اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح بيجن عبد الكريم الفارق بين التساؤلات الاعتيادية والتساؤل الجوهري عن معنى الحياة، ويحلل العلاقة بين الروحانية والعقلانية في عالم اليوم؛ مقابلة حول معنى الوجود وتحديات العيش المعنوي في العصر الحديث.

أمير تاكي- يسعى الإنسان دوماً إلى إيجاد أجوبة عن تساؤلات حياته، سواء أكانت هذه التساؤلات جوهرية وبنيوية أم جزئية وباهتة. ولعل تساؤل "لماذا الوجود" هو أكثر هذه التساؤلات جوهرية، وبالإجابة عن هذا السؤال يكتسب "ماذا نكون"، الذي هو الهدف والغاية عينهما، معناه. إن هدف الإنسان ودافعه وغايته مرهونة بمعرفة أجوبة تكون مقنعة له وإدراكها. وإضافة إلى خلق هدف الحياة، فإن هذا الجواب الجوهري سيشكل قيم كل إنسان. وفي ضوء هذه القيم، تتحدد كيفية عيشه. وهكذا، ففي ضوء هذا الجواب عن لماذا الوجود، يتحدد كل من وجهة حركة الإنسان وكيفية وجودة عيش هذه الحركة.
وإضافة إلى هذين، فإن هوية الإنسان من منظور وجهها الاكتسابي تنتظم أيضاً رهناً بإيجاده للمعنى. والواقع أن هذه الهوية هي بمثابة جذر شجرة يوطد جذعها الذي هو الحركة والهدف عينه.
وعليه، فإن مقولات الهوية والهدف والقيمة الثلاث ستنبثق من معنى "الوجود". وفي هذه الحال، تتحول النزعة إلى المعنى لدى الإنسان إلى هاجس جوهري. وفي طريق العثور على هذا المعنى، يرى البعض أن العقل والعلم والتجربة كافية، ويسعون، استناداً إلى استدلالاتها، إلى الإجابة عن هذه الأسئلة. في حين لا يرى البعض الآخر هذه الأدوات الظاهرية كافية، ويعتبرون للإنسان شؤوناً أخرى باطنية وروحانية. لقد رافق البشرَ على مر التاريخ هذا التحدي: "هل العالم في حقيقته هو ذاته ما ندركه بحواسنا الظاهرية، أم أن له جوهراً مختلفاً لا يسعه بصرنا وإدراكنا الظاهري؟"
وفي حال قبول حقيقة وراء ظاهر هذا العالم، فإن إدراك باطنه يتطلب أدوات الإنسان الباطنية. وهكذا يبرز الصوت الداخلي، والإلهام، والوحي، والحدس الشخصي، والرؤيا... للعثور على هذه الحقيقة على مر التاريخ، لجأ البشر في مجتمعات شتى إلى الأديان والمذاهب والقادة والعرفان...
لقد سعى كل فرد إلى العثور على الحقيقة لوجه من وجوه حياته. من حل المشاكل الجسدية والنفسية إلى بلوغ حياة ناجحة والاستعداد للعيش في عالم بعد هذا العالم، ومن الوصول إلى حياة سلمية قائمة على الأخلاق وتتسم بالطمأنينة، إلى أولئك الذين ظنوا أن العثور على الحقيقة هو اكتشاف لدواخلهم وتعالٍ ونمو لإنسانيتهم.
لكن في العصر الحديث، وبالنظر إلى هيمنة العلم والعقل على حياة عموم الناس في العالم، فإن التقابل بين العقلانية والنزعة الروحانية هو أحد التحديات المهمة في هذه الفترة. إن التوفيق بين العقل والمعنى هو من بين مساعي أولئك الذين يرون أن العيش القائم على المعنى هو أفضل أساليب الحياة للإنسان.
على أية حال، سواء قبلنا بأن نكون إنساناً روحانياً أم لم نقبل، فإن هذا الوعي الذاتي الداخلي والوعي بالعالم المحيط يجعلان ذهن الإنسان يواجه أسئلة ثقيلة، يخلق مخرَجُ مثل هذه الحالة ديناميةً وبحثاً لدى الإنسان على الصعيد الفردي وحتى على الصعيد الاجتماعي.
بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بعالم وراء العالم المادي، فإن الوعي الذاتي والتعالي الفردي والأخلاق والسجية الإنسانية وبسط حالة الوعي هذه وكشف الحقائق الخفية، تتطلب نمط عيش فردي واجتماعي لن يكون بالضرورة متسقاً مع التفكير والتفسير الماديين للعالم.
في هذا الحوار مع سعادة الدكتور بيجن عبد الكريمي، جرت محاولة لبحث موضوع الروحانية من وجوه فلسفية وأخلاقية وعقلانية... مختلفة، لكي نثير التساؤلات في ميدان المعنى من جهة، ولكي نستقصي، من جهة أخرى، العلاقات بين هذين مع الأخذ بعين الاعتبار المقولات الأخلاقية والعقلانية. من المؤكد أن نوع النظرة إلى موضوع الروحانية في العصر الحديث تختلف كثيراً عما كانت قد تأسست عليه في القرون الماضية. ولهذا الغرض، جرت محاولة في هذا الحوار للنظر إلى زوايا تتناسب مع التحديات الراهنة للمجتمعات التي تمر في طور التحول والتطور، فيما يتعلق بمجال المعنى والروحانية.
أعتقد أن أهم كلمة مفتاحية في هذا السؤال هي في الواقع كلمة "لماذا". ماذا تعني "لماذا" بحد ذاتها؟ نحن نواجه "لماذا" كثيرة جدًا، مثلاً لماذا نذهب إلى الجامعة؟ لكي ندرس. لماذا نعمل؟ لكي نكسب قوت يومنا. لماذا نتزوج؟ لكي نلبي احتياجاتنا الجسدية والروحية والعاطفية وما إلى ذلك. لكن في هذا السؤال، تبرز كلمة "لماذا" بوضوح وتصبح جلية. لماذا تعتبر هذه الـ"لماذا" لماذا خاصة؟ هذه الـ"لماذا" لا يمكن أن تكون لماذا عادية ومتداولة. بعض الـ"لماذا" يجيب عنها العلم، مثل لماذا تمطر السماء أو لماذا يظهر قوس قزح، وهذا بالطبع ليس موضوع نقاشنا هنا. نحن الآن نسأل عن الـ"لماذا" في مجال حياة الإنسان، والتي توجد دائمًا في حياته. نحن نجد لماذاتنا في الواقع في حياتنا اليومية أو في الحياة بشكلها الكلي. هذه اللماذات نفسية أو لماذات من النوع السوسيولوجي، مثل لماذا تزوجت هذه الفتاة؟ أسباب هذا الموضوع نفسية. لماذا رفضت الزواج من ذلك الشاب؟ جواب هذا السؤال نفسي وشخصي أيضًا. وفي بعض الأحيان تكون لماذاتنا لماذات سوسيولوجية. بمعنى أنه في مجال علم الاجتماع يتم الإجابة عن هذه اللماذات، مثل لماذا حدث كذا وكذا لطلابنا أو لماذا ازداد الطلاق في مجتمعنا؟
لماذا انخفض عدد وحدات تكوين الأسرة في بلدنا؟ لكن هذه اللماذات ليست بعد اللماذات المقصودة في هذا السؤال. هذه الـ"لماذا" المقصودة في هذا السؤال هي لماذا أساسية. الفرق بين اللماذا الأساسية واللماذات الأخرى هو أنه في اللماذات التي نناقشها في المجال السوسيولوجي والنفسي أو اللماذات النفسية واللماذات السوسيولوجية، يمكن إرجاعها بذاتها إلى أمور أخرى وتعديلها، مثل لماذا تذهب إلى الجامعة؟ لكي أدرس. لكن يمكنني أن أسأل مجددًا لماذا تريد أن تدرس؟ لكي أحصل مثلاً على مكانة جيدة في المجتمع. حسنًا، لماذا يجب أن تحصل على مكانة جيدة في المجتمع؟
هذه السلسلة من الأسئلة يمكن متابعتها إلى حد ما. لكن اللماذا الأساسية هي تلك اللماذا التي عندما تواجهها، تجد الجواب ولا يمكن تعميمها إلى لماذا أخرى ولا تتحول إلى أمر آخر. إذا قبلنا هذا التمييز، سيكون لدينا لماذات عادية ومتداولة يجيب عنها علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الأخرى.
عندما نتحدث عن لماذا الحياة، فإن مرادنا هو تلك اللماذا الأساسية. بمعنى ذلك الذي يريد في الواقع أن يقدم أمرًا بمنزلة معنى الحياة أو حتى معنى العالم. عندما تواجهه ترى فيه نوعًا من المطلوبية الذاتية، أي هو بذاته لذاته. لا نريده من أجل شيء آخر؛ نريده فقط وفقط لذاته.
برأيي، مقولتا العشق والصداقة هما من الأمور التي تمتلك مطلوبية ذاتية. بمعنى أنني أريد العشق من أجل العشق ذاته. لا أريد العشق لكي أصل مثلاً إلى المال والثروة أو لكي أحصل على مكانة اجتماعية جيدة. إذا كان الأمر كذلك، فلن يكون مقولة العشق. أو الصداقة، من أجل الصداقة ذاتها، لها قيمة واعتبار. حيث توجد مواجهة أداتية، لا توجد صداقة. الصداقة ليست تعاملًا أداتيًا مع الصديق. الصداقة ذاتها هي للصداقة وليس لشيء آخر. قلت هذا تقريبًا للذهن.
هــذا ســرّ. أي أن هــذا الســؤال عــن الســبب الأســاسي هــو فــي الحقيقــة ســؤال عــن الأســس، والســؤال عــن الأســس هــو ســؤال عــن أســرار العــالم. كمــا أوضــح لنــا غابرييــل مارســل، فــإن الأســرار تختلــف عــن المســائل. المســائل فــي الترجمة، «Problem» وجمعهــا «Problems»، والســرّ والأســرار فــي الترجمة، كلمــة «secret» وجمعهــا «secrets». المســائل هــي تلــك الفئــة مــن الأســئلة التــي نجــد لهــا إجابــات، أو إذا عجــزنا عــن الإجابــة عليهــا، فهــي قابلــة للإجابــة مــن حيــث المبــدأ، وإذا لــم نجــب عليهــا اليــوم، فســنجد الإجابــة غــدًا. مثــل: لمــاذا تحــوي الفلــزات الكهربــاء؟ ســيجد العلــم إجابــة لهــذا فــي النهايــة. مثــلاً، لمــاذا تتبخــر الكثيــر مــن الســوائل بفعــل الحــرارة؟ ســيجيب العلــم فــي المســتقبل عــن ماهيــة دواء الســرطان أو مــا هــو حــل مــرض الســرطان. لا نعلــم اليــوم، لكــن هــذا الســؤال قابــل للإجابــة مــن حيــث المبــدأ. أي أننــا لا نعلــم اليــوم، لكــن ســنعرف بعــد عشــرين ســنة. وإذا لــم نعلــم بعــد عشــرين ســنة، فســنجد الإجابــة بعــد خمســين عــامًا.
أمــا مــا هــو معنــى العــالم، ومــا هــو معنــى الحيــاة، ومــا هــو الســبب الأســاسي للحيــاة، فهــو ســرّ كبيــر يجــب علــى كــل شــخص أن يجيــب عنــه بنفســه. المســائل هــي تلــك الأســئلة التــي عنــدما تُطــرح وتُعــرف إجاباتهــا، تكــون مقبولــة لــدى الجميــع، مثــل قولنــا إن اثنــين زائــد اثنــين يســاوي أربعــة.
هــذا مقبــول لــدى جميــع النــاس فــي العــالم. ولكــن هــذه الأســئلة حــول معنــى العــالم، ومعنــى الحيــاة، والســبب الأســاسي للحيــاة، يجــب علــى كــل شــخص أن يجيــب عليهــا بنفســه. لا يمكــن أن نقــول: مــا هــو رأي فــلان حــول معنــى العــالم، وأنــا أتقبــل هــذا المعنــى نفســه، كلــا، الأمــر ليــس هكــذا.
نحــن لا نبــدأ مــن الصفــر. نحــن البشــر عنــدما نولــد، نولــد فــي كنــف ثقافــة، كمــا نولــد فــي كنــف لغــة، نأتــي إلــى الدنيــا فــي مجتمــع لــه تاريــخ، كمــا أن معظمنــا، ليــس كلنــا، ولــد فــي القــرن العشــرين. أو أننــا ولــدنا فــي مجتمــع إيــران وفــي الثقافــة الإيرانيــة الإسلاميــة الشــيعية، أو علــى ســبيل المثــال فــي الثقافــة الإسلاميــة الســنية. مــا أقصــده هــو أن كــل إنســان يولــد فــي أفــق تاريخــي وأفــق ثقافــي معــين. نحــن لا نبــدأ الحيــاة مــن الصفــر. نحــن فــي وســط القصــة.
لا يوجــد إنســان يبــدأ مــن الصفــر، وكان ذلــك وهــمًا ديكارتيًــا حيــث أراد أن يشــك فــي كــل شــيء ويبــدأ مــن الصفــر. أي أن الحيــاة كانــت جاريــة قبلنــا، ونحــن فــي داخــل الحيــاة، وبعــد أن نمــوت، ســتستمر الحيــاة. الحيــاة نفســها، والتاريــخ الــذي نوجــد فيــه، والثقافــة التــي نوجــد فيهــا، تضــع أمامنــا إمكانيــات. الثقافــات المتنوعــة موجودة أمامنــا وتضــع أمامنــا إمكانيــات. هنــاك المفكــرون، والفلاســفة، والفنــانون، والعرفــاء، والأنبيــاء العظــام الــذين، بنــاءً علــى تجربــة أصيلــة اكتســبوها مــن مواجهــة العــالم، يقدمــون إجابــة علــى أســئلتنا الأساســية.
نحــن الــذين لــم نكتســب تلــك التجــارب الأصيلــة، لســنا فــي الحقيقــة مــن مؤسســي الثقافــات، أنــا لســت بــوذا الــذي أســس تقليــدًا تاريخيًــا كبيــرًا، ولســت كونفوشــيوس، أو إبراهيــم، أو موســى، أو عيســى عليهــم الســلام، أو محمــد (ص) حتــى تكــون لــديّ تجربــة عميقــة وعميقة مــن مواجهــة الوجــود. لكننــي أجــد نفســي أمــام إمكانيــات تضــعها الثقافــات المتنوعــة أمامــي.
إننا في سؤالنا عن "لماذا" الحياة الأساسية نواجه إمكانين راديكاليين وإمكانين جوهريين. هذان الإمكانان الجوهريان اللذان يمكن أن يتخذا صورًا مختلفة وأشكالًا ثقافية متنوعة، هما من الناحية الميتافيزيقية والفلسفية والحكمية إمكانان أساسيان؛ الأول، أن العالم وبالتالي حياة الإنسان خالية من المعنى. لا يوجد فيها أي معنى والعالم عبثي وفارغ ولا معنى له بالمرة. لكن هناك تصور آخر، وهو أن العالم مليء بالمعنى برمته، وأن كل ذرة من ذرات هذا العالم ترتبط في الواقع بالعقل والحكمة واللوغوس والشعور. إذن نحن نواجه إمكانين جوهريين؛ الأول أن عالم الإنسان وبالتالي حياة الإنسان بلا معنى، والإمكان الجوهري الآخر هو أن العالم والإنسان ذوا معنى، وتبعًا لمعنوية العالم ومعنوية الإنسان، فإن للحياة معنى. وقصدي من المعنى هو ذاته الجواب عن "لماذا" الأساسية.
في الأزمنة الغابرة لم يكن هذا السؤال مطروحًا بالحدة التي هو مطروح بها في زماننا. لأن العالم الحديث هو عالم ميتافيزيقي، فقد انسلخ المعنى عن الحياة والعالم، ولذا برز السؤال عن "لماذا" الحياة، وهو سؤال جوهري. لقد أجبت سابقًا أن على كل شخص أن يجد هذا الجواب بنفسه، لكني أريد أن أطرح مجددًا في هذا السياق العبارات التي سمعتموها مني مرارًا. لأن المسألة بالغة الأهمية. الموضوع هو أن معنى العالم ليس موجودًا من موجودات العالم نفسه. أكرر: معنى العالم ليس ذاته أحد الموجودات من بين موجودات العالم التي لا تُحصى. أي لا يمكننا أن نقول إن معنى العالم هو الشمس مثلًا أو أن الشمس هي جواب عن تلك "اللماذا" الأساسية. لا يمكن لمعنى العالم أن يكون حدثًا من أحداث العالم نفسه.
إذن لا يمكن لمعنى العالم أن يكون موجودًا أو حدثًا من موجودات وأحداث العالم نفسه. لأن أيًا من موجودات العالم نختاره بمنزلة معنى العالم وبمنزلة جواب عن الأسئلة الأساسية للعالم، يمكننا أن نطرح عليه هذا السؤال. بمعنى أننا إذا قلنا إن معنى العالم عبارة عن حياة الإنسان، يمكننا أن نسأل: ما معنى حياة الإنسان؟ إذا قلنا إن معنى حياة الإنسان هو أن يبلغ البشر الحرية، نسأل: لماذا يجب أن يبلغ البشر الحرية؟ يمكن لهذا السؤال أن يستمر دائمًا.
النقطة التالية هي أن معنى التاريخ لا يمكن أن يكون حدثًا من أحداث التاريخ نفسه. لا يمكننا أن نقول إن ظهور القوم الجرمان هو معنى التاريخ. لا يمكننا أن نقول إن تحقيق العدالة هو معنى التاريخ، لأنه يمكننا أن نقول مجددًا: لماذا يجب أن يظهر القوم الجرمان؟ لماذا يجب أن تتحقق العدالة؟ إذن ينبغي البحث عن معنى التاريخ لا في التاريخ نفسه بل في ما وراء التاريخ، والنقطة الأخرى هي أن معنى الحياة لا يمكن أن يكون ذاته حدثًا من أحداث الحياة. لدينا في حياتنا أحداث متنوعة، مثل الولادة، والذهاب إلى المدرسة، والبلوغ الجنسي، والذهاب إلى الجامعة، والزواج، والطلاق، وإيجاد عمل، والتقاعد، ومثل الموت نفسه. هذه هي أحداث الحياة. لكن لا يمكن لأي واحد من أحداث الحياة أن يكون معنى الحياة.
فإذا قبلتم مني هذه المقدمات الثلاث، وهي أن معنى العالم ليس موجودًا في ذاته أو واقعةً من وقائع العالم، وأن معنى التاريخ ليس هو الأحداث التاريخية ذاتها، وأن معنى الحياة ليس حادثةً أو واقعةً من حوادث الحياة ووقائعها المتنوعة، حينئذ ستتعاطفون مع قولي هذا: إن لم يكن هناك أمرٌ فوق خصوصي، أي إن لم يكن متعاليًا على العالم، ومتعاليًا على التاريخ، ومتعاليًا على الحياة، فإن عالم التاريخ والحياة سيفقد معناه.
ستكون الحياة ككوب ماء من هذا المحيط المرّ الخالي من المعنى، وسيكون الإنسان قطرة من هذا المحيط العظيم عديم المعنى.
لكن ثمة تقاليد تاريخية كبرى، خارج التقليد الميتافيزيقي الغربي وخارج العقلانية العلمية والتكنولوجية الجديدة التي هي نتيجة وحصيلة التقليد الميتافيزيقي اليوناني، تُظهر لنا أن هذا العالم ليس مكونًا من أشياء لا تُحصى فحسب. فهناك وحدة في هذه الكثرة. وفي هذه الكثرة حقيقة هي في الواقع جوهر هذه الكثرة، وهذه الكثرة في باطنها تشكل معًا عالمًا منتظمًا، ونظام هذا العالم ليس أمرًا من سنخ الموجودات المفردة. كان اليونانيون يعبرون عن هذه الحقيقة بـ"اللوغوس"، وفي التقليد العبري بشكل آخر؛ وفي التقليد الهندي أيضًا عُبّر عنها بروح العالم، وبـ"المانا"، وبساحة القداسة. ثم في هذا النوع من النظرة إلى العالم وفهمه، حين تواجهون حقيقة ليست من سنخ الموجودات، فإنكم في مواجهتها تجدون المعنى وتصيبكم الدهشة، وحين تواجهونها تفقد الـ"لماذا" لونها، وتغمرون بالمعنى والرضا والتعالي.
لقد طال ردي كثيرًا. أنا لم أُجب! بل وضعت أمامكم إمكانيتين أساسيتين فحسب. في نظري، في صميم الحياة، في الحياة ذاتها، تنكشف حقيقة ليست من سنخ وقائع الحياة، وحين نواجه هذه الحقيقة نجد الحياة ذات معنى. ولهذا السبب، فإننا جميعًا، على الرغم من كل صعوبات العالم وعلى الرغم من كل قبحه، نحب الحياة عمومًا.
أولئك الأفراد القلائل الذين يُقدمون على الانتحار، ليت أن سبيلًا كان يتيح العودة بعد هذه التجربة، وكان بالإمكان أن نُسأل: هل أنتم حقًا راضون عن خوض هذه التجربة؟ هل العدم حقًا خير من الوجود؟ إن مخيلتي تقول لي إنه لو كان هناك سبيل للعودة، لربما عادوا إلى الحياة. أنا هنا رسمت خطوطًا فحسب، لعلكم بهذه الخطوط تستطيعون أن تجدوا معنى لحياتكم.
دعوني أقول هنا أيضًا، حين نقول المعنى لا نعني به معنى الكلمات. فمثلًا: ما معنى هذه الآية القرآنية؟ ما معنى بيت الحافظ هذا؟ حين نقول المعنى لا نعني به المباحث اللسانية وفلسفة اللغة. حين نقول المعنى لا نعني به المعنى السيكولوجي. لأنه من الناحية السيكولوجية، ليس ثمة فعل إنساني بلا معنى، بل كل أفعال الإنسان ذات معنى. بمعنى أنك لو رأيت طفلًا في الرابعة من عمره ركل إبريق ماء وأراقه على الأرض، فلا تقل يا له من فعل لا معنى له. في الواقع، يقول علماء النفس إن فعل ذلك الطفل ذو معنى. أي أن فعله له وظيفة. فهو مثلًا يُعلن احتجاجه على عدم اهتمام الأبوين به.
في الوقت نفسه، عندما نتحدث عن المعنى، فهو ليس مقولة سوسيولوجية أيضًا، كما يفهمها فيبر مثلًا. من وجهة نظر علماء الاجتماع، كل الأفعال الاجتماعية ذات معنى، وإذا أُقيمت مثلًا مباراة كرة قدم في ملعب وقام مشجعو فريق بإحراق الحافلات وتحطيم واجهات البنك، فإن هذه السلوكيات ذات معنى. نحن نفهم المعنى هنا بالمعنى الفلسفي والأنطولوجي للكلمة. أي أننا نفهم المعنى كما يفهمه نيتشه، ونفهم المعنى كما يفهمه دوستويفسكي أو هايدغر. الوضع المأزوم للبشرية اليوم ناتج عن أنطولوجيا معينة تسود عالمنا. إنه ناتج عن ظهور وهيمنة عقلانية لا تفهم إلا الأمر الوضعي والناجح. ليس لديها إدراك للأمر غير المحسوس أو أنها باردة تجاهه. إنها غير مبالية به، ومتعلَّقها الأساسي في الواقع ليس ذلك الأمر اللامتعيِّن.
الوضع المأزوم للبشرية اليوم هو بالضبط ما عبّر عنه دوستويفسكي ببراعة: «إن لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح.» إذا أزلتم الشمس من السماء، فلن يعود للتوجّه معنى. لذا تتحول الحرية نفسها إلى كابوس. ولهذا السبب، عندما يأتي ذلك المجنون في "الحكمة المرحة" بخبر موت الإله، يصرخ نيتشه بلسانه بغصّة قائلًا إن أيدينا ملطخة بدم أقدس كائن في هذا العالم. ثم يتساءل: كيف فعلنا هذا؟ كيف أزلنا الشمس من السماء؟ أهذه الشمس هي نفسها الشمس التي ضرب بها أفلاطون المثل في صدر تاريخ الميتافيزيقا وتحدث عن شمس الحقيقة؟ هناك حيث يتحدث عن سجناء الكهف، ويكون كل جهد الفلسفة الأفلاطونية والفكر السقراطي نوعًا من التمرين والتحوّل. إنهم يصرفون النظر عن الظلال، أي الموجودات، نحو شمس الحقيقة، ثم يعود نيتشه ليصرخ بلسان ذلك المجنون: كيف ابتلعنا هذا المحيط؟ إذن، موت الإله يعني غياب ذلك الأمر غير المحسوس الذي تحدثت عنه.
لا ينبغي أن ننظر إلى موت الإله بوصفه حادثةً وقعت في القرن التاسع عشر، بل في تأويل نيتشوي – هيدغري لتاريخ الميتافيزيقا، ينبغي اعتبار موت الإله سيرورةً وحدثًا وقع مع ظهور الميتافيزيقا الغربية. بالطبع، هذه القصة هي قصة الغرب، لكن ينبغي لنا في تحليلاتنا الانتباه إلى نقطةٍ واحدة. النقطة التي لا ينتبه إليها الكثير من الأصدقاء هي أننا نعيش في زمنٍ تشكّل فيه التاريخ العالمي. مع ظهور الحداثة، ازدادت سرعة سيرورة تكوّن التاريخ العالمي شدةً وحدّة. في نصف القرن الأخير هذا، ولا سيما مع التحولات التي حدثت في مجال تكنولوجيات الإعلام، وظهور وسائل الإعلام الجماهيري وشبكات التواصل الاجتماعي، اختلف عالم عيش البشر أيضًا إلى حدٍّ ما. إحدى نتائج ولوازم الاختلافات التي نشهدها في هذه العقود الأخيرة، هي أن سيرورة تكوّن التاريخ العالمي قد اكتسبت سرعةً وشدةً وحدّةً أكبر، بحيث ننتقل، بتعبيرٍ ما، من طور الحداثة المبكرة إلى طور الحداثة المتأخرة، أو من العالم الصناعي إلى طور ما بعد الصناعي، أو بتعبيرٍ آخر، من العصر الحديث إلى عصر ما بعد الحداثة. إذا كنّا في الماضي نمتلك تواريخ مستقلة أشبه بجداول تجري متجاورة، أي كان هناك تاريخ هو تاريخ الحضارة الإسلامية، وتاريخ هو تاريخ الصين، وتاريخ هو تاريخ أوروبا، فإن جميع التواريخ في العصر الراهن قد ترابطت. وهذا يعني أن المسافة التاريخية بين الأقوام المختلفة قد تضاءلت. وبتعبير مارشال ماكلوهان، تعني هذه الظروف أننا نعيش في زمنٍ تشكّلت فيه القرية الكونية، ولذلك، من حيث الحالات الروحية والثقافية والخصائص الأنثروبولوجية، لا توجد فروق كبيرة بين فتاة فرنسية وفتاة إيرانية. يمكننا بالطبع أن ننتبه إلى الفروق الثقافية، لكن لا يمكننا أن نتجاهل الخصائص المشتركة أيضًا. على أي حال، لفهم ظروفنا، ينبغي أن ننتبه إلى جدلية الأمر الكوني والأمر المحلي. فهم الأمر المحلي دون الانتباه إلى الفضاء الكوني أمر غير ممكن. لا شك أن مكونات الثقافة والفضاء وعالم العيش في الزمن الراهن تكتسب في كل مجتمع لونها المحلي، وبتعبير بعض علماء الاجتماع، نحن اليوم لا نواجه الأمر الكوني ولا الأمر المحلي، بل الأمر الكوني-المحلي. أذكر هذه المقدمات لهذا السبب، وهو أننا لا ينبغي أن نتعامل مع القضايا الثقافية والقضايا الاجتماعية-التاريخية بنظرة جوهرانية. مجتمعنا أيضًا، تبعًا لجميع المجتمعات على مستوى العالم، قد تغير وتأثر بالمكونات الكونية. لذا، إذا كان موت الإله مع الحداثة حدثًا ظهر، وتبعًا لذلك تحقق موت المعنى، فإن موت الإله هذا أو موت المعنى هو أمر كوكبي أو أمر كوني نشهده في مجتمعنا أيضًا بدرجات متفاوتة من الشدة والحدّة. لذا، اليوم في إيران أيضًا، التي تتمتع بتاريخ ثقافي معنوي عميق، نواجه وضعًا أزمويًا فيما يتعلق بالمعنى.
في فعلنا، في أرواحنا، في كلامنا، في شعرنا، في عملنا، عندما لا تكون تلك الحقيقة حاضرة، يصبح الفعل والكلام فارغين من المضمون. ونتيجةً لذلك، ينحط الكلام إلى حد التلفظ وتحريك الألفاظ، ويُحرم الفعل من المطلوبية الذاتية لما ينبغي أن يكون مطلوبًا ذاتيًا، ويصبح معلقًا في الهواء، ويصبح القول أيضًا مستأصلًا، ونتيجةً لذلك، تتدمر حياة الإنسان.
الوضع الأزموي للبشر اليوم هو حصيلة العدمية التي نتجت عن بسط التفكير الميتافيزيقي. هذا التفكير، في إثر الحداثة، قد أصبح كونيًا وهو حصيلة بسط العقلانية العلمية والتكنولوجية الجديدة. في الواقع، هذه العقلانية لا تمت إلى المعنى بصلة ولا يمكنها أن تقيم صلة. هل أحتقر العلم؟ هل أريد ألا أرى عظمة العلم والتكنولوجيا؟ كلا على الإطلاق. أريد فقط أن أبيّن محدوديات العلم الجديد والعقلانية. العقلانية والعلم والتكنولوجيا الجديدة لا يمكنها أن تجعل حياتنا وعالمنا ذا معنى، لأن المعنى يقع خارج مجال البحث العلمي والتكنولوجي والعقلانية الجديدة.
أنا أتفق بشدة مع هذه العبارة. بمعنى أن الروحانية ليست أمراً ينبع من وعي الإنسان. الروحانية ليست أمراً ينبع من مشاعرنا، وطريق امتلاك الروحانية هو أن يكون لتفكيرنا جذور في تربةٍ ما.
إدموند هوسرل، مؤسس الفينومينولوجيا، له كتاب بعنوان «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية»؛ يُظهر هوسرل في هذا الكتاب أن العلوم الحديثة تعاني من أزمة. عندما يقول العلوم الأوروبية الحديثة، فهو يعني العلم الحديث الذي نشأ في أوروبا وذهب إلى أماكن أخرى من العالم، أي الفيزياء والكيمياء والميكانيكا وعلم الأحياء والعلوم الأخرى.
وليست الأزمة المقصودة هي الأزمة الأخلاقية. ليس المقصود أن العلماء أصبحوا غير أخلاقيين وأن هذه العلوم لديها مسائل لا تستطيع حلها. رغم أن مسألة انعدام أخلاق علماء العصر الحديث ترتبط بهذه القضية التي أريد الإشارة إليها.
ما يعنيه هوسرل بأزمة العلوم الأوروبية هو العدمية. أي أن العلوم الحديثة، التي تتكون من مجموعة من المعارف، قطعت صلتها بالوجود والكائن، وبحسب اعتقاد هوسرل في كتاب «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية»، فإن جذر هذه الأزمة، أي جذر العدمية، يجب البحث عنه في قلب التفكير الميتافيزيقي التجريدي. بمعنى أنه يجب تتبع جذر هذه القضية منذ العصر الذي ظهر فيه التفكير مع ظهور الميتافيزيقا (ظهور المفهوم المسيطر لسقراط وأفلاطون)، وفي الحقيقة، ترك التفكير اليوناني أرض الحدس.
عندما ترك أرض الحدس، أصبح التفكير الميتافيزيقي في الواقع بلا جذر وبلا تربة. لم تكن هناك تربة يتغذى منها، وانتهى به الأمر في النهاية إلى العدمية.
إذا أنكرنا الأمر المفارق، أي الأمر المتعالي على العالم، والمتعالي على الحياة، والمتعالي على التاريخ، فسنفقد معنى العالم والتاريخ والحياة الإنسانية.
الروحانية هي نتاج إحساس عميق بالوحدة أو القرب أو الدنو والارتباط، ليس مع الكائنات نفسها، بل مع الأمر الطبيعي؛ أي مع روح العالم؛ ما ليس من سنخ الموجودات نفسها. بالطبع، لا يحقق جميعنا مثل هذه الوحدة، لكن العظماء ومؤسسي الثقافة البشرية، الينابيع الكبرى والأصيلة للتقاليد التاريخية، مثل أفلاطون وأرسطو وبوذا، كانت لديهم تجربة للوجود.
هؤلاء العظماء الذين امتلكوا فهماً للعالم وأقاموا صلة به، أوجدوا تقليداً خاصاً. نحن نولد في هذا التقليد، ونعيش، ونكبر، ونترعرع، ونموت. بعضنا يجد تلك التجارب بشكل أصيل ويبدأ طريقاً جديداً، وبعضنا لا يستطيع ذلك ويبقى في إعادة سرد وتكرار تلك التجارب السابقة.
المعنى ليس موجودًا من بين موجودات العالم، ومعنى الحياة ليس حدثًا من أحداث الحياة نفسها، ومعنى التاريخ ليس هو ذاته حادثةً تاريخيةً بين الحوادث التاريخية. يجب البحث عن المعنى في أمرٍ يتجاوز موجودات العالم وأحداثه. يجب البحث عن معنى التاريخ في ساحةٍ تتجاوز الأحداث التاريخية. كما لا يمكن البحث عن معنى الحياة في أحداث الحياة نفسها كالولادة والموت... إلخ. بعبارة أبسط، يحتاج المعنى إلى أساس أنطولوجي. يمكننا الحديث عن المعنى في سياق سيكولوجي أو سوسيولوجي، أو حتى في سياق هيرمينوطيقي أو لساني. في هذا النسيج والسياق الذي نتحدث فيه عن معنى الحياة ومعنى العالم، نحن في الواقع نتحدث في سياق ميتافيزيقي-فلسفي-حكمي، أي أننا نفهم المعنى كما فهمه مفكرون مثل نيتشه وهايدغر وجان بول سارتر أو حتى دوستويفسكي، لا المعنى الذي فهمه فريجه أو دو سوسير أو غادامير. على أية حال، الروحانية هي وعي بنوع من الوجود، أو بتعبير آخر، بقوة تتجاوز الجوانب المادية للحياة. هنا نستخدم كلمة قوة، وهي مفهوم ميتافيزيقي، بشكل مجازي واستعاري تمامًا. إن مقولة "قوة تتجاوز الجوانب المادية للحياة" تشير في الواقع إلى تلك الحقيقة التي ليست من سنخ الموجودات، وبتعبير آخر يمكن الحديث عن "الوجود" الذي هو في الواقع متعالٍ عن الموجودات وأساس لها. على أية حال، كون الروحانية نوعًا من الإحساس العميق بالوحدة أو الصلة بالعالم، فإن التفكير الروحي يخلق صلة بين العالم والإنسان. يمكن أن يكون لديكم إحساسان ومواجهتان تجاه العالم: إما أن يكون لديكم نوع من الاغتراب عن العالم وتشعروا بأن لا صلة بينكم وبين العالم، أو أن تشعروا بأن لكم صلة ما بالوجود. لا شك أن التفكير الروحي هو نوع من الإحساس بالصلة بالعالم. وبتعبير سعدي حين قال: "به جهان خرم از آنم که جهان خرم از اوست/ عاشقم بر همه عالم که همه عالم از اوست"، فإن نوعًا من عشق الوجود والعالم هو من نتائج التفكير الروحي ولوازمه.
أعتقد أننا إذا استخدمنا الأفكار الإيجابية بالمعنى الذي يستخدمه علماء النفس هذه الأيام ويقولون لنا باستمرار: كونوا إيجابيين، فكروا بإيجابية، انظروا إلى الجزء الممتلئ من الكأس... إلخ، حسنًا، هذه الأفكار الإيجابية لا علاقة لها بالروحانية؛ لأن الروحانية يجب أن تكون جذورها ضاربة في التربة. الروحانية لا تكون معلقة في الهواء. لا يمكن للروحانية أن تبدأ من ذاتي وتنتهي عند ذاتي. هذا وهم. هذا تلقين. وأنتم في أفكار علماء النفس تسعون للحصول على معنى لأنفسكم، معنى للعائلة، لكن تأتي حالات يفقد فيها معنى هذه الأمور من أيديكم وتصبح هذه الأمور بذاتها مشكلة لكم. لماذا ينبغي أن أعاني من أجل عائلتي؟ لماذا ينبغي أن أتحمل المشقة من أجل مجتمعي؟ إذن، يجب أن تكون للروحانية جذور في تربة الوجود. التفكير الروحي بهذا المعنى هو أنكم عندما تبلغونه، لا ترون الحياة أمرًا عبثيًا وعشوائيًا واعتباطيًا.
الحياة عطية وهي أعظم رأس مال وجودي لكم، ويجب أن تكونوا شاكرين لهذه العطية. وهذا الشكر لهذه العطية يجعلكم تدركون أن هذه الفرصة ليست دائمة، وأن الوجود قد منحكم هذه الفرصة مرة واحدة. وعليكم أن تخوضوا كفاحًا عنيفًا من أجل كل آنٍ من هذه الحياة، من أجل كل لحظة، من أجل وجودها، لكي لا يفلت من أيديكم رأس المال الحقيقي الوحيد لوجودكم. يُظهر شعر سعدي هذا جيدًا التفكير الإيجابي المفعم والتفكير الروحي: "به جهان خرم از آنم که جهان خرم از اوست/ عاشقم بر همه عالم که همه عالم از اوست." في مثل هذا التفكير، تعشقون العالم. تعشقون الوجود. هذا العشق للوجود، هذا التصالح مع الوجود، هذا الاتحاد مع الوجود، كان هو ما كان نيتشه يضرب نفسه بجدران الوجود وأبوابه ليبلغه. كان نيتشه يبحث عن مكون من مكونات الفكر الشرقي لم يجده في الفكر الغربي، ولأننا قُذفنا مجانًا وبلا عناء في هذا الجزء من العالم ونمتلك هذا الفكر، فإننا لا نقدره بل نسعى حتى إلى محاربته.
يمكننا أن نفهم هذا السؤال أحيانًا في سياق نفسي، بمعنى متى تشعر بالرضا أثناء أداء عمل ما. من منظور نفسي، يتحقق هذا الرضا عندما يكون عملك مفيدًا، أي عندما لا تقوم بعمل عبثي. فعلى سبيل المثال، حين يُكلَّف المرء بحراسة مكان لا ضرورة لحراسته، كما هو حال الكثير من الجنود أو حراس بوابات العديد من الدوائر الحكومية التي لا تحتوي على أسرار سرية ولا عسكرية، مثل وزارة الإرشاد. في هذه الحالات، لا يشعر المرء بأنه يؤدي عملًا إيجابيًا. أولئك الذين يقومون بأعمال سلبية، كبيع المخدرات، لا يشعرون بأنهم يؤدون عملًا ذا معنى. من الأمور التي يمكن أن تضفي معنى على العمل هو أن يكون هذا العمل إيجابيًا ويخلق شيئًا ما. أمر آخر هو أن يكون متوافقًا مع روحياتك. لنفترض أن شخصًا درس علم الاجتماع ويعمل في دائرة تسجيل، فلا توجد إذًا صلة بين تخصصه الدراسي وعمله. أن يكون راتبك كافيًا لتغطية نفقات معيشتك، وبالتالي تشعر بالمتعة من العمل الذي تؤديه. من الناحية الاجتماعية أيضًا، من الأمور التي تضفي معنى على العمل أن يكون مقترنًا بالاحترام، كالمعلم الذي يُدرّس ويحظى باحترام المجتمع. إذا تجاوزنا العناصر الاجتماعية والنفسية، فما هي العناصر الحكمية والميتافيزيقية والفلسفية التي يمكن أن نبحث عنها بوصفها أمرًا روحانيًا في العمل، فنعتبر عملنا ذا معنى؟ بالطبع، الإجابة هنا صعبة، والتمييز بين ما إذا كان العامل نفسيًا أو فلسفيًا أو اجتماعيًا صعب إلى حد ما. أنا في الواقع أفكر بصوت عالٍ ولست متأكدًا من صحة كل كلامي. ومع ذلك، أعتقد أن فعل العمل بحد ذاته، في ذاته، يتمتع بمعنوية. أي أن كوننا أحياء، نعيش، وبتعبير شاملو «الوجود خير من العدم»، مجرد كوننا موجودين ونقوم بنشاط من أجل حياتنا، سواء كنا أساتذة جامعة، أو نحمل البضائع ونقود الشاحنات، أو كنا موظفين، ففي جميع اختلافاتنا، وعلى الرغم من رضانا عن عملنا أو عدم رضانا، يوجد في أعماق وجودنا نوع من المعنى حتى لو كنا نقوم بأصعب الأعمال. أنا، ككائن حي، أسعى لأكون حيًا، وهذا محفز يدفعنا جميعًا للنشاط حتى لو لم نكن نحب عملنا، وحتى لو كنا نعاني من بيئة عملنا. في هذه المعاناة ذاتها يكمن معنى، لأن في الوجود ذاته، وفي صميم الكينونة، وفي جوهر الحياة، تتجلى المعنوية بطريقة ما. هذه المعنوية هي التي تدفعنا إلى الحركة وإلى البقاء أحياء. لولا ذلك، لربما كان على الكثيرين منا أن يرضخوا للانتحار.
العديد من ساعاتي، أنا بيجن عبد الكريمي، تمضي في أمور لا أحبها على الإطلاق، لكنني أعلم، بتعبير الفلاسفة الوجوديين، أنه لا وجود للوجود المحض، وعليّ في ساعات كثيرة من اليوم والليلة أن أنخرط في أنشطة هي ضرب من الوجود غير الحقيقي. وعلى الرغم من أن كثيراً من هذه اللحظات ليست لحظات الحياة الحقيقية والمحضة والصافية، إلا أنني أتحملها، فقط على أمل أن أتمكن، عبر هذه الحياة اليومية، من خلق لحظات أصيلة. أتقبل هذه الآلام لكي أتمكن من بلوغ اللحظات القريبة من أناي الحقيقية – أي اللحظات التي أحب أن تمر كما أحددها أنا – لذا يصح أنني أعاني من العمل، مثلاً، لأجل الشؤون الاقتصادية للأسرة – كأن أنشغل بترجمة نص فقط من أجل المال – وأرى الأسرة ضرورية لنموي الإنساني، لكنني أجد في تلك المعاناة معنى أيضاً. لكل إنسان أنا مثالية، كل إنسان يتوقع من نفسه أن يبلغ ضرباً من الوجود. كلما كان العمل أقرب إلى ضرب الوجود هذا، شعرت بمعنى أكبر. لنفترض أنني أستاذ جامعي، فالكتابة وكوني معلماً جزء من أناي المثالية. في اللحظات التي أنشغل فيها بهذه الأمور، أشعر بمعنى أكبر، لكن في اللحظات التي أبتعد فيها عن ضرب الوجود هذا، يصبح عملي عديم المعنى. انتبه إلى أن المعنى واللامعنى ذو مراتب أيضاً. افترض أن تدريسي، حين أدرّس، مطابق لأناي المثالية، فأنا هنا أشعر بمعنى أكبر. ومن جهة أخرى، افترض أنني دخلت فضاء البيع والشراء أو نشاط نقل الركاب، صحيح أن هذا العمل بعيد جداً عن كوني معلماً، لكن لأنني أحتاج إلى المال من نقل الركاب لأجل رزقي وبقائي حياً ولأتمكن من ممارسة التعليم، أو لأنني أعمل في مطعم لأتمكن من دفع تكاليف دراستي الجامعية، فبما أن عملي هذا يرتبط بغاية ومعنى، فهو نفسه ذو مراتب من المعنى.
ما يخطر ببالي هو أن نعرف أولاً ماذا نفهم من معنى العبودية، أي كيف نعرّف العبودية. إذا كان ما نعنيه بالعبودية مجرد شكل خاص من العبادة، كالذهاب إلى الكنيسة أو المعبد، ففي هذه الحال، برأيي، لا تربط العبودية بالروحانية رابطة ضرورية. بمعنى أنه يمكن للمرء أن يصلي دون أن يتحلى بالروحانية. أي أن الصلاة قد تكون مجرد مجموعة من الحركات. يمكن الذهاب إلى المعبد والكنيسة والمسجد والحج دون أن يكون ثمة معنى في أفعالنا هذه. وحين لا يكون ثمة معنى، يمكن أن يتحول الفعل ذاته إلى ضد المعنى. فالصلاة رياءً، على سبيل المثال، هي نوع من التجارة، ونوع من تقديم الذات في موقع اجتماعي، دون أن يكون الفرد قد تبنى طريقة العيش تلك. من جهة أخرى، إذا اعتبرنا العبودية بمعنى القبول والاستسلام لتلك الحكمة والعقلانية السائدتين في العالم، ولتلك الحقيقة المتعالية على الموجودات، فلا شك أن للروحانية مصاحبة مع هذا الاستسلام المقترن بنوع من العشق. لا يمكن للمرء أن يدعي التفكير الروحاني وهو يشعر بالغضب والحقد تجاه معنى العالم، دون أن يشعر بالعبودية والخشية. طبعاً، قد يصاب الإنسان بالعصيان أحياناً، لكن هذا العصيان هو عين العبودية. بمعنى أن الفرد قد يكون معترضاً على العالم، لكن إن لم تكن تؤمن بمعنى لهذا العالم، فعلى ماذا تريد أن تعبر عن اعتراضك؟ لا يمكنك أن تعترض على الجمادات، لأنها لا تملك وعياً يدرك اعتراضك وألمك وغضبك. وإن أردت التعبير عن اعتراضك للبشر الآخرين أو للمجتمع، فهم أيضاً ضحايا هذا العالم نفسه ويعانون فيه. ميتافيزيقياً، لا تجد من تعترض عليه، لكن الشخص الوحيد الذي يجد معنى في هذا العالم هو من يمكنك مساءلته ومحاورته، بل ويمكنك حتى الاعتراض عليه. المعنى ليس تلك الحقيقة التي تبدو كملك في السماء، ونحن العبيد لا يسعنا إلا التزلف له والتملق. الإنسان الروحاني ليس إنساناً يمارس العبودية كعبد يخشى سيداً. هذا ليس إنساناً روحانياً. حيث يريد هذا الإنسان أن يقول مثل حافظ: «ترى الرؤوس مقطوعة بلا جرم ولا جناية»، فهناك حقيقة ومعنى يمكن للإنسان الروحاني أن يعترض عليهما. هذا العصيان ليس بالمفهوم الوضيع للكلمة، كأولئك الذين يتمردون ويعتبرون أنفسهم أساس العالم ويسمحون لأنفسهم بالتضحية بالآخرين. هذا عصيان في ساحة الفكر، هو نوع من الشك للوصول إلى اليقين، ونوع من التساؤل والتفكر في أحداث العالم، كما نرى مثلاً في المآسي الكبرى حين يشرع الفرد – كمأساة رستم وسهراب حيث تتلوث يد الأب بدم ابنه دون أن يكون له دور في ذلك – في مساءلة القدر، لكن القدر نفسه سيجيبه، والأمر المحيط به سيجيبه. هذا الجواب يمكن أن يخضع الإنسان الروحاني لتلك الحقيقة التي عبرنا عنها بالقدر. خلاصة جوابي هي أننا إذا نظرنا إلى العبودية بمعناها الظاهري، فهناك زاوية بين الروحانية والعبودية، وكل عبودية تبقى على مستوى الظاهر لا تتوافق مع الروحانية. ومن جهة أخرى، إذا نظرنا إلى العبودية بمعنى القبول والاستسلام للوغوس والأخلاق الكونية، فهي تتوافق مع الروحانية.
الأمر الروحي هو أمر وجودي، أي أنه حدث يجري في أعماق كينونة الإنسان، وليس أمراً يمكن جعله موضوعاً (أوبژه) أو الإشارة إليه حسياً. بلغة أبسط، كل البشر يأكلون، ويشربون، ويعملون، ويحتاجون إلى المسكن، وإلى العلاقة مع الجنس الآخر، وإلى حب تربية الأبناء. أين يكمن الفرق بين الإنسان الروحي والإنسان غير الروحي؟ الإنسان غير الروحي يفكر في التملك لأنه يريد، في ظل التملك، الوصول إلى السلطة. الإنسان غير الروحي يأكل لأن في الأكل ذاته نوعاً من الإحساس بالتلذذ. الإنسان غير الروحي يريد أن يمتلك بيتاً لأنه يشعر باللذة من كونه صاحب بيت. أما الإنسان الروحي، فبنهجه ومواجهته المعنوية، يحدث شيء في وجوده. هو يريد أن يصبح صاحب بيت، لكنه لا يريد البيت من أجل البيت. إنه يريد البيت ليكون ملاذاً لعالمه الروحي. يريد غرفة لنفسه ليبني فيها معبداً، ويستطيع أن يحني هامته تسليماً أمام ذلك المعنى. يريد منزلاً ليخلق فيه أثره الفني. يريد بيتاً يستطيع في خلوته وسكونه وطمأنينته أن يتأمل في العالم. الإنسان غير الروحي لا يملك عالمه الداخلي، إنه يريد بيتاً ليتباهى بأرستقراطيته، أو ليشبع عُقَده الطبقية المكبوتة، وليبين ببناء قصر: أين كنتُ وإلى أين وصلتُ، وليقول: لم أعد ذلك الشخص الذي كان يعيش في الأحياء الدنيا من المدينة، بل أعيش الآن في المناطق الراقية منها. في الواقع، الإنسان الروحي يسعى إلى السكنى والمأوى. لذا فهو يعمل ليحصل على بيت يكون له مأوى، ويقيم فيه عالماً يتعاون فيه هو والمعنى يداً بيد، وينظمان حادثة العشق للوجود. الإنسان غير الروحي ليست له هذه الغاية. هو يريد سيارة لكي تكون لديه سيارة، أما الإنسان الروحي فيريد سيارة لتساعده في الوصول إلى تلك الغاية التي يبتغيها. حياة هؤلاء الأفراد، في الظاهر، شديدة الشبه ببعضها. كلاهما يعملان، ويأكلان، ويكوّنان أسرة، لكنهما في الواقع عالمان مختلفان. كل واحد من هذين الإنسانين، الروحي وغير الروحي، يخطو على الأرض بطريقتين مختلفتين. في داخل هذين الإنسانين يجري حدثان وواقعتان مختلفتان؛ أحدهما أقام في داخله عالماً ذا معنى، والآخر لم يستطع أن يقيم في داخله عالماً ذا معنى كهذا، ولذلك يخطو في عالم عدمي وبلا معنى. ثمة فرق شاسع بين أن تخطو على الأرض عاشقاً، وأن تخطو عليها يائساً وبلا معنى. بيتان، في أحدهما يسود العشق، وفي الآخر لا وجود للعشق، وتسري فيه العلاقات الباردة الناتجة عن الأعراف الاجتماعية. إذن، يمكننا أن نقوم بنفس الأمور التي يقوم بها كل أفراد المجتمع، ولكن يمكن أن تكون لنا روحان وعالمان حياتيان مختلفان. افترض أن خمسين طالباً يجلسون في قاعة درس واحدة، لكن لكل واحد منهم عالمه الخاص. في داخل كل واحد منا، ثمة عالم قائم. لذا، يمكن أن يكون لنا عالمنا المادي، وأن يقيم كل منا عالماً في داخله. معلمان يذهبان إلى قاعة الدرس، وكلاهما -على سبيل المثال- يدرّسان عن أرسطو، لكن الطلاب يشعرون أن في داخل أحد المعلمين ثمة ضجيج عظيم، بينما المعلم الآخر يدرّس فقط ليملأ وقته ويتقاضى راتبه. أحد المعلمين يحدق في معانٍ عميقة، ويسعى للإشارة إلى حقائق كبرى، ولفت نظر الطالب إليها. والمعلم الآخر يحدق في قسيمة راتبه في آخر الشهر. كلاهما، بمعنى ما، يسعيان من أجل حياتهما المادية. معنى الحياة يتجلى في صميم الحياة ذاتها، ولهذا السبب نقبل بالحياة ولا نستسلم للانتحار، ونفضّل الوجود على العدم. في جميع نشاطات الحياة اليومية، يتجلى أصل الحياة نفسه بشكل ما. في أصل الحياة هذا، في ذاته، يكمن معنى وعقلانية نستسلم لهما، وندافع عن حياتنا بكل كياننا.
يمكننا أن نقتدي بأشخاص ننتمي معهم إلى عالم حياة مشترك. ربما ينبغي لي أن أوضح مفهوم عالم الحياة أو مفهوم العالم. نقول أحيانًا العالم، ونفهمه في الواقع بمعناه الشائع. بهذا المعنى، العالم ديكارتي، أي أننا نعتبر العالم فضاءً لا متناهيًا أهم ما يميزه هو البُعد، وهو فضاء توجد فيه الموجودات. نستخدم العالم أحيانًا بمعنى آخر، حيث يكون للعالم معنى وجودي وإنساني. حينما نتحدث عن تعابير مثل عالم الفن، أو عالم العشق، أو عالم السياسة، فإننا في الواقع لا نتحدث عن مكان محدد. ليس مرادنا أن فرنسا مثلاً هي عالم الفن. يمكن للمرء أن يكون فرنسيًا ولا ينتمي إلى عالم الفن، لكن يمكن لإفريقي أن ينتمي إلى عالم الفن. يمكن للمرء أن يكون موظفًا في أكبر صالات العرض الفني ولا ينتمي إلى عالم الفن، لكن يمكن لفلاح بسيط يعزف الناي أن ينتمي بهذا النشاط في خلوته إلى عالم الفن. يمكن للمرء أن يكون أستاذًا جامعيًا ولا ينتمي إلى عالم الثقافة. حينما يسأل طالب أستاذًا سؤالاً فيجيب بأنه لا وقت لديه، لكنه يتقاضى خمسمئة ألف تومان في الساعة للدرس الخصوصي، يكون ذلك الشخص قد حوّل عالم الثقافة إلى سوق. يمكن لتاجر عجوز أن يجلس في دكانه، وحين يدخل زبون لا يفكر كيف يربح فحسب، بل يفكر في أي سلعة يقدمها له كي يستطيع الانتفاع بها. عندما نقول إن عالم العشق يختلف عن عالم السياسة، فإننا نتحدث عن أمر إنساني. مرادي من العالم بمعناه الإنساني هو مجموعة المناسبات، أي العلاقة التي يقيمها الفرد مع العالم، ومع ذاته، ومع الآخر. على سبيل المثال، في عالم المسيحية، يقول المسيح: الطريق إلى الملكوت يمر من بيت الجار. من لا يحب جاره لا يجد سبيلاً إلى عالم الملكوت. في عالم المسيحية، الآخر هو جسر يمكنك أن تبلغ به الملكوت. يقول جان بول سارتر: الآخر هو الجحيم، وبتعبير هوبز: الآخر ذئب للإنسان. في العالم الحديث وفي عالم المسيحية، العلاقة التي تقيمها مع الآخر هي من طبيعتين مختلفتين. في اليونان القديمة، حينما كان يوناني ينظر إلى جبل الأولمب، كان الجبل ورفعته تذكره بالآلهة. كان زيوس وسائر الآلهة في قمم الأولمب، أما نحن البشر الفانون فكنا نعيش على الأرض. بالنسبة لإنسان اليونان القديمة، كان الجبل مقر الآلهة، وحينما كان الفرد ينظر إلى الجبل كان يشعر بالخشية إزاء المقدسين والخالدين. اليوم، حينما يرى مهندس جبلاً، يقول: ما أعجب صخوره، يمكنني أن أفجر هذه الصخور بالديناميت وأبيع قطع الحجارة في سوق الحجر. في العالم الجديد، الطبيعة مصدر لتحصيل الثروة والقوة. في العالم القديم، كانت الطبيعة بمنزلة الأم. يعتدي البشر الجدد في العصر الجديد على أمهم. إذن، لقد تبدل العالم. يقول إنسان العالم القديم: حياتي هدية من الله، لذا لا يحق لي أن أفعل بنفسي ما أشاء، أما إنسان العصر الجديد فيقول: أفعل بنفسي ما أشاء ولا شأن لأحد بي. في العصر الجديد، أقمت مع نفسي علاقة لم يكن إنسان الماضي يقيمها مع نفسه. نحن، ثمانين مليون إيراني، نعيش في جغرافيا وتاريخ محددين، لكننا لا نتمتع جميعًا بنفس التاريخانية. عالمنا ليس واحدًا، ولكل منا عالمه الخاص. لا يمكننا أن نتحدث عن نموذج للروحانية إلا حينما يكون عالم حياتنا وعالمنا مطابقًا لعالم الروحانيين. لا يمكن لحافظ ومولانا أن يكونا نموذجًا لي، لأنني لا أدرك عالمهما. إذا كان عالمي قريبًا من عالمهما، فحينئذ يمكنهما أن يكونا نموذجًا لي. حيثما يقترب عالمي من عالم حياة الأفراد وعالمهم، يمكنني أن أستفيد من فعلهم وحياتهم ونمط عيشهم ومناسباتهم كنموذج.
لا أعلم إلى أي حدٍّ هذا السؤال واضح، وهل أفهمه على نحو صحيح أم لا، لكنني أود الإشارة إلى ملاحظة، وهي أننا غالباً ما نألف نوعاً خاصاً من المعرفة. نحن نألف المعرفة الميتافيزيقية في الغالب، لا لأننا درسنا الميتافيزيقا، بل لأن عالمنا عالم ميتافيزيقي، ونحن جميعاً تحت سيطرة عقل وعقلانية ميتافيزيقية بدأت مع الإغريق. جميعنا نألف المعرفة والتفكير المفهومي، لكننا أقل ألفة بالتفكير الروحي، الذي هو نوع من التفكير الحضوري، ونحن غرباء عنه إلى حد كبير. لأوضح هذه النقطة، أشرت إليها في سلسلة محاضراتي عن أفلاطون. إذا تذكر الأصدقاء، فإن أحد المباحث المطروحة في الفكر السقراطي – الأفلاطوني هو وحدة الفضيلة والمعرفة. كان سقراط وأفلاطون يعتقدان أن الوعي فضيلة، والجهل رذيلة. أما أرسطو فكان يعتقد أن الفضيلة ثمرة كفّ النفس، والرذيلة ثمرة عدم كفّ النفس. حجة أرسطو هي أننا نستطيع أن نكون واعين، مثلاً، بأن شرب الخمر سيئ، ومع ذلك نمارسه، ونستطيع أن نكون واعين بأن الشهوانية سيئة، ومع ذلك نقع في أسر الشهوات ولا نستطيع كفّ النفس. مرة أخرى، إذا تذكر الأصدقاء، قلت إن هذا لم يكن أمراً يعجز أفلاطون وسقراط عن إدراكه، أي أن يكون لدينا وعي نظري بشيء ولا نعمل به. في الواقع، كانا يتحدثان عن وعي خاص ناتج عن نوع من التحول الداخلي في الفرد. هذا التحول الداخلي يتجلى في تحقيق القيم والفضائل. وكما نرى في جميع التقاليد الروحية، يوجد نوع من التفكير يُعبَّر عنه إما بالتفكير القدسي، أو الحكمة، أو العلم المقدس، أو المعرفة الإلهية والعلم اللدني. هذا النوع من المعرفة يقترن بالضرورة بنوع من أساليب العيش الأخلاقي، وهو يختلف كثيراً عن نظام المعرفة العلمي الحديث. في النظام العلمي الحديث، كون المرء عالماً تجريبياً لا يستتبع بالضرورة أية قيمة أخلاقية أو نموذج أخلاقي. يقول هيوم عن هذا النظام المعرفي: لا توجد أية علاقة منطقية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبالطبع هيوم محق. لكن الملاحظة التي ينبغي الانتباه إليها هي أن ما يعبر عنه هيوم بخصوص الهوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، لا يتوافق إلا مع نوع واحد من النظام الإبستيمي، أي النظام الإبستيمي العلمي. فإذا أطلقنا هذا التعبير وقلنا إنه لا توجد أية رابطة منطقية بين القضايا الوصفية والقضايا التوصية في جميع أنظمة المعرفة، فهذا تعميم في غير محله. ما أريد قوله هو أن التفكير الروحي يقترن بتحول داخلي وباطني أيضاً. كان أفلاطون يعتقد أن الحكمة هي نوع من التأله، وأن الوعي أو الوعي الذاتي بالقيم الإنسانية هو تحقيق لتلك القيم ذاتها في الفرد. ولأننا لا نألف هذا النوع من النظام المعرفي، أو أننا نسيناه، لا نستطيع أن نستحضر في أذهاننا نوعاً من التفكير يرتبط بأنماط سلوكية معينة. آمل أن أكون قد اقتربت من السؤال. على أية حال، ما أريد قوله هو أن أنماط العيش الروحي، وإن كانت ترتبط بالأطر الاجتماعية والتاريخية، إلا أنها في الوقت نفسه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفضائل والقيم الأخلاقية، وهي مستقلة عن الكثير من الظروف الاجتماعية والتاريخية.
ثمة افتراض كبير في هذين السؤالين، وهو أن التفكير الروحي يرتبط بالعمر. وبهذا، يرتبط التفكير الروحي بأمر نفسي، أي بأحوال الفرد في مختلف الأعمار، ومن جهة أخرى قد يرتبط التفكير الروحي بفيزياء الفرد وجسده، أي أن هذا الأمر يمكن تأويله في نهاية المطاف كنوع من الفيزيائية. بيت القصيد هو أن الروحانية نوع من التفكير. وهذا التفكير، بطبيعة الحال، ليس مجرد تفكير مفهومي، بل هو تفكير وجودي (إكزیستانسیال) يمتزج بوجود الفرد وبالصيرورة الكائنة في وجوده. قد تخضع الروحانية للأحوال النفسية، وفي هذه الحال لا تكون روحانية أصيلة. فالروحانية التي لا ترتبط بروح الفرد ووعيه ليست روحانية أصيلة. على سبيل المثال، قد تجد نفسك في فضاء يكون أصدقاؤك فيه روحانيين، فتشعر أنت أيضاً تحت تأثير هذا الفضاء بأن لديك نزعات روحانية، لكن هذه الروحانية ليست أصيلة، لأنك متى تغير الفضاء أو انفصلت عن أولئك الأصدقاء، عدت إلى حالتك العادية. ما أريد قوله هو أن الروحانية مقترنة بنوع من التفكير. كان لدينا في الماضي تقليد روحي قوي، واليوم لا تزال ذكراه موجودة في المجتمع، لكن التفكير الذي ينبغي أن يغذي هذه الروحانية غير موجود. شجرة الروحانية يجب أن تتغذى من تربة التفكير، كما أن شجرة الأخلاق يجب أن تتغذى من تربة التفكير. وعندما لا يوجد تفكير يدعم هذه الروحانية، فإنها تضعف وتذوي يوماً بعد يوم، حتى لا يبقى منها سوى ذكرى في ذهن المجتمع وثقافته.
هذا الافتراض القائل بأن النزعات الروحانية تتغير مع تغير العمر - مثلاً الاعتقاد بأن البشر ما داموا شباباً وأقوياء لا يقبلون على الروحانية، لكنهم حين يشيخون ويخشون الموت يقبلون عليها - هو تفسير نفسي للتفكير الروحي، لكنني أعتقد أنه لا يمكن رد التفكير إلى أمر نفسي. التفكير ليس تابعاً للأحوال النفسية والروحية، بل له جذور أعمق في كيفية مواجهتنا للوجود. التفكير نتاج أنطولوجيانا. التفكير نتاج الإدراك الذي نحوزه عن الوجود. لا يمكن اختزال التفكير إلى أحوال نفسية عابرة. حين يتشكل التفكير الروحي لدى الفرد، فإنه أمر أدوم من الأحوال النفسية.
أما كيف يتغير الفضاء الروحي من الطفولة إلى الشيخوخة، فيمكن أن يختلف بين الأفراد. قد يدرك المرء تدريجياً خلال حياته قابلية كثير من الأمور للزوال، ويشعر باكتسابه الخبرة أن كثيراً مما هو قيّم لدى الشباب، كالعلاقة الجنسية، ونيل السلطة والمكانة الاجتماعية، لم يمنحه بعد ذلك المعنى الحقيقي. إنه يريد أن يدرك معنى الحياة خلف هذه الأمور الزائلة. كما أنه من الممكن أن يشعر الفرد تحت تأثير التربية الأسرية والمحيط والمدرسة في طفولته بأن لديه نوعاً من النزعات الروحانية، لكنه ما إن يبلغ الرشد العقلي والعمري حتى يسعى إلى التخلي عن هذه الأمور التقليدية وتغيير نظرته. نحن نشهد كلا النوعين من التحول؛ أي أناساً لا تكون لديهم نزعات روحانية في الطفولة والمراهقة والشباب، ثم يجدونها في الأعمار المتقدمة، أو العكس. النقطة التي أود التنبيه إليها هي أنكم إذا رأيتم، فرضاً، أن آباء كثير من الشباب كانت لديهم في فترة من شبابهم نزعات روحانية ودينية قوية، لكنهم تخلوا عنها اليوم بشدة، فليس ذلك بسبب مسألة العمر فحسب، بل هو بسبب تغير الآفاق التاريخية - المعنوية التي تشكلت في هذه العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة. في الواقع، لقد تبدل الفضاء العالمي. فمثلاً، شخص في مثل عمري كانت لديه في شبابه تحت تأثير الثورة أو الحرب نزعات دينية وروحانية، لكنه تخلى عنها اليوم واتجه إلى تفسير علماني للعالم، لا ينبغي أن نعتبر هذا التغير ناتجاً عن مرور العمر فحسب، بل ينبغي تفسيره أكثر بأنه نتاج التحولات العالمية والتغيرات التي تشكلت في الأطر التاريخية والآفاق المعنوية لنا نحن البشر في جميع أنحاء العالم.
ينبغي الانتباه إلى أن سلوك البشر في المجتمع أمر بالغ التعقيد، ولا يمكن تفسير سلوكيات الناس في المجتمع بطرق اختزالية تقوم فقط على العامل الديني أو العرفاني أو المعرفي. تخضع سلوكياتنا نحن البشر لشروط كثيرة جدًا. من البديهي أن سلوك الفرد الإيراني ينبغي أن يختلف عن سلوك الفرد الأوروبي. لقد تمتع الأوروبيون على مدى هذه الألف عام ببنية متماسكة وشرعوا في تكديس الثروة. لقد شكلوا، بناءً على تحولاتهم التاريخية، مؤسسات، وتشكل مجتمع مدني، وفي هذه المجتمعات اتحدت المصلحة الفردية مع المصلحة الجمعية. ولكن على النقيض تمامًا من تاريخ الغرب، كنا نحن الإيرانيين دائمًا عرضة للتوتر والانهيار. شهدنا في حقبة ما الإمبراطورية الإسلامية التي انهارت بهجوم المغول. وفي العصر الصفوي، هاجم الأفغان، وبعدهم الأفشاريون والزنديون والقاجاريون والبهلويون والثورة. لذا، في مجتمع كهذا لا يوجد فيه مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي للكلمة، في مجتمع لا تتحد فيه مصلحة الفرد مع المصلحة الاجتماعية، فإن قسطًا من السلوكيات ناتج عن هذه الظروف التاريخية. من الناحية المعرفية، كان هؤلاء الناس يؤمنون بالإسلام والثقافة التقليدية، وهو إيمان انهار اليوم. لا يمكننا القول إن سلوكياتنا الاجتماعية اليوم هي تجلٍ لثقافتنا الروحية، وإن علينا أن نأخذ العديد من الأزمات في الاعتبار ضمن ثقافتنا الروحية. كما لا يمكننا القول إن وضعنا الراهن ناتج عن تخلي الناس عن الروحانية، بل ينبغي أن نبحث عن الوضع السلوكي للناس في بنانا الاجتماعية – التاريخية وفي مسارنا التاريخي الممتد لألف عام.
إن الروحانية المسيحية هي في الأساس التي تهرب من المجتمع وتلوذ بالصومعة. في الروحانية التي تشكلت في العالم الإسلامي بناءً على التجربة الحياتية لنبي الإسلام، لا وجود للرهبانية. على عكس المسيح وكثير من المسيحيين الذين لم يتزوجوا، كان نبي الإسلام يعشق من دنيانا، إلى جانب الصلاة، العطر والمرأة. إنه، على عكس التجربة الحياتية للمسيح، يمارس التجارة والسياسة والحرب والعلاقات الأسرية. لذا، حيثما توجد روحانية هاربة من المجتمع، فهي استمرار للتقاليد الهندية أو التقاليد المسيحية، أما ذلك الفكر الروحي الموجود في تقاليد الفكر الإسلامي فليس هاربًا من المجتمع على الإطلاق، بل هو موجود في ساحة الحياة الاجتماعية. نعرف العديد من العرفاء الذين قُتلوا في جهاد الكفار والأجانب. الحكومة الصفوية التي انبثقت من الشيخ صفي وكانت تتأثر به روحيًا، كانت أسرة صوفية أمسكت بزمام السلطة. وفي أيامنا هذه، كان شريعتي الذي يركز على عنصر العرفان، يقصد به عرفانًا اجتماعيًا يكون في صراع مع مراكز القوى السياسية والاقتصادية والدينية الكبرى. وكذلك ذلك النوع من الثقافة الروحية الذي ركز عليه إقبال اللاهوري، كان مرتبطًا بالحياة الاجتماعية.
هذا الأمل بالمستقبل ينطوي على شيء من الغموض في هذا السؤال. أمل بأي مستقبل؟ هل الأمل بالمستقبل يعني الأمل بمستقبل الإنسان في العالم والمقصود منه نوع من الغائية للعالم، أم المقصود هو الأمل بمستقبل الإنسان على ظهر الأرض، أم المقصود هو الأمل بمستقبلنا نحن من الناحية السياسية والاجتماعية؟ الإنسان الروحاني، لأنه يرى العالم ذا معنى، فإنه يرى حياة الإنسان والإنسان نفسه ذا معنى أيضاً، ولا يعتقد أن فعل الإنسان وحياته، وبالتالي العالم، أمر لا معنى له. لذا فإن الإنسان الروحاني يرى معناه في مرآة الأبدية ويعتبر هذه الأبدية عين المعنى. يسعى الإنسان الروحاني إلى إقامة نسبة مع هذا المعنى. قد يكون الإنسان الروحاني كافراً ومتشائماً إزاء كثير من الآمال السياسية والاجتماعية الكاذبة، لكنه يجد الأمل الحقيقي في صميم الحياة. يجد الإنسان الروحاني في صميم التفكير وفي الحياة حقيقة تكشف عن نفسها. هذه الحقيقة هي بمنزلة معنى الحياة. الإنسان الروحاني، باقترابه من هذا المركز المانح للمعنى في العالم، يكون دوماً مفعماً بحب الوجود والحياة والأمل. على عكس العدميين الذين يعتقدون أن العالم ينبثق من ظلمة العدم وينحدر إلى أحضان سواد العدم، يعتقد الإنسان الروحاني أن العالم ينبثق من مشكاة نور ويعود إلى أحضان مشكاة نور أصيلة. ولهذا السبب هو مفعم بالأمل؛ أمل لا ينبع من السياسيين، بل هو أمل كامن في صميم الحياة والتفكير، أي أن شيئاً ما يكشف عن نفسه في صميم التفكير وصميم الحياة، وجّه الفرد نظره وفعله نحوه بوصفه هذا الأمر المانح للمعنى.
ما هو تعريف كل واحدة من هذه المكونات الروحانية؟ «الإيمان بالله، حب الآخرين، المثابرة والحركية، التحمل، التقوى، التواضع، النخوة، الخدمة، المحبة، احترام الموجودات، الثقة بالنفس، الأمل بالمستقبل، القبول، التفاؤل، خيرية النية، الرضا، الشكر، الشجاعة، الصدق، الصبر، الاقتصاد، عدم التعلق، الفداء، الصفح، تحديد الأماني، الوفاء بالعهد»
تقديم تعريف ليس بالأمر اليسير، ولا أعلم ما المقصود بتقديم تعريف لهذه المكوّنات الروحية؟ ليس الإيمان بالله مجرد اعتقاد نظري. يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية أكثر من ثمانية مليارات نسمة. ولا شك أنك لو سألت جميع هؤلاء عن كيفية نشأة العالم، لأجاب نحو سبعة مليارات منهم على الأقل بأن الله هو من خلق العالم. أي أن معظم البشر يعتقدون بوجود الله، لكن هذا الاعتقاد هو اعتقاد نظري. الإيمان بالله ليس مجرد إجابة عن سؤال علمي حول كيفية نشأة العالم. الإيمان بالله هو ثمرة إدراك قداسة الحضرة القدسية والسكنى في هذه الحضرة. الإيمان بالله هو ثمرة إدراك وجودي لامتناهي الأمر اللامتناهي والعيش في هذا الأمر اللامتناهي، بحيث يتجلى هذا الأمر اللامتناهي في شعور وفكر وفعل ولسان الفرد المؤمن. الإيمان بالله هو ثمرة صيرورة في كيان الفرد المؤمن تجعله متألهاً، أي تربطه باللامتناهي والأبدية. حين يقول نيتشه إن الله قد مات في زماننا، فإن موت الله لا يعني أن البشر لا يؤمنون بالله، بل يعني أن هذا الإله صار مجرد مفهوم إلى جانب مفاهيم أخرى. فذكره والنطق باسمه ليس سوى حركة لسان لا تغير في الجوهر شيئاً. المكوّن الآخر هو حب الآخرين. من يتبنى الفكر الروحي تربطه بهذا العالم رابطة ما. هذه الرابطة هي ما كان نيتشه يتوق للوصول إليه، أي قول «نعم» للعالم وللحياة. ليس لدينا فكر روحي يعادي العالم بعداوة وحقد، ولا يعترف بوجود العالم، ويريد أن يتعامل معه ببرود ولامبالاة أو بغضب وحقد. «أنا فرح بالعالم لأن العالم فرح به، أنا عاشق للكون كله لأن الكون كله منه»، مثل هذا الحب، أي حب الوجود والكينونة، يتجلى في صورة حب الحياة. الفرد ذو الفكر الروحي يعشق هذه الحقيقة الكامنة في صميم الحياة والفكر الروحي، وهذا الحب سينتهي بلا شك إلى حب الذات أيضاً، أي حين يعشق الفرد الحياة، فإنه يعشق وجوده في هذا العالم أيضاً، وسيعشق على إثر ذلك البشر الآخرين. على الأقل، استناداً إلى التجربة المعيشة لفرد مثل يسوع المسيح، فإن هذا الإيمان بالله يرتبط بالحب ارتباطاً وثيقاً، حتى إن المسيح، في مواجهته للوجود، يجد الحب هو معنى العالم. وكذلك الأمر في نبي الإسلام. تذكر اللحظات الأخيرة من حياة محمد حين يخاطب الله بـ«الرفيق الأعلى» ويعتبر الموت بمعنى تلبية نداء الملكوت. وفي التشيع، الذي هو بهذا المعنى أقرب صلة بالمسيحية منه بالفكر السني، يرتبط مفهوم الولاية بمفهوم الصداقة والحب؛ حب الله، الولي والصديق. هنا نرى أن المذهب الشيعي هو أيضاً مذهب حب. للتجربة الشيعية للعالم صلات وثيقة بالتجربة المسيحية للعالم، مع أنه لا يمكن تجاهل الفروق بينهما أيضاً. من هذه الفروق أن الوجه الاجتماعي في التشيع، تبعاً للإسلام، أقوى منه في الفكر المسيحي.
من المقومات الأخرى التي ذُكرت، المثابرة والحركية. وكما تُظهر التجربة الحياتية للشخصيات الروحية الكبرى في تراثنا التاريخي، فإن التفكير الروحي، من حيث إنه يرى العالم ذا معنى، يجعل الإنسان الروحي شخصًا يعتبر أن للإنسان رسالة في هذا العالم. فوجود الإنسان في هذا العالم ليس عبثًا ولا بلا معنى. لذا، لا شك أن الإنسان المعني بالمعنى يتمتع بمثابرة عظيمة. تأملوا هذا إلى جانب قول بودريار إننا نعيش في زمن جاءت فيه الموجة الثالثة من العدمية. إذا اعتبرنا الموجة الأولى عصر النهضة، والموجة الثانية عصر التنوير، ففي الحقبة الجديدة، أي في حقبة ما بعد الحداثة وما بعد الصناعة، جاءت الموجة الثالثة من العدمية. ومن سمات هذه الموجة الأخيرة، الوهن والفتور والتراخي الذي أصاب البشر. بمعنى أن إنسان يومنا هذا لم يعد لديه حتى متسع للتفكير في وجود الله وعدمه. لقد استشرى الوهن والفتور في وجود إنساننا المعاصر لدرجة أن العدمية نفسها فقدت وجهها الأسود القاتم. أي أن العدمية بلغت من الهيمنة مبلغًا لم نعد نرى معه شخصًا مثل كيركغور أو نيتشه يتخذ موقفًا ضد العدمية ويصرخ ويكشف وجهها الأسود، أو لا نجد كاتبًا مثل دوستويفسكي يفضح لنا الوجه الأسود والمضر والمرعب لموت الإله أو العدمية. اليوم، وبسبب هذا الوهن والفتور، والكسل والفتور، وانعدام الإرادة الكبرى للمثل العليا، وبتعبير نيتشه، لا أحد يرمي سهم الشوق إلى الأماكن البعيدة وما وراء ذاته. كل شيء يبدأ من الذات وينتهي إلى الذات. الذات لا بمعناها المتعالي عند الأقدمين، بل بالمعنى الليبرالي للكلمة، أي هذه الغرائز التي نحياها على مستوى الحياة اليومية. العدمية مقترنة بالوهن والفتور. كان نيتشه شديد الأمل في أن تتشكل عدمية فاعلة في مقابل العدمية المنفعلة، لكن نتيجة العدمية ليست الفاعلية والعمل، بل اليأس والقنوط والفتور. في المقابل، لا شك أن الإنسان الروحي يعتبر أن له رسالة في هذا العالم، وتدفق الدم حيويًا في عروقه واضح. إنه يُظهر عزيمة تمكنه من القيام بفعل في العالم وخلق قيمة. والحركية كذلك. فالمركز المانح للمعنى يمنح الإنسان المعني بالمعنى قوة ترون معها نوعًا من الحركية. انظروا إلى تراثنا. الوجوه الكبرى في ثقافتنا التي عُرفت بوصفها الإنسان الروحي، مثل نبي الإسلام، وعلي بن أبي طالب، والحسين بن علي. إنهم فاعلون كبار أيضًا، وكانوا مؤثرين في سياق وعصر زمانهم.
وكذلك الأمر بالنسبة للتحمل، والتقوى، والتواضع، والفتوة، والخدمة، والمحبة. وبتعبير نيتشه: من يمتلك لماذا، يستطيع أن يتحمل أي كيف. من يستطيع أن يتحمل؟ من يمتلك لماذا لتحمل الألم. الصبر من أصعب الأمور في هذا العالم. لا يستطيع أن يرضى بالصبر إلا من يمتلك لماذا، أي لماذا عليّ أن أتقبل هذا الألم. لا بد أن يمتلك ميتافيزيقا. لا بد أن يمتلك نسقًا فكريًا يشرعن له قبول الألم. فإن لم يوجد مثل هذا النسق، سيكون تحمل الألم عسيرًا للغاية. ليس من قبيل الصدفة أنكم ترون في الكثير من آيات القرآن، بوصفه كتابًا مقدسًا، الصبر مقترنًا دائمًا بالإيمان والدعوة إلى الحق. التقوى، وضبط النفس، والاهتمام بالذات، أي الانتباه إلى الذات، هي نتيجة لنوع من التفكير يرى العالم ذا معنى، ويرى تبعًا لذلك الحياة والإنسان ذا معنى. للأسف، من السمات الثقافية ليومنا هذا أن التعالي، أي تجاوز الذات والوصول إليها، قد تضاءل كثيرًا جدًا في حياتنا. وبتعبير نيتشه، الإنسان جسر يصل ذاته بذاته، لكن مثل هذا التعالي نادر جدًا بيننا اليوم. صرنا أقل تفكيرًا في مصيرنا في هذا العالم. صرنا أقل سعيًا لتجاوز أنانا الراهنة والوصول إلى أنا أكثر أصالة وصدقًا. التقوى بهذا المعنى، وهذه التقوى، أي الاهتمام بالذات، نادرة جدًا في العالم المعاصر. سعينا هو أن نحصل على شهادة ونجد وظيفة. هذه ليست بمفهوم الاهتمام بالذات. رغم أنها من ضروريات الحياة. ينبغي لنا، خلف هذه الحياة اليومية، أن نسعى أيضًا إلى تحقيق أنانا الحقيقية.
بطبيعة الحال، فإن الإنسان الروحاني حين يواجه المعنى، يواجه عظمة لا تترك مجالاً لرؤية الذات. الإنسان غير الروحاني هو إنسان يدعو إلى ذاته على الدوام. حيثما رأيتم شخصاً يتحدث عن الإيمان والروحانية لكنه يدعو إلى نفسه، فاعلموا أنه ليس أكثر من دجّال. الإنسان الروحاني حين يواجه حقيقة الكون الوحيدة، أي ساحة القداسة، ينجذب إليها انجذاباً لا يبقي معه مكاناً للذات. تماماً كمن ينجذب إلى معشوق الوجود الأعظم، فيحوّله هذا العشق تحويلاً لا يبقي معه مكاناً للأنانيات، والدعوات الذاتية، والتمركز حول الذات، والإحالات الذاتية. لا ريب أن من ثمار التفكير الروحاني التواضع.
(في السؤال) ثمّة مفاهيم أخرى وردت تُعتبر هي أيضاً من مقوّمات التفكير الروحاني، كالفتوّة، والخدمة، والمحبة، واحترام الموجودات. من يمتلك تفسيراً روحانياً لهذا العالم، يكنّ في الواقع نوعاً من العشق لجميع الموجودات في هذا العالم، لأنه يرى كل موجود من موجودات العالم ظهوراً وتجلياً لتلك الحقيقة.
من المقوّمات الأخرى، الثقة بالنفس. وهذه الثقة بالنفس ليست بمعنى الغرور والأنانية، بل بمعنى أن الإنسان الروحاني يرى لذاته معنى.
القبول. القبول هنا ليس بمعنى السلبية، ولا بالمعنى السياسي والأخلاقي الوضعي. الإنسان الروحاني، استناداً إلى خاصية القبول، هو فرد تصالح مع العالم. الصلح مع العالم كان شيئاً سعى إليه نيتشه وهيغل أيضاً. القبول هو ما يُعبّر عنه في تراثنا بمقام الرضا. بمعنى أن يتحد الفرد مع العالم، ويتغلب على التوترات والتحديات والتناقضات والصراعات التي يخوضها مع العالم، وبالتالي مع ذاته ومع الآخر، ثم يبلغ، بتعبير العرفاء، الصلح الكلي. غاية التفكير هي بلوغ الصلح الكلي مع العالم. لا ريب أن الإنسان الروحاني، بقدر ما يتعجن بالمعنى، يبلغ هذا القبول أيضاً.
التفاؤل، وحب الخير، والرضا، والامتنان، والشجاعة، والصدق، والصبر، والاقتصاد، وعدم التعلق، والتضحية، والصفح، والوفاء بالعهد، وتحديد المطالب والآمال. إن جميع القيم الأخلاقية، في الأساس، ترتبط بالتفكير الروحاني. التفكير الروحاني هو الأساس الوحيد للحياة الأخلاقية. من دون التفكير الروحاني، تواجه الحياة الأخلاقية خطراً جسيماً، وهو الخطر ذاته الذي شخصه نيتشه حين قال إن حدثاً عظيماً وقع في زماننا، ألا وهو انعدام أساس الأخلاق. انعدام أساس الأخلاق هو نتيجة موت الحياة الروحانية.
ينبغي لنا أن نميّز بين أمرين. الأمر الأول هو أن الروحانية تعني امتلاك هدف وقيم فردية عميقة، علماً بأن مصطلح القيم الفردية العميقة يكتنفه الغموض ويتعيّن تحديد المقصود منه. الأمر الثاني هو أن من نتائج الروحانية ولوازمها أن يعيش المرء حياة هادفة ويتحلى بقيم عميقة. فمجرد امتلاك هدف لا يعني التمتع بحياة روحانية. لنفترض أن أحداً ما كان هدفه في الحياة أن يصبح طبيباً كبيراً، أو مهندساً بارعاً، أو أن يجمع المال، أو أن يحقق المثل الأعلى للديمقراطية في مجتمعه، فإن ذلك لا يعني حياة روحانية بالمعنى الذي نفهمه تحديداً من مصطلح الروحانية والحياة الروحانية والنزعة الروحانية. فإذا كان أحدهم ماركسياً وكرّس حياته، استناداً إلى الأفكار الماركسية، لإنقاذ البروليتاريا من النظام الرأسمالي، فهذا يعني أن له مثالاً أعلى. ولا شك أن هذا المثال الأعلى ونمط العيش هذا أسمى من نمط عيش من لا يفكر إلا في ربحه ومصالحه. وبهذا المعنى، فإن الماركسي الذي له في حياته هدف أسمى من الحياة الغريزية والحياة اليومية، تنطوي حياته على نوع من المعنوية، لكن لا يمكننا أن نقبل ذلك بوصفه روحانية. كان جورج بوليتزر ماركسياً مجرياً، وكان يحلم بتأسيس جامعة بروليتارية، أي جامعة لا يكون طلابها من الشباب الميسورين، بل يكون طلابها من أولئك الذين غلظت أيديهم من العمل، كعمال المناجم والمصانع الذين يكابدون مشقة كبيرة في طلب المعاش. كان بوليتزر يرى أن على أمثال هؤلاء أن يلتحقوا بالجامعة كي يبلغوا الوعي والوعي الذاتي الاجتماعي – الطبقي. ومن أجل فكرة الجامعة هذه، ألّف كتاباً اسمه أصول الفلسفة، وكان يقصد به أصول الفلسفة الماركسية للعمال. يقول في هذا الكتاب: نحن الماركسيين ماديون في نظرتنا للعالم، ولكننا مثاليون في الممارسة. بمعنى أننا نحن الماديين نعتقد أن هذا العالم مكون من المادة فحسب، ولا يوجد أمر أسمى من المادة، ولكننا في المقابل نبذل أرواحنا في حياتنا في سبيل مثل عليا كالعدالة والحرية. والعدالة والحرية ليستا من سنخ الأمور الطبيعية والفيزيائية والمادية. على أية حال، أردت بهذا المثال أن أبيّن أن امتلاك الهدف - سواء أكانت أهدافاً فردية أم اجتماعية - لا يمكن أن يضفي على الحياة روحانية. الإنسان الروحاني هو من يرى حقيقة هذا العالم أمراً متعالياً على المادة، ويقيم صلة بهذا المعنى للعالم وبهذه الحقيقة المتعالية التي يمكننا أن نعبّر عنها بساحة القدس. من يتمتع بحياة روحانية يرى العالم ذا معنى، ويرى الحياة والإنسان ذوي معنى تبعاً لذلك. وهذا الإنسان يتحمل عبء تحقيق رسالة ومسؤولية في العالم. فالإنسان الروحاني ينهض بهذا العبء، ونهوضه بهذا العبء يضفي على حياته هدفاً. وعلى أية حال، صحيح أن عيش حياة أخلاقية والتحلي بالأخلاق هو من نتائج الحياة الروحانية ولوازمها، لكن مجرد الالتزام بالأخلاق لا يعني التدين. فالتدين لا يعني التحلي بالأخلاق، ولكن التحلي بالأخلاق نتيجة ولازم حتمي للحياة الدينية. والأمر نفسه ينطبق على الروحانية. فامتلاك الهدف والقيم الأخلاقية هو من نتائج النزعة الروحانية والحياة الروحانية ولوازمها الحتمية، لكن لا يمكننا القول إن كل من له هدف وقيمة في حياته هو إنسان ذو نزعة معنوية، وإن كان بوسعنا القول إن كل إنسان روحاني لا بد أن يرى لحياته معنى، ويكون لحياته هدف وغاية تبعاً لذلك.
فيما يتعلق بالإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن أقول إن هذا السؤال هو سؤال بعدي أكثر مما هو سؤال قبلي. بمعنى أننا أحيانًا نوصي بشأن العلاقة بين الجسد والروح، لكنني أعتقد أن السؤال ينبغي أن يُطرح على هذا النحو: ما هي العلاقة بين الروح والجسد في التقاليد الروحية المختلفة؟ وبقدر ما يسمح به علمي المحدود، فقد أُقيمت علاقات متنوعة بين الروح والجسد في التقاليد الروحية المختلفة. في بعض التقاليد، وخاصة في التقاليد الهندية، يتم إضعاف الجسد والجسدانية بشدة لكي تتحرر الروح من سجن الجسد، وكأنه ينبغي تحرير طائر ملكوت السماء من سجن الجسدانية. وفي الأديان الإبراهيمية أيضًا، توجد اختلافات بين تجربة المسيح وتجربة محمد المصطفى. فالمسيح لم يتزوج، وفي التقليد المسيحي والعرفان المسيحي، كانت العزوبة والرهبنة بعيدًا عن حياة الجسد والجسداني، وكان الذهاب إلى الأديرة وترك الدنيا يمثلان تلقيًا خاصًا للجسدانية. أما في التجربة المعيشة لنبينا، فإن الرهبنة منهي عنها بشدة. كان نبينا رجل أسرة، وكان يحب المرأة. والآية الصريحة في القرآن تقول: من الذي حرّم زينة الله على الفرد؟ نبينا هو رجل سياسة وسيف. بهذا المعنى، في الثقافة الإسلامية والتجربة التي يقدمها لنا محمد المصطفى، لا يحتقر الفرد المؤمن الجسدانية، بل يسعى إلى أن تكون له علاقة حرة مع الحاجات الغريزية والجسدية. فهو لا يطلق لها العنان بحيث تستغرق كامل وجوده، ولا يكبتها بحيث ينفجر هذا الكبت نفسه في شكل بعض الاختلالات والعقد في الذهن. كلامي هو أنني إذا أردت أن أقول كيف تكون نسبة الروح والذهن في الفضاء الروحي، فينبغي أن أقول إنه ليس لدينا فضاء روحي مطلق، بل ينبغي أن نرى ما هي النسب التي كانت قائمة بين الجسد والروح في التقاليد التاريخية المختلفة. في الفكر الليبرالي، يُنظر إلى الغرائز والحاجات الجسدية باعتبارها المحركات الأساسية للحياة، وأنه لا ينبغي تقييد هذه المحركات الأساسية للحياة في إطار الأخلاق، بل إن هذه الأطر الأخلاقية هي التي ينبغي أن تتكيف مع هذه المحركات الأساسية للحياة. هنا توجد نظرة أخرى. جميع التقاليد الروحية تتخذ موقفًا مقابل هذه النظرة التي تشكلت في العصر الحديث، أي أنها لا تقبل بأنه ينبغي إطلاق العنان للغرائز وتحفيزها. بالطبع، هناك بعض التيارات الروحية غير الأصيلة التي تشكلت في العالم الحديث، مثل أفكار أوشو التي لا تتمتع بأي أصالة فكرية وقد أصبحت رائجة جدًا في بلدنا. هذه الأفكار في الواقع تقوم بتحديث التقليد الروحي الموجود في الفكر الهندي وتربطه بالقيم الليبرالية. ونتيجتها ليست أمرًا روحانيًا، ولا ترتبط بالتقاليد والميراث الروحي – التاريخي للبشر.
اسمحوا لي، لمناقشة هذا السؤال، أن أميز بين نوعين من الغاية. نوع هو الغايات المؤقتة التي ليست نهائية ولا أساسية، والنوع الآخر هو الغاية التي هي غاية الغايات والغاية المطلقة. الغايات غير المطلقة وغير الأساسية هي مثل هذه التخطيطات: أن أُقبل في الجامعة، أن أكتب رسالة الماجستير، أن أتوظف، أن أشتري منزلاً، إلخ. هذه غايات يختارها جميع الأفراد وفقًا لظروفهم، وليس أي منها مطلقًا. بمعنى أن كل واحدة من هذه الغايات هي في حد ذاتها مقدمة ووسيلة لغاية أخرى. لنفترض أنني أريد المال لكي أوفر الإمكانيات، أوفر الإمكانيات لكي أعيش بشكل أفضل، أعيش بشكل أفضل لكي أكون أكثر سعادة. وهكذا يمكننا أن نجعل كل غاية مقدمةً لغاية أسمى. نحن، وفقًا لظروفنا الطبقية والتاريخية والاجتماعية والفردية والنفسية، لدينا غايات مختلفة.
ثمة سؤال يُطرح أحياناً: ما الغاية الأساسية في الحياة؟ بمعنى، ما الغرض من كل هذه المساعي؟ ما الغرض من كل هذه الآلام؟ ما الغرض من كل هذا المجيء والذهاب؟ ما الذي يمنح العالم غاية ومعنى؟ ما الذي يمنح مجيئي وذهابي في هذا العالم غاية؟ هذا السؤال ليس سؤالاً عادياً. إن ما سأفعله الآن، هل أسعى وراء الثروة أم الفن؟، هي غايات يختارها الفرد بناءً على خصائصه الاجتماعية – الطبقية والنفسية. أما السؤال عن ماهية الغاية الأساسية للعالم، وللتاريخ البشري، ولحياتي في هذا العالم، فليس سؤالاً عادياً. هذا السؤال هو، بمعنى ما، سؤال حكمي وميتافيزيقي وفلسفي. بعبارة أخرى، عندما نتحدث عن غايات غير مطلقة فإننا نتناول قضية، لكن عندما نتحدث عن غاية أساسية فإننا نتأمل في أسرار العالم. إن معنى السؤال عن الهدف النهائي في الحياة هو: ما هي غاية الحياة البشرية التي بناءً عليها أقبل أنا أيضاً هذه الغاية؟ هذا سر عظيم. لقد تحدثت مراراً عن التمييز بين السر والقضية، متبعاً في ذلك أفكار غابرييل مارسيل، الفيلسوف الفرنسي. ينبغي أن ننتبه إلى أن القضايا هي أسئلة قابلة للحل ونجيب عنها؛ إجابات كلية ويقينية وضرورية وملزمة. إن لم نجب عنها اليوم فسنجيب غداً. القضايا، من حيث المبدأ، قابلة للإجابة، أما الأسرار فليست أسئلة يمكننا أن نقدم لها إجابات كلية وعالمية يكون قبولها ملزماً للجميع. إن مسألة ما إذا كان للعالم معنى أم لا، هي سر. كل تقليد من التقاليد التاريخية يجيب عن هذه الأسرار بطريقة مختلفة. ربما كان العالم الحديث هو العالم الوحيد الذي لا يملك إجابة عن هذا السؤال ويواجهنا بنوع من العدمية، ولكن في التقاليد الهندية، وفي الحكمة الإيرانية، وفي تقاليد الأديان الإبراهيمية، ترتبط غاية العالم بعالم الملكوت والألوهية. لذلك لا يمكننا الحديث عن غاية الحياة بشكل مطلق. بخصوص الغاية المطلقة للحياة، يجب أن ننظر إلى التقاليد التاريخية المتنوعة. أن نرى كيف يجيب بوذا، ومحمد المصطفى، والمسيح... عن هذا السؤال، وكيف يجيب أفلاطون وأرسطو عنه، وصولاً إلى مفكرين مثل كانط وهيغل وراسل وغيرهم. انتبه إلى أن هذا السؤال هو سؤال ميتافيزيقي، ولا ينبغي أن نتوقع حله كقضية. لذلك، في كل تقليد تاريخي، يُجاب عن هذا السؤال بطريقة ما. ثمة نقطة أخرى وهي أن جميع التقاليد ما قبل الحديثة تكاد تكون متوافقة الأفق في إجابتها عن هذا السؤال، وذلك بأنها تبحث عن غاية الحياة في العالم المفارق. في العالم الجديد، يُنكر الأمر المفارق، وبالتالي تُنكر غاية الحياة وغاية العالم بمعنى ما.
أحد الأجوبة هو أن لدينا مجالات روحية متنوعة، أي تفكير روحي في تقاليد مختلفة مثل التفكير الهندي، أو تفكير الشرق الأقصى، أو تفكير تقليد الأديان الإبراهيمية، أو في الحكمة الإيرانية. هذه المجالات الروحية، وإن كانت متوافقة الأفق فيما بينها، إلا أن بينها اختلافات أيضاً. أحد الاختلافات هو أن التجربة الحياتية لمؤسسي هذه التقاليد التاريخية مختلفة. لنفترض أن بوذا لديه تجربة عن الأمر الروحي في هذا العالم، يكشفها في إجابته عن الأسرار، ويُشكّل، بالتجربة الحياتية التي لديه عن سر العالم، تقليداً تاريخياً. هذه التجربة الحياتية يمكن أن تكون مختلفة عن تجربة إبراهيم الحياتية، كما هي مختلفة بالفعل. لذلك، فإن للتقليد الروحي في الأديان الإبراهيمية خصائص تختلف عنها في التقليد الهندي، بناءً على التجربة الحياتية التي لدى بوذا عن العالم، وقد يجيب عن سؤال سر العالم الكبير، أي ما هي غاية الإنسان في العالم، بطريقة مختلفة. وقد يكون معنى السؤال أحياناً هو: قد يفكر الجميع في تقليد التفكير الهندي، أو لنفترض أن الجميع يؤمنون بالأديان الإبراهيمية، لكن لماذا تختلف أهدافهم الغائية؟ مثلاً، قد يعتقد جميع المسلمين أن الإنسان يعيش من أجل الآخرة، ولكن ماهية الآخرة تتوقف على نوع فهمنا وإدراكنا. كل فرد مؤمن، أو كل فرد وُلد في التقليد الإسلامي، سيفسر الغاية بطريقة خاصة، وسيشكل حياته بناءً على تفسيره لهذه المقولة. انتبه إلى أننا عندما تحدثنا عن الأسرار، فإن إجابات الأسرار ليست قضايا موضوعية. لذلك، فإن مجال التأويلات مختلف. لدينا أنواع من الإسلامات. بناءً على الفهم الذي لدى المسلمين للإجابة عن سر غاية العالم، تتشكل أنواع من الغائيات للحياة.
تعود هذه المسألة إلى الظروف والإمكانيات والأسباب والعوامل السوسيولوجية والسيكولوجية. أحد عواملها النظرية ينبثق من الفهم والتفسير الناتجين عن الإجابة على سؤال: ما هو سرّ العالم.
أودّ أن أذكر نقطة حول الروحانية والفكر والمقولات الروحانية. الفكر والروحانية، مثل العالم والحياة، ليسا أمراً ذاتياً محوره الذات، أي ليس الأمر أننا نفكر كيفما شئنا بإرادتنا، بل إن مقدمات تفكيرنا تجرّنا إلى نتائج قد لا نكون راضين عنها أو لم نكن نرغب في الوصول إليها منذ البداية. التفكير أشبه بسيل يجرفنا معه. ليس الأمر أننا نمتطي صهوة التفكير ونوجهه حيثما نريد، بل هو في الواقع كالسيل الذي يحملنا معه. الروحانية أيضاً ليست أمراً قائماً على الذات ومحوره الذات، أي ليس الأمر أنني أقرر من اليوم أن أكون إنساناً روحانياً فأصبح روحانياً. بالطبع إرادتي وقرارَي لهما دور، لكن مجرد إرادتي وقرارَي لا يمكنهما أن يصنعا مني إنساناً روحانياً. لكي نحيا حياة روحانية، ينبغي أن تكون لنا نسبة مع حقيقة روحانية. إقامة النسبة مع هذا الأمر الروحاني ليست فعلاً ذاتياً. ليس الأمر أنني أريد بإرادتي أن أقيم نسبة مع ساحة المعنى وساحة القدس، فتنشأ هذه النسبة بمجرد إرادتي ورغبتي. لكي تظهر الروحانية، يجب أن تكون للروحانية الأصيلة جذور في تربة الوجود، يجب أن تكون لها نسبة مع الوجود وساحة المعنى. الروحانية أمر أنطولوجي وجذورها في علم الوجود. وعلم الوجود هذا ليس مجرد علم وجود مفهومي ونظري، بل هو حصيلة مواجهة حقيقية مع المعنى أو ساحة القدس. لكي تكون الروحانية أصيلة، ينبغي أن تكون قد أقامت نسبة مع الأمر الروحاني. هذا ما حدث في العوالم ما قبل الحديثة. نحن لا نرى مثل هذه الروحانية في العصر الحديث والمستقبل القريب نسبياً. حيثما يُذكر الفكر الروحاني، فهو في الواقع ظلال من إرث الفكر الروحاني في الحقل البشري الذي ورثناه عن أسلافنا، وقد أصبح باهتاً جداً. كثير من الروحانيات الناشئة حديثاً هي حصيلة تحديث إرث ميت وصل إلينا من التقاليد الروحانية السابقة، فنقوم مثلاً بربطه بالأنثروبولوجيا الليبرالية ونخلق روحانية من نمط روحانية أوشو التي تقول: لكي تصلوا إلى المعنى، لا تكبتوا غرائزكم، وتمتعوا باللذة الجنسية قدر استطاعتكم حتى لا يظهر كبت الغريزة الجنسية لديكم على شكل عقدة. توجد هنا كلمات حق، لكن إلى جانبها توجد إرادات باطل، أي يُرى نوع من الإفراط في هذه التعاليم. لذلك ترون أنه بناءً على هذه الأفكار لا يوجد أدب كأدب مولانا أو حافظ. أي أنه بناءً على هذه العرفانيات الناشئة حديثاً لا يتشكل أدب أصيل كهذا، ولا يتشكل عالم فني كهذا يستطيع أن يُظهر العالم الروحاني كما يتجلى مثلاً في الموسيقى الكنسية أو الرسم في القرون الوسطى.
ضعوا عدة نقاط في الاعتبار. لقد كانت لدينا مجتمعات روحانية اتحدت حول الأمر الروحاني، مثل الفيثاغوريين الذين عاشوا حياة أخوية، أو متصوفتنا في القرون الماضية الذين عاشوا معاً حياة أخوية. في صدر تاريخ المسيحية، كانت الكنيسة مكاناً تتشكل فيه جماعة حول العنصر الروحاني، أو لنفترض أن هذا الأمر الروحاني استطاع أن يكون مؤثراً في السياسة أيضاً. الصفويون قوة سياسية كانت حصيلة تعبئة قسم من القوى والجيش حول أمر روحاني.
عندما لا يكون الأمر الروحي حاضرًا بين جميع أفراد المجتمع، وعندما توجد تفسيرات شديدة التعدد للأمر الروحي بين أتباعه، فإننا في الفلسفة السياسية الحديثة بحاجة إلى التفكير بطريقة أخرى لتوحيد المجتمع الحديث المتعدد. علينا أن نقبل طرقًا أخرى للوحدة. قد تكون هذه الوحدة هي أرض الأجداد، أو اللغة، أو الثقافة المشتركة. ما أود الإشارة إليه بالنظر إلى ظروف العالم الراهن، هو أنه مع غياب المعنى في المجتمع، ورغم أن الأفراد يرتبطون ببعضهم البعض، إلا أنهم يعيشون وحدتهم معًا. لقد تشكل المجتمع من ذرات تم تجميعها جنبًا إلى جنب بشتى الحيل بمساعدة السلطة السياسية، والدوافع الاقتصادية، والأمنية... إلخ. الأفراد في صراع دائم مع بعضهم البعض، لكن المؤسسات لا تسمح لهم بالتعبير عن هذه الصراعات. تتحول هذه النزاعات إلى نزاعات قانونية. ولهذا السبب، فإن النزعة الفردية هي إحدى السمات الثقافية المهمة في عالمنا، وبتعبير داريوش، القبيلة تعني فردًا واحدًا. ولهذا السبب، فإن التذرر الناجم عن فقدان الأمر الروحي الذي يربط الأفراد ببعضهم البعض، هو أحد المؤشرات الأساسية في عالمنا الراهن، وقد أدى إلى موت السياسة، واللامبالاة الاجتماعية، ولا مبالاة المجتمع، وعلينا أن نفكر بطريقة ما في عودة الأمر الروحي إلى العالم المعاصر لكي يتحرر البشر من هذا التذرر المتطرف.
أعتقد أن المسألة هي أن لدينا نوعًا من التفكير ليس من النوع المفهومي، بل هو تفكير نمتلك منه نوعًا من التجربة الحياتية. على سبيل المثال، أستخدم أحيانًا مفهوم الأب في الأدب والكلام، ولدي فهم إجمالي لمعنى الأبوة، لكن عندما أصبح أبًا بنفسي، أحصل على تجربة حياتية للأبوة. هذه التجربة الحياتية تقع على مستوى وجودي، بينما المفهوم يقع على مستوى فاهمتي، لكن تجربة الأبوة هي تجربة حياتية. أتذكر عندما كنت مراهقًا وكنت أعود إلى المنزل متأخرًا، كان والدي يقول لي: عندما تتأخر ينقطع نياط قلبي. كنت دائمًا أسخر من هذا، ما معنى نياط القلب؟ ولكن منذ أن أصبحت أبًا وعاد ابني إلى المنزل متأخرًا، أفهم جيدًا أين يقع نياط القلب، وأي جزء من وجود الإنسان يصيبه التوتر والقلق. المفهوم شيء آخر، أن تقرأ كتبًا ومقالات عن الحب، وتشاهد أفلامًا، ولكن هناك لحظة يختبر فيها وجودك الحب، وعندها تمتلك تجربة وجودية لهذا المفهوم.
في الوعي المفهومي نتعامل مع المفاهيم، والمفهوم يُنقل بواسطة اللغة من ذهنٍ إلى ذهنٍ آخر. لدينا هنا الهوية الجمعية للمعرفة، أي أننا نستطيع نقل مفهومٍ من ذاتيةٍ إلى ذاتيةٍ أخرى. كيف الحال بالنسبة للتفكير الوجودي؟ هنا أيضًا يمكن للتجارب المشتركة أن تكون أساسًا للغةٍ مشتركة، لكن اللغة هنا ليس لها وظيفة مباشرة، أي أن اللغة لا تنقل المفاهيم مباشرة، بل هي إشاراتٌ لإيقاظ تلك التجربة الحياتية. افترض أنك تقرأ المثنوي المعنوي أو ديوان غزليات حافظ. ثمة وقتٌ تكون فيه على مستوى شرح الأسماء، وهو الوعي المفهومي نفسه، لكن ثمة وقتًا تواجه فيه التجربة الحياتية الشعرية لحافظ. في الوعي المفهومي يوجد نوعٌ من الجدل والحركة، أي حركةٌ من مفهومٍ إلى مفهومٍ آخر، وعادةً ما تتم بمساعدة الجدل العقلي عبر حدٍّ أوسط. على سبيل المثال، إذا كنتُ أعتقد أن كل إنسانٍ فانٍ، وأن سقراط إنسان، فإن مفهوم الإنسان يُتخذ حدًّا أوسط يربط تصوري لسقراط بالفناء، فأستنتج أن سقراط فانٍ. هنا يوجد حدٌّ أوسط، وقد وضعنا قدمنا من مفهوم سقراط على مفهوم الإنسان، وخطونا خطوةً أكبر، ووصلنا بواسطة الحد الأوسط "الإنسان" من كون سقراط إنسانًا إلى كونه فانيًا. هنا يوجد جدلٌ وحركةٌ مفهومية. في الوعي الوجودي ينبغي أن يحدث نوعٌ من الجدل الوجودي. على سبيل المثال، حين تسمع البيت الأول من المثنوي حيث يقول: "استمع إلى الناي كيف يحكي / يشكو من الفراقات"، فإن لم تكن قد عشت تجربة الانفصال عن المحبوب الأعظم للوجود، فلن تنتقل إليك تجربة الشاعر الوجودية، لكن هذا البيت يساعد ربما على أن تحدث هذه التجربة في وجود المخاطب. لذا يتشكل لدى المخاطب جدلٌ وجودي. هنا أيضًا لديك أحكامك النقدية الخاصة. لنفترض أن مولانا في أشعاره ينقد كل جزءٍ من ثقافتنا، لكن هذا النقد ليس نقدًا سياقيًا فحسب، بل يتبع أحكامه الخاصة. بالنظر إلى نظرية ألعاب اللغة عند فتغنشتاين، لكل لعبةٍ لغويةٍ نقدها الخاص. أنت تنقد لاعب كرة القدم بناءً على معايير لعبة كرة القدم الخاصة، لكنك تنقد المصارع بمعايير رياضة المصارعة. من الخطأ أن تظن أنه إذا أردنا توجيه النقد إلى المصارع، فعلينا بالضرورة أن ننقده بمعايير لعبة كرة القدم. لذا، في مجال التفكير الميتافيزيقي والمفهومي، ستكون المعايير النقدية متمحورة حول المنطق، لكن مجال التفكير الوجودي يتطلب معايير أخرى. أحد المعايير في مجال التفكير الروحي هو النقد الأخلاقي. بمعنى أن التفكير الروحي ينبغي أن يتجلى في نمط حياةٍ وسلوكٍ أخلاقيٍ معين. هذا النقد ليس نقدًا منطقيًا على الإطلاق. لنفترض أن شخصًا يعتقد بالتوحيد، ويُفترض به في التفكير الروحي أن يرى كل شيءٍ في الله، لكن هذا التوحيد لا يتجلى في نمط حياته بشكلٍ ما، فأنت تقول هنا إن في سلوكه نوعًا من الشرك. يوجد هنا نوعٌ من النقد، لكنه ليس من النوع المنطقي، بل هو نقدٌ يتوجه إلى نمط الحياة وكيفية تحقق الفرد.
لذا، واستكمالًا للسؤال المذكور، ينبغي أن أقول إن بسط حالة الوعي هنا لا يتم فقط عبر المفاهيم والقضايا، بل عبر نقل التجربة الحياتية إلى فردٍ آخر يتمتع بهذه التجربة الحياتية. كل مجالٍ من مجالات التفكير الوجودي – الروحي له معاييره الخاصة للنقد، وهي تختلف عن معايير المنطق الميتافيزيقي.
عندما نستخدم كلمة خِرَد أو عقل، ينبغي أولاً أن نحدد بأي معنى نستخدم هذه الكلمة. هل عندما نستخدم كلمة خِرَد نقصد بها نفس معنى العقل؟ في لغة وأدبيات المتسائل، الخِرَد تحمل نفس معنى العقل، والعقلانية هي ذاتها الحكمة، أم أن الحكمة في ذهن المتسائل مقولة تختلف عن مقولة العقل والعقلانية؟ انظر إلى أنظمة الإبستمولوجيا لدى القدماء، فمثلاً من وجهة نظر أفلاطون، للوعي مراتب، ولقوى المعرفة في وجود الإنسان مراتب أيضاً. بناءً على هذا، لدينا مراتب دنيا من الوعي (دوكسا) ومراحل عليا من الوعي (إبستيميه)، وفي الوقت نفسه توجد بين هذين مراتب وسطى. تذكروا مثال كهف أفلاطون أو تمثيل خط أفلاطون في محاورة ثياتيتوس الذي يتحدث عن أربع مراحل من الوعي. مرحلتان تتعلقان بمرحلة المحسوسات ومرحلتان أخريان تتعلقان بمرحلة المعقولات. عندما يتحدث أفلاطون عن العقل، يجعل له مرتبتين. مرتبة هي ديانوييا، وهي العقل الاستدلالي الذي يتجلى في الرياضيات والاستدلال. وفوق الديانوييا توجد مرتبة أخرى من العقل يسميها نوييسس، وهي العقل الحدسي. العقل الحدسي أسمى من العقل الاستدلالي. في رؤية أرسطو، يتم تجاهل هذا التمييز. وكذلك في العصر الحديث، في الفكر الديكارتي والكانطي، لا يوجد مثل هذا التمييز، وللعقل مرتبة واحدة. إذا كنا ضمن الإطار الأفلاطوني، يمكن إطلاق العقل على مرتبة الديانوييا، وتطلق الحكمة على مرتبة النوييسس، أو كما هو موجود في تراثنا الحكمي أو أدبياتنا العرفانية، لدينا مرتبتان من العقل: مرتبة العقل الجزئي أو الاستدلالي، وهو ذاته الديانوييا، ومرتبة أخرى هي العقل الكلي. ما يُحتقر في عرفاننا وتُعتبر ساقه خشبية هو العقل الجزئي. على أية حال، الكلام هو أنه عندما نتحدث عن العقلانية أو الحكمة، ليس واضحاً حقاً عن أية مقولة نتحدث. نحن لا شعورياً أسرى الجوهرانية الأرسطية التي تجعل للحكمة أو للعقل جوهراً واحداً لا يتغير، وعادةً ما نعتبر العقلانية مرادفة للعقلانية الميتافيزيقية والمنطق محور. الأمر في الواقع ليس كذلك. في الواقع، معنى العقل أو معنى الحكمة أمر تاريخي. لدينا صور متنوعة من العقلانية تحققت في تقاليد تاريخية مختلفة، والعقل اليوناني والميتافيزيقي ظهر إلى ساحة الوجود لأول مرة مع أفلاطون وأرسطو. قبل ذلك، لم يكن البابليون والسومريون والفينيقيون والهنود وغيرهم على دراية بمثل هذا العقل، وهذا فقط وفقط مع اليونان المتأخر، أي اليونان ما بعد السقراطي، تشكلت هذه العقلانية. الأغلبية الساحقة منا، عندما نتحدث عن العقلانية، لا شعورياً، ولأننا نفتقر إلى النظرة التاريخية أو لسنا على دراية بالأسس الحكمية والفلسفية، نعتبر عموماً معنى العقل أمراً مثبتاً وواضحاً بالنسبة لنا. في حين أن ما هو معنى العقل حقاً هو ذاته سؤال فلسفي. في الواقع، نحن نواجه معضلة فلسفية اسمها العقلانية. العقلانية ليست أمراً واضحاً وجلياً، بل هي مسألة. مسألة معضلة العقلانية هي: ما هو العقل والعقلانية حقاً؟ عندما تتصور في ثقافة ما العقل شيئاً وتخرج منها، ستواجه صوراً أخرى لن تعتبرها عقلاً بعد ذلك. سمعتم مني هذا المثال مراراً وتكراراً: جنباً إلى جنب مع الاستعمار، عندما ذهب بعض الغربيين والقساوسة إلى مجتمعات أخرى، رأوا أن لديهم سلوكيات لا تتوافق بتاتاً مع سلوكيات الإنسان الأوروبي، لذا أسموهم قبائل متوحشة. تدريجياً، مع نمو الأنثروبولوجيا، تشكل هذا السؤال: هل يجب أن نقول إن الأفراد غير الأوروبيين متوحشون ويفتقرون إلى العقلانية، أم أنهم يتمتعون بنوع من العقلانية يتعارض مع العقل والحكمة اليونانيين؟ لذا يمكننا أن نتحدث عن تنوع من العقلانيات. انظروا إلى قصة تضحية إبراهيم بإسماعيل. بناءً على نوع من العقلانية، هذه الحركة غير منطقية ونوع من التوحش، لكن انتبهوا إلى أن ملايين البشر على مدى آلاف السنين عاشوا في الإطار المعنوي للأديان الإبراهيمية، آمنوا بهذه القصة، ولم يعتبر أحد إبراهيم أحمق ومؤذياً للأطفال، بل تُفهم هذه القصة وتُفسر بمنطق آخر يختلف عن العقل اليوناني والميتافيزيقي. لذا، إما أن نقول إن إبراهيم كان يفتقر إلى العقل، أو يجب أن نقول إن إبراهيم يتمتع بحكمة تختلف عن الحكمة الميتافيزيقية. يمكنكم رؤية هذه القصة ذاتها بخصوص المقارنة بين المسيح وأرسطو. بلا شك، ما كان يقوله أرسطو لم يكن مألوفاً للمسيح.
العقل اليوناني هو عقل يتعامل على الدوام مع المفاهيم، أما المسيح فكان يتعامل على الدوام مع الصور والقصص. فهل ينبغي لنا أن نقول إن المسيح كان يفتقر إلى العقل، وإن العقل هو ما يتجلى في أرسطو وميتافيزيقا أرسطو، أم ينبغي أن نقول إنه مثلما كان المسيح غريباً عن العقل والعقلانية اليونانية والأرسطية، كان أرسطو أيضاً غريباً عن العقل والعقلانية التي كانت قائمة في التقليد الإبراهيمي. لذا فإن خلاصة القول هي أن الروحانية، بمعنى من المعاني، تتمتع بعقلانية وحكمة خاصة بها. وهذه الحكمة ليست هي الحكمة الميتافيزيقية القائمة على محورية المنطق.أعتقد أن هذا السؤال قائم على نفس الافتراضات الجوهرانية الأرسطية، أي أنه قائم لا شعوريًا على نوع من التفكير اللاتاريخي. ينبغي أن ننتبه إلى أن الفكر الروحي يمتلك عقلانيته الخاصة، لكن هذه العقلانية ليست عقلانية ميتافيزيقية. لقد قلت هذا مرارًا في إطار تراثنا التاريخي: لا تقولوا إن حافظًا شاعر يفتقر إلى العقلانية والفكر، وإن ابن سينا والفارابي هما حاملا لواء العقلانية في تراثنا التاريخي. برأيي، إذا أردنا أن نجد الحكمة والعقلانية الإيرانية، فينبغي أن نبحث عنها في أشعار حافظ. فأشعار حافظ لا تعبر عن مجموعة من المشاعر والعواطف، بل تعبر عن نوع من الحكمة يختلف عن الحكمة الميتافيزيقية اليونانية. يعبر ابن سينا والفارابي عن حكمة أقرب إلى الحكمة الميتافيزيقية اليونانية. إذن نحن هنا بصدد نوعين من الحكمة، وليس بصدد تعارض العقل مع العواطف أو تعارض الشعور مع الشغف. إن ثنائية الشغف والشعور أو ثنائية العقلانية والعواطف هي تعارض ميتافيزيقي. في التراث الميتافيزيقي، يُحتقر الشعر ومَلَكة الخيال، وتوضع الفاهمة في مرتبة أعلى من مَلَكة الخيال. هناك نوع آخر من التفكير والحكمة يكون مفعمًا بالشغف. هنا يتحد الشغف والشعور. تذكروا أن السهروردي أطلق على أحد كتبه اسم "العقل الأحمر". استخدام اللون الأحمر هو نوع من الاستعارة. يوجد هنا نوع من العقل إشراقي، يتميز عن العقل المفهومي، لكن له أصوله ومبادئه الخاصة.
إن سؤال كيف يتم التوفيق بين الروحانية والعقلانية ناتج عن كوننا نعتبر للعقلانية معنى وصورة تاريخية واحدة فقط. نظن أننا كلما قلنا "عقل"، فبالضرورة يجب أن يكون هذا العقل هو العقلانية المنطقية الميتافيزيقية. الآن، عندما نتحدث عن نسبة الروحانية والعقلانية والتوفيق بينهما، يصبح السؤال هو: كيف نجمع الروحانية مع العقلانية المنطقية الميتافيزيقية التي أدت إلى ظهور العقلانية العلمية والتكنولوجية الحديثة؟ أي كيف ينبغي أن نجمع الروحانية مع العقل الميتافيزيقي والعقل العلمي والتكنولوجي. هذه العقلانية الميتافيزيقية أشبه بحصان طروادة، فعندما يدخل قلعة الفكر الروحي لا يتبقى من هذه الروحانية شيء، وبسهولة يلتهم هذا العقل الميتافيزيقي الفكر الروحي من الداخل، ويعلمنه، ويتغلب عليه في النهاية. اسمحوا لي أن أضرب مثالًا تاريخيًا في هذا الشأن. عندما واجه المسيحيون الأوائل الثقافة اليونانية-الرومانية، سخروا من تلك الثقافة وقالوا: "حسبنا المسيح وحب المسيح، وما شأننا بالبلاهة والحماقة اليونانية؟". كان الفكر اليوناني بالنسبة لهم مظهرًا للبلاهة والجهل. تدريجيًا، أدرك المسيحيون أنهم يريدون التحاور مع المشركين، ودعوتهم إلى المسيحية، ويريدون الرد على الشبهات التي كان يطرحها اليونانيون والرومان، لذا اضطروا إلى إظهار قبول إيجابي للثقافة اليونانية-الرومانية إلى حد ما. فبينما كان مسيحيو صدر المسيحية يقفون في وجه الفكر اليوناني ويضعون أورشليم في مقابل روما، قالوا تدريجيًا إن سقراط الذي تجرع كأس الشوكران قد استشهد، وكان في الواقع ممهدًا لظهور المسيح وصلبه. قالوا تدريجيًا إن سقراط كان له بين اليونانيين نفس الدور الذي كان لموسى بين اليهود، وكما أن موسى جاء بالحكمة الإلهية من عند الله للعبرانيين، فإن سقراط جاء بالحكمة لليونانيين. في القرنين الثاني والثالث، ارتبط الفكر المسيحي بالفكر الأفلاطوني. في الفكر الأفلاطوني، لا تزال هناك وجوه حدسية. كان هناك تعايش بين الفكر الأفلاطوني والفكر المسيحي لما يقرب من ثمانمائة عام، ولكن ما إن ارتبط الفكر المسيحي بالفكر الأرسطي بعد توما الأكويني ابتداءً من القرن الحادي عشر، وحل الفكر الأرسطي محل الفكر الأفلاطوني، حتى بدأ عصر النهضة خلال قرنين، أي من القرن الثاني عشر والثالث عشر فصاعدًا، وتبع ذلك انهيار الإيمان المسيحي والعصور الوسطى. ما أريد قوله هو أنكم إذا أردتم ربط العقلانية الميتافيزيقية، والأسوأ منها العقلانية العلمية والتكنولوجية الحديثة، بالروحانية، فإن هذا الفكر الروحي سيفقد روحه بسرعة ويصبح علمانيًا بالكامل.
لا أعلم ما المقصود بالمدارس الروحية المختلفة. أحيانًا ما نعنيه بالمدارس الروحية المختلفة هو أننا، على سبيل المثال، في تراثنا العرفاني الإسلامي كانت لدينا فرق وتيارات متنوعة، فمثلاً كان لدينا عرفاء أهل قبض، وعرفاء أهل بسط... إلخ. ثمة خطوط مشتركة بينهم، لكن رأس كل تيار من هذه التيارات كانت له تجاربه الحياتية الخاصة من الحياة الروحية. هذه التيارات المختلفة كانت لها بالطبع آفاق مشتركة أيضًا، وفي الوقت نفسه كانت بينها اختلافات في بعض الجوانب الفرعية. من ناحية أخرى، عندما نتحدث عن مدارس روحية مختلفة، يمكننا أن نلتفت إلى التقاليد الروحية المتنوعة. كأن نتساءل كيف كان التقليد الروحي الهندي، والأديان الإبراهيمية... إلخ. على أية حال، إن كيفية تشكيلها للهوية، سواء في القالب الفردي أو الاجتماعي، بحاجة إلى دراسة تاريخية. بمعنى أن ندرس الثقافة الهندية من الناحية الأنثروبولوجية لنرى ما هي السمات التي يكتسبها الفرد الهندي في تقليد الفكر الروحي الهندي، أو ما هي السمات التي يكتسبها فرد مسيحي مثل أوغسطينوس... إلخ في التقليد المسيحي. لهذا الغرض لا بد من القيام بعمل مقارن. وكذلك أن ندرس المجتمعات التي تشكلت في التقليد المسيحي. بمعنى أن نبحث تاريخيًا، بمناهج فينومينولوجية، السمات الثقافية للأمة المسيحية أو الأمة الإسلامية. أعتقد أنه بعد هذه الدراسة التاريخية يمكننا تعداد اختلافات المدارس في خلق مثل هذه الهويات. أريد أن أقول إننا، على سبيل المثال، نشهد في كثير من التيارات العرفانية في العالم الإسلامي جوانب اجتماعية قوية. واستنادًا إلى التجربة الحياتية للنبي، فإن الأفراد الذين تركوا الدنيا قلة قليلة. نحن نعرف العديد من العرفاء الذين دخلوا ساحات الحرب وكانت لهم في الوقت نفسه حياة روحية. لا نرى مثل هذه الجوانب في العرفان المسيحي. كان العرفاء المسيحيون يميلون أكثر إلى الرهبنة والأديرة وترك الحياة الدنيوية.
الفرد الروحي، من الناحية الأنطولوجية، يرى العالم ذا معنى. إن الأمر المتعالي على المحسوس هو ما يمكن أن يكون معنى للتاريخ والحياة. الفرد الروحي، بسبب إيمانه بالأمر المتعالي على المحسوس، يمتلك أساسًا حكميًا – فلسفيًا لمعنوية العالم، لكن الفرد المادي، أو الطبيعاني، أو الفيزيائي يفتقر إلى مثل هذا الأساس لمعنوية العالم. عندما يصبح العالم بلا معنى، ستكون حياة الإنسان بلا معنى بدرجة أكبر. لا يمكننا أن نأخذ كأسًا من ماء عذب من محيط مملوء بالسم. لا يمكننا أن نختلق معنى لحياة الإنسان من عالم يفتقر إلى المعنى في جوهره. إن معنى حياة الإنسان رهن بمعنى العالم. الفرد الروحي يمتلك هذا الأساس، لكن الفرد المادي لا يتمتع به. من ناحية أخرى، الفرد الذي يمتلك هوية روحية تكون حياته في هذا العالم أكثر شغفًا. الفرد الروحي لا يرى الإنسان في الفسحة بين ظلمتين؛ ظلمة ما قبل الولادة حيث بداية العالم غير واضحة لنا، وظلمة ما بعد الموت. الفرد الروحي يرى الإنسان في الفسحة بين نورين، أي أنه يرى العالم في ضوء نور أساسي، وهذا النور الأساسي يستمر إلى الأبد. الإنسان الروحي يفسر نفسه في مرآة الأبدية، لا في مرآة الهنا والآن. عندما تصبح حياة الإنسان ذات معنى، فإن مثل هذا الإنسان لا يرى وجوده بلا هدف، بل يعتبر وجوده ذا معنى في هذا العالم، ويرى لنفسه في هذا العالم شأنًا ورسالة تتحقق به. الفرد الذي يمتلك هوية روحية يعشق قدره ويراه عطية من جانب الأمر المتعالي على المحسوس. ولهذا السبب، سيكون عيشه وخطوه في هذا العالم أكثر عشقًا وشغفًا وامتلاءً، في حين أن الفرد المادي لا يتمتع بمثل هذا الشغف والحماس في الحياة، وتعاني حياته من نوع من الخواء.
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
مشکل معرفت حاصل از شهود باطنی و وجودی و مشتقات آن مثل مکاشفه ، وحی و الهام گذشته از مقوله ی تاریخ مندی و امکان خطا این است که در موارد قابل توجهی تجربه هایی شخصی هستند که یا اصولا امکان بیان آن وجود ندارد و یا اگر هم این امکان وجود داشته باشد اموری نه فقط خردگریز و علم گریز بوده که توانایی اثبات آنها به هیچ وجه وجود ندارد که بعضا به هیچ وجه قابل استدلال و توجیه ولو در قالبی غیر از منطق و فلسفه یونانی و علم هم نیستند. ادعای بی دلیل و ادعای ابطال ناپذیر که در منطق نوعی مغالطه محسوب می شود در بهترین حالت اگر نامش را اراجیف و خرافه نگذاریم ادعای شبه علمی است چون ابطال پذیر نیست .چون هیچ روشی وجود ندارد که ثابت کرد ادعای مطرح شده می تواند غلط یا صحیح باشد و یک پژوهشگر علم و فلسفه به این مدعیات نمی تواند کاری داشته باشد . ممکن است دکتر عبدالکریمی و یا آقای هراتی بگویند که تمام حرف ما این بوده است که شما شهود باطنی و معرفت شهودی آن را نباید در قالب عقلانیت منطق محور فلسفی یونانی گنجاند و با آن قضاوت کرد بعد شما این کار را کرده و آن را ملاک قرار می دهید ؟! من هم اتفاقا این ایراد را می پذیرم اما مشکل این است که بخشی از تجربه ها و مقولات برآمده از معرفت شهودی به هیچ وجه امکان استدلال و موجه سازی ولو در چارچوبی خارج از این عقلانیت منطق محور فلسفی و به طرق دیگر هم ندارد . انسان معنوی و عارف وقتی عاشق می شود و احوال اگزیستانسیل خاصی پیدا کرد ، و بعضا به الهامات و شهود و اشراق و مکاشفه می رسد و جهت افکارش از این شهود و نحوه ی بودنش تاثیر می گیرد اما هم از مفهوم استفاده می کند و هم در مقام توجیه و داوری باید از استدلال استفاده کند و در نهایت ما روشی جز استدلال برای تمیز صدق و کذب و تفکر صحیح و معتبر و یا حداقل موجه کردن آن نداریم . استدلال یگانه روش موجه سازی تفکر است خواه مبتنی بر فلسقه ی منطق محور یونانی ، خواه کلام دینی ، خواه علم تجربی ، خواه تجربه و حس و خواه معقول بودن و خواه حتی رویکرد پراگماتیستی و عمل گرایانه و خواه هر منبع دیگر باشد . پس استدلال برای موجه سازی یک باور و ادعا لازم است ولو در چارچوب عقلانیت و فلسفه و منطق برآمده از عقلانیت خاص متافیزیک منطق محور یونانی یا یک عقلانیت خاص نباشد . این در حالی است که بخشی از گزاره های حاصل از عقلانیت شهودی و معرفت برآمده از آن نه فقط در چارچوب عقلانیت و منطق فلسفه یونانی موجود که اصلا قابلیت استدلال و موجه سازی عقلانی ولو در قالب های دیگر را ندارند . لذا این گزاره ها صرفا برای آن شخصی که صاحب این تجربه ها بوده و نهایتا پیروان آنها از منظر ایمانی و تعبدی و پیروی کورکورانه بدون هیچ استدلال و توجیهی معتبر یا شبه معتبر است و قابلیت استدلال و موجه سازی را به هیچ وجه و طریق و امکانی ندارند .
مقوله شهود باطنی و مشتقات آن مثل وحی و الهام و مکاشفات برآمده از این تجلیات علی رغم تاریخ مندی بخشی از آن و احتمال خطا و اشتباه اما نمی توان و نباید نباید تماما رد کرد و صرفا حاصل توهم و وهم و خیال و بدتر جنون و اسکیزوفرنی ( روان گسیختگی ) دانست آن طور که منکران به خصوص از طیف ماتریالیست ها و ماده گرایان مدعی اند و فکر می کنند . همان طور که دکتر بیژن عبدالکریمی به درستی به این حقیقت اشاره کردند همه ی حقایق و معارف حاصل عقل تجربی و مادی و حس نبوده و نباید در آن خلاصه کرد بلکه بخشی از این حفایق و معارف چه تاریخ مند و نسبی و چه فراتاریخی و مطلق حاصل عقلانیت برآمده از این شهود باطنی است که به حداقل برخی انسانها ولو معدود و اندک در طول تاربخ این امکان را داده است که با توجه به محدودیت های انسانی و تاریخی و جهان بینی و علم و وضعیت جسمی و روحی آنها و دوره تاریخی و سنت و فرهنگی که در آن زیست کرده اند علی رغم همه اینها بتوانند با عالم غیب و ماوراء جهان مادی ارتباط پیدا کنند و به این حقایق از طریف مکاشفه ، شهود ، الهام و اشراق دست پیدا کنند و البته این محدودیت های تاریخی و زمانی هم تا حد قابل توجهی بر کمیت و کیفیت این شهود تاثیر می گذارد . چنان چه در تقسیم بندی مکاشفات ما حتی مقوله ای به نام مکاشفات شیطانی را هم داریم . حتی اخیرا از منظر علمی تحقیقات نشان داده است که آن چه حس ششم ، الهام ، شهود یا ندای درون نامیده می شود ابزاری ارزشمند است که در شرایط سخت زندگی ما را می تواند به تصمیم های درست رهنمون می سازد . البته مطابق تحقیقات علمی مکان شکل گیری شهود نه دل و یا جایی میان امحاء و حشای بدن و نه قلب بلکه نقطه ای در مغز است . بنابراین شهود و مکاشفه بر مبنای علم تجربی امری کاملا مادی و به تعبیر دکتر عبدالکریمی سکولاریزه می شود که یک انتقاد دکتر عبدالکریمی در این مصاحبه هم است که اگر بخواهید معنویت را با عقلانیت متافیزیکی و بدتر از آن علمی و تکنولوژیک پیوند دهید روح خود را از دست می دهد . البته مادی کردن و سکولاریزه کردن معنویت و سایر مقولات دیگر اگر ایرادی از علم تجربی باشد تا حد زیادی طبیعی است چون علم تجربی مادی گرا بوده و ابزار و حوزه ی عملش هم در حد ماده است و توانایی فراتر رفتن از آن را ندارد لذا طبیعی است همه ی امور را از منظر مادی و ماتریالیستی بنگرد . بنابراین مقوله ی شهود باطنی و وجودی را علی رغم ملاحظات یاد شده باید به رسمیت شناخت اما یک مشکل در این باب وجود دارد که در مطلب بعد به آن می پردازم .
شهود باطنی و مشتقات برآمده از آن مثل وحی و الهام و مکاشفه اگر چه با مشکل تاریخ مندی بخشی از معارف آنها و خطاپذیری و اینها به دلیل محدودیت های انسانی و بشری رو به رویند و لذا تمام معارف و حقایق برآمده از این معرفت را نمی توان مطلق و ابدی و ازلی دانست چنان چه ما حتی مکاشفات شیطانی هم داریم اما اصل این مقولات و معرفت برآمده از آن یعنی معرفت شهودی و تجربه های دینی و معرفتی برآمده از آن را آن طور که ماتریالیست ها و ماده گرایان مدعی اند نمی توان انکار کرد و صرفا و تماما و همگی حاصل توهم و جنون و روان گسیختگی ( اسکیزوفرنی ) دانست. در خود غرب هم تعداد قابل توجهی از فیلسوفان این واقعیت شهود باطنی را پذیرفته اند . وحی از منظر این فیلسوفان غربی عبارت است از الهاماتی روحی که از داخل وجود بر می خیزد . این فیلسوفان بر این باورند که روحی در پس چشم پیامبران پنهان است ، گاه آشکار می گردد و در خارج مجسم می شود ، به گونه ای که آن را از فرشتگان خداوند می پندارد ؛ در حالی که چیزی جز نمود شخصیت باطنی آنها یا روح است که آن چه را پیش از این نمی دانستند به آنها می آموزد و آنها را به بهترین راهها برای هدایت خود و به کمال رساندن امتشان رهنمون می سازد نه آن که نزول فرشته ای از آسمان باشد و سخنی از سوی خدا را بر آنان القا نماید . آنان معتقدند که شخصیتت باطنی پیامبر ، معلوماتی را به میران درجه تجلی و نبوغ و به مقدار توان مندی او و مخاطب آن به شخص پیامبر ارائه می کند . جان هیک از فیلسوفان معروف قائل به پلورالیسم دینی می گوید که خداوند در کنار دیگر پدیده های طبیعی به صورت مستقل در قالب پدبده ی وحی به ظهور می رسد بلکه معرفت و تاریخ وحیانی جهان در طول و راستای طبیعی آن قرار دارد . به عبارت دیگر معرفت وحیانی که در کتاب مقدس تجلی یافته همان بستر انکشاف وحی خداوند در جهان طبیعت است . پس مکاشفه و شهود باطنی همان طور که بخش قابل توجهی از فیلسوفان غربی اشاره دارند یک واقعیت است و اگر چه نباید معرفت حاصل از آن را به کل و تمام مطلق و تماما فراتاریخی دانست و درباره ی آن غلو کرد و دچار توهم بود اما به کل هم نمی توان و نباید انکار و نفی کرده و حاصل توهم صرف دانست چرا که وجود دارد . در واقع مکاشفه نوعی از معرفت حضوری و ادراک خاصی است که از راه متمرکز کردن توجه به باطن نفس خویش و درون آن ( و نه از راه تجربه حسی یا تحلیل عقلی ) به دست می آید . این شناخت بر انسان سالک واصل و هویدا می شود و پرتو می افکند و کشف می شود و بنابراین علمی که از این طریق تهذیب نفس و عرفان و خودسازی عده ی اندکی از انسانها در طول تاریخ توانسته به دست آید در برخی موارد می تواند درک و دریافتی از واقع و متن هستی باشد .
استاد مصطفی ملکیان بزرگوار: اکنون اگر ما از معنویت یا عقلانیت دست بکشیم و یکی را انتخاب کنیم درواقع تکرار تاریخ گذشته کردهایم؛ اگر از عقلانیت دست برداریم مشابه ادیان شرق میشویم که به لحاظ معنوی در اوج بودن و به لحاظ عقلانی در قعر و اگر از معنویت دست برداریم تکرار تاریخ قرون هجدهم و نوزدهم غرب (نه اکنونِ غرب) میشود که غلبه با عقلانیت بود و معنویت از حریم زندگی انسان بیرون رانده شده بود. ???????? نقد سخنان ایشان، توسط بنده: استاد ملکیان، فقط یک معنا از عقلانیت را به رسمیت میشناسند که آن هم توسط فیلسوفهای بزرگ سنت متافیزیک یونانی ظهور پیدا کرده است. به همین خاطر است که ایشان قرون روشنگری را اوج عقلانیت و حضیض معنویت و دوران ادیان شرقی را، اوج معنویت و حضیض عقلانیت میداند. اما آیا این ترسیمبندی و چارچوببندی جای مناقشه ندارد؟ به اعتقاد من، تاریخ صحنهی جانشینی پارادایمهای عقلانیت متفاوت و البته درهم آمیختنها و تاثیرگذاریها و ادغام شدنها و استقلال یافتن این کلان روایتهاست. به هرحال، من کانت و هگل را از افلاطون و ارسطو، عاقلتر نمیدانم و افلاطون و ارسطو را از مسیح و محمد عاقلتر نمیبینم. همچنین به نظر من ابنسینا عاقلتر از مولانا نیست. استاد ملکیان، همواره دم از استدلال و عدم تعبد میزنند. ولی آیا خود معنای استدلال و برهان واضح و روشن است و احتیاج به تفکر ندارد. استدلال یعنی چه؟ اثبات کردن یعنی چه؟ یک مقدار درباره معنای خود استدلال و اثبات، فکر کنیم. به نظر من، نمیتوان برای وجود (من) و (جهان خارج) و (وجود، حقیقت، خداوند) استدلال به معنای اثبات پوزیتیو و محصل آورد. چرا؟ چون، اینها حقیقتهای استعلایی هستند که فراتر از اثبات یا رد میباشند. به قول کتاب اوپانیشادها، همه چیز را با چشم میتوان مشاهده کرد، اما خود چشمها را با چشم نمیتوان دید. برای وجود جهان خارج نمیتوان اثبات منطقی آورد، اما این به آن معنا نیست که وجود جهان خارج محل شک و تردید است. کاملا برعکس، وجود جهان خارج از شدت هویدایی و ظهور، فراتر از اثبات و رد هر انسانی است. البته، اگر استدلال را به معنای تنبه دادن و گوشزد کردن بدانیم، میتوانیم از استدلال بر حقیقتهای استعلایی صحبت کنیم. واقعیتِ من، را نمیتوان با اثبات منطقی نشان داد، چون این واقعیت فراتر از هر اثبات منطقی است؛ اما به هر حال، میتوان مخاطب را به سمت حقیقت من تذکر داد و توجه اش را معطوف کرد.
ascription نسبت دادن عدم عقلانیت شاید در مورد نسخه تحریف شده catholicism منحرف شده از سادگی و صدق مسیحیت 700 سال پس از ظهور این دین قابل مطالعه باشد اما کپی کردی نگاه و مواضع کاتولیسیزم بر بقیه ادیان حاصل فضای strangulationism و تابعیت محض افراد تحت تأثیر فرنگستان گذشته است. دیگر چه برسد به اساتید ایرانی که متون غربی را نه به فرانسه، نه به انگلیسی و نه به آلمانی و اسپانیایی نمیتوانند بخوانند. در درک جملات دچار اشتباه می شوندو در درک کل متن و فلسفه نیز آنقدر غرق ساختار غیر قابل فهم برای خودشان میشوند، آنقدر حس ناتوانی برا آنان مستولی میشود که فرق مسیحیت کاتولیک را با ادیان شرق نمیتوانند یا جرأت نمیکنند تصور کنند. اگر کلامی از dogma متونی که درک نکردهآند تغییر داده شود دچار رعب و وحشت میشوند. من عربی نمیدانم اما سرتاسر متون دینی شما متکی بر تأکید بر تعقل است. تقلید هم که برای غیر متخصص تجویز شده در اصول الدین مردود مطلق است. ایشان قطعا شرق را نمیشناسد. در عقلانی بودن غرب هم در اشتباه محض است. ایشان از غلو و گزافه گوییها در مورد کانت و ارسطو ترسیده اند، این را از من بشنوید. وگرنه کدام ساده دلی از عقل عقل عقل اسلام شما میتواند عدم عقلانیت اسنتتاج کند؟ من از از عقلامی خواندن فلسفه غرب ایشان متوجه میشوم که مثل اساتید دوره قاجار که شش ماه فرنگستان می رفتند و بخاطر جدی گرفتن فضا دچار وحشت از تفکر میشدند، جرأت پا بیرون گذاشتن از پروژههای ناموفق افلاطون، ارسطو، آگوست کنت، هیوم، ارنست ماخ، و تصورات عجیب فروید، همپل، پاتنم، برج، ویلیامسن و کریپکی را ندارند. اگر به ایشان بگویند که هرمنوتیک رُئال و غیر آن غیر موجه و غیر منسجم و غیر قابل دفاع است اگر گفته شود شلایرماخر درک متون نمیکرده از وحشت دچار فلج میشوند. ٌ It is about time we revised our weltanshauung.