين القيم المدنية والديمقراطية من جهة، والمعتقدات والقيم الدينية من جهة أخرى، لكي يجعلوا تلك القيم المدنية والديمقراطية مقبولة لدى المجتمع الديني بهذه الطريقة. لذلك، يمكن اعتبار مشروعهم السياسي، بمعنى من المعاني، إضفاء المشروعية الدينية على المدنية (الحديثة). بالطبع، سعت الأجيال السابقة من المجددين الدينيين إلى القيام بذلك بطريقة مباشرة، أي استخراج القيم المدنية والديمقراطية الحديثة مباشرة من صميم النصوص والمصادر الدينية، أو تقديم تبرير مباشر لمقبولية هذه القيم والأساليب الحديثة باستخدام حجية تلك المصادر. بعبارة أخرى، كانت طريقتهم المختارة هي إثبات التوافق بين المعتقدات الدينية والقيم المدنية الحديثة. أما الأجيال اللاحقة من المجددين الدينيين (بمن فيهم سروش وكديور) فقد تابعت المشروع نفسه ولكن بطريقة أخرى. لقد سعوا، بدلاً من إثبات التوافق، إلى إظهار عدم التنافي بين المعتقدات الدينية والقيم المدنية الحديثة. وقد تحقق جهدهم خصوصاً في خطوتين: من جهة، سعوا من خلال طرح فكرة «الدين الإنساني» (سروش) أو «الدين الرحماني» (كديور) إلى أن يبينوا للمجتمع الديني أن القيم المدنية الحديثة (على الأقل وفقاً لتصورهم الإنساني أو الرحماني للدين) تتمتع بمشروعية دينية (أي أنها لا تتنافى مع القيم والمعتقدات الدينية، وفقاً لتصورهم)، بل لعل المدنية الحديثة توفر أرضية أنسب لازدهار الدين. ومن جهة أخرى، سعوا إلى أن يبينوا للمجتمع الديني كيف يمكنهم، مع احترام القيم وقواعد اللعبة الديمقراطية في سياق مجتمع مدني، إعادة الدين إلى ساحة صنع القرارات ورسم السياسات في المجال العام، وأن يلعبوا في هذا الملعب بحيث تُراعى قواعد ومقتضيات النظام الديمقراطي والعلماني، وتبقى أصول الدين وضروراته حاكمة ومحترمة في الآن ذاته. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار المشروع السياسي للمجددين الدينيين (بمن فيهم سروش وكديور) تحقيقاً للمدنية (الحديثة) في شعاع الدين.
ولكني أرى أننا نواجه تدريجياً سؤالاً أكثر جوهرية: هل ينبغي للمفكرين الدينيين الجدد والمنظرين الدينيين أن يسعوا إلى مدنية دينية أم إلى دين مدني؟ أي هل ينبغي أن يسعوا إلى أسلمة المدنية الحديثة (أي إضفاء الشرعية الدينية على المدنية) أم ينبغي أن يسعوا إلى مدنية الدين (أي إضفاء الشرعية المدنية على الدين)؟ هل يمكن أن يكون لدينا دين يسعى، بدلاً من السعي ولو الديمقراطي للاستيلاء على المجال العام والهيمنة عليه، إلى التعايش السلمي والمتكافئ وغير الهيمني مع سائر الشركاء في ذلك الملك المشاع؟ عندما يتعلق الأمر بتدبير وإدارة المجال العام، هل تتقدم الشرعية الدينية على الشرعية المدنية أم تتقدم الشرعية المدنية على الشرعية الدينية؟ حكمي هو أن الدين لا يمكن أن يكون له حضور سياسي بناء في صميم مجتمع مدني إلا إذا كان قد أصبح مدنياً من قبل. في مجتمع ذي أغلبية دينية، يمكن للدين غير المدني (خصوصاً في غياب مؤسسات مدنية مستقلة وقوية في المجتمع) أن يصعد بسهولة على سلم قواعد اللعبة الديمقراطية، وبعد أن يبلغ سقف السلطة يسحب السلم من تحت أقدام منافسيه. ولهذا السبب تحديداً، أرى أن المؤمنين الديمقراطيين، بدلاً من السعي للاستيلاء على السلطة السياسية، ينبغي أن يقوموا بأمرين في آن واحد خارج بنية السلطة: أولاً، أن يسعوا لتقديم فهم للدين يتسم بالشرعية المدنية، وثانياً، أن يسعوا للمساعدة في تشكيل وتقوية مؤسسات مدنية مستقلة وقوية في صميم المجتمع. هذا الجهد المزدوج يمكنه أن يحد، إلى درجة ما، من خطر النزوع الهيمني والاحتكار للدين غير المدني في صميم نظام ديمقراطي وعلماني.
بطبيعة الحال، لا ينبغي أن ننسى أن المفكرين الدينيين الجدد، بمن فيهم سروش وكديور، قد لعبوا دوراً مهماً في تشكيل دين مدني. فعلى سبيل المثال، كديور الذي كان في وقت من الأوقات من المدافعين عن حكم الردة، قام لاحقاً بنقده ورفضه، مما وفر على الأقل الإمكانية النظرية للخروج الطوعي من دائرة الدين، وبهذا أسهم إسهاماً بالغاً في تحقيق إحدى أهم سمات الدين المدني (أي الإمكانية الواقعية للخروج الآمن من الدين). بنفي حكم الردة، تتحول "الجماعة الدينية" إلى "تجمعات طوعية للمتدينين". وهذه من أهم الخطوات نحو تشكيل دين مدني. لكن يبدو أن المفكرين الدينيين الجدد لا يزالون يحلمون بفتح المجال العام من قبل الدين، أو على الأقل لا يستقبحون مثل هذه الإمكانية (طالما أن تلك الهيمنة، على حد تعبير كديور، تستند إلى رأي الأغلبية ولا تنتهك الحقوق الدنيا للأقلية). هذا الحلم بالهيمنة (ولو بالطريقة الديمقراطية) على المجال العام هو، في رأيي، من علامات غول الدين غير المدني الذي لا يزال ينبض في قلب مصباح الحكم المنشود السحري لدى المفكرين الدينيين الجدد.
سابعاً. وأما الكلمة الأخيرة. يختم كديور مقالته بطرح نقاط مفيدة بشأن الأخلاقيات العلمية وضرورة مراعاتها. وأنا أيضاً أرغب في إضافة نقطة إلى نقاطه الجيدة في هذا الشأن. على قدر ما أفهم، هناك فرق كبير بين إبداء الرأي السياسي وطرح نظرية سياسية، وكل منهما يتطلب آداباً وأخلاقيات خاصة به. إبداء الرأي السياسي يحكي عن التفضيلات الشخصية للفرد، ولهذا السبب يمكن أن يكون في كثير من الحالات ذوقياً أو خالياً من أي دليل واضح، وبهذا الاعتبار يمكن للفرد بسهولة أن يغير رأيه دون أي توضيح. أما طرح نظرية سياسية فهو جهد علمي ينبغي أن يُبنى على أساس أدلة وشواهد واضحة وقابلة للتحقق، وتغييرها يحتاج إلى توضيح وتبيين كافيين. للأسف، كثير من مفكرينا السياسيين (بمن فيهم المفكرون الدينيون الجدد) يمارسون التنظير السياسي بأسلوب إبداء الآراء السياسية. وهذه الطريقة يمكن أن تكون في ظروف معينة شديدة الخطورة ومضرة. فعلى سبيل المثال، لم تنسَ ذاكرتنا التاريخية نحن الإيرانيين بعد أن أناساً تحدثوا في حلقة الأصحاب والمريدين المقربين عن حكومة ولاية الفقيه، وتحدثوا في أوروبا عن الديمقراطية على الطريقة الفرنسية، وفي النهاية طبقوا ولاية الفقيه المطلقة على مصدر السلطة. تغيير الرأي والنظرية ليس بالأمر الغريب والمدهش بالطبع. لكن تغيير النظرية خصوصاً ينبغي أن يقيد بقيود وشروط حتى لا يؤدي إلى تضليل المخاطبين. على قدر ما أدرك، تقتضي الأخلاقيات العلمية أن يحترم صاحب الفكر، عند تغيير نظرياته، الشروط التالية:
(أولاً) على الفرد أن يعلن بوضوح وصدق عن تغيره الفكري، وأن يوضح أي جانب من آرائه تغير بالضبط.
(ثانياً) على الفرد أن يوضح بالتفصيل وبدقة لماذا وبأي أدلة وجد آراءه السابقة باطلة.
(ثالثاً) ينبغي للفرد أن يشرح بوضوح ما هي نظريته البديلة بالضبط (إذا كانت هناك نظرية من هذا القبيل).
(رابعاً) ينبغي للفرد أن يُظهر لماذا وبأي أسباب يعتقد أن هذه النظرية الجديدة، على عكس النظرية السابقة، صادقة أو أقرب إلى الحقيقة وتتفوق عليها.
(خامساً) والأهم من كل ذلك، ينبغي للفرد أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن آرائه الخاطئة السابقة، خصوصاً إذا كانت آراؤه الباطلة السابقة قد ترتبت عليها عواقب ضارة للحياة الفردية والاجتماعية للآخرين.
تُظهر الحصيلة الفكرية للكديور أنه منفتح على التحولات الفكرية وصادق وجريء في التعبير عن تحولاته الفكرية. لكن المسؤولية الأخلاقية تتجاوز بكثير مجرد التعبير الواضح عن التغيرات الفكرية. فقد عبّر الكديور في بعض كتاباته عن أقوال تحقيرية وباعثة على الكراهية بحق الأقليات الجنسية. كانت هذه الأقوال الباعثة على الكراهية مدعاة لتحقير الأقليات الجنسية ومزيد من تضييع حقوقها الأساسية في المجتمع الإيراني. أما الكديور في مرحلته المتأخرة فيتجنب إلى حد كبير تلك اللغة الخشنة والمولّدة للعنف، ومن المرجح جداً أنه لم يعد يعتقد بالكثير من تلك التعابير الحادة. لكن تلك العبارات التحقيرية والباعثة على الكراهية ما زالت منذ سنوات راكدة في كتبه دون أي تغيير أو توضيح، ويُعاد نشرها. كما أن بعض أقواله المتأخرة بشأن الحقوق الأساسية للأقليات الجنسية تبعث على القلق. فهو يرى، على سبيل المثال، أنه إذا أعلنت الأقليات الجنسية عن هويتها الجنسية، فمن حق المجتمع أن يفرض عليها قيوداً، أي أن يعاقبها عبر نفي بعض حقوقها المدنية والإنسانية. أو يكتب في موضع آخر أن على الحكومة أن توفر وسائل تغيير الجنس للمثليين جنسياً! ليس واضحاً لديّ ما إذا كان الكديور يطرح هذا الادعاء وهو على علم بالفرق بين المثليين جنسياً والمتحولين جنسياً، أم أنه يجهل الفرق بين هاتين المجموعتين. ففي الحالة الأولى، تُعد التوصية التحقيرية للمثليين جنسياً بتغيير الجنس تجاهلاً لهويتهم الجنسية ونفياً لكمال خلقتهم. وحتى التوصية للمتحولين جنسياً بتغيير الجنس تُعتبر اليوم إهانة لهويتهم الجنسية وكمالهم الإنساني. لكن من الممكن تماماً أن يكون الكديور يجهل الفرق بين هاتين المجموعتين، ويكون قد وجه تلك التوصية خطأً إلى المثليين جنسياً. وفي هذه الحال، يُطرح السؤال: كيف يمكن لفقيه، دون إلمام دقيق بالموضوع، أن يصدر فتاوى مصيرية بشأنه؟ ألا تقتضي المسؤولية الأخلاقية لفقيه أخلاقي مثل الكديور أن يتوخى مزيداً من الحذر والرأفة في تصريحاته (خاصة حين تكون لتصريحاته عواقب عملية مهمة)، وإذا ما ارتكب خطأ في هذا المجال، أن يتحمل مسؤوليته بشجاعة، وأن يعتذر خصوصاً للضحايا المتضررين؟ دعوني أضرب مثالاً آخر. المواطنون البهائيون في إيران هم من بين الأقليات التي تعرضت حقوقها المدنية والإنسانية للانتهاك بشكل ممنهج. الكديور في مرحلته المتأخرة يحتج بشجاعة على الظلم الذي لحق بالمجتمع البهائي في إيران، ويعتبر على الأقل حقوقهم الأساسية والدنيا مسلّمة وغير قابلة للانتهاك. لكنه يستخدم أحياناً للإشارة إليهم تعبير أتباع «الفرقة الضالة». ألا يصبّ استخدام هذه التعابير السلبية الزيت على نار التعصبات والعنف الديني ضد البهائيين؟ ألا تجعل هذه الأدبيات المواطنين الذين كانوا ضحايا لسنوات طويلة للانتهاك الممنهج لحقوقهم الأساسية أكثر عرضة للعنف والتمييز الاجتماعي؟ ألا تقتضي الأخلاق العلمية والإنسانية أن يعتذر الكديور للمجتمع البهائي في إيران بسبب استخدامه لهذه التعابير الخشنة والمولّدة للعنف؟ حصيلة الكديور من هذه الناحية هي بالطبع أكثر إشراقاً من بعض الوجوه الأخرى للتنوير الديني في إيران. فعبد الكريم سروش، على سبيل المثال، يصف المثليين جنسياً بأنهم «حثالة وقمامة»، كما أنه على الرغم من وجود عضوية في جمعيات مناهضة للبهائية في سجله، ولعبه دوراً كعضو مؤثر في هيئة الثورة الثقافية في طرد الأساتذة البهائيين، فإنه، على حد علمي، لا يتحمل أبداً المسؤولية الأخلاقية عن ذلك الماضي، ولا يحتج ولو باللسان على الظلم الفادح الذي لحق بالمواطنين البهائيين طوال سنين، بل ويضنّ حتى بالإدلاء بكلمة رأفة واحدة دفاعاً عن حقوقهم الدنيا والأساسية. لقد أدى التنويريون الدينيون بالطبع دوراً مهماً في نشر القيم الديمقراطية والمدنية وفي صون حقوق الإنسان في إيران. لكن سعيهم كان جزءاً من مشروع إضفاء المشروعية الدينية على المدنية الحديثة. لكني أرى أن الوقت قد حان الآن لأن يسعى التنويريون الدينيون، بدلاً من السعي إلى تدوين المدنية، إلى مدونة الدين، وأن يتحملوا في الخطوة الأولى مسؤوليتهم الفكرية والأخلاقية إزاء أخطائهم السابقة. إن تحمّل المسؤولية الأخلاقية هذا يمكن أن يقدم خدمة جليلة لتشكيل دين مدني رفيع ولدخوله المتحضر والمسالم إلى الساحة العامة.
العلوم السياسية
الدين
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
درباره حقوق پورنوگرافی: اولا این فقط صدمه و آسیب جسمانی نیست که ما آن را معیار این بگیریم که دیگر شامل حقوق انسان نمی شود...بعضی وقت ها صدمه و آسیب های روانی هزار بار شدیدتر و هولناک تر است...وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلَِ [سوره البقرة : 191].... ثانیا پدیده های انسانی مانند شبکه و بافت به هم متصل هستند و شما به هیچ وجه نمی توانید با یک کلی گویی که دموکراسی یعنی حق ناحق بودن، حکایت همه آن ناحق بودگی ها را یک کاسه کنید...بله بعضی از ناحق بودگی ها امکان سرایت به دیگری ندارد ولی بعضی دیگر به سرعت و با شتاب همه امنیت و آرامش دیگری را نابود می کند. از همه اینها گذشته حقوق کودکان و نوجوانان چه می شود ؟؟آیا اینها حداقل یک گروه و بخش جامعه ما نیستند که باید حقوق شان حفظ شود ؟؟ و آیا با این دنیا و فضای مجازی که ما انسان های معاصر برای آنها درست کرده ایم امکان تجربه های معنوی و داشتن خاطرات خوب و زیبا برای ادامه راه زندگی را از آنها سلب نکرده ایم. حداقل تا وقتی که خود بزرگ و بالغ شوند و بتوانند مسئولیت و وظیفه انتخاب راه را به تنهایی به دوش بکشند. به نظر من اگر داعش و طالبان و.... به خاطر (خشونت آشکار) صد در صد محکوم هستند کسانی که این فضا و بستر را فراهم کردند یعنی رهبران و سردمداران تفکری که بدون هیچ گونه وجدان اخلاقی و تنها برای بدست آوردن قدرت و ثروت دنیا را به لجن کشیدند هم صد در صد محکوم هستند...اگر ما آزاده و روشنفکر هستیم و با تاریکی و ظلم مبارزه می کنیم پس به هیچ وجه نباید تبعیض قائل باشیم و حالا چون پورنوگرافی متعلق به انسان غربی و عصر جدید است با آن با مسامحه رفتار کنیم....راستش من وقتی مقاله ها و سخنرانی های آرش نراقی را گوش می کنم تعجب می کنم چطور امکان دارد انسان نازنینی مانند شما از حقوق پورنوگرافی دفاع کند....امری نه تنها غیر دینی بلکه کاملا غیر انسانی و حتی ضد انسانی....