لماذا المعاناة شرطٌ للحكمة؟
[1]مايكل إس. برادي
المترجمة: نكين قنبري
من الشائع جدًا أن نعتقد أن المعاناة سيئة وينبغي الحد منها. لكن المعاناة يمكن أن تكون جيدة بطرق مختلفة ـــــــــــ سواء بشكل جوهري [طبيعي] (كميزة للأنظمة الجسدية التي تغطي الأضرار الواقعة وتصلحها) أو بشكل عرضي [ثانوي] (باعتبارها مولّدة لفضائل كالشجاعة، والصبر، والشفقة، والتواضع). أريد أن أؤكد على رأي مفاده أن للمعاناة وظيفة مهمة أخرى؛ إنها شرط للحكمة. في الماضي، آمن البعض بهذه الفكرة. فعلى سبيل المثال، إنها مبدأ أساسي في الفكر البوذي كما ورد في أساطير غوتاما بوذا[2]. تشرح هذه الأساطير الطرق التي تكون فيها تجربة الألم والمعاناة ضرورية لبلوغ النمو الأخلاقي والتحرر. هذه الفكرة بارزة أيضًا في الفكر اليوناني. ومن هنا يكتب إسخيلوس[3] في ترنيمة زيوس[4] في أغاممنون[5]: «زيوس، الذي دعا الناس إلى التفكير، هو نفسه قضى بأن الحكمة لا تُنال إلا عبر المعاناة.»[6] وفكرة أن المعاناة ترتقي بالفهم والحكمة إلى مستوى أعلى هي أيضًا في صميم فكر نيتشه[7]. يكتب بأسلوبه المعهود: أليس كل ما ناله المرء من عمق، وسر، وقناع، وشجاعة، ودهاء، وعظمة ـــــــــــ إنما هو نابع من المعاناة، نابع من انضباط معاناة عظيمة؟[8]
لكن لماذا المعاناة ضرورية جدًا للحكمة؟ يبدو أن هناك خطين فكريين واعدين هنا تحديدًا. يعود الخط الفكري الأول إلى حيوية المعاناة في الكشف عن بعض القيم لنا ــــــــــ على نحو مماثل لما يجادل به مارك جونستون[9] بصدد (اللا)قيم مثل «الأمر المبتذل... الأمر المرعب، الرتيب والعتيق... الأمر المثير للاشمئزاز»[10]. من وجهة نظر جونستون، فإن التأثر بمثل هذه الأشياء ضروري لمعرفتها. لكن المعاناة تسهّل أيضًا فهمنا لطيف واسع من القيم السلبية، عبر تركيز انتباهنا على المواقف القيمية، وحثنا على البحث عن الأسباب المتعلقة بما إذا كانت الأشياء على النحو الذي تظهره عواطفنا أم لا.[11] إذ توجد روابط وثيقة جدًا بين الشعور والانتباه؛ ومن المهام المهمة التي تؤديها العواطف لمساعدتنا في الحياة المعرفية، أنها تُبقي انتباهنا في البداية مركزًا على موضوع أو حدث حتى نصل إلى صورة أكثر تميزًا لموقفنا القيمي.[12] هذا التأثير بارز بشكل خاص في حالة العواطف السلبية، التي تؤدي إلى تركيز وانتباه موضعي ومحدود بدلًا من انتباه شامل وعام.[13] وبما أن الوصول إلى رؤية أكثر تميزًا للأشياء والأحداث المشحونة عاطفيًا يقع في صميم فهمها، وبما أن الفهم هو أحد المكونات الرئيسية للحكمة، فمن الصعب أن نتصور أن الفضيلة الثانية يمكن بلوغها دون الانتباه المركز[14] والفهم القيمي الناتج عن المعاناة.
ينطوي المكوّن الثاني للحكمة على نوع خاص من السمة التأملية[15]. وهنا أيضاً، تؤدي المعاناة ــــــــــ ولا سيما تلك الناجمة عن تجارب الحياة الصعبة أو الصادمة ــــــــــ إلى تأمل مثمر أكثر بكثير مما تفعله التجارب الإيجابية. إن ذلك التأمل المثمر الذي يُعتقد أنه الجزء الأكثر حيوية في النمو ما بعد الصدمة والضغط النفسي، هو نوع من التأمل في الذات يحاول فيه الفرد فهم تجاربه وإضفاء معنى عليها ودمجها في سردية أوسع لحياته. ومن هنا يكتب دان مك آدامز[16]: «تولّد الأحداث السلبية، بالمقارنة مع الأحداث الإيجابية، نشاطاً معرفياً أكبر عموماً وتؤدي إلى جهد أكبر للخوض في الأسباب الكامنة وراء الوقائع. وعندما نصل إلى قصة الحياة، يبدو أن الأحداث السلبية تستدعي تفسيراً. إنها تتحدى راوي القصة ليقدم فهماً سردياً للأحداث السيئة.»[17] تتعزز هذه الفكرة أيضاً بالعمل الأخير لـ ويست سترات[18] وغْلوك[19] اللذين يقولان: إن التأمل، في قالب «المعالجة الاستكشافية لتجربة الحياة الصعبة»، هو عامل محدد ومتسق مع الحكمة. فرضيتهما هي أن «الأفراد، من خلال التأمل في الذات، يعيدون بناء تسلسل الفكر والشعور والفعل في الحياة الواقعية وتحليله وتفسيره لاكتساب المعنى. إن دروس الحياة والاستبصارات التي يتم الحصول عليها من خلال التأمل في الذات تؤدي إلى فهم وإدراك أعمق وأكثر تعقيداً للحياة، وهو ما يمكننا تسميته بالحكمة.»[20] إن نوع التأمل الذي يقصدانه هنا لا يسعى إلى فهم الأسباب الكامنة وراء القيم الخاصة لأشياء وأحداث معينة. بدلاً من ذلك، فإن المعالجة الاستكشافية هي «مقاربة تقصّية وتحليلية وتفسيرية للتأمل في الذات حول أحداث الحياة، تؤكد على صناعة المعنى (استخلاص درس واستبصار)، والتعقيد، والنمو القائم على الماضي.»[21] لقد أكدت الأدلة التجريبية المستمدة من ثلاث دراسات فرضيتهما، ومن المهم الإشارة إلى أن النتائج تتعلق بالتجارب السلبية.
لماذا يمكن أن يرتبط التأمل في التجارب السلبية، بدلاً من الإيجابية، بالحكمة؟ أحد الاقتراحات هو أن التأمل في التجارب الإيجابية يمكن أن يوصلنا إلى هشاشتها، أو إلى أنها مجرد نتيجة لحسن الحظ ــــــــــ وتأمل كهذا قد يبطل فعلياً التجربة الإيجابية برمتها. لنفترض أننا التقينا بمعشوقتنا صدفةً ــــــــــ [مثلاً] لقاء عابر في زحام حانة. في مثل هذه الحالات، كان من الممكن بسهولة ألا يحدث لقاء، وألا نقع في الحب، وألا يكون هناك أي متعة للبقاء معاً في بقية الحياة. هذا النوع من حسن الحظ ـــــــــــ الذي كان يمكن أن يفوتنا بسهولة ــــــــــ ليس شيئاً نرغب في التأمل فيه. ماذا لو كنت قد وصلت إلى الحانة متأخراً بعشر دقائق؟ لهذا السبب ننفر من التعمق في معنى التجارب الإيجابية، ألماً من زوالها.
أياً كان التفسير النهائي، يبدو أن تجربة المعاناة قيّمة للغاية لنمو وتطور المكونين الرئيسيين للحكمة ــــــــــ فهم القيم والتأمل في الذات ــــــــــ بحيث إنه بدونهما سيكون تحقيقنا لتلك الفضيلة العملية التي تقع في صميم حياتنا المعرفية والعملية موضع شك. من البديهي أن المعاناة ليست كافية لبلوغ الحكمة؛ لكن الاعتبارات السابقة تشير بقوة إلى أنها ضرورية.
.
.
[1] Michael S. Brady
[2] Gautama Buddha
[3] Aeschylus
[4] Hymn of Zeus
[5] Agamemnon
[6] Aeschylus I: Oresteia, trans. R. Lattimore, Chicago: The University of Chicago Press (1953), pp. 39–40.
[7] Nietzsche
[8] Beyond Good and Evil, p. 225.
[9] Mark Johnston
[10] p. 182.
[11] See my Emotional Insight: The Epistemic Role of Emotional Experience, Oxford: Oxford University Press (2013).
[12] For a neuroscientifc perspective on this, see Joseph LeDoux, The Emotional Brain, New York: Simon & Schuster. For a philosophical, see Thomas Reid (1969), Essays on the Active Powers of the Human Mind, B. Brody, B. (ed.), Cambridge, Mass.: MIT Press.
[13] Fredrickson B.L. & Branigan C. (2005), ‘Positive emotions broaden the scope of attention and thought-action repertoires’, in Cognition & Emotion, 19: 313–332;
[14] focusing of attention
[15] refectiveness
[16] Dan McAdams
[17] McAdams, D. (2008) ‘Personal Narratives and the Life Story’, in The Handbook of Personality: Theory and Research (Third Edition), John, O.P., Robins, R.W. and Pervin, L.A. (eds.), New York: Guilford Press, p. 254.
[18] Nic M Weststrate
[19] Judith Glück
[20] p. 802.
[21] p. 809.
.
.
لماذا المعاناة شرطٌ للحكمة
مايكل س. برادي
من الشائع الاعتقاد بأن المعاناة سيئة وينبغي تخفيفها. لكن ثمة طرق عديدة يمكن أن تكون فيها المعاناة خيّرة — سواء من حيث هي غريزية (بوصفها امتيازًا للأنظمة الجسدية التي تحكم الضرر والإصلاح)، أو من حيث هي خارجية (بوصفها منتجة لفضائل كالثبات والصبر والرأفة والتواضع). أود أن أؤكد أن للمعاناة دورًا مهمًا آخر تؤديه: إنها جوهرية للحكمة. لهذه الفكرة سوابق. فهي، على سبيل المثال، مبدأ في الفكر البوذي، معبّر عنه في الأساطير حول غوتاما بوذا. تشرح هذه الأساطير الطرق التي تكون بها تجربة المعاناة ضرورية للتطور الأخلاقي والاستنارة. الفكرة بارزة أيضًا في الفكر اليوناني. هكذا يكتب إسخيلوس في 'ترنيمة زيوس' في أغاممنون: "زيوس، الذي هدى البشر إلى التفكير، والذي قضى بأن الحكمة لا تأتي إلا عبر المعاناة." وفكرة أن المعاناة تعزز الفهم والحكمة هي أيضًا محورية في فكر نيتشه. يكتب، بأسلوبه المعهود: "أي شيء مُنح [للروح] من عمق، وسر، وقناع، وروح، ودهاء، وعظمة — ألم يُمنح لها عبر المعاناة، عبر انضباط المعاناة العظيمة؟"
لكن لماذا المعاناة جوهرية إلى هذا الحد للحكمة؟ يبدو أن خطين من التفكير واعدان بشكل خاص هنا. الأول هو أن المعاناة حيوية للكشف عن قيم معينة لنا — كما جادل مارك جونستون بشأن (اللا)قيم مثل "المبتذل ... والمروع ... والمقزز القديم ... النفور." يعتقد جونستون أن التأثر بمثل هذه الأشياء ضروري لمعرفتها. لكن المعاناة تسهل أيضًا فهمنا لمجموعة واسعة من القيم السلبية، عبر تركيز انتباهنا على المواقف التقييمية، وتحفيز البحث عن أسباب تتعلق بما إذا كانت الأشياء كما هي معروضة عاطفيًا. فهناك روابط وثيقة جدًا بين العاطفة والانتباه؛ وأحد الأمور المهمة التي تقوم بها العاطفة، لمساعدتنا في حياتنا المعرفية، هو إبقاء الانتباه مركزًا على شيء أو حدث بادئ حتى نحصل على صورة أكثر تمييزًا لوضعنا التقييمي. هذا التأثير بارز بشكل خاص في حالة العاطفة السلبية، التي تعزز تركيزًا انتباهيًا 'محليًا' بدلًا من 'عالمي'. بما أن بلوغ رؤية أكثر تمييزًا للأشياء والأحداث العاطفية هو في صميم فهمها، وبما أن الفهم هو أحد المكونات المركزية للحكمة، فإنه من الصعب تصور أن فضيلة الحكمة يمكن بلوغها دون تركيز الانتباه وفهم القيمة الذي تجلبه المعاناة.
المكوّن الثاني للحكمة هو نوع خاص من التأمّل. وهنا أيضًا، تُولّد المعاناة – وبخاصة ذلك النوع من المعاناة الذي يحدث نتيجة تجارب حياتية صعبة أو صادمة – تأمّلًا مفيدًا أكثر بكثير مما تُولّده التجارب الإيجابية. إن نوع التأمّل المفيد الذي يُعتقد أنه يقع في صميم النمو ما بعد الصدمة والمرتبط بالضغط النفسي هو نوع من التأمّل الذاتي، يحاول فيه الشخص فهم تجاربه وإضفاء معنى عليها، ودمجها في سردية أوسع لحياته. هكذا يكتب دان مكآدامز: "تُنتج الأحداث السلبية نشاطًا معرفيًا أكبر عمومًا وجهودًا أكبر للانخراط في التفكير السببي، مقارنة بالأحداث الإيجابية. على مستوى قصة الحياة، تبدو الأحداث السلبية وكأنها تتطلب تفسيرًا. إنها تتحدى راوي القصة ليصنع معنى سرديًا للشيء السيئ الذي حدث." يأتي دعم إضافي لهذا الخط من التفكير من عمل حديث لويستراتي وغليك، اللذين يجادلان بأن التأمّل، في شكل "المعالجة الاستكشافية لتجربة الحياة الصعبة"، هو مُحدِّد للحكمة ومرتبط بها إيجابيًا. فرضيتهما هي أنه "من خلال التأمّل الذاتي، يعيد الأفراد بناء متواليات من الفكر والعاطفة والفعل من الحياة الواقعية، ويحللونها ويفسرونها بحثًا عن المعنى. إن دروس الحياة والرؤى التي يتم التوصل إليها عبر التأمّل الذاتي تقود إلى تقدير أعمق وأكثر تعقيدًا للحياة، وهو ما قد نسميه الحكمة." إن نوع التأمّل الذي يدور في خلدهما هنا ليس ذلك الذي يسعى لفهم لماذا تمتلك الأشياء والأحداث قيمة معينة. بدلًا من ذلك، فإن المعالجة الاستكشافية هي "مقاربة تقصّية وتحليلية وتفسيرية للتأمّل الذاتي في أحداث الحياة، تُركّز على صنع المعنى (أي استخلاص الدروس والرؤى)، والتعقيد، والنمو من الماضي." لقد أكدت الأدلة التجريبية من ثلاث دراسات فرضيتهما، ومن المهم ملاحظة أن النتائج مرتبطة بالتجارب السلبية.
لماذا قد يرتبط التأمّل في التجارب السلبية، بدلًا من الإيجابية، بالحكمة؟ أحد الاقتراحات هو أن التأمّل في الأخيرة قد يجعلنا ندرك كم هي هشّة هذه التجارب، أو كيف أنها جاءت كنتيجة لمجرد حسن الحظ – وتأمّل كهذا قد يقوّض التجربة الإيجابية بالكامل. لنفترض أننا التقينا بحبيبنا بمحض الصدفة – بالاصطدام بهم في حانة مزدحمة. في مثل هذه الحالات، كان من الممكن جدًا ألا نلتقي بهم، وألا نقع في الحب، وألا نتمتع ببقية حياتنا معًا. هذا النوع من حسن الحظ – الذي كان يمكن أن يفوتنا بسهولة بالغة – ليس شيئًا نحب أن نتأمله. ماذا لو وصلت إلى الحانة متأخرًا بعشر دقائق؟ لهذا السبب، قد نكون غير ميالين جدًا للتفكير في معنى التجارب الإيجابية، خشية أن تتلاشى.
أيًا كان التفسير النهائي، يبدو جليًا أن تجارب المعاناة قيّمة للغاية لتطوير وتنمية عنصرين جوهريين من عناصر الحكمة – فهم القيمة، والتأمّل الذاتي – لدرجة أنه بدونها يكون من المشكوك فيه أن نتمكن من امتلاك تلك الفضيلة التنفيذية التي تقع في صميم حياتنا المعرفية والعملية. من الواضح أن المعاناة ليست شرطًا كافيًا للحكمة؛ لكن الاعتبارات أعلاه تشير بقوة إلى أنها شرط ضروري.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام با این ایده مخالفم همانطور که در متن آمده رنج کشیدن منجر به خردمندی و اندیشه در خویشتن و مسائل می شود و دید را عوض می کند اما این به معنای خردمند شدن به معنای خردورز استدلالی در نهایت ممکن است نشود بهتر است گفته می شد رنج می تواند انسان ها را خردورز تر کند نه خردورز کند. این موضوع بیشتر جنبه روانشناسی دارد یک مثال میزنم مثل ویکتور فرانکل با رنج در زندان هیتلر خردورز تر شد اما هزاران نفر دیگر اتفاقی برای آنها نیفتاد ؟ پس رنج به طور قطع نمی تواند منجر به خردمند شدن شود بلکه می تواند اما به شرط و شروطی و همبودهای دیگر می تواند گفت فرانکل از ابتدا خردمندی داشت و همچنین انگیزه های دیگر که با رنجی که کشید خرمندی او متحول شد و توسعه پیدا کرد هر چند بیشتر در زمینه کوچکی و ...
فواید رنج هم کسب و کار پر درآمدیست،چه برای اهل روانشناسی مثبت گرا،چه برای اهالی سیاست،چه برای عرفا،چه برای منادیان مذاهب،خلاصه که در دوران ما مخدر ها خوب فروش می روند.