اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في إعادة قراءة لمشروع «العقلانية والمعنوية»، يميّزه ملكيان عن مشاريع التنوير الديني، ويصف الحياة المثالية بثلاث سمات: البهجة والخير والقيمة؛ فالبهجة هي تحصيل أقصى لذة شخصية، والخير هو التخفيف من معاناة الآخرين.

بسم الله الرحمن الرحيم. مع التحية والسلام لجميع السيدات والسادة! في هاتين الساعتين اللتين نكون فيهما معًا، سأحاول باختصار شديد ولكن بوضوح في الوقت نفسه، أن أرسم خريطة ما كنت أسعى لطرحه في مشروع العقلانية والروحانية.
لذلك، لا ينبغي للأصدقاء في هذه الجلسة أن يتوقعوا أن ما سأقوله سيكون مفصلاً للغاية، وأن أطرح بشكل موسع ما كنت بصدد بيانه طوال هذه السنوات، سأقول ما أردت قوله باختصار شديد جدًا ولكن بوضوح وتميز؛ تفصيل هذه المطالب ورد في هذه السنوات في الدروس والمحاضرات والحوارات والمناظرات والمقالات التي كتبتها أو ترجمتها.
الحقيقة أنني لم أُطلق قط على العقلانية والروحانية اسم مشروع؛ * كنت دائمًا أقول: طرحٌ حول الجمع بين العقلانية والروحانية؛ بالطبع، يُستخدم اليوم تعبير مشروع بكثرة بشأن الكثير من الأفكار؛ فيُقال مثلاً مشروع التنوير أو مشروع التنوير الديني أو مشروع الحداثة، أو مشروع الحداثة غير المكتمل؛ يُستخدم هذا التعبير لرأي معين. لكنني أنا شخصيًا لم أستخدم هذا التعبير للعقلانية والروحانية. كنت دائمًا أقول الجمع بين العقلانية والروحانية. ذكرت هذا الموضوع بداية، ومن الآن فصاعدًا إذا استخدمت تعبير مشروع، فذلك من باب أن الآخرين استخدموه بشأن هذا الطرح.
مشروع العقلانية والروحانية خرج من صميم وجوهر التنوير الديني. عندما أعلنت هذا المشروع في محاضرة عام 1379 وطرحته في مقابلة مع مجلة «راه نو»، كنت حينها أُعتبر من وجهة نظر المراقبين مثقفًا دينيًا، وإن كنت مثقفًا قليل البضاعة وحقيرًا وبلا ادعاء. لكن على أي حال كنت أُحسب مثقفًا دينيًا. لذلك، سواء أدرجتم هذا المشروع الآن داخل التنوير الديني أم لم تدرجوه، كان في أيامه الأولى مشروعًا صادرًا عن شخص يُعتبر مثقفًا دينيًا. لكنه على أي حال كان بعيدًا جدًا عما قاله المثقفون الدينيون قبل الثورة وبعدها. أي كان بعيدًا عما كان يقوله المرحوم الدكتور شريعتي، والمرحوم بازركان، والمرحوم طالقاني قبل الثورة، والدكتور شبيرستري، والدكتور سروش، والدكتور كديور وغيرهم، وقد اتضح هذا البعد والزاوية بسرعة كبيرة؛ لأنني أتكلم بوضوح ولا أتكلم قط بشكل ذي وجهين أو ثلاثة أو عدة وجوه، ولذلك اتضح بسرعة كبيرة أن هذا الكلام بعيد عما يقوله الآخرون.
الآن في هذا المشروع، بعد أن أقول بإيجاز ما الذي يريد أن يقوله، سأذكر بعض خصائصه التي يختلف فيها عن مشاريع المثقفين الدينيين في أربع مناطق ثقافية من العالم الإسلامي (المنطقة الناطقة بالفارسية من العالم الإسلامي (إيران)، والمنطقة الناطقة بالإنجليزية من العالم الإسلامي (مثل باكستان وشبه القارة الهندية وبنغلاديش وكشمير وإندونيسيا وماليزيا)، والمنطقة الناطقة بالتركية من العالم الإسلامي (مثل تركيا)، والمنطقة الناطقة بالعربية من العالم الإسلامي) وكلامي يختلف عن كل تلك الأقوال. بالطبع، قد لا يكون كلامي صائبًا بالمصادفة، لا أريد أن أقول إن فيه حقانية؛ لكنني أريد أن أقول إن هناك اختلافًا على أي حال.
الآن بعد عشر سنوات، إذا أردت أن أطرح هذا المشروع، سأبدأ من هنا، وهذا التقرير هو تقرير مطابق للواقع أيضًا لما كان في ذهني طوال هذه السنوات العشر. لم تكن هذه المطالب قد ظهرت لي في الأيام الأخيرة.
بحسب ظني، الحياة المثالية هي حياة تتسم بثلاث خصائص: 1) أن تكون حياة سعيدة، 2) أن تكون حياة طيبة، و 3) أن تكون حياة قيّمة. أنا أعتبر كل حياة مثالية ذات صفات ثلاث: «السعادة»، و«الطيبة»، و«القيمة»، ويمكنكم أن تقبلوا هذا أو لا تقبلوه، وسواء أردتم قبوله أم لا، عليكم أن تعرضوه على حدسكم لتروا إن كانت الحياة المثالية هي هكذا حياة أم لا.
السمة الأولى للحياة المثالية هي سعادة الحياة. في الحياة السعيدة، يسعى الشخص إلى أكبر قدر ممكن من اللذة لنفسه وإلى أقل قدر ممكن من الألم والمعاناة لنفسه. إذا كانت لدي حياة أحصل فيها، قدر وسعي، على أكبر قدر من اللذة لشخصي وأعاني فيها أقل قدر ممكن من الألم والمعاناة فيما يخصني أنا أيضًا، حينئذٍ تُسمى هذه «حياة سعيدة». سعادة الحياة تكمن في أن أحظى بأكبر قدر من اللذة وأقل قدر من الألم والمعاناة. في اعتقادي، ينبغي للحياة المثالية أن تكون حياة سعيدة. ولا شك بالطبع في أن ما أراه أنا سعيدًا في حياتي قد تراه أنت تعيسًا في حياتك، وما ألتذ به أنا قد لا تلتذ به أنت.
ما يسبب لي الألم والمعاناة قد لا يسبب لك الألم والمعاناة. وفي مسألة لماذا أعتبر أنا شيئًا ما مبعثًا للذة وتعتبر أنت شيئًا آخر مبعثًا للذة، ثمة خمسة عوامل مؤثرة:
هذه العوامل الخمسة مؤثرة بالطبع في مسألة ما الذي أعتبره أنا مبعثًا للذة أو لا أعتبره، وما الذي تعتبره أنت لذة أو لا تعتبره. هذه العوامل تخلق الاختلاف، وهذا هو ما يجعل سبل حياتنا مختلفة. شخص ما يبغض الشهرة وآخر يستمتع بالشهرة كثيرًا. لكن على أي حال، ورغم أنه بسبب هذه العوامل الخمسة لا يلتذ جميع البشر بالشيء نفسه ولا يصيبهم جميعًا الألم والمعاناة من الشيء نفسه، مع ذلك كله، فالإنسان الذي يتمتع بحياة مثالية هو من تكون له حياة سعيدة. أي أن يحظى بأكبر قدر من اللذة التي هي لذة من وجهة نظره هو، ويعاني أقل قدر من الألم والمعاناة اللذين هما ألم ومعاناة من وجهة نظره هو. سعادة الحياة، بتعبير علماء النفس، هي happiness الحياة، وهي إحدى المكونات الأساسية الثلاثة للحياة المثالية.
لكن الحياة المثالية، بالإضافة إلى السعادة، لها سمة ثانية هي «خيرية الحياة»، أي أنه بالإضافة إلى happiness، فإن goodness ضرورية أيضًا. وخيرية الحياة تعني أن يعيش الشخص بحيث يتسبب في أقل قدر من الألم والمعاناة للآخرين، ويسعى بأقصى جهده للتخفيف من ألم ومعاناة الآخرين، دون أن يأخذ في هذا الأمر أي اعتبار للذته الشخصية. بتعبير آخر، أولاً ينبغي أن أعيش بحيث يصيب الآخرين من ناحية حياتي أقل قدر من الألم والمعاناة، وثانيًا أن أعيش بحيث أخفف، قدر استطاعتي، من الألم والمعاناة التي يعانيها الآخرون. الحياة الخيرة هي الحياة التي تتسم بهذه الصفة.
تلاحظون أنه في النقطة الأولى، أي في سعادة الحياة، ينصب تركيزنا من الناحية النفسية كليًا على «الأنانية»، أي أن سعادة الحياة تقوم كليًا على الأنانية النفسية (egoism). نحن أنانيون، محبون لذواتنا ومتمحورون حولها، ولأن لدينا حب الذات، فنحن بطبعنا نحافظ على ذواتنا، ولأننا نحافظ على ذواتنا، نرغب بطبعنا في جلب أكبر قدر من اللذة تجاه أنفسنا ودفع أكبر قدر من الألم والمعاناة والعناء عن أنفسنا. هذا الدافع الأناني النفسي، الذي لا مفر ولا مهرب لأي منا منه، يدفعنا نحو حياة يكون فيها أكبر قدر من اللذة وأقل قدر من الألم والمعاناة. لكن الحياة المثالية، بالإضافة إلى السعادة، ينبغي أن تتسم بالسمة الثانية أي «الخيرية».
في الخيرية، لا وجود للأنانية والأثرة. إذا سعيت، بقصد اللذة الشخصية، إلى تخفيف ألمك ومعاناتك، فأنا هنا لا أزال أتحرك في دائرة السعادة ولم أدخل بعد مرحلة الخيرية. في خيرية الحياة، أرغب دائمًا في أن أعتبرك مثل نفسي، وكما أرغب في أن أحظى بأكبر قدر من اللذة وأقل قدر من الألم والمعاناة في حياتي، أرغب في أن أنظم حياتي بحيث يتحقق لك الأمر نفسه من ناحيتي أنا، أي أن أعتبرك نفسي حقًا، وبالتالي أسعى لأن يتحقق لك أنت أيضًا أقل قدر من الألم والمعاناة وأكبر قدر من اللذة.
هنا تسود «الإيثار»، هذا «الإيثار» الكامن في طبيعتنا وبنيتنا الجسدية والذهنية والنفسية جميعًا بشكل بالقوة والمستتر، يتحقق بالفعل لدى بعض الناس، ومن يتحقق لديهم نقول إن حياتهم حياة طيبة. هذا بالطبع في النظرة الأولى هو «الإيثار»، لكنه لدى البعض للأسف يضيق نطاقه عن الإيثار، ولدى البعض الآخر لحسن الحظ يتسع نطاقه أكثر من الإيثار.
أي أنه لدى البشر السامين يكون إيثارًا. أما لدى البشر الذين هم دون المستوى السامي، فيتحول من الإيثار إلى حب الأمة، أي أحب أمتي ومجتمعي، أو أحب أبناء ديني وملتي. أو أحب أبناء مدينتي. أو أحب أبناء حيّي، وهكذا يقل ويقل ويقل. وقد يصل الأمر، كما يقول علماء الاجتماع، إلى أن أحب أسرتي النووية فقط، أي نفسي وزوجتي وأبنائي المباشرين. وقد يخرج حتى زوجتي وأبنائي من هذه الدائرة، ويمكن أن تضيق أكثر فأكثر. وبالطبع لدى البعض الآخر يتسع هذا «الإيثار» في الواقع أكثر من «الإيثار»، وينسحب «الإيثار» شيئًا فشيئًا إلى المحبة للحيوانات، ومنها إلى المحبة للنباتات، ومنها إلى المحبة للجمادات، فنشهد نوعًا من الإيثار الآخذ في الاتساع (altruism). في الحقيقة كانت كلمة (altruism) تعني الإيثار، لكن هنا تنشأ «محبة ما سوى النفس»، أي «محبة كل من هو غيري».
توجد هذه الحالة لدى نفر نادر من البشر. لكن من أين تنبع طيبة الحياة هذه؟ كما قلت، إنها تنبع من الإيثار. إذن منشؤها هو «العشق»، وليس ذلك الشيء الذي نتحدث عنه بخصوص «بهجة الحياة».
لكن الحياة المثالية، إضافة إلى البهجة والطيبة، ينبغي أن تتسم بسمة أخرى، لو لم تتسم بها لبدا أنها ليست بالحياة المثالية.
بأي معنى ليست مثالية؟ أي أنك حين ترجع إلى حدسك، ترى أنه لا بد من عامل ثالث لكي أعتبر تلك الحياة هي حياة الكمال المنشود والمثالية. وتلك السمة الثالثة هي أن الحياة ينبغي أن تكون «ذات قيمة» أيضًا. أي ينبغي أن تكون حياتي بحيث تستحق أن تُعاش؛ لأنه يبدو أن في المكونين الأول والثاني كان المفترض أن الحياة تستحق أن تُعاش. ثم كنا نقول: الآن، الحياة التي تستحق أن تُعاش، ينبغي أن تتسم بسمتي البهجة والطيبة. لكن هل تستحق الحياة أن تُعاش أساسًا؟
أنا وأنت حين نتناقش حول ما إذا كان الخبز المحمص جيدًا أم الخبز العجين، أو الخبز الرقيق جيدًا أم السميك، فإنما نفعل ذلك بعد أن نكون قد افترضنا أولاً أن الخبز ضروري للحياة ويجب أن يكون موجودًا في نظامنا الغذائي، وإلا فلو لم نفترض ذلك، فلماذا نتخاصم على ما هي السمات التي ينبغي أن تكون في الخبز أو لا تكون؟
في المكون الأول، وهو بهجة الحياة، وفي المكون الثاني، وهو طيبة الحياة، افتُرض أن الحياة شيء ينبغي أن يكون. الحياة يجب أن توجد، والآن ما دام يجب أن توجد، فمن الجيد أن تكون بهيجة بدلاً من أن تكون شقية، وأن تكون طيبة بدلاً من أن تكون خبيثة.
أما في المكون الثالث فالبحث يدور حول: لماذا يجب أن توجد الحياة أصلاً؟ هل تستحق الحياة أن تُعاش أم لا؟ حينئذٍ، إن كانت تستحق أن تُعاش، فعلينا أن نقول كيف ينبغي أن تُعاش الحياة. وبتعبير نيتشه، ما لم نعرف «لماذا الحياة»، فلا جدوى من البحث في كيفية الحياة. يجب أولاً أن نعرف لماذا ينبغي أن نحيا، ثم نقول بعد ذلك كيف ينبغي أن نحيا.
كنا نناقش في بهجة الحياة وطيبها كيفية الحياة، لكن الحياة المثالية هي حياةٌ أُجيب فيها لأصحابها عن سؤال لماذا هذه الحياة. لماذا لا نُقدِم على الانتحار. أعود إلى حياة ألبير كامو الذي كان يقول إن أهم مسألة في الفلسفة هي مسألة الانتحار، أي إن الفلسفة ما لم تستطع أن تجيبنا هل ينبغي أن نُقدم على الانتحار أم لا، فإنها لم تُجب عن أي مسألة. الأصل الأصيل في الفلسفة هو أن تجيبنا لماذا ينبغي الانتحار أو لماذا لا ينبغي الانتحار. يعود هذا إلى المركّبة الثالثة: هل تستحق الحياة أن تُعاش أم لا تستحق. لم يكن مجيئنا بأيدينا. أما ذهابنا فهو بأيدينا. إذن لماذا لا نذهب؟ من لم يُجب عن هذا السؤال في قرارة نفسه، حتى لو كانت حياته مفعمة بالبهجة ومفعمة بالطيب، تظل حياته غير مثالية، فالحياة المثالية في نظر صاحبها، فضلاً عن البهجة والطيب، ينبغي أن تستحق أن تُعاش، وإلا فكما أنكم تتوقفون عن أي عمل حالما تتيقنون من أن تكلفته أكثر من ربحيته، فإذا تيقنتم من أن تكلفة الحياة أكثر من ربحيتها، ينبغي أن تتوقفوا عنها، حسناً، لماذا لا تتوقفون عنها؟ هنا ينبغي أن أقول إننا معشر البشر صنفان:
صنف لا نتوقف عنها لأن الحياة قيّمة بالنسبة لنا، وتكلفتها ليست أكثر من ربحيتها. أما الصنف الثاني، الذي ينتمي إليه عدد لا يُحصى منا، فهم أولئك الذين يقولون إن الحياة ليست قيّمة بالنسبة لنا، أي أننا لم نُصرّ قط على أن ربحيتها أكثر من تكلفتها. لكننا لا نملك الجرأة والشجاعة على الانتحار.
والآن، حديثي هو أن الحياة المثالية هي حياةٌ إذا ما استمرت، لم يكن ذلك بسبب جُبن صاحبها وخوفه، الذي أدرك أن تكلفة الحياة أكثر من ربحيتها لكنه مع ذلك يواصل الحياة لأنه لا يجرؤ على الانتحار. كتاجر أدرك أن استمرار التجارة مع شريك معين ليس في صالحه، لكنه لا يجرؤ على تقديم اقتراح بقطع الشراكة. حسناً، هذا الشخص لم يتصرف وفق مقتضى العقلانية فحسب، بل هو في الواقع إنسان جبان أيضاً. إذن فالحياة المثالية ينبغي أن تكون «بهيجة» و«طيبة» و«قيّمة». بهجة الحياة تدعونا نحو السعادة وحب الذات؛ طيب الحياة يدعونا نحو الإيثار والعيش الأخلاقي. وقيمة الحياة تجعل الحياة ذات معنى.
الحياة غير القيّمة هي حياة بلا معنى. نريد حياةً يُشبع فيها حبنا لذاتنا إلى أقصى حد؛ ويُشبع فيها حبنا للآخرين من خلال العيش الأخلاقي إلى أقصى حد، وتكون في الوقت نفسه حياةً قيّمة. أي أن نكون على يقين فعلاً بأن الأمر يستحق أن نواصل هذه الحياة.
حصول هذه الحياة المثالية، القسم الأعظم منه بأيدينا. وقسم منه ليس بأيدينا. هذه هي المقدمة الثانية من حديثي.
ذلك القسم الذي يخرج عن إرادتي، ينقسم بدوره إلى قسمين، قسم من حصول الحياة المثالية يخرج عن إرادتي لأنه يخرج عن إرادة البشرية جمعاء. وهذا هو ما أُعبّر عنه في المناقشات بالأوجه التراجيدية للحياة. الأوجه التراجيدية للحياة أي تلك الأوجه التي لا نملك فيها حياة طيبة وبهيجة وقيّمة، ولا نستطيع أن نملكها أيضاً، لأن طبيعة الحياة البشرية لا تسمح بتحقق أكثر من ذلك.
أما القسم الآخر (القسم الثاني) فهو ليس جزءاً من الأوجه التراجيدية للحياة، أي أنه لا يخرج عن وسع البشر، لكنه بيد المؤسسات الاجتماعية التي ليست تحت سيطرتي. ففي نهاية المطاف، مؤسسة الأسرة، ومؤسسة الاقتصاد، ومؤسسة السياسة، ومؤسسة التعليم والتربية، ومؤسسة الحقوق، ومؤسسة الدين والمذهب، تُحدد لنا التكليف إلى حد كبير، وشئنا أم أبينا، وكنا واعين أم لم نكن، فإن لها آثاراً إيجابية أو سلبية على حياتنا.
لذلك، برأيي، فإن قسماً كبيراً من الحياة المثالية مرهون بالشخص الإنساني، لكن قسماً منه ليس مرهوناً بالشخص الإنساني. إما لأنه ليس في وسع الإنسانية والبشرية أساساً، أو لأنه في وسع الإنسانية والبشرية لكنه يرتبط بمؤسسات اجتماعية من المُسلّم أنها ليست كالشمع بين يدي.
كان مشروع العقلانية والروحانية يدّعي أنه (لستُ معنيّاً بذلك الجزء من الحياة المثلى الذي لا يقع تحت اختيارك، أو الذي هو بيد المؤسسات الاجتماعية، أو الذي يخرج أساساً عن نطاق اختيار جميع البشر. لكن) هل تريدون أن تعرفوا كيف يمكنكم، باستخدام ذلك الجزء من الحياة الذي هو تحت اختياركم أنتم، أن تحققوا حياةً مثلى. هل تعلمون كيف تُنال الحياة الطيبة والقيمة، ذلك المقدار الذي هو تحت اختياركم؟
في الإجابة عن هذا السؤال، سمعنا إجابات كثيرة عبر التاريخ. كان جواب هذا المشروع أن بلوغ الحياة المثلى يتحقق عبر طريق العقلانية والروحانية. العقلانية والروحانية هما المكوّنان اللذان يوفران لي الحياة المثلى، بقدر ما هو في وسعي أنا صاحب الحياة. فقط بقدر ما هو في وسعي أنا صاحب الحياة، لا ذلك الجزء الذي هو من وجوه الحياة التراجيدية ولا يمكن إزالته أساساً، أو ذلك المقدار الذي يمكن تحصيله لكن المؤسسات الاجتماعية تحول بيني وبين بلوغه.
لو سألت شخصاً آخر هذا السؤال نفسه، لربما أعطاك جواباً آخر. حين تسأل المثقفين الدينيين هذا السؤال، بماذا يجيبونك؟ إذا سألت المثقف الديني: ما هو الطريق الذي تقترحه لحياة مثلى، بما أنك مثقف ديني؟ يقول: أقترح أن تتجهوا نحو الدين، ولكن ليس أي دين، بل اتجهوا نحو الدين المثقف والحداثوي.
أما إذا سألت الأصوليين الدينيين: ما هو الطريق الذي تقترحه لحياة مثلى؟ فسيقول: ارجعوا إلى الدين، ولكن ليس إلى الدين الحداثوي والعصراني، بل إلى الدين الأصولي.
الحل الثالث في الإجابة عن هذا السؤال يقول: لا ترجعوا إلى الدين الحداثوي ولا إلى الدين الأصولي، بل ارجعوا إلى الدين التقليدي. وهناك حل رابع يقول: لا شأن لكم بالدين إطلاقاً. يمكنكم بلوغ الحياة المثلى بالعقل وحده.
أريد أن أقول إن الإجابة عن هذا السؤال في إطار «مشروع العقلانية والروحانية» هي إجابة ذات معنى؛ لماذا أؤكد على أنها ذات معنى؟ لأنه إذا قلت كلاماً لا معارض له، فهذا الكلام لا فائدة فيه. أول علامة على فائدة كلام ما هي أن يكون له معارض. أي أن يكون هناك من يقول كلاماً في مقابلته. وإلا إذا قلت كلاماً يتفق عليه الجميع، فهذا ليس كلامك أنت. نحن جميعاً متفقون على أن «4=2+2». لكن رأيُ مَن هذا؟ لأن الجميع يقبلون أن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة. هذا الرأي ليس رأي شخص بعينه، بل هو رأي الجميع.
المقدمة التالية لكلامي هي أنه بما أن العقلانية والروحانية هما المكوّنان اللذان يوصلاننا إلى الحياة المثلى، فإننا نستنتج أن العقلانية والروحانية، ليست أيٌّ منهما هدفاً، بل كلتاهما وسيلة. لذا يجب علينا أن ننظر إليهما بوصفهما وسيلة. لسنا عاشقين لعيون وحواجب «العقلانية» و«الروحانية». لأننا نرى أن الحياة المثلى لا يمكن تحصيلها بمعزل عن العقلانية والروحانية، فإننا ننظر إليهما بوصفهما وسيلتين. وسيلتين لا مناص منهما بالطبع. وسيلتان لا يمكن بأي حال من الأحوال تجنبهما والوصول في الوقت نفسه إلى الحياة المثلى، وبالطبع كلتاهما فريدتان للوصول إلى الهدف. لا يوجد طريق بديل - على الأقل في نظر القائل بهذا القول.
قبل سنوات (عام 79) كنت قد قلت تعبيراً أعتقد به من كل كياني، والآن أيضاً أريد أن أكرر التعبير نفسه بخصوص العقلانية والروحانية. لأنني حين قلت ذلك التعبير، لم أكن قد استخدمت لفظتي العقلانية والروحانية. إذا كنتم تذكرون، وقرأه الأصدقاء، فقد قلت في حوار مع «راه نو»: لست مشغول البال بتقاليدي، ولا مشغول البال بالحداثة، ولا مشغول البال بالتمدن، ولا مشغول البال بالثقافة، ولا مشغول البال بأي أمر تجريدي من هذا القبيل. أنا مشغول البال بإنسان من لحم ودم يأتي، ويتألم، ويمضي.
حسنًا، لم أذكر هناك اسم "العقلانية والروحانية". لا ينبغي أن تصبح "العقلانية" صنمًا جديدًا لنا، ولا أن تصبح "الروحانية" صنمًا جديدًا. لا ينبغي أن يكون أي شيء صنمًا، بل ينبغي أن يكون كل شيء في خدمة الإنسان والتخفيف من آلامه ومعاناته. والآن، إذا كانت هناك نقطة في ثقافتكم وحضارتكم، في دينكم، في مذهبكم، في فلسفتكم، في عرفانكم، في لاهوتكم، في علمكم التجريبي الطبيعي، في علمكم التجريبي الإنساني، في فنكم وأدبكم وعلومكم التاريخية، في أي مكان، أي شيء يصلح للتخفيف من ألم ومعاناة هذا الإنسان ذي اللحم والجلد والدم، فإننا نأخذه.
لذلك، في الوقت الذي لا أحمل فيه همَّ دين، ولا ملة، ولا مذهب، ولا شريعة، ولا أي "مذهب فكري" (ism)، ولا أي مدرسة، ولا أي ثقافة، ولا أي حضارة؛ فإنني مع ذلك لا أدير ظهري لأي منها؛ والسبب هو أنه توجد في كل هذه الأشياء مكونات، وعندما نأخذ هذه المكونات، ينتج عن أخذها مواد خام نصنع منها مرهمنا ومعجوننا لألم البشر ومعاناتهم؛ المرهم، والمعجون، والدهون، والضماد الذي نريد أن نصنعه للتخفيف من ألم البشر ومعاناتهم، نُحضّره من صميم كل هذه الأشياء، نأخذه من صميم الدين، والثقافة، والملة، والشريعة، والمشرب والمرام، والعرفان، والعلم التجريبي، والفلسفة، والأدب، والفن.
من بين كل هذه المصادر والمنابع التي نُحضّر منها المواد الخام لذلك المرهم والمعجون، أؤكد بشدة على ثلاثة منها: أحدها الفلسفة، والثاني علم النفس، والثالث الأدب. ولكننا نستفيد من جميع المصادر الأخرى.
لذلك نكرر الكلام نفسه بخصوص العقلانية والروحانية أيضًا. لا ينبغي أن يكون أي شيء سوى الإنسان وألم الإنسان ومعاناته موضع نظرنا؛ أي شيء آخر، في رأيي، هو مسألة زائفة وليس مسألة حقيقية.
أتذكر أنه عندما فجّر طالبان ذلك التمثال الضخم والتاريخي والمهيب لبوذا، وهو حقًا أحد أكثر الأعمال همجية ولا أخلاقية التي يمكن القيام بها، وكان رد فعل الرأي العام العالمي سلبياً تجاهه، قلت جملة في مكان ما، وقد أُسيء فهمها بالطبع، وسأكرر تلك الجملة الآن مرة أخرى.
كنت قد قلت إن تدمير تمثال بوذا، في رأيي، لا يستحق الأسف بقدر مقتل أفغاني واحد. بقدر مقتل أفغاني واحد؛ لا أقصد تعذيب وقتل الأفغان لعشرين عامًا. قيمة حياة إنسان واحد تفوق جميع المباني التاريخية؛ لذلك، إذا ما أُجبرنا يومًا على الاختيار بين أن يُقتل إنسان واحد، أو أن تُدمر كل المباني التاريخية للبشرية التي هي مفاخر ثقافية وحضارية، فأنا أقول إنه يجب إنقاذ حياة هذا الإنسان الواحد حتى لو كان الثمن تدمير جميع الآثار التاريخية للبشرية. لماذا؟ لأن الآثار التاريخية لا تملك قيمة الإنسان، كل شيء يجب أن يكون من أجل الإنسان.
لذلك، إذا كنا نشعر بالأسف لزوال ذلك التمثال أيضًا، فمرة أخرى يعود السبب إلى أن ذلك التمثال، أولاً، كان نتاج عمل أناس جرى تجاهلهم بهذا التدمير، وثانيًا، آذى مشاعر وعواطف البوذيين في العالم. بمعنى أنه لو لم تتأذَّ مشاعر البوذيين في العالم، لما كان ينبغي لنا أن نعتبر ذلك قبيحًا من هذه الناحية؛ إذن، أسفنا وانزعاجنا يعودان مرة أخرى إلى بشر جُرحت مشاعرهم وعواطفهم دون ضرورة. لقد آذينا، دون ضرورة، مشاعر وعواطف مليار ونصف المليار بوذي في العالم، وإلا فأي وزن يمكن أن يكون للحجر والمعدن مقابل الإنسان.
أشعر دائمًا بالأسف لأننا عندما يتم تجاهل أثر تاريخي، نبدي رد فعل قويًا، ولكن في مقابل تدمير بشر من لحم وجلد ودم والتجاهل تجاههم، لا نبدي رد فعل بنفس القدر.
إذن، العقلانية والروحانية لهما قيمة فقط كوسيلة في طريق التخفيف من ألم الإنسان ومعاناته.
تنقسم العقلانية إلى "عقلانية نظرية"، و"عقلانية عملية"، و"عقلانية خطابية". (إذا فصلنا الخطاب عن العمل). وبما أنني شرحت هذا في مواضع أخرى، سأعرضه هنا باختصار.
«العقلانية النظرية» تعني أن نناسب بين درجة تمسكنا بعقيدة ما ومدى قوة الشواهد والقرائن التي تؤيد تلك العقيدة. فكلما ازدادت القرائن والشواهد المؤيدة لعقيدة ما، ينبغي أن تقل درجة تعلقنا وتمسكنا بها. وهذا الأمر بالطبع واضح، ويقبله كل من يُعرض عليه. لكننا في الواقع العملي نفعل عكس ذلك تقريباً. وبتعبير أبي العلاء المعري في بيت شعر بديع جداً كان يقول فيه: «إذا قلت قولاً بدليل تكلمت بصوت خافت وهمس، أما إذا صار قولي بلا دليل فإني أصرخ.» ونحن في حياتنا تكون حماستنا وغيرتنا منصبة على الأقوال التي توجد لصالحها أقل قدر من الشواهد والقرائن.
أما تجاه العقائد التي توجد بشأنها أكثر الشواهد والقرائن، فلا نبدي أية حمية. فمثلاً، لو صرح أحد هنا الآن بأن اليوم، وهو في الواقع يوم الثلاثاء، هو يوم الأربعاء، أو هو يوم الاثنين، فلا أظن أن أحداً منكم سيثير غيرته وحميته، مع أنه أنكر حقيقة جلية. ولكن لو قيل إنه في المنعطف الخامس من منعطفات عالم البرزخ، وخلافاً لما قاله البعض، ليس فلان هو الواقف هناك بل شخص آخر، فحينئذ تثور غيرتكم وحميتكم.
في زمن باسكال، نشب بين المسيحيين جدال حول كم ملاكاً يسع رأس إبرة. كان بعض المتألهين المسيحيين يعتقدون أن جميع ملائكة العالم يمكنهم أن يسعوا على رأس إبرة. وكان بعضهم يقول إن ملاكاً واحداً لا يسع رأس إبرة. واختار آخرون قولاً ثالثاً. وقد وقعت مذابح كثيرة حول هذا الموضوع. ليراجع الأصدقاء كتاب أوغست فالانس الذي تُرجم إلى الفارسية قبل سنوات. وقعت مذابح كثيرة بسبب أنك قلت إن ملاكاً واحداً يسع رأس إبرة، أو قلت إنه لا يسعها أي ملاك، أو قلت إن جميع ملائكة العالم يسعون على رأس إبرة. واللافت أن باسكال أيضاً شارك في هذا النزاع وانحاز إلى أحد أطرافه.
الآن، لو قال أحد في العالم: اثنان زائد اثنين يساوي خمسة، أو يساوي ثلاثة، هل تقوم أية مذبحة في العالم؟ مع أن الفرد أنكر حقيقة جلية، لكننا لا نبدي أية حمية أو غيرة. ولكننا نبدي الحمية والغيرة عندما يقول أحدهم: كلا، إن الفارق الزمني بين عالم البرزخ وعالم الجحيم هو كذا، والفارق بين الجنة وجهنم هو كذا، وعرض الجنة هو كذا... إلخ. إن درجة تعلقنا وتمسكنا بهذه المعتقدات هي عكس درجة قوة الشواهد والقرائن التي تؤيد هذه المعتقدات تماماً. والآن أرجعوا هذا إلى المعتقدات التي تحملونها. أي أعدوا مرة قائمة بمعتقداتكم لأنفسكم وانظروا هل تتناسب درجة تمسككم وتعلقكم مع مقدار الشواهد والقرائن الموجودة لصالح معتقداتكم أم لا تتناسب.
[ يتبع نص محاضرة الأستاذ ملكيان نقلاً عن ميزان نيوز]:
للعقلانية شق ثانٍ هو العقلانية العملية. العقلانية العملية تعني جعل الوسائل متناسبة قدر الإمكان مع الهدف أو الأهداف. فكلما ازداد هذا التناسب، نكون قد تصرفنا بعقلانية أكبر. فإذا قلنا مثلاً إنه لمنع وقوع الزلزال يجب على النساء أن يراعين حجابهن أكثر، فإن قائل هذا الكلام يبدو أنه ليست لديه أية فكرة عن العقلانية العملية. فالقائل لا يعلم أن تلك الوسيلة ليست وسيلة ذلك الهدف. فليست كل وسيلة صالحة لكل هدف، ولا يمكن بلوغ كل هدف بأية وسيلة. فحجاب النساء، إن كانت له فائدة فهي في اتجاه آخر، أما لمنع الزلزال فلا فائدة له البتة، لأنه لو كانت له فائدة لكنت قد ارتكبت أعظم خيانة إذ علمت بهذا الأمر طوال 1400 سنة ولم تخبر البشرية به كي لا تقع كل هذه الزلازل. إذن، حين يقال العقلانية العملية، فالمقصود هو وجود تناسب بين أهدافنا ووسائلنا. فلا يمكن بلوغ كل هدف بأية وسيلة، وكل هدف يستلزم وسيلته الخاصة.
قسم من أعمالنا هو أقوالنا وكلامنا. وكلامنا نوع من الفعل. ولكن مع ذلك، عادة ما تُطرح العقلانية القولية بشكل منفصل. في العقلانية العملية قلنا إن الغايات والوسائل ينبغي أن تكون متناسبة. في العقلانية القولية أيضاً، يجب أن تكون الغاية (الغايات) متناسبة مع الوسائل. غاية الكلام هي إفهام ما في ضمير الإنسان، إذن علينا أن نجعل وسائلنا متناسبة مع هذه الغاية. بهذه الغاية، نريد في الكلام أن نفهم مخاطبنا ما يجري في ذهننا وضميرنا، في قلوبنا وأرواحنا. إذن يجب أن نختار في الكلام وسائل توصلنا إلى هذه الغاية على نحو أفضل، وهنا تظهر عقلانية ثالثة تُسمى العقلانية القولية. في العقلانية القولية، كل ما يجب أن نراعيه هو أن يكون كلامنا أقل ما يمكن من الإبهام، وأقل ما يمكن من الإيهام، وأقل ما يمكن من الغموض، لأن الإبهام والإيهام والغموض تمنع أن ينتقل ما في ضميري، تماماً كما يختلج في ضميري، إلى ذهنكم. هذه الشُعَب الثلاث هي ما أعنيه بالعقلانية.
عندما أقول إني أريد الجمع بين العقلانية والروحانية، ينبغي أن أبيّن ما أعنيه بالروحانية أيضاً. لقد قلت مراراً إن ما أعنيه بالروحانية ليس الدين. لكن ما أعنيه ليس أن الروحانية التي أتحدث عنها تتنافى أو تتضاد بالضرورة مع الدين. أخي ليس أختي؛ لا شك في هذا. لكن هذا لا يعني أن كل أخ وأخت في نزاع دائم. لا ينبغي أن نظن أن كل مغايرة تعني تضاداً. الروحانية التي أتحدث عنها ليست الدين. لكن لا يلزم من هذا الكلام أن كل إنسان روحاني هو بالضرورة غير متدين. وبالطبع لا يلزم منه أيضاً أن كل إنسان متدين هو بالضرورة روحاني. بعض الناس روحانيون لكنهم غير متدينين، وبعضهم الآخر روحانيون ومتدينون في آن، ومجموعة أخرى متدينون لكنهم ليسوا روحانيين، وبعضهم ليسوا روحانيين ولا متدينين. الروحانية التي أعنيها هي أن أعتقد بالقضايا الثلاث التالية.
أ) لكي أكون إنساناً روحانياً (من وجهة نظري) يجب أن أعتقد أن العالم ليس محصوراً في قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا التي تقولون بها. هذا من الناحية الوجودية (الأنطولوجية). الإنسان الروحاني، من الناحية الوجودية (ontology)، يعتقد أن العالم ليس محصوراً في العلوم الكبرى الثلاثة: الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. بتعبير آخر، الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا تساعدني في معرفة العالم، لكن في معرفة جزء من العالم وليس كل العالم. عالم الوجود أنطولوجياً أوسع بكثير جداً مما تعرضه علينا قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.
ب) من الناحية المعرفية (epistemology)، يعتقد الإنسان الروحاني أن العالم ليس محصوراً في كل ما تقوله عقول البشر. هناك أشياء في العالم خارجة عن حدود العقل البشري. (أسمى من العقل البشري). أي أننا من الناحية المعرفية إذا اعتقدنا أن عالم الوجود هو ما يظهره العقل البشري، وأن أي شيء يخرج عن العقل البشري فهو خارج عن الوجود ولا وجود لسر، فلسنا بأناس روحانيين. الروحانية الإبستمولوجية تعني الاعتقاد بوجود السر في عالم الوجود. أي أن هناك أشياء هي أسرار وليست معضلات ولا ألغازاً. السر غير المعضلة واللغز. في المعضلة لا أعرف شيئاً، لكنني أنا شخصياً والبشرية جمعاء نملك القدرة على معرفته بالقوة. المعضلة (Problem) ليست محكوماً عليها بأن تبقى مجهولة. المعضلة تعني جهلاً يمكن أن يتحول إلى معرفة. في الرياضيات والمنطق وفي مختلف فروع الفلسفة وكذلك مختلف فروع العلوم التجريبية الطبيعية والإنسانية، وفي الدين والمذهب... توجد معضلات. هناك شيء آخر يُسمى اللغز، اللغز إذا أردت أن أعبر عنه بلغة بسيطة، ليس معضلة بل هو شبيه بالمعضلة. اللغز هو شيء عُرض علينا بحيث نظن أنه معضلة. لو كان قد عُرض بشكل صحيح لاتضح أنه ليس معضلة. طريقة التعبير عنه جعلته يبدو لنا معضلة. الإنسان الروحاني هو من يقبل أن هناك، أبعد من هذه، شيئاً يُسمى السر. والسر هو ما لا نعرفه، وما دمنا بشراً فلن نستطيع أن نعرفه. أي أننا لا نملك القدرة على معرفته. إذا اعتقدنا بوجود السر، فإن لذلك آثاراً ونتائج كثيرة على نفسيتنا. أشدد بشكل خاص على الرجوع إلى آثار غابرييل مارسيل الذي كان أكثر من أكد على وجود السر. بهذا المعنى، غابرييل مارسيل إنسان روحاني.
ج) من الناحية السيكولوجية،
ج) أما الروحانية، فلها شق ثالث أيضاً. من الناحية النفسية، يعتقد الإنسان الروحاني أن نفسي، ليست هي النفس المنشودة. النفس المنشودة هي نفس ينبغي عليّ أن أسعى نحو تحصيلها. في الروحانية النفسية، المقصود هو ألا أكون راضياً عن وضعي النفسي الراهن، وأن أعتقد بأن ثمة ارتقاءً روحياً وتعالياً نفسياً أمر ممكن. دعوني أضرب مثلاً ليتضح مقصودي. هناك أشخاص لا يستحمون، ويستخدمون العطور والكولونيا كي لا تزعج رائحة أجسادهم الآخرين. يتركون الحل البسيط ويتشبثون بالحل الصعب. الحل الصحيح لرائحة الجسد هو الاستحمام. لكن هناك من يستخدم العطر بدلاً من الاستحمام. أضرب هذا المثال لأقول إن هناك من يريد ألا يتغير باطنهم، بل يتغير ظاهرهم. أي أنهم يريدون ألا يطرأ أي تحول في باطنهم على صعيد المعتقدات والمشاعر والعواطف والانفعالات. وأن يحتفظوا بنفس الوضع الداخلي، وفي الوقت ذاته يريدون أن يتغير ظاهرهم. هم في الواقع يقولون: نحن هكذا! ولكنهم، مع أنهم لا يسمحون بأي تغيير في دواخلهم وكأنهم راضون عن وضعهم الداخلي، إلا أنهم يُرجعون كل مظاهر عدم الرضا إلى وضعهم الخارجي. هذه، في نظري، نظرة نفسية غير روحانية. من الناحية النفسية، الإنسان الروحاني هو إنسان يسعى إلى الارتقاء الداخلي، ويعلم أن ثمة معتقدات أفضل من معتقداته، وعليه أن يتحرك نحو اكتساب تلك المعتقدات والمشاعر والانفعالات. وهذا ما يسمى أيضاً بالروحانية النفسية. أولئك الذين يقولون: نحن في دواخلنا كما نحن، لكنهم يريدون أن تتحسن علاقاتهم في مؤسسة الأسرة، وفي مؤسسات الاقتصاد والسياسة والقانون والدين والمذهب، مثل هذا الإنسان هو في نظري، من الناحية الاجتماعية، إنسان مادي. أما الإنسان الروحاني، فقد تقبل أن عليه أن يتغير في داخله أيضاً، وأن يسير نحو الأفضل. أي أنه يحتاج إلى نمو داخلي من أجل التحسن في خارجه أيضاً. لدينا في دواخلنا ثلاث ساحات: الساحة المعرفية-الاعتقادية (cognitive)، والساحة العاطفية-الانفعالية (emotive)، والساحة الثالثة الإرادية-الطلبِية. الإنسان الروحاني يضع عدسته المكبرة دوماً على هذه الساحات الثلاث، ويسأل نفسه: معتقدات ومشاعر وعواطف ورغبات أفضل من معتقداتي ومشاعري وعواطفي ورغباتي، كيف يمكن تحصيلها؟ ويتحرك نحو تحسينها. استطعتَ أن ما في الداخل هو ما ينبغي أن يكون.
مرادي من الإنسان الروحاني، هو شخص يقول بهذه الأفكار الثلاثة. هذه الروحانية يحصل عليها البعض عن طريق العرفان، والبعض عن طريق التشرع بدين وشريعة معينة، والبعض عن طريق سبل أخرى أكثر علمانية. كيف يتم تحصيل هذه الروحانية، ليس شأننا هنا. المهم هو القول بالأفكار الثلاثة أعلاه.
عندما أقول العقلانية والروحانية، أي أن تجتمع فيّ الروحانية بأشقاقها الثلاثة، والعقلانية بأشقاقها الثلاثة التي ذُكرت؛ فإن ذلك يحقق ذلك الجزء من الحياة المثالية الذي يكون تحصيله في عهدتي. هذا المشروع يختلف بالطبع عن مشروع التنوير الديني. هذا حل طُرح بشكل مختلف عن حلول التنويريين الدينيين في العالم الإسلامي (في العالم الناطق بالإنجليزية، والتركية، والفارسية، والعربية).
الروحانية والعقلانية؛ خمس نقاط
كما مرّ، فإن مدعى مشروع الروحانية والعقلانية هو أن الجمع بين الروحانية والعقلانية يحقق لنا الحياة المثالية. كما أن لهذا المشروع اختلافات جوهرية عن مشروع التنوير الديني. في الجزء الأخير من هذا الحديث، وبعد النقاط التكميلية، سأعدد بعض النقاط التي يؤكد عليها مشروع الروحانية والعقلانية. وفي النهاية سأذكر الانتقادات الموجهة للمشروع على شكل قائمة، والتي سيأتي الرد التفصيلي عليها في كتاب «العقلانية والروحانية» الذي يمر بمراحل كتابته النهائية، وسيصدر قريباً.
۱) النقطة الأولى هي أننا إذا أردنا اعتبار مشروع المعنوية والعقلانية مشروعًا تنويريًا، فينبغي أن ننتبه إلى أن هذا المشروع لا يندرج ضمن التقليد التنويري الفرنسي. فعندما يُقال التقليد التنويري الفرنسي، فالمقصود هو تقليد مبدؤه الأساسي أن أكبر مشكلة في أي مجتمع، أو المشكلة الوحيدة فيه، هي النظام السياسي الحاكم عليه. يختزل التنوير في تقليده الفرنسي في هذه النقطة. بدءًا من إميل زولا وصولًا إلى من جاءوا بعده. المثقفون الإيرانيون (سواء المثقفون الدينيون أو المثقفون العلمانيون) عمومًا ذوو نزعة فرنسية. أي أنهم يعتقدون أن أكبر مشكلات مجتمعنا وعلة العلل فيها هي النظام السياسي الحاكم. ولذلك فإن مخاطَبهم دائمًا هم أصحاب السلطة وأولياؤها. ما أقوله في المعنوية والعقلانية هو عكس ذلك تمامًا. أنا أعتقد أن أكبر مشكلة في أي مجتمع، أو المشكلة الوحيدة فيه، أو علة العلل لمشكلاته، هي ثقافة المجتمع وليست النظام السياسي الحاكم عليه. النظام السياسي الحاكم على المجتمع هو ثمرة تنمو على شجرة ثقافة ذلك المجتمع. ثقافة المجتمع، حين تكون منحطة، تكون الثمرة التي تنمو على شجرة هذه الثقافة نظامًا سياسيًا منحطًا. إذن، الأصل والأساس هو ثقافة المجتمع. ما أعنيه بالثقافة هو دواخل البشر. لقد قلت مرارًا إنني حين أقول الثقافة، أعني عقائدنا زائدًا عواطفنا وأحاسيسنا وانفعالاتنا، زائدًا رغباتنا. هذه المكونات الثلاثة هي التي تصنع الثقافة. إذا كان الاقتصاد مضطربًا، فهو ثمرة غير سليمة نمت على شجرة الثقافة غير السليمة. وعلى هذا المنوال، مؤسسة الأسرة، ومؤسسة السياسة، ومؤسسة القانون، ومؤسسة الدين والمذهب... إلخ، كل هذه، أي فساد أو نتانة أو عيب إن وجد فيها، ينبغي اعتبارها ثمار شجرة غير سليمة ذات جذور متعفنة نسميها الثقافة. لذلك، وعلى عكس المثقفين ذوي النزعة الفرنسية، فإن طرف نزاعي ليس النظام السياسي الحاكم على المجتمع، بل الناس الذين أوجدوا هذا النظام بسبب ما لديهم من عقائد وأحاسيس وعواطف وانفعالات ورغبات. وهذا بالطبع يختلف عن التنوير السائد في المجتمع، وهو تنوير إميل زولائي، المتجه دائمًا نحو نقد السلطة. المثقفون الذين يمارسون نقد السلطة، وخاصة السلطة السياسية، هم من هذه الناحية متملقون للناس ومتزلفون إليهم. أنا أقول عكس هذا الكلام تمامًا. أنا أقول، لا ينبغي لنا أن نتملق الناس أبدًا. ينبغي أن نقول للناس: كل ما ترونه في الخارج وغير مرغوب فيه، فارجعوا إلى دواخلكم وانظروا لماذا ظهر شيء كهذا في الخارج. ارجعوا إلى دواخلكم وراجعوا عقائدكم وأحاسيسكم ورغباتكم، حينها تستطيعون أن تفهموا لماذا لدينا في الخارج استبداد سياسي، وفساد، ورشوة، وتطفيف، وكذب، وتكبر... إلخ. كنت قد قلت بالتفصيل في موضع آخر إن التنوير ليس تمثيلًا للناس، بل هو إصدار حكم عليهم. لا ينبغي للمثقف أن يكون ممثلًا للناس في مواجهة النظام السياسي الحاكم، بل ينبغي أن يكون حكمًا على الناس ويقول لهم: أيها الناس، كل ما هنالك هو من دواخلكم أنتم، وهذا بالطبع لا يعني تطهير أي نظام سياسي.
۲) النقطة الثانية التي ينبغي أن أشير إليها تنبثق من صلب النقطة الأولى، وهي أن مشروع المعنوية والعقلانية هو مشروع فرداني وليس جمعانيًا. أنا لا أقول أبدًا نخبوي كما يقول بعض منتقديَّ. هذا المشروع يتوجه إلى الأفراد واحدًا واحدًا، ولا يتوجه إلى شيء وهمي يُسمى المجتمع أو المؤسسة الاجتماعية أو مؤسسة السياسة والاقتصاد.
۳) هذا المشروع هو مشروع علماني. بمعنى أنه لا يعتبر الدين، قدر الإمكان، أساسًا لاتخاذ القرارات الجماعية في مختلف الساحات. أي أنه لا يعتقد بأن علينا أن نتبنى من الدين تصور الكتاب القانوني. كنت قد قلت بالتفصيل في موضع آخر إنه يمكن تبني ثلاثة تصورات عن الدين: تصور الوصفة، وتصور الخريطة، وتصور الكتاب القانوني. تصور الوصفة عن الدين هو تصور قابل للدفاع عنه. أما تصور الخريطة والكتاب القانوني عن الدين فهو تصور خاطئ، والعلمانية في الواقع تعني أننا نقبل الدين كوصفة لكننا لا نقبله ككتاب قانون. العلمانيون لا يجعلون المعتقدات الدينية والمذهبية لفئة معينة في المجتمع أساسًا لاتخاذ القرار. التنوير الديني، بقدر ما هو ديني، لا بد له على أي حال من أن يعطي وزنًا للدين في القرارات الجماعية، وهنا بالذات أبتعد عن المثقفين الدينيين. لذلك فالمثقف الديني إذا كان علمانيًا، لا يمكنه أن يكون علمانيًا بالمعنى الكامل للكلمة. بالطبع، التنوير الديني علماني مقارنة بالتيارات الإسلامية الأصولية والتقليدية، لكنه لا يمكن أن يكون علمانيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة.
٤) مشروع المعنوية والعقلانية، له جانب نفسي وأخلاقي أكثر مما له جانب اجتماعي وسياسي. كنت قد قلت هذا سابقاً وأود التأكيد عليه هنا مجدداً. المشاريع المختلفة، إذا ما أرادت أن تكون مشاريع ناجحة، لا يمكنها أبداً أن تغفل أبعاداً من الوجود الإنساني. الإنسان هو ما هو عليه، ولا يمكن إنكار أي شيء فيه، ولكن يمكن تقديم الأهم على المهم. يمكن القول إنه من بين الأبعاد المختلفة في حياته، هذا البعد أهم من ذاك البعد، وذلك البعد أقل أهمية من البعد الآخر. لا يمكن إغفال أي بعد، ولكن يمكن إنشاء سلم تُعرف على أساسه درجة الأهمية النسبية، أي درجة الأهمية بالمقارنة. هذا المشروع هو مشروع نفسي–أخلاقي. أي أن كل تأكيده ينصب على علم النفس والأخلاق. تأكيده ليس على علم الاجتماع والسياسة. لذلك، فهو في الوقت الذي لا يغفل فيه عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية، إلا أنه يركز بشكل أكبر على الأبعاد النفسية والأخلاقية.
٥) النقطة الأخرى التي أود ذكرها هنا هي أن المعنوية بالمعنى الذي أقصده، هي القاسم المشترك بين جميع أديان العالم. لقد كررت هذا الادعاء مراراً، لكنني لم أثبته قط وتركته للقارئ (من الضروري بالطبع أن أثبت هذا الادعاء بنفسي). لكن مع ذلك، يبدو لي أننا إذا أردنا أن نأخذ لب لباب جميع الأديان والمذاهب العالمية، سواء الأديان البائدة أم الأديان الحية، وسواء الأديان الإبراهيمية التي تؤكد على إله متشخص ذي صفات بشرية أم الأديان غير الإبراهيمية التي تركز أكثر على إله غير متشخص، فإننا سنصل في رأيي إلى تلك المعنوية التي شرحت أبعادها الثلاثة. أي أن تلك الأبعاد الثلاثة التي ذكرتها للمعنوية، مشتركة في جميع الأديان. وما إن نتجاوز هذه النقاط الثلاث، حتى تبدأ الاختلافات. في رأيي، لا يختلف أي دين أو مذهب مع أي دين أو مذهب آخر في هذه النقاط الثلاث، ولكن بمجرد أن ندخل في التفاصيل، تبدأ الاختلافات. الأديان الإبراهيمية تؤمن بالمعاد، والأديان الشرقية تؤمن بالتناسخ. الأديان الإبراهيمية تقول بإله متشخص ذي صفات بشرية، بينما الأديان الشرقية لا تقول بهذا الإله... إلخ، أي أن الاختلافات تظهر عندما ندخل في التفاصيل.
يؤكد هذا المشروع على أربع نقاط، سأشير إليها فحسب:
١) النقطة الأولى هي أنه بما أن المشروع يؤكد على العقلانية، وأهم مؤشرات العقلانية هي كونها استدلالية، فإن كل التأكيد ينصب على الاستدلال. والآن، وبالتعبير القرآني الذي يبلغ أبلغ صورة في قوله: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»، أي إن كنتم صادقين فأتوا ببرهانكم (وليس المقصود بالبرهان هنا المعنى الأرسطي)، فالبرهان بالتعبير القرآني يعني الدليل الواضح، الدليل المبين. من أي شخص نريد أن نقبل كلامه، يجب أن يقدم دليله. إذا كان قبول كلام ما مطلوباً، فيجب أن يكون بالدليل، وللقبول يجب المطالبة بالدليل. إن كون المشروع استدلالياً هو مما يحظى بتأكيد شديد في هذا المشروع.
۲) النقطة الثانية التي يؤكد عليها هذا المشروع هي مسألة الحياة الأصيلة. الحياة الأصيلة تعني الحياة القائمة على فهمي وتشخيصي أنا. أي حياة لا مكان فيها للتقليد والتعبد، وقبول الإيحاءات، واتباع الأفكار العامة والموضات الفكرية السائدة. ينبغي أن أعمل بناءً على فهمي وتشخيصي. طبعاً، هذا الكلام عن العمل بناءً على الفهم والتشخيص قد أُسيء فهمه. فقد وجه إليّ بعض النقاد نقداً قالوا فيه: إذا كان علينا أن نعمل بناءً على فهمنا وتشخيصنا، فماذا عن كل هذه العلوم التي لا نملكها؟ لقد قلت مراراً وتكراراً إن العمل بناءً على فهمي وتشخيصي لا يعني أنني لا أرجع إلى العلوم التي تملكونها. معناه أنني أرجع إلى القدرات الأربع التي يمتلكها جميع البشر غيري. أنتم تملكون علوماً لا أملكها، وتملكون قوة تفكير وفهوماً وتجارب لا أملكها. هذه القدرات الأربع ليست حكراً عليّ؛ فكل البشر الستة مليارات على وجه الأرض، كلٌ حسب درجته، يتمتعون بدرجات لا أملكها. لذا، فأي عمل أريد الإقدام عليه، ينبغي أن أستفيد من آخر منجزات علمكم، وقوة تفكيركم، وفهمكم، وتجربتكم. لكن كل الكلام يدور حول أنه حينما أرجع إليكم وأطلب منكم، بناءً على علمكم وفهمكم وقوة تفكيركم وتجربتكم، حلاً لمشكلتي، فإذا ما توصلت بالرجوع إليكم إلى عشرة آراء، فأي هذه الآراء العشرة ينبغي أن أختار؟ هنا لا مناص لي من أن أعرض تلك الاقتراحات العشرة على دواخلي. أن أرجع إلى داخلي. أي إلى عقلي وضميري الأخلاقي. إذن، الميزان يكمن في دواخلي. في الوقت الذي أستفيد فيه من جميع منجزات البشر في مجال العلم وقوة التفكير والفهم والتجربة، لكن إذا ما أفضى هذا العلم وقوة التفكير والفهم والتجربة إلى اقتراحات مختلفة لحل مسألتي أو رفع مشكلتي، فعليّ أن أعرض جميع تلك الحلول على دواخلي – عقلي وضميري الأخلاقي – ليفصلوا بين هذه الحلول. وهكذا يبقى الميزان في دواخلي أنا. أنا لا أثق بأي ميزان خارجي. وعليه، فإن أي شكل من أشكال التقليد، والتعبد، وقبول الإيحاءات، واتباع الأفكار والموضات السائدة، مرفوض في هذا الفكر والمشروع. هنا أعارض التعبد، وقد قلت إن قوام الدين المؤسساتي والتاريخي والتدين التاريخي والمؤسساتي هو التعبد، وأنا من هذه الناحية أعارضه. لأنني أعتقد أنه يتنافى مع الحياة الأصيلة. الحياة الأصيلة، كما قلت، تعني العمل بالفهم والتشخيص الذاتيين، وميزانها هو عقلي وضميري الأخلاقي. هذان الرأسمالان الداخليان، أي العقل والضمير الأخلاقي، لا يمكن الرجوع إليهما إلا بفضيلتين أخلاقيتين. إحداهما الصدق والأخرى الجدية. أي ينبغي أن أرجع إلى عقلي وضميري الأخلاقي ولكن بخصلتين: الصدق بكل ما في الكلمة من معنى، والجدية بكل ما في الكلمة من معنى. الجدية تعني أن عقلي وضميري الأخلاقي لا ينبغي أن يكونا جزءاً من ديكور حياتي وكمالياتها، بل ينبغي أن يكونا كالأكسجين لحياتي. لا ينبغي أن يكون الحال أن أفعل كل شيء، وأن يكون ترفيهي في محله، وشهوتي في محلها، وقوتي ومحبوبيتي ومكانتي الاجتماعية في محلها، ثم أدرس وأتفكر بين الحين والآخر. بل ينبغي، بكل جدية، أن أكون في مشورة دائمة مع عقلي وضميري الأخلاقي. ينبغي أن يكون هذان مستشاريّ الدائمين. ينبغي أن أرجع إليهما دائماً. لا أن أسأل عن أحوال عقلي وضميري الأخلاقي بين الفينة والأخرى. هذه هي الحياة غير المفحوصة التي أؤكد عليها. لقد قلت مراراً إن الحياة غير المفحوصة التي كان سقراط يحذرنا منها، هي الحياة غير الأصيلة. الحياة غير المفحوصة تعني أننا كما نرث لون أعيننا وطول قاماتنا من آبائنا وأمهاتنا، نرث أيضاً معتقداتنا ومشاعرنا وعواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا منهم، دون أن نفحص هذه المعتقدات بأنفسنا أبداً. هذا يتنافى مع الحياة الأصيلة. لذلك لا ينبغي لأحد أن يقول لماذا تستثني الرجوع إلى المتخصص. الرجوع إلى المتخصص لا يعني التقليد والتعبد. إذا ذهبت إلى طبيب متخصص، عضو في مجلس طبي يضم خمسين جامعة دولية، ولم يتحسن مرض قلبي، فهل يمكنني أن أقول إن الخطأ منا وإن الذنب ذنب قلبنا صعب المراس؟!! لكن صدقوني، في مجتمعنا، وبسبب التقليد الذي نمارسه تجاههم، لا يحلون أي مسألة، ولا يحلون أي مشكلة؛ ثم يقولون لكم إنكم صعاب المراس. أنتم لديكم مشكلة ما، إما أن فطرتكم قد عُبث بها، أو أن لقمتكم فيها مشكلة، أو في دمكم شيء، وبالنتيجة أنتم من لديه المشكلة. أنا لا أستطيع قبول التقليد والتعبد بأي صورة من الصور، وأؤكد على هذه النقطة.
۳) التأكيد الثالث الذي يقوم عليه هذا المشروع هو الواقعية. الواقعية بمعنى الرجوع إلى الوقائع نفسها. لقد قلت مرارًا وتكرارًا إننا، بمعنى آخر أقصده، مثاليون ولسنا واقعيين. وذلك المعنى هو أننا نقيس الآراء بآراء أخرى، لا بالوقائع. أي أننا نقيس الآراء بالأفكار، لا بالوقائع. إذن نحن مثاليون. كوننا مثاليين يعني أننا رأيويون، أي أننا نقيس صحة الآراء وسقمها بعرضها على آراء أخرى. أقول لك كلامًا وأسألك: هل تقبله أم لا؟ فتقول: هذا الكلام لا يتوافق مع كلام السيد المسيح، أو لا يتوافق مع كلام كانط. فليكن لا يتوافق! هل من المفترض أن يتوافق الكلام مع كلام آخر؟ ينبغي أن يتوافق الكلام مع الواقع، لا مع كلام شخص آخر. بهذا المعنى نحن جميعًا مثاليون. أنا أؤمن بكل ما تعنيه الكلمة بالواقعية والنظر الواقعي، أي الرجوع إلى الواقع. نمو الثقافة والحضارة الغربية، في رأيي، بدأ من اليوم الذي قالوا فيه: دعونا نضع المرجعيات جانبًا. كل كلام يجب أن يُختبر بالرجوع إلى الوقائع. ومن هنا حدث نزع للمرجعية عن الأفراد والشخصيات، ونشأ نوع من المساواة؛ أي أن الجميع متساوون. بأي معنى؟ بمعنى أن الجميع متساوون في أن كلامهم إن كان بلا دليل لا يُقبل منهم، وإن كان له دليل قُبل. الجميع متساوون من هذه الحيثية، وهي أننا إذا كان كلامهم مدللاً قبلناه، وإذا كان غير مدلل لم نقبله.
۴) النقطة الأخيرة التي يشدد عليها هذا المشروع، هي ما أسميه "حكمة ما شأني؟". كنت قد أكدت على هذا الأمر من قبل، وأكتفي هنا بالإشارة إلى أننا في الواقع يجب أن نؤمن تمامًا بـ"حكمة ما شأني؟" في الحياة. هذا ما تقتضيه الروحانية والعقلانية. "ما شأني؟" تعني ألا نضيع وقتنا في أمور لا تعنينا. وحتى لا يحدث سوء فهم، ينبغي أن أقول أيضًا إن على كل إنسان، لكي يعيش حياة أخلاقية، أن تكون له حياة مستقلة وألا يكون عالة على الآخرين. لذا يجب أن يكون له دخل، ولكي يكون له دخل يجب أن تكون له وظيفة ومهنة. ولكي تكون له وظيفة، يجب أن يكون متخصصًا في مجال ما. إذن، على كل واحد منا أن يكون له تخصص ومهنة في حياته. هذا أمر لم أنفه قط. مقتضى العيش الأخلاقي هو العيش باستقلالية. النقاش يدور حول أنه بعد أن نتجاوز ذلك التخصص العلمي، فيمَ نقضي بقية أعمارنا من العلم؟ بقية أعمارنا يجب أن ننفقها على معارف تعنينا. إن كان الأمر لا يعنيني، فلماذا أصرف عمري فيه؟ إن تأكيد كل هؤلاء العرفاء والأديان والمذاهب على أن نطلب العلم النافع، لا يعني أن العلم غير النافع ليس علمًا. بل العلم غير النافع هو علم أيضًا. لكنه يُظهر حقيقة لا تأثير لها على حياتك حين تتجلى فيها. العلم غير النافع ليس جهلاً، إنه علم ويكشف عن الواقع؛ لكن لا تأثير له على حياتي. راجع حياتك، وانظر أن معظم ما تعرفه هو من مقولات لا تداوي أيًا من أوجاعك. "حكمة ما شأني؟" هي مقتضى مشروع العقلانية والروحانية. يجب فقط التوجه نحو المعارف التي تنفعنا، وهذه المعارف هي التي تتسم بثلاث خصائص: أسئلة يحدث فرقًا في حياتك بين ما قبل أن تُطرح على ذهنك وما بعد أن تُطرح، وأسئلة يحدث فرقًا في حياتك بين ما قبل أن تجد لها جوابًا وما بعد أن تجده، وأسئلة إن وجدت جوابها "ألف" أو جوابها "باء" يحدث ذلك فرقًا في حياتك. وإلا، فبالمعنى الدقيق للكلمة، هناك ما لا نهاية له من الأسئلة بلا جواب في العالم، لكن أعمارنا محدودة وليست لا نهائية.
وُجهت لهذا المشروع انتقادات كثيرة. وأنا أقسم هذه الانتقادات إلى ثلاث فئات:
۱) انتقادات من موقع التدين الأصولي (تدين طالبان وكل طالبانيي العالم) والتقليدي (رينيه غينون، سيد حسين نصر، إيكهارت وشوان)
۲) الحداثيون الدينيون (المفكرون الدينيون)
۳) مفكرو ما بعد الحداثة
انتقادات الأصوليين والتقليديين: الانتقاد الأول هو أنكم إن كنتم تقولون هذا، فأنتم لستم متدينين أصلاً وقد خرجتم من دائرة الدين. العقلانية والمعنوية، بعناصر عقلانيتها والمعنوية التي تستخرجونها من صلب العقلانية، تعني الخروج من الدين.
انتقادات المثقفين الدينيين: هذه الفئة لا تقول إنكم خرجتم من دائرة الدين، لكنها تقول إنكم لا تعطون الدين ما يستحقه من الأهمية. ولدى هؤلاء نوعان من الاستدلال أيضاً. أحدهما استدلال براغماتي والآخر استدلال نظري. من البعد البراغماتي، يقولون إنه عندما يكون مخاطبكم مجتمعاً أغلبيته من المتدينين، ينبغي أن تولوا الدين أهمية أكبر (المصلحة تقتضي إيلاء الدين أهمية أكبر، لأن مخاطبكم متدين، وعندما تريدون التحدث مع هذا المخاطب، يجب أن تستخدموا هذا الدين عينه كي تتمكنوا من أمره بشيء أو نهيه عن شيء). ومن المنظور النظري، يقولون إن بعض المسائل التي تطرحونها تتعارض مع الأقوال الحقّة الواردة في القرآن أو على لسان عظماء الدين. هنا لم يعد النقاش حول المخاطبين، بل إن مخالفة كلامي لتلك الأقوال الحقّة هي موضع الإشكال.
انتقادات ما بعد الحداثيين: يتركز أكثر نقدهم على نقطتين، وفي رأيي أن كلتا النقطتين جديرة بالتأمل الجاد. الأولى أنهم يقولون إنه إذا أُخذت العقلانية التي تقول بها على محمل الجد، فلن يبقى مجال للمعنوية. وكأنك تتصرف بشكل متناقض، فالعقلانية الجادة لا تترك مجالاً للمعنوية. إذا التزمنا العقلانية بكل لوازمها، نصل إلى نوع من العبثية القيمية لا وجود فيها للمعنوية. الانتقاد الثاني لهذه المجموعة هو أنك تتحدث عن العقلانية وكأنها شيء فوق زماني، وفوق مكاني، وفوق تاريخي، وفوق حضاري، وفوق ظرفي وحالي. أي كأن هناك ميزاناً يمكن لجميع البشر الرجوع إليه بغض النظر عن المكان والزمان والثقافة والحضارة التي يعيشون فيها. لكن العقلانية مرتبطة بالمكان والزمان والظرف والحال والحضارة... إلخ، ولا وجود لعقلانية مجردة وعارية. بعبارة أخرى، لا وجود للعقلانية بلا صفة، فالعقلانية إما حديثة، أو ما قبل حديثة، أو ما بعد حديثة، أو دينية أو غير دينية... إلخ.
وكما ذُكر في المقدمة، فقد أوردتُ الرد على انتقادات هذه المجموعات الثلاث، بقدر ما يسعه عقلي القاصر، في كتاب «العقلانية والمعنوية» الذي يمر بمراحله النهائية من التأليف.
لكنني لا أربط شخصيتي في أي وقت بنظرية ما، بحيث إذا هاجمتموها أظن أن الهجوم موجّه إليّ شخصياً فأرغب في الدفاع عنها بأي ثمن. فلو كنت أرغب في ذلك، لوجب أن أبقى على أفكاري ذاتها التي كانت لديّ في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمري. أنا، خلافاً للبعض، أعتقد أنه ينبغي شكر الله والوجود على أننا نمر بتحولات فكرية. لذلك فقد مررت بتحول فكري، ومن الممكن أيضاً أن أمر بتحول فكري مرة أخرى. لا يظن الأصدقاء أن لديّ حمية أو غيرة تجاه هذه النظرية، فإذا ما أظهرت الاستدلالات يوماً أن في هذه النظرية خطأً، فسأرجع عنها سريعاً وبصراحة، وسأتراجع عن كلامي وسأقول إنني قد أخطأت.
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.