اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد سروش دباغ مقالة عبد الكريمي، ويرى أن وصف المثقفين الدينيين باتخاذ موقف مناهض للتراث غير دقيق، ويشكك في تصوير شريعتي بوصفه التجسيد النبوي الوحيد، ويشدد على ضرورة إعادة قراءة التراث قراءة نقدية وتجنب الألقاب التحقيرية.

تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية التاسعة والثلاثين لوفاة الدكتور علي شريعتي؛ مُعلّم الثورة والمفكر الديني المعاصر البارز. وقد أُتيح لي حتى الآن أن أكتب وأتحدث، في مناسبات متفرقة، عن «كويريات»، و«إسلاميات» و«اجتماعيات» شريعتي، وأن أؤدي دَيْني لذلك الرجل العظيم من خلال إعادة قراءة نقدية لإرث شريعتي. [۱] لا حاجة إلى التذكير والتكرار بأن بارقات العبقرية كانت تتلألأ في هذا المفكر الخلاق والمُنظِّر صانع المفاهيم؛ كما أن النثر الساحر والقدرة الخطابية النادرة، قد ميّزت شريعتي عن كثير من أبناء جيله وأقرانه.
وما دفعني إلى كتابة هذه السطور هو نشر مقال الصديق العزيز، الدكتور بيجن عبد الكريمي، بعنوان «شريعتي وسؤالنا الأساسي» [۲]. وكما أفهم، فإن الكاتب قد ارتكب أخطاء عديدة في هذا النص الذي نُشر بمناسبة حلول ذكرى وفاة شريعتي. وفيما يلي سأحاول أن أتناولها بالاستشهاد بفقرات مختلفة من نصه:
«من ناحية أخرى، يسعى الجمع الغفير من مثقفينا إلى إنكار القيم والنظرة إلى العالم الكامنة في التراث، ويتخذون موقفًا مناهضًا للتراث متأثرين بنظرة وقيم عصر التنوير، أو على الأكثر، كما يفعل من يُسمّون بالمثقفين الدينيين، يسعون إلى تحديث التراث بشكل ما وفرض الصورة الحديثة على مادة التراث التاريخي. وفي هذه الطريقة أيضًا يُفرّغ التراث من روحه. في حين أن شريعتي لا يريد اختزال الحداثة في عالم التراث، ولا التراث في العالم الحديث، وهذا الأمر نفسه هو ما جعله عرضة لهجوم ونقد شديدين من جانب أنصار التراث والحداثيين على حد سواء.»
ما الذي يعنيه عبد الكريمي بـ«من يُسمّون بالمثقفين الدينيين»؟ يبدو أن هذه العبارة تنطوي على معنى قدحي وربما تحقيري
أولاً، يمكن ذكر العديد من المثقفين الإيرانيين البارزين الذين لا يندرجون تحت مدرسة التنوير الديني أو الفكر الديني الجديد، وفي الوقت نفسه هم تحت تأثيرقيم عصر التنوير؛ لكن ليس لديهم أي عداء ضد التقليد. أشخاص مثل داريوش شايغان، داريوش آشوري وبابك أحمدي، هم من زمرة المثقفين الذين لا يكتفون بعدم إضمار العداء ضد التقليد الإيراني-الإسلامي، بل إنهم، بشهادة آثارهم، قد هبّوا للتأمل في مكونات من هذا التقليد. لقد عكف أحمدي على إعادة قراءة تذكرة الأولياء للعطار النيسابوري، كما أن شايغان في أعمال مثل "أفسون زدكي جديد" (خيبة الأمل الجديدة)، و"در جستجوي فضاهاي غمشده" (بحثاً عن الفضاءات المفقودة) و"پنج اقليم حضور" (أقاليم الحضور الخمسة)، قد أوضح علاقته بالإرث العرفاني – الأدبي لأرض إيران. أما آشوري فمنذ سنواتوهو مشغوف باللغة الفارسية وبناء كلمات جديدة وتعدادِ مكونات «اللغة المفتوحة»؛ وهو في الوقت نفسه مفتون بالخواجة شيراز وقد تتبع العرفان والرندية في شعر حافظ. تُظهر الحالات المذكورة أن «الجمع الغفير من المثقفين» الوطنيين، لا يتخذون موقفاً معادياً للتقليد، وأن هذا الادعاء غير دقيق وغير مبرر.
ثانيًا، ما الذي يعنيه عبد الكريمي بـ«المثقفين المُسَمَّوْن دينيين»؟ يبدو أن هذه العبارة تنطوي على شحنة معنوية مذمومة وربما تحقيرية. ما الداعي لأن نخاطب نحلة وطائفة بهذه الطريقة؟ إذا قال أحدهم إن هايدغر، هو فيلسوف بالاسم، أو إن عبد الكريمي، هو شارح لفلسفة هايدغر بالاسم، فهل هذا جيد؟ لا أتصور أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون إيجابية. وعلى هذا المنوال، لو كنت مكان عبد الكريمي، لاستعملت مفهومي «التنوير الديني» و«التجديد الديني»، وهما مفهومان راسخان وقد جرى الحديث بما فيه الكفاية عن اتساقهما الداخلي وصلاحية دلالاتهما المعرفية في السنوات الأخيرة، دون تهكم أو تلميح. [٣]
خلافًا لتصور عبد الكريمي، فإن المجددين والمثقفين الدينيين ليسوا بصدد تحديث التقليد، ولا يريدون فرض صورة حداثية على مادة التقليد التاريخي كي تُنتزع روح التقليد؛ بل هم بصدد إعادة قراءة نقدية للتقليد الديني مع الأخذ بعين الاعتبار منجزات العلوم الإنسانية الجديدة
ثالثاً، بخلاف تصور عبد الكريمي، فإن المجددين والمثقفين الدينيين (على الأقل في الثلاثين عاماً الأخيرة) لا يسعون إلى تحديث التراث، و لا يريدون فرض صورة حداثية على مادة التراث التاريخي كي تُستلب روح التراث؛ بل يسعون إلى إعادة قراءة نقدية للتراث الديني مع الالتفات إلى منجزات العلوم الإنسانيةالجديدة؛ بين هذين التصورين بونٌ شاسع. وفي هذا السياق، يسعى المجددون الدينيون باستخدام مناهج كالظاهراتية التاريخية والالتفات إلى الخصائص المناخية-المعيشية-الثقافية-المعرفية لشبه جزيرة العرب قبل أربعة عشر قرناً، إلى إدراك سياق وزمان نشأة النص المقدس والتراث الديني وفهم حكاية الخصلة التي نُظمت في جوف ذاك الليل؛ [٤] وفي المرحلة التالية يهمّون بتقييمه وإعادة قراءته نقدياً. ومن الطريف أن الغاية القصوى لهذا التنقيب المعرفي، بخلاف رأي عبد الكريمي، هي إعادة بناء وصياغة الروح المندرجة والمنطوية في التراث الديني في زماننا المضطرم الحاضر. ويمكن بيان هذه الدعوى على نحو آخر. إن خطاب التجديد الديني في العقود الثلاثة الأخيرة هو «خطاب التوافق»، بخلاف خطاب التجديد الديني قبل الثورة الذي كان في الغالب «خطاب استخراج» وسعى إلى استخراج المفاهيم الحديثة من صلب التراث، وبتعبير شايغان الدقيق عن مشروع شريعتي، «أدلجة التراث». إن استلاب روح التراث يتناسب ويتلاءم مع خطاب الاستخراج الذي يبلغ ذروته في العملالفكري لشريعتي ويسعى إلى أدلجة التراث [٥]، لا مع «خطاب التوافق» الذي يميز بين الأمور الكونية [٦] والأمور الموضعية [٧] في النص المقدس والتراث الدي
ني وبمساعدة أدوات مثل «فصل الذاتيات عن العرضيات» و«الترجمةالثقافية»، منشغل بإعادة خلق روح التقليد في العصر الحاضر.في متابعة للنص، يضيف عبد الكريم:
«في فكر شريعتي مكوّنات هي التي رسمت ملامح مستقبل التفكير في مجتمعنا، كما أن هذه العناصر تتوازى مع بعض أهمّ استبصارات كبار معلّمي الفكر الإنساني المستقبلي. على سبيل المثال، الخروج من هيمنة منطق الاستشراق والاستشراق المعكوس، والنقد الراديكالي للمركزية الأوروبية في العلوم الإنسانية الحديثة، والنظرة النقدية إلى العلموية، والوضعية والتكنولوجيا، والتفسير الروحي للعالم خارج الأنساق اللاهوتية وخارج هيمنة المؤسسات الرسمية الوصية على الحقيقة... شئنا أم أبينا، شريعتي شخصية فريدة ولا نظير لها ليس فحسب في التاريخ المعاصر، بل في تاريخنا برمّته. إنه يتمتع بشدة بالأصالة والتفرّد... على امتداد تاريخنا، عرفنا جماعاتمعروفة مثل المتكلّمين، والفقهاء، والزهّاد، والمفسّرين، والعرفاء، والفلاسفة، وقد نظر كلّ منهم إلى وجه من وجوه "شخصية النبي"، باعتبارها أحد ينابيع تراثنا التاريخي. لكن شريعتي، حتى يومنا هذا، هو الشخصية الوحيدة ــ أو على الأقل لا أعرف شخصية أخرى ــ التي سعت إلى أن يكون "التأسّي بالنبي في كلية شخصيته". إنه يسعى، في زمن يحظى فيه غاليليو ونيوتن وآينشتاين بمكانة وقرب أكبر من سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهؤلاء الثلاثة الأخيرون أكثر من إبراهيم والمسيح ومحمد [ص]، إلى التأسّي بالنبي».
مع كلّ ما يمكن أن نكنّه لشريعتي من احترام، لماذا هو الشخصية الوحيدة التي تجلّى فيها«التأسّي بالنبي في كلية شخصيته»؟
أولاً، «ماذا يعني "معلمو فكر مستقبل البشرية"؟ ما المعنى المحصّل لهذا التعبير؟ هل يعلم أحدٌ مسارَ فكر مستقبل البشر حتى يُعدِّد معلمي ذلك ويُعيِّنهم مسبقاً؟! وكما يقول ماركوزه،«التاريخ ليس شركة تأمين»، ولا يمكن القول بشكل قطعي إن فلاناً وفلاناً هما في عداد معلمي فكرمستقبل البشرية. مفروضُ هذه النظرة هو القول بجوهرٍ وحتميةٍ وقطيعةٍ للتاريخ، وتبريرُ روايةٍ من روايات الحتمية التاريخية؛ وهو موقف غير مبرَّر وينبغي نبذه. أقصى ما يمكن للمرء قوله هو إنني أتعاطف أكثر مع فكر فلان أو فلان وآمل أن يخلد هذا الفكر، هذا فحسب. الادعاء بأكثر من هذا هو كلام خطابي غير استدلالي ولا وزن له في ميزان البحث.
ثانيًا، لنسأل الكاتبَ المحترم، هل استخدم كلمةَ «الوضعية» بمعناها الصحفي السطحي الشائع أم بمعناها الفلسفي التقني؟ إذا كان يقصد الثاني، فإن آثار شريعتي لا تدل على إلمامه بفلسفةِ الوضعية ومن ثم نقدها في مرحلةٍ لاحقة؛ الوضعيةُ التي انبثقت بدايةً في أعمال أوغست كونت ثم أطلق عليها أعضاء حلقةِ فيينا أمثال كارناب وآير وشليك ورايشنباخ، تحت تأثير الرسالة المنطقية الفلسفية لفتغنشتاين، اسم «الوضعية المنطقية»؛ مصطلح ومدرسة لا تحكي سوى عن فترة من فترات فلسفةِ الأنجلوسكسون فحسب. كثيرون في السنوات الأخيرة، استخدموا كلمةَ «الوضعية» كشتيمة، دون عناية بأسسها ومبادئها الفلسفية وخلفيتِها التاريخية؛ وكأن كل من يتحمس للعلم التجريبي وينفتح على الحداثة والعلوم الإنسانية الجديدة ، وضعيٌ!
من سخرية الأقدار أن عبد الكريمي، بشهادة أعماله، مولعٌ بشريعتي، ومفتونٌ بفرديد ؛فرديدٌ الذي كان يصف شريعتي بالماسوني و لم يكن مشروعُ الإصلاح الديني يروقه وكان يخلط من عرفان ابن عربي وفلسفةِ هايدغر خليطًا يسوقه إلى جمهوره
ثالثاً، مع كل الاحترام الذي يمكن أن نكنّه لشريعتي، لماذا هو الشخصية الوحيدة التي «تجسد فيها النبي في كليّة شخصيته»؟ ما الدليل الذي أقامه عبد الكريمي على هذه الدعوى؟ يمكنني أن أحزر عمق إخلاص عبد الكريمي وولعه بشريعتي، وهي أحوال جربتها أنا أيضاً في يوم من الأيام، وفي الوقت نفسه، فإن فوران المشاعر والعواطف وذكر الدعاوى بلا دليل، لا مكان له في كتابة يُفترض أن تكون بحثية-استدلالية. في المباحث الفكرية، علاقة المريد بالمرشد لا وزن لها ولا تأسر قلباً؛ «نحن أبناء الدليل». تجسد النبي في كليّة شخصيته، في تاريخ الحضارة الإسلامية، لماذا على سبيل المثال لم يتجسد في عين القضاة الهمداني، وشهاب الدين السهروردي، وعطار النيسابوري، وحافظ الشيرازي، وصدرا الشيرازي، وإقبال اللاهوري، أكثر مما تجسد في علي شريعتي؟ من شخص مؤانس للمباحث الفلسفية، يُتوقع أن يتحدث حديثاً استدلالياً ومدروساً.
رابعاً. من سخرية الأقدار أن عبد الكريمي، بشهادة أعماله، هو عاشقٌ لشريعتي، ومفتونٌ بفرديد [۸]؛ فرديد الذي كان يصف شريعتي بالماسوني و لم يكن مشروع الإصلاح الديني يروقه إطلاقاً، وكان يخلط من عرفان ابن عربي وفلسفة هايدغر (بحسب زعمه) خليطاً يسوقه إلى جمهوره ويُطعمهم إياه.أنا شخصياً لا أتعاطف مع فلسفة فرديد، وكما أجد فإن مشروعه في التوفيق بين رواية غير دقيقة لفلسفة هايدغر وابن عربي، عقيم [۹] ولا يُفضي إلى نتيجة، ويختلف كثيراً عن فهمي لمكونات ومقومات عرفان ابن عربي وفلسفة هايدغر. ومع ذلك ، يمكنني أن أفهم أن يوافق شخص (مثل عبد الكريمي) على أمهات كلام فرديد؛ لكنني لا أستطيع أن أدرك كيف يمكن للمرء أن يكون على وفاق مع فرديد وفي الوقت نفسه يُعلي من شأن شريعتي ويعتبره شخصية فريدة؟ مفكر يتحدث في «إسلامياته» و«اجتماعياته» عن «البروتستانتية الدينية» و«المثقف الديني» ؛ مشروع ينطوي، بلسان فرديد، على عمل ثيولوجي عقيم: «أحدهم يقطع الغصن الذي يجلس عليه ».
لا يمكن أن يكون المرء متعاطفًا مع الفرديد الذي اعتبر جميع جهود المجددين الدينيين بمن فيهم شريعتي مثالًا على التفكير الميتافيزيقي وبالتالي عديمة الجدوى وغير ذات طائل ويجب نبذها؛ وفي الوقت ذاته متعاطفًا مع شريعتي الذي تنطوي إسلامياته على تقديم قراءة جديدة للإسلام. على الرغم من أنني لا أتعاطف مع «المخطط الهندسي للمذهب» و«الإسلام الأيديولوجي» عند شريعتي [۱۰]، إلا أنه في الوقت نفسه يمكنني تصور أن شخصًا ما لا يزال متعاطفًا مع هذه القراءة للإسلام. باختصار، يمكن للمرء أن يكون فرديديًا أو شريعتيًا جديدًا، لكن التوفيق بين تعاليم الفرديد والقسم الأعظم من مشروع شريعتي الذي ينصب على « البروتستانتية الدينية»، يبدو غريبًا وبعيدًا ومستحيلًا. وبصرف النظر عن الاختلافات النظرية الجليّة والبيّنة بين شريعتي والفرديد، فإن السلوك العملي لهاتين الشخصيتين كان مختلفًا جدًا أيضًا. كان شريعتي حرًا أبيًا، يحمل همّ الدين، وتحمل عناء السجن والغربة، وكان مشغول البال بالارتقاء بالتدين في العالم المعاصر. في المقابل، كان الفرديد، بشهادة بعض تلامذته، لا يحمل همّ الدين فحسب، بل كان يسعى بأي ثمن وراء السلطة السياسية قبل الثورة وبعدها؛ بل إنه لم يتوانَ عن وصم الآخرين وإهانتهم والافتراء على شخصيات أصيلة وكبيرة كمهدي بازركان: «انظر الفرق بين الدربين، من أين وإلى أين». بكلمة واحدة، لا يمكن الجمع بين الفرديد عديم العقيدة والأخلاق وشريعتي صاحب العقيدة والصدق.[۱۱]في الفقرات الأخيرة من المقال ورد:
«إمكانية أو عدم إمكانية التجربة الأساسية للنبي من الوجود في العالم المعاصر»، هو أكثر الأسئلة جوهرية التي يواجهها تراثنا التاريخي ومجتمعنا. الإجابات السلبية أو الإيجابية على هذا السؤال قد استحوذت على مجتمعنا بأسره. لكن ما هو أساسي ليس الإجابة على الأسئلة الجوهرية، بل فهم السؤال والتأمل الجاد فيها».
ألم يكن المجددون الدينيون المتأخرون، الذين طرحوا وألقوا في الفضاء الفكري خلال العقدين الأخيرين مفاهيم ومضامين مثل «بسط التجربة النبوية»، و«القراءة النبوية للعالم»، و«الأحلامالرسولية»، منشغلي البال بالتجربة الأساسية للنبي من الوجود؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا اتهموا بسلب روح التراث الديني؟
من منظور عبد الكريمي، فإن إمكانية تحقّق التجربةِ الأساسية للنبي من الوجود، هي أهمُّ سؤال يصارعُ مجتمعنا في الوقت الراهن ويُعاني منه الأمرّين. إذا كان الأمر كذلك، ألم يكن المجددون الدينيون المتأخرون الذين طرحوا مفاهيم ومضامين مثل «بسط التجربة النبوية»، «القراءة النبوية للعالم» و«الأحلام الرسولية» في الفضاء الفكري للعقدين الأخيرين وأطلقوها،مشغولي البال بالتجربةِ الأساسية للنبي من الوجود أصلاً؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا اْتُّهِموا بسلب روح التراث الديني؟ يمكن لعبد الكريمي، من حيث المبدأ ألا يتفق معما أفرزته هذه المباحث وألا يرى الأدلةَ المُقامةَ وجيهة، لكن هذا لا ينفي الدعوى القائلة بأن المجددين الدينيين المتأخرين، منذ سنوات وهم مشغولو البال «بالتجربةِ الأساسية للنبي من الوجود» فعلاً. لازمةُ هذا الكلام هي أن عبد الكريمي، قد نقدَ في نهاية مقالتِه النقدَ الذي كان قد وجّهه للمفكرين الدينيين؛ بتعبير آخر، إن ذيل كلامه، ينقض صدر كلامه. علاوة على ذلك، فإن المجددين الدينيين المتأخرين، بدفاعهم عن الحكم الديمقراطي والمجتمعِالحر، قد تلمّسوا الإيمانَ الأصيل والتجاربَ الدينيةَ التي لا تتحقق إلا في مثل هذا السياق.من هنا، فإنهم، نظرياً وعملياً مشغولو البال «بالتجربةِ الأساسية للنبي من الوجود» وقد دافعوا بكل قوة ودون خجل عن الآلية الديمقراطية ورفضوا الفلسفاتِ والأنظمةَ السياسية غير الديمقراطية والاستبدادية رفضاً قاطعاً. وبحسب اعتقادهم، في الوقت الراهن، الآليةُ الديمقراطية، هي أخلاقية، ومُقوِّمةٌ لتحقق التجارب الباطنية في الإيماني للمواطنين.
يمكن التطرق إلى «الفكر السياسي لشريعتي» في أجزاء أخرى من المقالة؛ وفي الوقت نفسه أتصور أن ما ورد كافٍ لإظهار تناقضات واضطرابات مقالة "شريعتي وسؤالنا الأساسي". في هذه المقالة، تكثر الادعاءات الواهية وغير الراسخة والتحديات التي لا أساس لها. من باحث يُدرّس الفلسفة في الجامعة؛ يُتوقع أن يبسط الادعاء بقدر بساط الدليل فحسب؛ وإلا، فإن الادعاءات المطروحة ستكون ذوقية واستحسانية لا أكثر. في السنوات الأخيرة، رأيتُ العديد من الفلاسفة القاريين المتخصصين في هيغل، وهوسرل، وهيدغر،وميرلو بونتي ...وفي الوقت نفسه لا يتنازلون عن جانب الاستدلال في أقوالهم وكتاباتهم، وهم أكثر من أي شيء آخر معنيون بإقامة الاستدلال وفحص التناسب بين ادعاءاتهم وأدلتهم. لا أعلم لماذا، لا يحظى هذا الأمر بإشعاع كبير، على الأقل بين بعض أهل الفلسفة داخل البلاد الذين يروجون للفلسفة القارية ويكنون ولعاً لفلاسفة مثل هيغل وهيدغر، وقد اختلط التفلسف لديهم بمجرد طرح الادعاءات.
.
.
[۱] على سبيل المثال، انظر مقالة "كن هكذا تحتاً تحت: تأمل في كويريات شريعتي"؛ وكذلك الملفات الصوتية لدورة الست عشرة جلسة "إرث شريعتي والتنوير الإيراني" التي عُقدت قبل بضع سنوات في تورنتو:
http://www.begin.soroushdabagh.com/pdf/169.pdf
http://www.begin.soroushdabagh.com/lecture_f.htm
[۲] http://zeitoons.com/11376
[۳] على سبيل المثال، انظر المقالات التالية:
عبد الكريم سروش، ”شیر و شکر”
سروش دباغ، ”روشنفکری دینی و آبغورۀ فلزی؟!!”
[۴] إشارة إلى شعر حافظ:
دوش در حلقۀ ما قصه گیسوی تو بود تا دل شب سخن از سلسلۀ موی تو بود
[۵] ما أعنيه بمشروع شريعتي هو الوجه الغالب في أعماله؛ وأنا مدرك تماماً أن ثمّة عروقاً إنسانية-وجودية جيدة تظهر في بعض أعمال شريعتي؛ سواء في «الكويريات»، أو في بعض «مجموعة الآثار» الأخرى، مثل المجلد ۲۴؛ «الإنسان». أتصور أن الشريعتيين الجدد، من أجل إعادة بناء منظومة شريعتي الفكرية في الزمن الراهن، يمكنهم، بنبذ الجزء الأيديولوجي منها، أن يستمدوا العون من جذوات الوجودية وبوارقها في أعمال شريعتي.
[۶] universalities
[۷] localities
[۸] على سبيل المثال، انظر: بيجن عبد الكريمي، هايدغر در إيران، طهران، مؤسسه پژوهشي حكمت وفلسفه إيران.
[۹] من هذا المنطلق، فإن المقالة البحثية التالية، في نقدها لأقوال أحمد فريد وتلقيه غير الوجيه لفلسفة هايدغر وربطه إياها بعرفان ابن عربي، جديرة بالقراءة:
سياوش جمادي، “سانسور بزرگ در تاريخ غرب شناسي ما”
[۱۰] لبسط هذا المطلب، على سبيل المثال، انظر مقال ”علي شريعتي وحادثة كربلاء”
[۱۱] لبسط هذا المطلب، انظر: أحمد فريد، ديدار فرهي وفتوحات آخر الزمان، بجهود محمد مددبور، طهران، نشر «نظر». كذلك، للتعرف على أحوال فريد وسلوكه العملي، انظر: داريوش آشوري، ” أسطورة الفلسفة بيننا: زيارة أخرى لأحمد فريد ونظرية التغرب”:
كذلك، انظر: نصر الله بورجوادي، ” اختلافات فريد قبل الثورة وبعدها»، انديشه بويا، العدد ۹.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.