اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عدم تغطية العنق وشعر الرأس ليس قبيحًا أخلاقيًا من حيث المبدأ، وحكم الحجاب في التراث الإسلامي كان ذا صبغة هوياتية لا أخلاقية. يرى سروش دباغ، من خلال تحليل آراء الفقهاء والمختصين المعاصرين في الدراسات الإسلامية، أن العلة الرئيسية لهذا الحكم هي التمييز بين النساء الحرائر والإماء، وهي علة منتفية اليوم.

في مقالة «الحجاب في ميزان الأخلاق» لم أكن بصدد إصدار حكم فقهي بشأن قضية الحجاب، فالإفتاء ليس من اختصاصي وتخصصي؛ بل كنت بصدد تحليل قضية تغطية العنق والشعر من منظور أخلاقي، وبمراعاة «نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي»[۴]، بحثت عن العلاقة بينها وبين الحكم الفقهي لتغطية العنق والشعر. كان المدعى الأساسي للمقالة أن المتدينين من أصحاب الفكر المادي الذين لا ينظرون إلا إلى الأحكام الفقهية بشأن حدود الحجاب وحدوده، يجب عليهم أن ينظروا إلى هذه القضية من منظور أخلاقي أيضًا ويعترفوا بأن عدم تغطية العنق والشعر ليس، في الأساس، تصرفًا غير أخلاقي وأن الذين لا يغطون عنقهم وشعرهم لا يرتكبون خطأ أخلاقيًا؛ وفي الوقت نفسه من الجيد أن يعرفوا أن عددًا قليلاً من الفقهاء يعتقدون أن عدم تغطية العنق والشعر لا يحمل حكم تحريم شرعي. علاوة على ذلك، المتدينون من أصحاب الفكر المعرفي الذين يقدرون الأسباب الأخلاقية العقلانية وينشدون إقامة التوازن بين الفقه والأخلاق وموازنة الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق، يمكنهم أن يعترفوا بأن عدم تغطية الشعر والعنق ليس فيه، في الأساس، قبح أخلاقي. وهم أيضًا بمراعاة «نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي» وبنظر العناية إلى تنوع آراء الفقهاء والقرآنيين والمتخصصين في الإسلام بشأن الحكم الفقهي للحجاب، يمكنهم أن يستنتجوا أن أمر الله ووجوبه المتعلق بضرورة تغطية العنق والشعر في النص المقدس لا يحمل دلالة قطعية.[۵] يبدو أن حكم الحجاب في السنة الإسلامية له في الأول والأساس طبيعة هويتية وفقهية وليس أخلاقية. بعبارة أخرى، إذا كانت هناك ملاحظة أخلاقية هنا وكان عدم تغطية العنق والشعر يوفر أسبابًا لتحريك الشهوة الجنسية التي لا يمكن تجنبها عند الرجال وكان يؤدي إلى الفساد في المجتمع؛ فيمكن أن نسأل: لماذا لم يأتِ هذا الحكم على الإطلاق لجميع النساء المسلمات وأعفيت النساء العبيد من تغطية الشعر والعنق. كما ذكره المرحوم القابلي: «عدم وجوب تغطية الرأس والعنق على النساء العبيدات المسلمات (وهو ما يؤيده الدليل النقلي الصحيح والاتجاه الإجماعي) يدل على حقيقة مهمة جدًا: «رؤية الرأس والعنق لأي امرأة مسلمة ليس حرامًا». بعبارة أخرى؛ «ليس كون المرأة امرأة وليس كون المرأة مسلمة هو السبب في وجوب تغطية الرأس والعنق. لأن «النساء العبيدات المسلمات» كن «نساء» و«مسلمات» ولم تكن تغطية الرأس والعنق (بل حتى بعض أجزاء الجسد الأخرى، حسب التصريحات الصريحة لبعض الفقهاء) واجبة عليهن».[۶] بناءً على تحليل المرحوم القابلي، لا كون المرأة امرأة ولا كون المرأة مسلمة هو السبب في وجوب تغطية الرأس والعنق. يبدو أن الجانب الهويتي للحجاب والتمييز بين النساء الحرائر والنساء غير الحرائر كان السبب الأساسي لتغطية الرأس والعنق في عصر النبي. وبعض المفكرين العرب المسلمين مثل محمد عابد الجابري لديهم أيضًا مثل هذا الفهم لفلسفة الحجاب:
«في الماضي كانت بعض الشوارع مسقوفة وكان الرجال يجلسون على جانبي الشارع ويتحدثون مع بعضهم البعض...عندما كانت النساء الحرات يخرجن من المنزل برفقة الإماء لقضاء الحاجة، كان هناك رجال يجلسون بجانب الشارع...ويقومون بإيذاء واضطهاد هؤلاء النساء بإشارات معينة...والسبب في حكم الحجاب هو أن الشبان والرجال يتمكنون من التمييز بين النساء الحرات والإماء، وعدم إيذاء واضطهاد النساء الحرات وعدم النظر إليهن بنظرة خاطئة».[۷] من وجهة نظر الجابري، فإن العلل التي كانت سبباً في صدور الحكم الفقهي بالحجاب قد اختفت الآن، والتمييز بين النساء الحرات والإماء لا معنى له في العصر الحاضر؛ بناءً على هذا الأساس يوضح أنه في عصرنا الحالي لا يعتبر تغطية الرقبة والشعر من الأحكام الشرعية الواجبة ولا يوجد ضرورة لذلك. نصر حامد أبو زيد، الدارس القرآني المعاصر أيضاً يرى أن السبب الرئيسي لصدور حكم الحجاب هو التمييز بين الإماء والنساء الحرات، وحيث أن نظام العبودية قد ألغي في العصر الحاضر، يستنتج:
«بناءً عليه، الحجاب غير واجب في العصر الحديث، لأن الحكم دائر مع العلة، فحيث توجد العلة يوجد الحكم وحيث تزول العلة يزول الحكم»[۸] المستشار محمد سعيد عشماوي، الحقوقي المجدد من أهل السنة، نقل أيضاً في كتابه حقيقة الحجاب وحجية الحديث أن آية الخمار تأمر بتغطية الصدر؛ أما فيما يتعلق بآية الحجاب، فهو يعتقد أن الخطاب موجه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المقصود بالحجاب ليس الملبس بل الحاجز الذي يفصل بين نساء النبي وبين من يطلب منهم حاجة بحيث لا يري أحد الطرفين الآخر. عشماوي يتفق مع الجابري وأبو زيد فيما يتعلق بقصة الجلباب ويقول إن المقصود منه التمييز بين النساء الحرات والعبيد، ويقول إن هذه العلة منتفية الآن لأنه لا توجد إماء وعبيد في عصرنا الحالي، وطبقاً للقاعدة الأصولية، فإن الحكم يدور مع وجود العلة أو عدمها، فإن وجدت العلة وجد الحكم.[۹]
أحمد صبحي منصور، الإسلاموي المصري المعاصر أيضاً يعتقد أن المقصود من "ضرب الخمار على الجيوب" هو تغطية الصدر[۱۰]، وأن المقصود من "أدنى الجلباب" الذي ورد في الآية 59 من سورة الأحزاب هو تغطية قدم الرجل.[۱۱]
علاوة على ذلك، كما أشار أمير تركاشوند؛ فإن فهمنا المعاصر لكلمات مثل المقنعة والروسري يختلف عن وظيفة هذه المفاهيم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت المقنعة والروسري عبارة عن عمامة وعمة وقلنسوة لم تكن تغطي الرقبة وجل الشعر؛ بخلاف فهمنا المعاصر للمقنعة والروسري التي تغطي كل الرقبة والشعر:
«اليوم عندما نواجه كلمة المقنعة والروسري في النصوص الدينية، نعتبرها ساتراً يغطي على الأقل كل الشعر والرقبة؛ لكن لا يُعرف ما إذا كان هذا اللفظ في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤدي هذه الوظيفة ويغطي الرقبة وكل الشعر. وفقاً للأدلة التي لدينا، يمكن اعتبار المقنعة معادلة للعمامة التي يلفها الرجال حول الجبين والرأس. بناءً على هذا، عندما نزلت آية الجلباب أو الخمار، قامت النساء المؤمنات باستخدام العمامة التي سميت أيضاً بالمقنعة أو القناع أو حتى الخمار...بناءً على هذا، يمكن اعتبار المقنعة والروسري في ذلك العصر عبارة عن عمامة وعمة وقلنسوة (وهي بطبيعتها أولاً للزينة والتجمل والتمايز وثانياً لا تغطي الرقبة وجل الشعر) وليست روسري العصر الحالي التي تغطي كل الشعر والرقبة»[۱۲] محسن كديور أيضاً أجاب مؤخراً على سؤال حول حدود وحدود لباس النساء قائلاً:
«حدود اللباس الشرعي للنساء خارج المنزل: يجب تغطية جسد النساء من تحت الرقبة إلى تحت الركبة والذراعين بملابس لا تكون ضيقة وملتصقة وشفافة. تغطية باقي أعضاء الجسد ليست واجبة بحد ذاتها وبحكم أولوي، وتعتمد على الشروط والعرف الزماني والمكاني...في المجتمعات التي لا يكون هذا الحد من اللباس متعارفاً فيها، وحيث لا يترتب على عدم تغطية الرأس والرقبة والشعر أي مضرة، فإن تغطيتها ليست ملزمة وهذه الأعضاء من الجسد تعتبر "زينة ظاهرة" استثنيت عن التغطية في الآية 31 من سورة النور: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا".[۱۳]
إذا كانت فلسفة الحجاب هي ستر رقبة ومجمل شعر رأس المرأة المسلمة في جميع الأماكن والمجتمعات؛ فإنه قاعدة لم يتحقق المقصود بهذا الحكم، لأن الأغطية التي كانت النساء تستخدمها في عصر النبي لم تكن لتستر الرقبة وجميع الشعر. بعبارة أخرى، ستر الرقبة والشعر بالذات وبحكم الأولوية ليس واجباً؛ في حين أنه إذا كان المقصد الأصلي هو إطفاء شهوة الرجال من جراء رؤية رقبة ورأس المرأة؛ فقاعدة يجب أن تكون هناك حاجة للاستعانة بغطاء يستر رقبة المرأة وجميع شعرها. بهذه التوضيحات يمكن فهم معنى هذا الادعاء بشكل أفضل: أن أحكام الحجاب ذات صبغة هُويّة وفقهية بارزة (وليست أخلاقية). وأيضاً، حقيقة أنه في الديانة المسيحية لا يوجد وجوب لستر الرقبة والشعر؛ تؤيد هذا الأمر، وهو أن ستر الرقبة والشعر في جميع الأديان الإبراهيمية ليس حكماً شرعياً، وجميع النساء المسيحيات، سواء كن من اللاتي يتمسكن بالفهم التقليدي للديانة المسيحية أو من اللاتي يملكن تديناً غير تقليدي، لا يسترن رقابهن وشعرهن، ولا يرتكبن ذنباً بفعلهن هذا، وظلن على الهدى من الله تعالى. حسن أن نأخذ بعين الاعتبار، وفق مقولة «تعرّف الأشياء بأضدادها»، مسألة الغش والتطفيف في المعاملة. وفقاً لتعاليم القرآن الكريم، من يرتكب التطفيف يجب أن يكون مسؤولاً عن فعله يوم الحساب: «ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون»[14]. وفقاً لفتاوى جمهور الفقهاء المسلمين، التطفيف واكتساب المال بطرق غير مشروعة حرام، ومرتكب هذا الفعل آثم وبعيد عن رحمة الله. مع ذلك، يبدو أن هذا الحكم الفقهي له «صلة أخلاقية»[15]، وفي الوقت الذي يتضمن نهي الله عن التطفيف واكتساب المال غير المشروع؛ فإن المعروف أخلاقياً لهذا الفعل قد تدخل في اعتباره وكان له دور في اعتباره حراماً.
كما رأينا، كانت الصبغة الهُويّة (وليست الأخلاقية) لصدور الأحكام المتعلقة بالحجاب بارزة، بمعنى أن المقصد كان التمييز بين المرأة الحرة والعبدة من خلال ارتداء الأولى للحجاب وعدم ارتداء الثانية؛ بحيث لا يتم الخلط بين النساء الحرات والعبيد، ولا يتعرضن للأذى. لكن، لا يترتب على هذا الفهم لفلسفة الحجاب في الشريعة الإسلامية أنه لا يمكن التفكير بشكل مستقل وفي المنظور الأخلاقي حول مسألة الحجاب. بعبارة أخرى، يمكن و«يجب» أن نزن هذا الحكم الفقهي بميزان الأخلاق ونبحث حدوده وحدوده. قد يخطر على بال البعض هذا السؤال: أن مسألة الحجاب لها جانب فقهي وبالتالي لا يمكن ولا يجب الحديث عنها من المنظور الأخلاقي.
وفي معرض الإجابة على هذا الادعاء ونقده أستخدم التمييز الذي قدمه برنارد ويليامز، فيلسوف الأخلاق المعاصر، بين «المفاهيم الأخلاقية الثقيلة»[١٦] و«المفاهيم الأخلاقية الخفيفة»[١٧].[١٨] يقوم عموم الناس في حياتهم اليومية بأعمال مختلفة: الأكل، والاستلقاء، والضحك، وقراءة الكتب، والبكاء، والغضب، والجري، والسقوط، والشجار...... ندعو هذه الأعمال «أفعالا طبيعية»؛ أفعالا تصدر عن الإنسان بفطرته الطبيعية في سياقات متنوعة. يمكن أن نناقش الأفعال الإنسانية من منظورات مختلفة من الناحية البيولوجية والتاريخية والاجتماعية والنفسية...... تماما كما يفعل البيولوجيون والمؤرخون وعلماء الاجتماع وعلماء النفس. لكن هذه الأفعال الطبيعية تدخل مجال الأخلاق للنقاش عندما تندرج تحت عناوين أخلاقية مثل «العدالة» و«الظلم» و«الرحمة» و«الإضرار بالآخرين» و«الوفاء» وغيرها.[١٩] يسمي ويليامز هذه العناوين الأخلاقية «المفاهيم الأخلاقية الثقيلة»؛ بينما يسمي مفاهيم مثل «الخير» و«الشر» و«يجب» و«لا يجب» ...... «المفاهيم الأخلاقية الخفيفة». افترض أن أباً يضرب ابنه. الفعل «الضرب» فعل طبيعي، تماما كالأفعال الطبيعية الأخرى مثل تناول الطعام والدفع والتثاؤب. يمكننا أن نناقش فعل الأب في الضرب من زوايا اجتماعية ونفسية متنوعة...... لكن عندما ينضوي تحت العنوان الأخلاقي «الإضرار بالآخرين»، يكتسب هذا الفعل «صلة أخلاقية» ويمكننا البحث عن حسنه وقبحه. في الواقع، الأفعال الطبيعية التي لها صلة أخلاقية؛ تنضوي أولاً تحت أحد المفاهيم الأخلاقية الثقيلة، ثم تُوصف بأحد المفاهيم الأخلاقية الخفيفة مثل الخير والشر والواجب واللاواجب...... وتشكل معاً قضية أخلاقية مثل «الإضرار بالآخرين شرير». وفي الوقت ذاته تخبرنا «حدسياتنا الأخلاقية»[٢٠] بأنه في هذا السياق الأخلاقي المناقَش، يمكننا الكشف عن بعض الصفات التي تكون «أخلاقياً غير ذات صلة»[٢١] وبالأصل قد تكون بطريقة أخرى وليس لها تأثير في حكمنا الأخلاقي.[٢٢] المقصود بالحدسيات الأخلاقية هو الحدسيات الأخلاقية «للناظر المثالي»[٢٣]؛ ناظر لديه معرفة بالمجال الذي يصدر فيه الحكم الأخلاقي، وفي الوقت ذاته لا تتسرب مشاعره وعواطفه الإنسانية، قدر الطاقة البشرية، إلى أحكامه. في هذا السياق أيضاً، ارتداء الحجاب والملاءة و«تغطية الشعر والعنق» فعل طبيعي؛ مثل الأفعال الطبيعية الأخرى. بناءً على ما تقدم؛ يمكننا الخوض في هذا الفعل الطبيعي في مجال الأخلاق عندما ينضوي تحت فئات أخلاقية. يمكننا أن نضع هذا الفعل الطبيعي تحت المفهوم الأخلاقي الثقيل «العفة» والحكم عليه أخلاقياً. تخبرنا حدسياتنا الأخلاقية بأن تغطية بدن الرجل والمرأة ذاتها، أو على الأقل أجزاء منه، له صلة أخلاقية؛ وإن كان هناك اختلاف في الرأي حول حدود ومدى التغطية ولها مكونات ثقافية وطقسية وتربوية ونفسية...... في ذلك. يعتقد كثيرون من الناس أن ستر العورة وتغطية الأعضاء التناسلية أمر لائق وضروري. لازمة هذا القول أن من لا يغطي أعضاءه التناسلية؛ يرتكب فعلاً قبيحاً من الناحية الأخلاقية.
يجب أن ننتبه إلى أن النقاش هنا يتعلق بطابع أخلاقي وليس قانوني. وفقاً لقوانين كثير من الدول، فإن الظهور بهيئة عارية في المجال العام يعتبر غير قانوني ويعاقب الشخص المخالف. لكن، بغض النظر عن البعد القانوني للمسألة، يمكن صياغة المسألة من منظور أخلاقي وتفسير عدم الالتزام الأخلاقي بستر الأعضاء الجنسية. يترتب على هذا أن ستر بدن المرأة والرجل يتمتع بـ «علاقة أخلاقية» في الأصل ويندرج تحت عنوان أخلاقي «العفة»؛ لأن حدسنا الأخلاقي يخبرنا أن من لا يستر عورته ويظهر بهيئة عارية في الملأ العام قد ارتكب فعلاً غير عفيف. في الواقع، يندرج هذا الفعل الطبيعي تحت المفهوم الأخلاقي لـ «العفة» ويوصف بصفة سيئة ويشكل قضية أخلاقية. علاوة على ضرورة وجود حد أدنى من ستر بدن المرأة والرجل، فإن تحديد كمية الستر لأجزاء أخرى من البدن قضية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والعرف ويمكن أن تختلف من ثقافة وسياق ومجتمع إلى آخر. ما له محورية هنا وما هو «ذو علاقة أخلاقية» هو العفة والسلوك العفيف؛ سلوك يشمل الستر والسلوك العفيف للرجل والمرأة في سياقات متنوعة. إذا كان الستر والسلوك في سياقات وثقافات مختلفة بما يشكل السلوك العفيف؛ فعندئذ يمكننا أن نعتبر الستر والسلوكيات المختلفة ضمن السلوكيات العفيفة والاعتراف قبول تعددية لا يمكن اختزالها إلى وحدة. بعبارة أخرى، بينما «العفة» مفهوم أخلاقي له صيغة كلية وتطبيق عام؛ فإن مصاديق السلوك العفيف للنساء والرجال يمكن أن تتغير في سياقات متنوعة. في عهد القاجار، كان القول بأن «كمال المرأة يكون في ألا ترى رجلاً أجنبياً ولا يراها رجل أجنبي» يسمع القبول عند كثيرين، وكانت كثير من النساء لا يظهرن في الأماكن العامة، لأنهن كن يعتبرنه مصداقاً للسلوك غير العفيف. مع بدء نضالات النساء في عصر المشروطية، وبعده تأسيس جامعة طهران في عهد رضا شاه وازدهار المصانع والوزارات والصحف والمؤسسات الحكومية والشركات الأهلية، دخلت النساء تدريجياً إلى المجال العام؛ حيث في التظاهرات التي أفضت إلى ثورة بهمن 57، كانت كثير من النساء يشاركن جنباً إلى جنب مع الرجال في التظاهرات ولم يعتبر الإمام الخميني وآخرون هذا الفعل منهن غير عفيف وغير أخلاقي.[۲۴] وبعد الثورة الإسلامية أيضاً، كان الحضور الاجتماعي للنساء في تزايد مستمر وعملت كثير من النساء في الجامعات والمراكز التعليمية والإدارية والطبية والتجارية؛ إلى الحد الذي تقلدت فيه امرأة منصب وزيرة الصحة والعلاج والتعليم الطبي لمدة تزيد على ثلاث سنوات وتديري شؤون الطب والعلاج على المستوى الكلي. إذاً، ومع إحداث تغييرات في ثقافة وعرف المجتمع، فقد شهدت مصاديق السلوك العفيف وغير العفيف في مجتمعنا على مدى مئة وخمسين سنة الماضية تطوراً ملحوظاً؛ كما حدث في المجتمعات الأخرى أيضاً. ومنذ بدايات القرن العشرين، في كثير من دول أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا... لا يعتبر عدم ستر الرقبة والشعر سلوكاً غير عفيف وغير أخلاقي. وفقاً للحدس الأخلاقي العرفي لعموم من يعيشون في هذه الدول، يمكن للنساء أن يحافظن على علاقات عفيفة مع الجنس الآخر، بينما لا يغطين الرقبة والشعر. يقتضي العيش الأخلاقي أن نضع هذه التدقيقات والتفريقات نصب أعيننا، وأن نعتبر نطاق السلوك العفيف في عصرنا الحاضر لا أضيق ولا أوسع مما يجب أن يكون. لننظر في الاقتباس التالي من الشيخ مرتضى مطهري:
«...يقولون إن الحجاب بين بعض الأقوام أمر حسن وعدم الحجاب سيء، وبين أقوام آخرين عدم الحجاب أمر حسن والحجاب سيء، فيتضح أن هذه الحسنات والسيئات ليست أمرًا ثابتًا. في الرد يجب القول إن الموضوع يكمن في أنه لا يجب أن نختزل المسألة في الحجاب وعدم الحجاب. ما هو كامن في الفطرة الإنسانية هو مسألة العفة، أي أن الله تعالى خلق الإنسان وخاصة المرأة بطريقة تحترم الحقوق الأسرية... ما هو موجود في وجدان كل رجل وامرأة هو مسألة العفة، لكن هناك أشياء تكون مقدمة ووسيلة لها. أي أن من يقول إن الحجاب حسن، هل يريد أن يقول إن الحجاب من حيث هو حجاب حسن، بغض النظر عن العفة؟ وإذا كانت المرأة محجبة فهي حسنة، حتى لو كانت هذه المرأة أقل عفة بمائة درجة مما كانت عليه وهي بلا حجاب؟ »[۲۵] بحسب رأي مطهري، ما له أولاً وبالذات محورية ويتعلق أخلاقيًا هو «العفة» والسلوك العفيف؛ السلوك العفيف الذي له مصاديق متنوعة في أزمنة مختلفة.[۲۶] مقدار اللباس والحجاب للنساء والرجال من مكونات العفة، وليس العكس. بتعبير آخر، الحجاب ومقدار اللباس للنساء والرجال يُعرّف تحت مفهوم العفة ويشكل جزءًا من السلوك العفيف، وليس العفة تحت الحجاب. يؤكد مطهري بحق على الأهمية والمحورية الأخلاقية للعفة والسلوك العفيف؛ السلوك العفيف الذي يُوزن بميزان الأخلاق ويتصف بصفة الحسن والاستحقاق ويشكل أساس السلوك الأخلاقي الموجه. مقتضى ذلك أنه يمكن لشخص أن يكون محجبًا وأن يتمتع بسلوك وقور وعفيف. كذلك يمكن تصور أن يكون شخص غير محجب؛ وفي الوقت ذاته يسلك سلوكًا عفيفًا وأخلاقيًا. فلا توجد ملازمة بين «ستر العنق وشعر الرأس» و«السلوك العفيف» وهناك احتمالات عديدة بين هذين الأمرين.[۲۷] بالإضافة إلى ذلك، كما جاء في مقالة «الحجاب بميزان الأخلاق»، «الحجاب الإجباري» أمر غير أخلاقي ومذموم ولا يؤدي إلى شيء، كما لم ينجح حتى الآن في مجتمعنا. قال عموم علماء الأخلاق إن الفعل القسري وغير الإرادي لا وزن له في ميزان الأخلاق. حماية المبادئ الأساسية للأخلاق مسؤولية الحكومات وليس أكثر من ذلك؛ وفي الوقت ذاته يمكن أن يجري النقاش والحوار حول حدود الحجاب وسلامته الأخلاقية في المجتمع المدني وفي الحيز العام وبدون تدخل المؤسسات الحكومية. وفي الوقت ذاته، كما أن «الحجاب الإجباري» غير أخلاقي، فإن «عدم الحجاب الإجباري» أيضًا غير عادل وغير أخلاقي. كما يجب أن نتذكر أنه وفقًا للمعايير الدينية والأخلاقية، ضبط النفس والكف عن الهوى والسلوك العفيف واجب على النساء وواجب على الرجال أيضًا؛ هذا الحكم يقع على كلا الجنسين وليس على النساء فحسب. التركيز على مجموعة واحدة والمطالبة بإلحاح بضبط النفس منهم وتجاهل وعدم رؤية السلوك غير الأخلاقي من المجموعة الأخرى، حكم وسلوك ظالم وغير عادل وغير موجه. إذا كان الغرض صرف الاهتمام برعاية حال الرجال فقط وطلبنا من النساء أن يغطين أنفسهن أكثر فأكثر يومًا بعد يوم لكي لا يُتعرضن للفتنة؛ يمكن أن نعتقد أن عملية ستر المرأة لن يكون لها حد نهائي وقد يأتي اليوم الذي يشعر فيه بعض الرجال بالفتنة حتى من مجرد رؤية وجوه النساء المحجبات. مقتضى ذلك أنه لرعاية حال مثل هؤلاء الرجال ذوي هذا النظر، يجب على النساء أن يسترن وجوههن كاملاً وفي المرحلة التالية لا يخرجن من البيت وليظهرن أمام الرجال الأجانب؛ وهذا بالطبع يتناقض مع حدسنا الأخلاقي الحالي ويبدو غير موجه. في هذا الصيغة، نرى نوعًا من «الانزلاق على المنحدر»[۲۸]؛ وبموجبه يجب أن نضيف تدريجيًا إلى مقدار ستر النساء وينقص ظهورهن وحضورهن الاجتماعي حتى يقول أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين أنه من الأفضل أن تبقى النساء في عمق البيت وأن تشتغل بالغزل:
«والقول الجامع في آداب المرأه من غير تطويل ان تكون قاعدتا في قعر بيتها لازمه لمغزلها »[۲۹] وهو أيضًا يؤكد في كيمياء السعادة:
« وحق الرجل على المرأة أن تجلس في بيتها، ولا تخرج بغير إذنه، ولا تعلو الباب والسقف، ولا تخالط الجيران ولا تحدثهم كثيرا، ولا تقترب منهم بغير ضرورة، ولا تقول عن زوجها إلا الخير...وإذا دق باب زوجها أحد من أصدقائه، ترد عليه ردا لا يعرفها به، وتختبئ من جميع معارفه حتى لا يراها».[۳۰] ينبغي تغيير الصورة والتصور عن العلاقة مع النساء في العصر الراهن كي لا تترتب عليه نتائج كهذه. يبدو أن الرجال والنساء يستطيعون، مع الحفاظ على الحرمة، أن يقيموا علاقة إنسانية عفيفة فيما بينهم. لا ينبغي للرجال أن يختزلوا النساء إلى موضوع جنسي وأن يتجاهلوا كرامتهن الإنسانية، وهذا نفسه خطأ أخلاقي وفهم خاطئ، بل عليهم أن يكبتوا بالممارسة المستمرة النظرة الجنسية إلى النساء، وأن ينموا في أنفسهم بدلا منها نظرة إنسانية وإنسانوية[۳۱] إلى النساء من حولهم ويرسخوها: «فسّر نفسك ولا تفسر الذكر». في الآونة الأخيرة كتب أحد رجال الإعلام أن السبب الرئيسي للحادثة المؤسفة الأخيرة من الاعتداء على فتاة شابة في الهند كان لباسها غير الملائم. بغض النظر عن تحليلهم البسيط جدا لظاهرة الاعتداء الجنسي الذي يعتبر من الانحرافات الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات عموما، والذي تؤثر فيه تأثيرا تاما العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية...، والتحليل الأحادي البعد فيه باطل من الأساس؛ فإن هذا النظر يرى في تقيد النساء أكثر فأكثر الحل، ويعتبره ضامنا للسلوك الأخلاقي العفيف؛ حين أن الحل الحقيقي هو غسل العيون ورؤية مختلفة، وتغيير النظرة نحو النساء مع الحفاظ على الحرمة الأخلاقية والإنسانية: «أفضل شيء أن نصل إلى نظرة تتعالى عن حادثة الحب».[۳۲] كما ورد، فإن ما يحتل المركز الأساسي هنا وما يضمن العمل الأخلاقي الموجه هو، أولا وبالذات، السلوك العفيف؛ وليس غطاء الرقبة والشعر. ثانيا، «العفة» من بين المفاهيم الأخلاقية الراسخة وهي فضيلة عالمية وعامة، مثل مفاهيم «العدل» و«الرحمة»؛ وفي نفس الوقت فإن مصاديق السلوك العفيف يمكن أن تتغير من ثقافة وعصر إلى ثقافة وعصر آخر. في العصر الراهن، يعتقد كثيرون من البالغين العاقلين الذين يعيشون في بلدان مختلفة بخلفيات معرفية وتربوية متنوعة أن عدم تغطية الرقبة والشعر ليس فيه قبح أخلاقي وليس من حيث الأصل مصداقا للسلوك غير العفيف. ثالثا، التحفظ والسلوك العفيف هو واجب أخلاقي على الرجال كما هو واجب أخلاقي على النساء؛ وفي هذا الصدد لا ينبغي أن ننتظر من النساء فقط أن يغطين أنفسهن ويمارسن العلاقات الإنسانية العفيفة.
بشأن العلاقة بين الدين والأخلاق، أعتنق «نظرية الأمر الإلهي الحد الأدنى». وفقاً لهذه القراءة، الأخلاق مستقلة عن الدين من حيث الدلالة الإبستيمولوجية والوجود الأنطولوجي. بعبارة أخرى، إدراك معاني المفاهيم الأخلاقية الثقيلة والخفيفة مثل «العفة»، و«الوفاء»، و«اللطف»، و«الخير»، و«الشر»... لا يتوقف على الرجوع إلى النصوص الدينية. وكذلك، تحديد الأوصاف والمبادئ الأخلاقية في العالم المحيط غير متوقف على إرادة الله الشارع. علاوة على ذلك، من حيث الإبستيمولوجيا والمنهجية، باستعارة نظرية «الأساسية- الانسجام المعتدل» [۳۳] لروبير أودي والمنهج «المقارنة المتأملة» [۳۴] لجون رولز، لإدراك الأحكام المعيارية المبررة، أعتقد بالحوار والتبادل بين الحدس الأخلاقي والحدس الديني أو الأحكام المعيارية المتخذة والمقتبسة من التقليد الديني. لزوم هذا الكلام أن لا الدين والفقه يجب أن يحل محل الأخلاق ولا الأخلاق محل الفقه؛ بل التفاعل والتوافق بين الحدس الفقهي والديني من جهة والحدس الأخلاقي العرفي من جهة أخرى يقود الطريق هنا ويجب الاستئناس به، ويصدر لنا الأحكام المعيارية (الفقهية والأخلاقية) المبررة. إذاً ليس الأمر حول أولوية الدين على الأخلاق ولا أولوية محتوى الأخلاق على الدين؛ بل حول العلاقة الإبستيمولوجية بين هذا الصنف من الحدس للوصول إلى الأحكام المعيارية المبررة.[۳۵] كما جاء، فقهاء مثل القابسي يعتقدون أن عدم تغطية الرقبة والشعر لا يحمل حرمة شرعية؛ والإسلاميون مثل الجابري وأبو زيد وصبحي منصور يعتقدون أيضاً أنه في عصرنا الحالي تغطية الشعر والرقبة لا تحمل ضرورة شرعية. وفي الوقت نفسه ترك أشهود أيضاً بتتبعاته التاريخية والفقهية حدد حدود وثغور الحجاب في عصر النبي واعتقد أن تغطية الرقبة والشعر في عصر النبي لم تكن ضرورية وأن إرادة الشارع لم تتعلق بهذا الأمر؛ مع أن عموم الفقهاء المسلمين يعتقدون أن عدم تغطية الرقبة والشعر يحمل حرمة شرعية. كما أراه، لزوم الاختلاف فيه وعدم اتفاق جميع الفقهاء والإسلاميين حول حدود وثغور الحجاب للمرأة هو أن آيات الحجاب ليست نصاً (بمعنى علم الأصول الفقهي لها)؛ ولزوم هذا الكلام أنه بخلاف الآيات النصية التي لها دلالة قطعية، قراءات وتفسيرات متعددة من آيات الحجاب ممكنة ومتصورة. كثير من الفقهاء يعتقدون أن إرادة الله تعلقت بضرورة أن تكون الرقبة والشعر مغطيين،[۳۶] وفي الوقت نفسه قليل من الفقهاء يعتقدون أن إرادة الله لم تتعلق بضرورة أن تكون الرقبة والشعر مغطيين؛ بخلاف مسألة مثل «الزنى بالمحارم» التي عموم فقهاء الفريقين يعتقدون أن هذا الفعل يحمل قبح أخلاقي وارتكابه حرام شرعاً ويتضمن العصيان لأوامر الله. من جهة أخرى، كما رأينا، وفقاً لحدس عموم البشر الأخلاقي، عدم تغطية الرقبة والشعر في عصرنا الحالي لا يحمل قبح أخلاقي. صياغتي السردية الأخلاقية له بموجب نظام «الواجبات الأخلاقية في المقام الأول» [۳۷] لديفيد روس واعتبار «السلوك العفيف» من «الواجبات الأخلاقية في المقام الأول» في مقالتي «الحجاب في ميزان الأخلاق» هو فقط إحدى الطرق المتصورة لتبيين السردية الأخلاقية لعدم تغطية الرقبة والشعر. يمكن باستعارة تعاليم مدارس أخرى في مجال «الأخلاق المعيارية»[۳۸]، مثل «المنفعية»[۳۹]، إظهار السردية الأخلاقية لعدم تغطية الرقبة والشعر. الآن مع الأخذ في الاعتبار «نظرية الأمر الإلهي الحد الأدنى»، يمكن الاعتقاد بأنه في الحالات التي من جهة لا يكون الأمر الإلهي في النص المقدس صريحاً وليس لدى الإسلاميين والمفسرين والفقهاء إجماع في إدراك مراد الله (مثل مسألة الحجاب وبخلاف مسائل مثل الزنى بالمحارم والتطفيف)، ومن جهة أخرى الحدس الأخلاقي العرفي يأتي بالفتوى على السردية المعيارية للفعل، يمكن اعتبار حكم الحدس الأخلاقي بالقبول وافتراض أن مراد الله في هذا الشأن ليس منصوصاً في النص المقدس وليس صريحاً في تلك الآيات وأكثر من قراءة واحدة منها ممكن ومتصور. في الواقع، افتراض «نظرية الأمر الإلهي الحد الأدنى» هو أن القراءة المناسبة والمنهجية للتقليد الديني لإدراك مراد وأمر الله معرفية، وكذلك الحدس الأخلاقي العرفي. إذاً البحث عن التوافق والتفاعل بين هذين الأمرين للوصول إلى الأحكام المعيارية المبررة، واجب أخلاقي وعقلي. يجب أن ننتبه إلى أن هذا الادعاء لا يتضمن إصدار فتوى فقهية؛ بل هو نوع من قراءة النص المقدس لإدراك مراد الله في ضوء قبول «نظرية الأمر الإلهي الحد الأدنى» والالتزام باللوازم المنطقية لتعاليم «المقارنة المتأملة» و«الأساسية- الانسجام المعتدل».
في الواقع، فإن البحث عن التوازن والتفاعل بين الأحكام الفقهية والحدوس الأخلاقية يتعلّق في الأساس بالأحكام الفقهية الاجتماعية مثل الحجاب والرجم والردة... وليس بالأحكام الفردية؛ لأن الأحكام الفردية مثل الصوم والصلاة.... لا تملك في الغالب «صلة أخلاقية» ولا يمكن وزنها بميزان الأخلاق.بناءً على ما سبق، يمكن الخروج بالنتيجة التالية: إن أحكام الحجاب في الشريعة الإسلامية، أولاً وبالذات، ذات صبغة هويّاتية وليست أخلاقية؛ ومن ثمّ فإن تغطية الرقبة والشعر لم تكن ضرورية لجميع النساء المسلمات. ثانياً، إن مسألة اللباس للمرأة والرجل هي فعل طبيعي من جملة الأفعال الطبيعية الأخرى التي تندرج تحت مقولة «العفاف» وتكتسب «ارتباطاً أخلاقياً»؛ وإن كانت حدود ومعايير اللباس قد تختلف من ثقافة إلى أخرى. في عصرنا الحالي، تعتبر كثير من الثقافات والأعراف عدم تغطية الرقبة والشعر ليس مصداقاً من مصاديق السلوك غير العفيف وغير الأخلاقي؛ ويمكننا نحن أيضاً أن نعيد النظر في هذا الأمر ولا نعتبر سلوك كثير من الأشخاص الذين لا يغطون رقبتهم وشعرهم سلوكاً غير أخلاقي.
علاوة على ذلك، مع الأخذ في الاعتبار «نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي» وقبول القول من جهة بأن قليلاً من الفقهاء وبعض الباحثين المعاصرين في الدراسات الإسلامية يعتقدون بأن آيات القرآن لا تدل دلالة قطعية (نص) على ضرورة تغطية الرقبة والشعر، وملاءمة عدم تغطيتهما مع الحدس الأخلاقي العرفي من جهة أخرى، يمكن الخروج بالنتيجة التالية: إن عدم تغطية الرقبة والشعر في عصرنا الحالي لا يحمل أساساً قبحاً أخلاقياً وفي الوقت ذاته لا ينطوي على خرق للأمر الإلهي والمراد الإلهي ولا على تجاهل نص القرآن.
.
. *استفدت في إنجاز هذا المقال من ملاحظات واقتراحات مفيدة من الأصدقاء والزملاء الكرام: مولود بهرامي نژاد، محمد توكلي طرقي، فروغ جهانبخش، فرشاد حبيبي، حسين دباغ، سحرناز سماعي نژاد، حسين كاجي، فيليب كلارك، حسين كمالي، ياسر مير دامادي وحسن يوسفي أشكوري. أشكرهم بصدق. وفي الوقت ذاته، تقع مسؤولية المقال على عاتق صاحب هذا القلم.
[1] 3danet.ir/soroush-dabbagh-hejab-1
[2] على سبيل المثال، انظر:
http://www.bultannews.com/fa/mobile/116992
[3]على سبيل المثال، انظر المقالات لفرشاد حبيبي وماجد إيرانشاهي تحت العناوين «نظرة على الحجاب في ميزان الأخلاق» و«نقد على مقالة الحجاب في ميزان الأخلاق» في الروابط التالية:
http://zananpress.com/archives/28925
http://www.rahesabz.net/story/64359/
[4] Weak Divine Command Theory
[5] للاطلاع أكثر على مكونات الدينية في الفكر المعيشي والمعرفي، انظر:
عبد الكريم سروش، «أصناف التديّن»، أخلاق الآلهة، طهران، طرح نو، 1380؛ نفسه، «الدين والعالم الجديد»، التقليد والعلمانية، طهران، صراط، 1381. انظر أيضاً سروش دباغ، الدين في مرآة الدين: استعراض لآراء عبد الكريم سروش في علم الأديان، طهران، صراط، 1387؛ المدخل 5.
[6] أحمد قابل، موقع الشريعة العقلانية، مقال «بشأن الحجاب 1»
http://ghabel.blogspot.ca/
انظر أيضاً حوار أحمد قابل مع موقع جرس بعنوان: الحجاب والإسلام السياسي من منظور الشريعة العقلانية:
http://www.rahesabz.net/story/54225/
[7] محمد بهرامي، «قراءات جديدة من آيات الحجاب»، مجلة الدراسات القرآنية:
http://www.maarefquran.org/index.php/page,viewArticle/LinkID,262
في هذا المقال، تم بحث آراء مفكرين عرب آخرين بشأن الحجاب. يعتقد أغلب هؤلاء المفكرين المسلمين بأن تغطية الشعر والرقبة للنساء في عصرنا الحالي لا تندرج ضمن الأحكام الشرعية.
[8] المرجع نفسه
[9] - للمستشار محمد سعيد عشماوي، حقيقة الحجاب وحجية الحديث، القاهرة، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية 1995، ص 15-17
[10] - http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=814
[11] - http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_fatwa.php?main_id=191
[12] أمير تركاشوند، الحجاب الشرعي في عصر النبي، نسخة إلكترونية، ملف بي دي إف، صفحات 684، 721
[13] http://kadivar.com/?page_id=8218
[14] سورة المطففين، الآيات 1-4: ويل للمطففين، الذين إذا استكالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون.
[15] moral relevance
[16] thick moral concepts
[17] thin moral concepts
[18] للاطلاع الأوسع على رأي ويليامز، انظر:
Bernard Williams (1985) Ethics and the Limits of Philosophy (Cambridge: Harvard University Press).
David McNaughton and Peter Rawling( 2000) ' Unprincipled Ethics' in Hooker, B. and Little, M. (eds.) Moral Particularism(Oxford: Clarendon Press), pp. 256-275.
[19] عبد الكريم سروش يطرح في مقالته "أخلاق الآلهة" التمييز بين "الأفعال الطبيعية" و"الأفعال الأخلاقية"؛ انظر: عبد الكريم سروش، "أخلاق الآلهة: لا توجد أخلاق عليا"، أخلاق الآلهة، الطرح الجديد، طهران، صفحات 11-40.
[20] moral intuitions
[21] morally irrelevant
[22] مثلاً "كون البنطال أزرق اللون" و كون الضرب قد وقع يوم الثلاثاء ليس له دور في حكمنا الأخلاقي. بعبارة أخرى، حدسياتنا الأخلاقية تقول إنه إذا ضرب الأب ابنه يوم الاثنين أو لبس بنطالاً بني اللون، فإن فعله لا يزال مذموماً وظالماً أخلاقياً
[23] Ideal observer
[24] للاطلاع على نضالات النساء في عصر الدستور، انظر: جانيت أفاري، الثورة الدستورية الإيرانية، ترجمة رضا رضائي، بيستون، طهران، الفصول 2 و7.
[25] مرتضى مطهري، الإسلام ومقتضيات الزمن، صدرا، طهران، المجلد الأول، صفحات 403-405.
[26] في مقالة "الحجاب في ميزان الأخلاق"، شرحت رأي المرحوم مطهري حول مسألة الحجاب بالاستدلال بكتاب "مسألة الحجاب". بناءً على موقفه، يجب أن يكون كل بدن المرأة المسلمة مغطىً ما عدا الوجه والكفين. في هذه المقالة، بعيداً عن موقف مطهري في كتاب "مسألة الحجاب"، أوردت نقلاً له حول مفهوم العفة وحدود وثغور مسألة العفاف من كتاب "الإسلام ومقتضيات الزمن" وتتبعت لوازمه.
[27] إذا كانت في سياق أخلاقي، ملاحظة أخلاقية أهم موجودة، مثلاً أن تغطية الشعر والعنق قد تؤدي إلى فقدان الفرد لعمله وتعريضه لضيق معيشي، بحيث يتضرر بشكل كبير رفاهية أسرته التي تعتمد عليه اقتصادياً؛ فإنه أخلاقياً يجب عليه عدم تغطية عنقه وشعره إلى أن يجد ربما عملاً آخر. النظام الأخلاقي الرأسي، كما شُرح في مقالة "الحجاب في ميزان الأخلاق"، يشرح بشكل جيد "الاعتماد على السياق" في الأحكام الأخلاقية.
[28] slippery slope argument
[29] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، "آداب النكاح"
[30] أبو حامد الإمام محمد الغزالي الطوسي، كيمياء السعادة، ربع العبادات وربع المعاملات، بتحقيق حسين خديو جم، طهران، 1380، المجلد الأول، « آداب النكاح»، الصفحة 323.
[31] altruistic
[32] سهراب سپهری، الثماني كتب، الدفتر « الحجم الأخضر»، القصيدة« ليلة الوحدة الجميلة».
[33] modest-foundationalism-coherentism
[34] reflective equilibrium
[35]لمزيد من التوسع في هذا الموضوع، انظر: سروش دباغ، « الدين في مرآة الأخلاق»، حوار مع مجلة الجامعة والجامعة الإمام الصادق في الرابط التالي:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/87.pdf
[36] على سبيل المثال، انظر المقابلة مع محمد جواد فاضل لنكراني مع موقع جهان نيوز تحت عنوان « الحجاب شرط الإيمان»:
http://jahannews.com/vdchwqnix23nx-d.tft2.html
[37] The Ethics of Prima Facie Duties
[38] normative ethics
[39] Utilitarianism
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
به نظرمن ابتدا باید حجاب درونی یک فرد از نظر اخلاقی رعایت شود وبعدازآن به حجاب بیرونی پرداخته شود.چه بسا بانوانی علیرغم داشتن حجاب به ظاهر کامل با حرکات بسیار تحریک آمیز در لحن صحبت خود باعث تحریک حتی یک پیرمرد شوند،،آنچه در کشور ما به صورت ریشه ایی باید بررسی شود مسئله حجاب است،،چرا باید یک زن مسلمان حجاب کامل داشته باشد؟ البته پوشاندن سرو گردن دقیقا مطابق آیه قرآن کریم است جالب است که حجاب برای بانوان در همه ادیان توحیدی وجود دارد، ،ولی مهم بیان (فلسفه حجاب) است که متاسفانه فقها نتوانستند به طور جامع و کامل(ازهمه جوانب) آنرا برای مسلمانان بیان کنند..
یه سوال داشتم "پوششِ بدن زن و مرد فعلی طبیعی است..." طبیعی بودن برخی از اعمال رو چطور میشه تشخیص داد یعنی ما چطور تشخیص میدیم پوشش طبیعیه؟