اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
فكرة «العودة إلى الجذور» خطيرة إن كانت تعني البحث عن كل شيء في الماضي؛ فالماضي الذهبي غالباً ما يكون مُتخيَّلاً. للتاريخ مسار خطي ولا يمكن جعل الحاضر على هيئة الماضي، أما استلهام المنابع فمفيد.

يا لها من ذكريات، تلك الأيام الخوالي … لماذا تُعدّ «العودة إلى الجذور» خطيرة
لعلّكم سمعتم بالمثل القائل: «كل شيء أصله أفضل». ففي الإعلان عن سلعة ما، يجري التركيز عادةً على أصالتها. فمثلاً، يُروَّج لنوع معيّن من أجهزة التلفاز على أنه «أصلي كوري» ليباع بشكل أفضل. وفي ميدان الثقافة، لا تزال فكرة «العودة إلى الجذور» - وإن لم تعد تُعرف بهذا الاسم - شائعة. فقد كتب صديق لي، وهو عالم اجتماع، مؤخراً على صفحته في فيسبوك أن إتقان علم الاجتماع يكفي فيه قراءة آراء مؤسسي هذا التخصص، أمثال ماكس فيبر ودوركايم، ولا حاجة لقراءة من جاؤوا بعدهم. أريد هذه المرة أن أنصب خيمتي في عرق «العودة إلى الجذور» لأشرح لماذا يمكن لهذه الفكرة أن تكون بالغة الخطورة.
لا بد لي، في البداية، من التمييز بين معنيين مختلفين لـ«العودة إلى الجذور». فـ«العودة إلى الجذور» في ميدان الثقافة تُستخدم أحياناً بمعنى «استلهام الينابيع»، وأحياناً بمعنى «التماس كل شيء من الينابيع». العودة إلى الجذور بالمعنى الأول ليست خطيرة بالضرورة، بل يمكن أن تكون مفيدة جداً. فالمذاهب والشخصيات والكتب القديمة لا تزال قادرة على أن تكون منبعاً للإبداع الفني والأدبي ومصدراً للتنشئة الداخلية، وهي في الواقع كذلك عملياً بالنسبة لكثيرين. أندريا باور (Andrea Bauer)، المؤلفة الموسيقية وعازفة التشيلو الألمانية، لديها ألبوم موسيقي صامت بعنوان «ألحان الصمت»، وقد استُخدمت مقطوعة من هذا الألبوم نفسه في تتر نهاية فيلم «عن إيلي» للمخرج أصغر فرهادي. السيدة باور، بحسب روايتها، تأثرت في إنتاج هذا الألبوم، الذي يصعب ألا تمتلئ روحك وأنت تصغي إليه، بأعمال مولوي. يمكن اعتبار هذا أيضاً نوعاً من العودة إلى الجذور، ولكن حتى لو كان عودة إلى الجذور، فهو ليس أكثر من استلهام من الماضي، لا شيء آخر. أما العودة إلى الجذور من النوع الثاني، فتروم أن تجد كل شيء في ماضٍ «ذهبي وضائع». في هذا النوع من العودة إلى الجذور، يكون الزمن الحاضر هو «الفساد والانحطاط»، وكان هناك ماضٍ «ذهبي» قد اندثر، لكن مهمتنا هي السعي بأي ثمن لإعادة الحاضر إلى ذلك الماضي «الذهبي». إن أهل العودة إلى الجذور بهذا المعنى يعيشون حسرة على الماضي وهم بصدد الانتقام من الحاضر. إنهم في الواقع لا يستلهمون الماضي، بل ينتقمون من الحاضر.
ما الإشكال في العودة إلى الجذور بمعنى التماس كل شيء في الينابيع، ولماذا هي خطيرة؟ الإشكال الأول هو أن الماضي الذي يسعى باحثو الجذور إلى إعادة خلقه هو عادةً - إن لم أقل دائماً - ماضٍ خيالي ومُصطنع لا يصمد أمام النقد التاريخي. فماضيهم ليس ماضياً في الواقع، بل هو ما لم يُنل من الحاضر وقد أُسقط على الماضي. ومن الأمثلة الجلية على هذا النوع من الماضي الخيالي، تلك الصورة الأثيرية الحالمة لإيران القديمة التي لا تمت بصلة لإيران التاريخية القديمة، بل هي من صُنع بعض المثقفين الإيرانيين في القرن التاسع عشر بغية تشكيل قومية إيرانية في مواجهة الاستغلال الأجنبي والتخلف الداخلي. ولكن حتى لو اتضح، على سبيل الفرض، أن زوايا من الماضي «الذهبي» (سواء أكان ماضياً «ذهبياً» عرفياً أم دينياً) كانت متألقة حقاً، فإن العودة إلى الجذور (بمعنى صبّ الحاضر في قالب الماضي) تبقى غير قابلة للدفاع عنها. إذا قبلنا بأن للتاريخ مساراً خطياً لا دائرياً، فلماذا ينبغي لنا أن نعود إلى الماضي، حتى لو كان ماضياً «ذهبياً» على سبيل الفرض؟ ما أعنيه بالمسار الخطي لا الدائري للتاريخ هو أن التاريخ ليس له نقطة محورية وكاملة، بحيث يكون كل ابتعاد عنها انحطاطاً وكل اقتراب منها خلاصاً ونجاة؛ بل التاريخ في صيرورة، له صعود وهبوط، وليس الماضي بالضرورة أفضل من الحاضر، ولا الحاضر بالضرورة أسوأ من الماضي (أو العكس). يمكننا أن نستلهم الماضي ونُغني الحاضر، لكن لا يمكننا أن نصوغ الحاضر على هيئة الماضي. وإذا نظرنا إلى التاريخ، فسنجد أن أولئك الذين يريدون تحسين الحاضر بالعودة إلى الجذور، قد أفسدوا الجذور وأفسدوا الحاضر معاً.
للاطلاع على نموذج لتصوير الإحساس والحالة النفسية الحنينية تجاه الماضي والمحاولة المستحيلة والخطيرة للعودة إليه، شاهد الفيلم الإيراني «هامون» للمخرج داريوش مهرجويي (عام 1368 هجري شمسي). وقد صرّح مهرجويي بأنه صوّر هذا الفيلم متأثراً برواية «البومة العمياء» لصادق هدايت.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.