اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحمل الإنسان في داخله طفلًا وحمارًا وذئبًا. يسعى الذئب إلى الربح بلا مسؤولية، أما الحمار الكامن فيخلق الكارثة متخفيًا وراء قناع «البساطة المقدسة»؛ وإدراك هذا الجانب ضروري لدرء الفاجعة.

لربما سمعتم هذه العبارة التي تقول: «دع طفلك الداخلي يخرج أحياناً ويلعب». والمقصود بـ«الطفل الداخلي» ذلك الجانب البريء النقي من كل بالغ، والذي قد يحافظ عليه في كبره أو قد يفقده. تطلب منا هذه العبارة أن نسمح لطفلنا الداخلي بأن يكون له مكان في عالمنا كبالغين. وهذه النصيحة، على ما فيها من غموض، هي نصيحة في محلها تماماً. فعالم البالغين العابس والجاد والمتسارع يحتاج أيضاً إلى نضارة عالم الأطفال وطرافته ومرحه وبطئه كي يصل إلى التوازن. ومن مات طفله الداخلي، أو لم يُتح له اللعب في عالم الكبار، فمن المستبعد أن يكون إنساناً متوازناً.
دعونا نتجاوز الحديث عن «الطفل الداخلي» ونتطرق إلى أهم جانب في باطن الإنسان: «الحمار الداخلي». لربما سمعتم من يقول: «ليس لدى البشر طفل داخلي فحسب، بل لديهم حمار داخلي أيضاً». الحمار الداخلي هو ذلك الجانب الحمق من الوجود الإنساني الذي يختلط أحياناً بالطفل الداخلي، لكنه يختلف عنه في الواقع. الطفل الداخلي هو الجانب البسيط النقي من الإنسان، جانب «لا يبتغي أي آداب وتراتيب». الطفل الداخلي، على عكس الحمار الداخلي، ليس أحمق، بل هو أصيل وعلى سجيته. أما الحمار الداخلي فهو ذلك الجانب من الوجود الإنساني الذي يريد أن يبتغي آداباً وتراتيب، بل يريد أن «يخرق السقف ويبلغ الفلك»، وهو ليس بالضرورة بسيطاً ونقياً، ويظن أنه ذكي وذو نية خالصة لكنه أحمق ويُفسد بل ويخلق الكوارث.
والآن دعونا نزيح الستار عن جانب آخر من باطن الإنسان: «الذئب الداخلي». لعل هذا الجزء هو أكثر أجزاء الوجود الإنساني ألفة، وإن لم يكن، في رأيي، أهمها. الذئب الداخلي هو ذلك الجزء من الوجود الإنساني الذي يريد أن يحقق أقصى استفادة من المواقف بأقل قدر من تحمل المسؤولية أو دون تحمل أي مسؤولية على الإطلاق. من يسرق فكرياً في كتابة مقال علمي، أو يغش في قاعة الامتحان، يريد أن يغدر ويراوغ، وبتعبير آخر يريد أن يحصل على أقصى منفعة دون أي مسؤولية. ومن حيث المبدأ، حيثما كان هناك سعي للربح دون قبول مسؤولية تتناسب مع ذلك الربح، يكون الذئب الداخلي حاضراً ومستعداً.
حسناً، لقد عددت حتى الآن ثلاثة أجزاء مهمة من الوجود الإنساني. لكن ما هو بيت القصيد لدي؟ بيت القصيد لدي في جملة واحدة هو: كل جزء من أجزاء الوجود الإنساني الثلاثة يمكنه أن يخلق كارثة، ولكن على عكس ما قد يبدو، فإن خلق الكارثة من قِبل الحمار الداخلي لا يُقارن بالذئب الداخلي. لشرح الجانب الكارثي للحمار الداخلي يمكننا الاستعانة بالتاريخ والأفلام. ومع ذلك، ورغم أن ما حولنا يعج بالأمثلة التاريخية البارزة في هذا الشأن، دعوني أضرب مثالاً من بعيد مرة أخرى.
جوردانو برونو (1600-1548م) العارف والفيلسوف والرياضي والفلكي الإيطالي - الذي كان مربوطاً إلى عمود وسط كومة من الحطب ليُحرق حياً بأمر من محاكم التفتيش الكنسية بتهمة الهرطقة - رأى رجلاً عجوزاً يجر بصعوبة قطعة من الخشب معه ليلقيها على كومة الحطب المحيطة به، كي يشارك في ثواب حرق كافر فيرضى الله عنه وينال الجنة. ألقى برونو نظرة عليه وتمتم قائلاً: يا للبساطة المقدسة!
لقد أصاب برونو كبد الحقيقة. فالحمار الداخلي، في كثير من الأحيان، يرتدي ثوب القداسة ومن ثم يخلق الكارثة. حتى الذئب الداخلي إذا أراد أن يخلق كارثة عظيمة، فعليه أن يرتدي ثوب الحمار الداخلي، أو ما يُعرف بالبساطة المقدسة. لأن الذئب الداخلي في ثوبه الخاص يُكتشف فوراً وينبذه الناس، أما البساطة المقدسة فلا يمكن تمييزها بسهولة. فأحياناً، حتى تدرك أن ما أطعموك إياه في قالب القداسة والصفاء والنقاء ليس سوى الحمار الداخلي، ترى أن عدة أجيال قد احترقت وأن التاريخ قد اعوج والتوى. ومن المهم أيضاً الانتباه إلى أن القداسة الكامنة في البساطة المقدسة ليست قداسة دينية فحسب، بل يمكن أن تكون قداسة عرفية، كالقومية مثلاً.
كثير من كوارث التاريخ صَنَعها أناسٌ كانت نواياهم خيّرة، بل وكان تقواهم مضربًا للمثل. يكفي أن تراجع تاريخ محاكم التفتيش في الكنيسة المسيحية في العصور الوسطى لترى كم من القساوسة ذوي النوايا الحسنة والتقوى كانوا منهمكين في تعذيب الكفّار والسحرة وأصحاب البدع وقتلهم وإحراقهم. إذن، ينبغي النظر إلى التقوى والنية الحسنة بعين الريبة، لأن السذاجة المقدسة تعشّش تحديدًا في هذه التقوى وهذه النية الحسنة.
لكن كيف يمكن تمييز السذاجة المقدسة؟ كيف يمكن أن نعرف أن الحمار الداخلي قد ارتدى لباس القداسة، لدرجة أن المرء يضطر أحيانًا للفرار منه إلى الذئب الداخلي؟ باختصار، شخصٌ يحمل في رأسه مخططات طموحة، دون أن يخطو الخطوات المتوقعة، القصيرة والقابلة للتحقيق للوصول إليها، ويريد أن يقطع طريق مئة عام في ليلة واحدة، شخصٌ دأب على التعميم والغموض ولا يتحدث بشكل جزئي ومحدد وقابل للتفنيد، شخصٌ يغلق طريق نقد كلامه بأي وسيلة كانت، شخصٌ يذرّ التراب في أفواه الناقدين ويضع الذهب في أفواه المتملقين، مثل هذا الشخص حتى لو كانت نيته حسنة (أي ليس ذئبًا داخليًا)، فهو نموذج للسذاجة المقدسة أو ما يُعرف بالحمار الداخلي.
لفهم ملموس للسذاجة المقدسة، يمكنكم حتى العدد القادم (أو حتى أي وقت تشاؤون) مشاهدة الفيلم الكندي «النداء» (The Calling) 2014، وانتبهوا خصوصًا إلى الحوار المؤثر في نهاية الفيلم، بين شخصيته الرئيسية -التي هي نموذج كامل للسذاجة المقدسة، ولهذا السبب تحديدًا مليئة بالجريمة والكارثة- ومحققة الشرطة.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.